آمال الحجاج - مفهوم التراكمية في عمارة الحداثة

فيصل الفديع الشريف

الإدارة
الإدارة
إنضم
11 أكتوبر 2001
المشاركات
1,014
مجموع الإعجابات
55
النقاط
48
بقلم

آمال الحجاج
معمارية ، أكاديمية



العمارة نتاج إنساني وحضاري، اهتمت ومنذ القدم بإنتاج أشكال لها معاني، واختلفت توجهاتها حول نتاجها (ماهية أشكاله ومعانيه) باختلاف وتنوع الفكر والهدف والوسيلة لكل تيار من تيارات العمارة. فمن المفاهيم المطروحة في العمارة المعاصرة مفهوم التراكمية (ACCUMULATION) والذي أتخذ عدة تسميات تراوحت بين التكرار في بعض الأحيان وبين التعددية الصورية، البؤر الفكرية أو الشكلية المكثفة، التجميع المتنوع، غزارة الصور، الآثار والعمل الجماعي،

في أحايين أخرى. يمتاز مفهوم التراكمية (أو التراكم) بكونه متعدد الأشكال، غير مستقر، يتخذ تسميات متعددة (داخل العمارة وخارجها) وقد اعتمدت في اغلبها على اللغة والأدب كمصادر أساسية لتغذية واستقاء جوانبه وبلورتها داخل العمارة ، كما نجد أن مفاهيم مثل التراكمية ليست محددة بالعمارة فقط ، بل تزامن استثمارها في الشعر والأدب والمسرح والفن والرواية،..، تعكس في كل منها خصوصية مجالها، وتحتفظ بالمقومات الأساسية التي تؤسس المفهوم، وتبقي الاتصال مستمراً بين تلك الحقول.

يوضح المعماري فنتوري (Venture) بان النص المعماري يجب أن يعمل ويكون عدة أشياء في وقت واحد: توترات، تناقضات، تجاور وتجميع العناصر المختلفة كصانعة للعمارة، الغموض،.. ويضيف أيضاً إلى أن العمارة الجيدة هي التي تستحضر عدة مستويات من المعنى، وبؤر متعددة للتركيز البصري، إذ يصبح بالإمكان قراءة فضاءاتها وعناصرها بطرق شتى في آن واحد. ( في كتابه التعقيد والتناقض ) كما ان الهدف من ذلك هو زيادة الإدراك الحسي الآني للمتلقي وتصعيبه وبنفس السياق يطرح المعماري آيزنمان (Eisenman) مفهوم التكثيف بالمعلومات، والتي يصطدم بها المتلقي في فاصلة زمنية قصيرة جدا، بتدفق سريع يعكس الواقع المعقد. (Re: Working Eisenman) أي يتجه هؤلاء المعماريين ومن خلالهم تتوجه العمارة نحو تراكم الأحداث، المفاهيم الفكرية وتركزها في بؤر مكثفة.

نظرة نحو عمارة الحداثة _ من خلال مفهوم التراكم :

اهتمت الحداثة بقوانينها الداخلية وتقنية إنشاءها والوظيفة المباشرة لها. ليس عليها أن تعبر عن معنى إلا فيما يخص ذلك، كما عبرت عن حاضرها وانقطعت عن ماضيها، فرفضت الإيحاءات التاريخية وجاءت أشكالها غير مميزة الأجزاء بذلك أنتجت عمارة تتصف بالاختزالية، الاقتصاد، البساطة، الوضوح والوظيفية .

اقترنت العمارة الحديثة بالتكرار والذي أسيء استخدامه إلى ابعد الحدود، واصبح أداة لتحقيق التجريد العالي. فالعمارة الحديثة لا تهتم بمعناها أو بالأحرى بافتقارها للهوية الخاصة والشعور بالمكان والناتج عن استخدام الكتل الصندوقية النمطية، بسبب اعتقادهم بان مثل هذه العمارة هي اكثر اقتصاداً في الكلفة من العمارة التعبيرية، ومن ثم فإنها اكثر كفاءة واكثر وظيفية فركزت عمارة الحداثة على أحادية الشكل وأحادية المضمون مما ولد تشابها وتكراراً في الأشكال للوظائف المختلفة.

إن تلك الأشكال الأحادية (إضافة إلى الانقطاع عن الموروث) أدت إلى ضعف القوة التعبيرية و الايصالية للحداثة والناتجة من استعمال نفس المواد وطرق البناء في الوظائف المختلفة، مما أدى إلى التسوية بين الوظائف، وبالتالي فقدان خيوط الاتصال الذهني مع المتلقي واختصار شديد للمعاني النفسية.

بذلك ارتبطت العمارة الحديثة بصيغة التكرار (المتطابق) سواء على مستوى الجزء (البناية) من خلال المبالغة في تكرار المعالجات، العناصر، الأشكال المجردة، أو على مستوى الكل (البنى) أو ما يطلق عليه بالأسلوب العالمي المعتمد على الاستنساخ والتكرار المتطابق، وعلى صعيد المستويين لم يرتبط ذلك التكرار بتبرير أو معاني تفسره.

جاء التكرار في هذه المرحلة نتيجة عدة أسباب منها:

6.gif
الاستناد إلى محددات ومعايير وظيفية مكررة، مما ولد نماذج وحلول معروفة مسبقا ومحددة الهدف (التجريد العالي المرتبط بجماليات الماكنة).
6.gif
الابتعاد عن المضامين المعنوية والناتج عن الانقطاع عن الماضي واستخدام التجريد، حيث بقيت الموضوعية البحتة والناحية الوظيفية هي الأساس (عدم ارتباط الحداثة بمعنى دلالي).
6.gif
وجود ما يسمى بتحقيق التكافؤ من خلال التكرار، فبناء منازل متماثلة معتمدة على تكرار الخرائط التنفيذية نفسها سيؤدي إلى إنتاج منازل متكافئة.
6.gif
ارتباط فكر الحداثة بالجدة وإنتاج أشكال ليس لها سوابق تاريخية إلا أن النتاج لم يحقق ذلك، حيث أصبحت الأشكال راسخة ومن ثم متوقعة، أي استحدثت أصلاً لتكون جديدة لكنها تحولت إلى مكررة.
6.gif
الفشل في أسر مخيلة المتلقي بسبب رفضهم للتقاليد والبساطة العقلانية المرافقة لمبدأ البدء من جديد بعيدا عن التنوع والغموض.
6.gif
تركيزهم على مستوى واحد للخطاب وهو مخاطبة النخبة الخاصة واستبعاد اللغة التي يفهمها العامة.

ونتيجة لما سبق برزت العديد من التوجهات المعاصرة حاولت تجاوز ما وقعت به الحداثة من مشاكل تطبيقية إضافة إلى الفكرية، (من ضمنها مشكلة تساوي التراكم بالتكرار بصورة مطلقة) .

أشارت معظم الدراسات الأدبية المعاصرة إلى أن التراكمية تتساوى في أحد أشكالها مع التكرار، وتخرج نحو البلاغة إذا ما خرج التكرار من المباشرة (المعنى، التركيب المتطابق) إلى اللامباشرية باكتساب المفردة المكررة دلالة مغايرة في كل مرة (أو باختلاف التركيب لنفس المعنى)، أما إذا كان التكرار الشكل الوحيد للتراكم (المباشر)، اصبح نوع من التطويل والحشو البعيد عن البلاغة .
بذلك فان ما واجهته الحداثة من قصور لم يكن في التكرار، بل فيما يكرر، واقترانها بالأشكال البدائية المجردة البسيطة مما حول التكرار إلى نسخ ونمذجة، حاولت الانقطاع عن تكرار الشيء السابق لتقع في شرك تكرار أشكالها الجديدة وابتعدت عن التفسير البسيط للجدة وهو هدفها الأساسي. وبذلك تبرز عدم الاستثمار الأمثل لإمكانيات التكرار وبالتالي عدم بروز التراكم بصوره الأخرى (غير التكرار) في هذه المرحلة.
 

مواضيع مماثلة

أعلى