آمال الحجاج - مظاهر التراكم في العمارة التفكيكية

فيصل الفديع الشريف

الإدارة
الإدارة
إنضم
11 أكتوبر 2001
المشاركات
1,014
مجموع الإعجابات
56
النقاط
48
بقلم

آمال الحجاج
معمارية ، أكاديمية



في الوقت الذي ظهرت فيه أصوات ناقدة لأسلوب ما بعد الحداثة، ظهرت دعوات أخرى لتناص قائم على التكرار الصعب لنصوص الماضي بالنظر إلى بنية الاختلاف بينها والغور في جوهرها بدلا من الالتصاق بالأشكال والصور السطحية .

فيما يخص التناص ، أشار المعماري تاكي (Taki / Fragments and Noise) إلى نوعين ، الأول كلاسيكي رافق ما بعد الحداثة في بدايتها، يعتمد على استخدام الموضوعات التاريخية كخلط حر لأشكال متنوعة تنتج تراكمات صورية. ويظهر فيه التراكم على شكل تجميعات صورية غير مقصودة، غير منظمة وحتمية لتجميع رموز الماضي. أما النوع الثاني، اللا كلاسيكي فيعتمد على تكرار معقد لأشكال بسيطة، وهذا النص لا يبدو عفويا بل يعين بعداً فردياً لعملية الخلق والمصاغة بشكل تداخل تراكمي طباقي counterpoint . وهو يؤشر إظهار الاختلافات بدلا من البحث عن التشابهات بين النصوص المتعالقة.

يطرح المنظّر كاندلسوناس (On Reading Architecture / Gandelsonas) نوعين من التراكم خلال تحليله لأعمال وأفكار كل من آيزنمان و كريفز _كل على حدة _، فتعامل كريفز مع العمارة كان باعتبارها صورة، وينتج التراكم من تجميع اقتباسات صورية من الماضي وتداعي معانيها. أما آيزنمان فيعتبر العمارة كنص، والعملية التناصية تعتمد على الكتابة وليس الصور. فيطرح فكرة الآثار، والتي تمثل حضور النصوص الغائبة بالاعتماد على بنية الاختلاف بين النصوص المتعالقة. ويبرز مفهوم التداخل بين النصوص في العمارة التفكيكية استنادا إلى فكرة الأصل والأثر وارتباطها بفكرة الحضور والغياب، كما أن النص الجديد يتكون من تراكم آثار النصوص السابقة، فالنصوصية textually هي حالة للآخرية othernes.

وعليه نلاحظ تعامل العمارة التفكيكية مع عملية التراكم باعتبارها آثار وأن النص المعماري هو كتابة لموضوع ما وليس إلصاق صور الماضي والموروث، و أشرت نقاط التحول من مفهوم التناص في عمارة ما بعد الحداثة والمعتمد على تراكم الصور والرموز الماضية إلى توجهات ومفاهيم ما بعد البنيوية المعتمدة في العمارة التفكيكية، تحولا في مفهوم التراكم نفسه، فابتعد عن تجميع صور الماضي المعتمد على بنية التشابه الظاهرية بين المفردات، إلى تراكم يعتمد على بنية الاختلاف، والتعامل مع النصوص السابقة كآثار تفتح مجال الحوار والتأويل الخاطئ من قبل المتلقي، مما يؤدي إلى تعدد القراءات وبذلك يبتعد التناص عن التكرار المتطابق السهل للنصوص السابقة باتجاه تراكم آثار النصوص.


"أساليب تراكم آثار النصوص في العمارة التفكيكية "
More is difference

يشير بعض منظري العمارة التفكيكية إلى ضرورة التناص بتراكم الأساليب باستخدام تراكب وتجاور عدة أنظمة في آن واحد، واستخدام عدة أساليب كاللصق، التراكب، التجاور والانتقائية الجذرية لتحقيق التنوع، يسبق هذا التنوع، الاختلاف، فالاختلاف هو الكثير more is difference. وإلى ضرورة تفكيك تقاليد العمارة وإعادة تركيبها في اندماجات متعددة لينتج نسيج لخليط من الانقلاب، التموج، الإقحام كحركة مستمرة .. لخلق عمارة معقدة تعتمد على التراكم وليس التكرار. (مثلا في مشروع دار الأوبرا في طوكيو للمعماري تشومي (Tshumi) استخدام مبدأ التراكم باستثماره للخصائص (الفكرية) والأشكال معا في وقت واحد من خلال بدء المعماري من الموسيقى القومية واقتباس نوته معينة (خصائصها) واستخدام تشبيهات متراكمة ترتبط بنفس المجال كالسلم الموسيقي، العصا والتي تعبر عن منصة الاستماع في المسرح (الأشكال ) ..تشير مجلة Architecture Record إلى الممارسات التطبيقية للتراكمية والمطروحة في مشروع Iqualada cemetery للمعماري إنريك ، بأنه تجميع لعدة منظومات مأخوذة أحياناً من الموقع، فمخطط الموقع يشير أولاً إلى هيئة إنسان طائر، وقد يكون ملاكاً، وقد يكون مأخوذاً من إعادة الحياة للمسيح (ع)، ويدل على الصليب المضخم، وعلى هذا فأن العشوائية العالية للأشكال الصغيرة (الأجزاء) والعلاقة بينها كتركيب نهائي للمشروع، تثير التساؤلات وتدفع باتجاه اكتشافها .. كما ان المشروع يتعالق مع مقبرة مودينا لألدو روسي وينتمي إلى كنيسة رونشامب في فرنسا في نفس الوقت، وان البنايات تشبه زومبيات بيت الدوروسي. (الزومبي: هو الميت العائد للحياة بالقوة الفائقة للطبيعة حسب الأسطورة الأفريقية ) فنلاحظ هنا محاولة تكثيف المعنى بزيادة المدخلات سواء كانت شكلية أو فكرية، وهي السمة المميزة للتراكم، والذي يحاول استثارة المتلقي والدخول في حوار معه، وتبرز هنا العشوائية في تنظيم التراكم (التراكم العشوائي) .

يبرز من جهة اخرى مستوى آخر في استثمار التراكمية، وهو ما يطلق عليه بالعمل الكورالي التوافقي (الجماعي)Choral work (هو البرنامج الذي اقترحه دريدا لمشروع حديقة اللا فليت، ويطلق عليه في الأدب بالتظافر الأسلوبي) ، حيث يتم تجميع عدة أساليب في نفس الوقت، ففي مشروع اللافليت تم استخدام مجازات متنوعة ومختلفة وكلها بنفس الأهمية، عمل كل من آيزنمان ودريدا على استعمال جزأين: مقلع الحجارة واللوح الممسوح، "الآن أنت تأخذ الحجارة من مقلع وتبني مشروعاً، ثم يأتي شخص آخر ويأخذ حجارة من مشروعنا ويبني شيئا آخر،.. نحن نبدأ من اللوح الممسوح، والذي هو تراكب جزأين (تشومي وكاناريكو) ثم يصبحان بعد ذلك مقلع حجارة، وهكذا، ثم بعدها تطرح من اللوح الممسوح تاركةً أثر للتراكب السابق والذي هو أيضاً أثر لطرح سابق ويستثمر آيزنمان فكرةchoral work بأسلوب آخر، في مشروع روميو وجولييت هناك ثلاث نصوص تولد المشروع، وعليه أصبحت الشبكة التراكمية أكثر تشابكاً، ويشير آيزنمان إلى ذلك بقوله "في كل نص هناك نص آخر، نص برنارد يمكن رؤيته كنص لآيزنمان في فنس، ونص آيزنمان سوف يكون نصا لدريدا، ونص دريدا يكون مترابطاً مع نص أفلاطون، وفي أثناء تطوير أل Choral work يصبح تراكم النصوص معقدا أكثر فأكثر.

ويختلف التراكم حسب نوع التداخل بين النصوص والذي يتمثل عند آيزنمان بصدفة الاندماجات كحالات متباينة لإحداث لا يمكن التنبؤ بها من خلال كسر التوقع بالمفاجأة. كما في مشروع جامعة سنسناتي ويستخدم آيزنمان مبدأ إعادة الاستخدام reuse في بناء التراكم، حيث يعاد استخدام وتوظيف الأشكال (جزء منها، علاقة،..) عدة مرات ومرات في سياقات متعددة، وهو ينطبق أيضا على الأبنية الفكرية، فالكنيسة في مشروع (روميو وجولييت) اتخذت لتعبر عن الاتحاد مرة والانقسام مرة أخرى، وهكذا.

وفي جانب آخر من تطبيقات مفهوم التراكمية في العمارة التفكيكية، يشيد المعماري تشومي بالأفكار اليابانية عن الفضاء المتحرك والمشاهد المتفاعل معه، فهو يفرض مشاهد متحرك يغير باستمرار من نقطة المشاهدة.. والعلاقات الفضائية فيها تجعلها غامضة بوجود إنقطاعات ومداخلة لإحداث جديدة تتراكم على طول الفضاء ويستخدم آيزنمان فكرة مقاربة لذلك في مركز الفنون البصرية، حيث يصف طريقته بالمزج بين الأشكال، وذلك بتقسيمها إلى أجزاء تفصل بينها أجزاء من منظومة أخرى ويستخدم الحذف والاستبدال أو تقطيع المراجع ومداخلتها في أكثر من موقع. وفي تطبيق فكرة الطي في مشروع Rebstock لآيزنمان يستخدم تراكم لشبكة الخطوط المركاتورية (تراكب مختلفة لعناصر مكررة) تطفو ضمن السياق، وبعض الأشكال تتحد مع بعض بشكل صدفة فالحادث المفاجئ وبشكل صدفة يمتاز بالفوضى (chaos) والتوسط، ويعمل المشروع على تشويش وإحلال ثلاث أطر كامنة في التصميم، هي النمطية، علم التشكيل وعلم الآثار. من كل ماسبق طرحه نلاحظ أن العمارة التفكيكية قد ارتبطت بمفهوم التراكمية وأبرزته في تطبيقاتها وبأنماط مختلفة لتحقيق أهدافها في الترابط مع الموروث بطريقة تبتعد عن التكرار النسخي الصوري لعمارة ما بعد الحداثة، وتعيد الحوار مع المتلقي والتأثير به. كما نتلمس تعدد الجوانب المرتبطة بالمفهوم (في ما بعد الحداثة و التفكيكية) كالتكثيف، التجميع المتنوع، التعدد، المفاجأة، التداخل، العمل الكورالي، إعادة الاستخدام، ..، مما يعزز أهمية استثماره .
 

مواضيع مماثلة

arwa84

عضو جديد
إنضم
25 نوفمبر 2014
المشاركات
2
مجموع الإعجابات
0
النقاط
0
السلام عليكم..
هل من طريقة للتواصل مع المعمارية آمال؟

للضرورة ،،
وشكرا ..
 
أعلى