ِِالثقافة السمعية

يوسف الغريب

عضو جديد
إنضم
26 يوليو 2009
المشاركات
3,071
مجموع الإعجابات
251
النقاط
0
لما كانت أغلب المنظمومات المعتقديِة والموروثات الشعبية والتقاليد الاجتماعية قد نشات من أحضان الثقافة السمعية , فترسمت صفاتها و توسمت خصائصها , فقد كان من نتيجة ذلك أن حكمت هذه التقاليد و تلك الموروثات وهاتيك المنظومات عقول البشر و وسيطرت على وجداناتهم فعاقت نموهم الطبيعى , وحالت دون انتقالهم الى الرشد والحكمة حين حجبتهم عن المنهج العلمى , وفصلتهم عن الثقافة العلمية .
وقد ظلت البشرية تحت تأثير الثقافة السمعية حتى ظهر المنهج العلمى الحديث , فبدا اسلوب جديد فى التربية و التعليم يعتمد على أن يستوى العقل الانسانى على روح البحث , و يستقيم على منهج الفحص , ويستقر على اسلوب النقد , فبالبحث الحر , والفحص السليم , والنقد السديد يمكن للانسان أن يتخلص شيئا فشيئا من الثقافة السمعية وآثارها , وينقله الى الثقافة العلمية و آفاقها .
وعلى الرغم من انتشار الاسلوب الجديد فى التربية و التعليم فى شتى أنحاء المعمورة , فإن بعض الامم وبعض المناطق ترفض هذا الاسلوب , و استعصت علي قبوله لاعتبارات عدة , فظلت تحت تأثير الثقافة السمعية بكل سوالبها و وحتى من تعلم منهم فقد فصم عقله , وشطر روحه , فاصبح يباشر مهنته أو عمله بالاسلوب العلمى , بينما ظل فى جانب الافكار الاعتقادية والمأثورات الاجتماعية والمفاهيم التقليدية تحت تأثير الثقافة السمعية , تحكمه أفكار مضطربة , وتسيره عادات فاسدة مختلطة , وتدفعه الى اى اتجاه اشعات موهومة مغرضة .
الفارق بين الثقافة السمعية و الثقافة العلمية ليس سهلا , ولا هو عبث أو ترف .
انه الضرورة لابد منها لتجلية الحقائق الفطرية , وترقية المعارف الانسانية ,وصحة الحياة الروحية والنفسية و العقلية .
— أضرار الثقافة السمعية —
إن للثقافة السمعية نواتج مدمرة و آثارا مخربة تنال من الفرد كما تهز المجتمع , وتعرقل نمو هذا و ذاك , وهذه النواتج كثيرة متفرعة غير أننا نجتزئ منها ثلاثة

(1)
فالثقافة السمعية تجعل من الحديث والكلام اسلوبا للفعل بديلا عنه , وتفصلهما ( اى الحديث والكلام ) عن العقل فلا يكون أى منهما نتاجا له , بمعنى ان هذه الثقافة تكافئ بين القول و الفعل , فمن قال كمن فعل , ومن ثم فعلى المتأثر بهذا القول ان يقول و يقول , ويكثر من الحديث و يزيد من الكلام , دون ان يفعل شيئا , لانه سوف يكون معتقدا بأنه مدام قد قال فقد فعل , وبذاك يغنى القول عن الفعل , ويغنى الحديث عن العمل .
وفى الثقافة السمعية لا يكون القول والحديث و الكلام نتاجا للعقل , بل غالبا
ما يكون ترديدا لمقولبات ( كليشيهات ) , او نقلا لاشاعات , أو مدولة لحكايات . بهذا فالثقافة السمعية تحتفى باللفظ أكثر من المعنى , وتهتم بالاشاعات دون تحقيق , وتعنى بالحكايات بغير تمحيص , والكلام عندها ألفاظ متراصة بلا تحديد , وفى مثل هذا الحال لا يمكن للعقل ان يتحول الى الثقافة العلمية بغير صعوبة شديدة ومران أشد , لأن هذا العقل سوف يظل دائما عاجزا عن استيعاب الاساليب المنطقية , والحديث من خلال صيغ علمية , والتفكير بنظام المعادلات الرياضية , والتفاهم من خلال تركيبات عقلية

(2)
والثقافة السمعية تقصر عن التجريد وإدراك المجردات فتلجا الى التشخيص و استعمال المشخصات , أى ان لابد لهذه الثقافة من وجود شئ شخصى و مشخص كى تفهم وتدرك , لأنها لا تسطيع تمثل المجردات ولا تقدر على عملية التجريد .
ولهذا الفهم بالمشخص بدلا من المجرد و الكلام بالتشخيص عوضا عن التجريد آثرا بالغ السوء على العلم وعلى الفهم الدينى سواء بسواء .
والدين فى جوهره إدراك للالوهية فى هيئة تجريدية غير مشخصة , فإذا لم يستطع ربيب الثقافة السمعية إدراك الألوهية فى طبيعتها الحقيقية و فلابد ان يلجا الى صورة مشخصة او ايقونة مادية , او رمز مجسد او بناء ضريح , يعوض به عجزه عن الفهم الصحيح ويجد به عضا عن قصوره البالغ , وفى ذلك اساءة لروح الدين وانحراف عن جوهره الاصيل .

(3)

والثقافة اللفظية تدور في الوجدان وتلعب بالعواطف وتضرب على أوتار المشاعر , ولأنها بذلك تكون محجوبة عن التوازن العقلي الهادي و الاتزان النفسي الثابت فإنها تظل على الدوام محمومة متأججة مشتعلة مستعرة و تجنح إلي أقصى اليمين أو أقصى اليسار دونما ضوابط واضحة أو أسباب معقولة , وفي هذه الحمي المتأججة والنار المستعرة تذوب إرادة الناس وتحترق قدراتهم التعادلية ,و تطفو على السطح ميول فصامية تفصلهم عن ذواتهم وعن مجتمعاتهم وعن الواقع بأكمله وهو أمر لابد أن يظهر من خلال اضطراب خارجي متطرف يؤدى لا محالة إلى العنف المادي أو المعنوي فيوجد شخصية عدوانية بالقول والفعل تعتدي لمجرد العدوان ينفس عن اضطرابها الداخلي الشديد , وكلما ازداد الاضطراب زاد العدوان , حتى يبدو و كأنه مقصود لذاته , أو يظهر وكأنه تعلق بهدف كاذب أو غرض مضلل .
ولأن الثقافة السمعية بهذه العدوانية تبحث لها عن موضوع يستفرغ طاقتها فهي تنحدر إلى الافتخارية أو تنحرف إلى الهجائية , كل موضوعها فخر بالذات أو بالعائلة أو بالجماعة أو بالقبيلة , أو هجاء للغير , وخصومة مع أي فرد أو جماعة ,

فهى بذلك لا بد و أن تمدح بشدة ,أو تقدح بشدة , أو تفتخر أو أن تخاصم ولا معادل بين الاتجاهين .
و الملاحظ العدل غير المكابر وغير المجادل يستطيع أن يتبين بوضوح أن غالبية الأمة العربية تقع في وهاد الثقافة السمعية و لا تستطيع منه فكاكا , حتى الذين تعلموا لم ينقلوا المنهج العلمي إلى ذاوتهم ليحولهم الى المنهج العلمي .
بل إنهم قصروا المنهج الأخذ بالمنهج العلمى على المهنة أو العمل , وتركوا عقولهم وذواتهم حبيسة الثقافة السمعية أسيرة قصورها , بل زاد بعضهم عمل على استغلال استغلال المنهج العلمى لتـأييد الثقافة السمعية وتشييد بنائها ولو كان من رمال .
ومعظم الكتب العربية التى تصدر بالعربية تصدر بمفاهيم الثقافة السمعية وأساليبها وبهذا تبدوا أغلب أغلب المصنفات العربية وهى مجرد كلام أو محض حديث أو بعض قول .
ونتيجة لشيوع الثقافة السمعية فى الامة العربية فأن أبنائها غالبا ما يقولون ولا يفعلون , ومن قال فكأنه فعل , ومن أكثر القول واللغو فكانه عبر البحار وشق الجبال وهزم الأعداء .
وأغلب أفراد هذه الأمة لايعرفون القانون بل يتكلمون عن قاض ( أى فرد مشخص غير مجرد ) ولا يعنون بالدولة بل بالحاكم , ويوقنون دأئما أن الامور تسير وأن المشاكل تحل بإرادة فرد لا بقواعد مجردة ولا بنظم محددة .
ولا عجب أن تر جماعات فى هذه الأمة يقوم دستورها على السمع والطاعة , فالعضو فيها عليه أن يسمع فقط دون نقاش وبغير فهم أو نقد أو تحليل , ثم عليه بعد ذلك أن يطيع فيلغى عقله ويلقى إرادته ولا يكون ألا مسخا تدفعه الأوامر إلى أى اتجاه وهذا أخطر ما ينتج عن الثقافة السمعية .
على أن هذه الثقافة السمعية ليست خاصة فطرية , وليست خصيصة وراثية , لكنها مرحلة و ظروف اجتماعية مرت بها كل الأمم والذى يقول بغير ذلك أو يؤيد دعاوى عنصرية , ترى أن بعض العناصر أو (الأجناس ) البشرية أرقى أو أدنى من غيرها لخواص فطرية وخصائص وراثية , وهو أمرلم يثبته العلم وليس عليه دليل يقينى(1 ) كل ما هنالك أنه ينبغى على الأمة العربية أن تدرك( الحقيقة المرة ) وهى أنها مازالت تعيش فى عالم الثقافة السمعية بعيدا عن الثقافة العلمية , وان لتلك الثقافة السمعية نواتج و أضرار و آثار سلبية كثيرة , فضلا على انها عائق شديد أمام التقدم العلمى والازدهار الروحى والنضج العقلى والصحة النفسية .
ومتى عرف هذا الأمر واستقر به السبيل الصحيح للوصول الى العلاج السليم فمعرفة الداء نصف الطريق الى العلاج السليم , ولن يتحقق الشفاء الحقيقى إلا بعد التخلص من كل سوالب الثقافة السمعية و الانتقال بوعى وقدرة الى المنهج العلمى والثقافة العلمية التى تتمحور على وضع التعريفات وتحديدالمناهج ورسم النظم واتباع المنطق و مباشرة البحث حتى يكون الفكر و القول والعمل قائما على اساليب الصيغ العلمية بغير اضطراب ولا تشوش ودون ما حشو ولا لغو ولا هزل …… انتهى

[size=+0]من كتاب ( من وحى القلم ) [/size]​

[size=+0]مستشار سعيد عشماوى [/size]​
 
التعديل الأخير:
أعلى