وتبقى التفاحة مقضومة

نجدت كوبرلي

عضو جديد
إنضم
30 أبريل 2006
المشاركات
3,162
مجموع الإعجابات
337
النقاط
0
وتبقى التفاحة مقضومة


09 ذو القعدة 1432ه
07 أكتوبر 2011م


29652_11318237919.jpg
عبد العزيز خوجة

من الممكن أن نعدد – بسهولة – أشخاصاً وضعوا بصمتهم في حياة عائلة، أو في هوية مدينة، أو في مسيرة دولة، أو في تاريخ أمة، لكننا حين نحاول أن نعدد أشخاصاً وضعوا بصمتهم في كرتنا الأرضية وملحمة الإنسانية بأسرها، فإننا لن نتمكن سوى من إحصاء أسماء معدودة، أما حين نريد أن نبحث عمن أعاد رسم كوكب الأرض إلى شكل تفاحة مقضومة وما تبع ذلك من تغير في سلوكيات أهل الكوكب وتطور نمط حياتهم نحو الأسرع والأفضل والأجمل، فإننا لن نجد سوى ستيف جوبز!

وفاة ستيف جوبز لم أتوقع أن تؤثر عليّ بهذا القدر، كان توقيت معرفتي بالخبر رمزياً إلى حد بعيد، كنت أتحدث عبر جهاز الآيفون وأتصفح – في الوقت نفسه – فضاء الإنترنت عبر جهاز الآيباد، شعرت أنني عرفت الخبر وأنا في أحضان ستيف نفسه، أو كأنه مات بين ذراعيّ.

عبر الآيباد والآيفون، وكمبيوتر (ماك)، وربما غيرها، قدم ستيف لي – ولغيري أعداداً لا تحصى – فضلاً يفوق الوصف، المسألة ليست مجرد أجهزة تقتنى، بل هي أعمق من ذلك بكثير، كأن ستيف يعيش مع كل منا ليحفظ أسرارنا، ويساعدنا في إنجاز أعمالنا وتنظيم التزاماتنا، وييسر تواصلنا مع الأصدقاء والزملاء، ويفتح لنا آفاقاً تتجاوز الزمان والمكان، بل ويضع العالم – بكل أحداثه وتحولاته وثرائه الثقافي والمعرفي والإنساني – في جيوبنا أو قرب أريكتنا التي نستريح عليها، وأكثر من ذلك.

لقد راقبت عبر "فيسبوك" و"تويتر" تفاعلات البشر مع وفاة صديقهم – وصديقي – ستيف، كان أغلبنا يتواصل مع الآخرين عبر ابتكارات ستيف، كانوا حزانى وقلقين وكأن وفاة ستيف قد توقف عمل اختراعاته، لكن هذا لم يحدث، فتعجبوا من ذلك، هل مات ستيف حقا؟!

قرأت – قبل قليل – أن الوالد البيولوجي لستيف (عبدالفتاح جندلي – أمريكي من أصل سوري) علم بوفاة ابنه، وأنه لا تعليق لديه، قبل أكثر من نصف قرن قام هذا الوالد ورفيقته جوان سمبسون بالتنازل عن ابنهما لعائلة جوبز التي قامت بتبنيه، إنني – مهما كانت الظروف والمبررات – لا أستطيع أن أستوعب تنازل الإنسان عن فلذة كبده، لا أستطيع أن أستوعب تنازل الإنسان عن أجمل تجليات روحه وجسده، لا أستطيع أن أستوعب ذلك، لا لأن الطفل سيصبح ستيف جوبز، بل لا أستوعبه حتى إن كان الطفل سينتهي فرداً عادياً أو مجرماً خطيراً.

حاول الأب أن يشرب فنجان قهوة مع ابنه ولو لمرة واحدة، لكن ستيف لم يستجب، أرسل الأب ملفه الطبي لابنه علّه يسهم في علاجه من مرض السرطان، لكن ستيف لم يأبه، كأنه يقول لنا إن العلاقة الوراثية والجينية تتلاشى حين تتمزق أوتار العاطفة، حتى وإن ندمنا بعد ذلك.

صديقي – وصديقكم – ستيف، الذي وضع عقله بين أيدينا وفي منازلنا ومكاتبنا وفي كل مكان يخصنا مهما كان حميماً، أشعر بأنه رفض التواصل مع أبيه حزناً لا تكبراً، يقول عبدالفتاح جندلي، قبل وفاة ابنه البيولوجي: "لم ولن أتصل بستيف لأن كبريائي العربي يمنعني، لا أريد أن يظن أنني طامع في ثروته". قاتل الله الكبرياء، ليته اتصل، ما ضرّه لو اتصل، كيف انتظر اتصالاً من ابنه بعد أن سلمه لعائلة أخرى؟! بعض الآباء يفكرون في كبريائهم وينسون كبرياء أبنائهم. أشعر بأنني لا أقول جزافاً، إن عبدالفتاح لو اتصل بستيف لجعله – ربما – أسعد ابن في العالم.

ما يثلج الصدر أن ستيف جوبز أصبح ستيف جوبز، ولم ينته شاباً عاطلاً في العالم العربي، أو عضواً فاسداً في حزب حاكم مستبد، أو موظفاً مرتشياً، أو انتحارياً في جماعة متطرفة، أو رب أسرة عادي لا يسعى إلا لقوته وقوت عياله دون أفق للإبداع والتفوق والابتكار، أو أحد عناصر "البلطجة" و"التشبيح" الذين نسمع عنهم كثيراً هذه الأيام.

في نقاش قديم حول النجاح، سمعت كلمة اقتحمت عقلي وهزت كل وجداني، قال أحدهم: "قمة النجاح لا تكمن في أن تقدم ما يثير إعجاب الناس، ولا تكمن في أن تقدم ما ينافس منتجات غيرك، بل أن تقدم ما يغير نمط حياة الناس نحو الأفضل والأجمل". إنه يقصد ستيف.

إلى اللقاء.

* خاص بـ"العربية.نت"
 

مواضيع مماثلة

م عامر

مشرف الملتقى العام
إنضم
5 نوفمبر 2007
المشاركات
6,551
مجموع الإعجابات
587
النقاط
0
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

المحزن بالأمر أن هذا الرجل أصله سوري ومسلم ومن عائلة معروفة في مدينة حمص وأن أباه تخلى عنه بعد ولادته ولعائلة أمريكية ومسيحية فنشأ وترعرع كأمريكي ومسيحي وهذا أمر بالفعل غريب ويتناقض مع أعرافنا وطبائعنا العربية ..
الظروف والملابسات التي أحاطت بستيف جوبز والموهبة التي منحه إياه الله جعلته الأبرز في عالم التقنيات والمعلوماتية على مستوى العالم وهذا ما يؤكد أن العيب ليس فينا نحن العرب ولكن في الظروف السيئة التي نعيشها ... ولعل مثال ستيف جوبز يؤكد على القدرات الكامنة في الشباب العربي والتي نهدرها كل يوم ... بطمع حاكم ورشوة مرتشي ونفاق منافق
ولعل أكثر ما يحزنني شخصياً في هذه القصة أن ستيف جوبز الذي ولد لأب مسلم مات مسيحياً ...
 
التعديل الأخير:
أعلى