نجاحات العلاج المورثي

ربيع عاطر

عضو جديد
إنضم
31 يناير 2009
المشاركات
1,465
مجموع الإعجابات
156
النقاط
0
إن النجاحات التي تحققت شَجَّعت الباحثين في مجال الطب على الانتقال من معالجة الأمراض الوراثية إلى محاولة عكس نتائج الأذيات الجينية التي تحدث على مِّر سني الحياة.
فعلى سبيل المثال، يستخدم العلماء في جامعة پنسيلڤانيا المعالجة الجينية لمعالجة سرطان الأطفال الشائع الذي يدعى الابيضاض اللمفاوي الحاد (ALL)ا.
ومع أن معظم الأطفال المصابين بالابيضاض اللمفاوي ALL يستجيبون للمعالجة الكيماوية الاعتيادية، فإن عشرين في المئة منهم لا يستجيبون. ويتجه الباحثون حاليا إلى تحفيز الخلايا المناعية عند هؤلاء الأطفال كي تَجِدَّ في البحث عن الخلايا السرطانية المعندة وإتلافها.
إن المقاربة التجريبية معقدة جدا وتعتمد على ما يسمى تقانة مستقبلات المستضد الخيمرية(CAR)ا. وكما هي حال الخَيمَر chimera في الأساطير اليونانية الذي يتألف من اجتماع أجزاء من حيوانات مختلفة، فإن المستقبلات CAR تتألف من جزيئين من الجهاز المناعي لا يلتقيان مع بعضهما في الحالات الطبيعية. وتتجهز بعض الخلايا المناعية مثل الخلايا التائية T cells بالمستقبلات CAR؛ مما يسمح لها باستهداف البروتينات التي توجد بعدد كبير على الخلايا الابيضاضية. وتقوم الخلايا التائية المسلحة بهذا الشكل والمنتشرة بشكل واسع بتدمير الخلايا السرطانية. وكان أوائل الأشخاص الذين خضعوا لهذه التجربة من الكهول المصابين بابيضاض الدم المزمن واستجابوا لهذه المعالجة بشكل إيجابي. أما المحاولة الثانية التي أجريت على أحد الأطفال، فقد تجاوزت في استجابتها أحلام الباحثين.

كان عمر الطفلة <وايتهيد> خمس سنوات عام 2010 عندما شُخِّصت إصابتها بابيضاض الدم. ولم تنجح جولتان من المعالجة الكيميائية في تحسين حالتها. وفي ربيع عام 2012 أعطيت جرعة من العلاج الكيميائي كان بإمكانها أن تقتل الشخص الكهل، ومع ذلك لم تتراجع الآفات الموجودة في الكبد والطحال والكليتين. ويقول <B. ليڤين> [أحد الأطباء المعالجين لهذه الطفلة]: «لقد أصبحت <وايتهيد> على بُعد أيام من الوفاة.»
أخذ الأطباء عينة من دم الطفلة وعزلوا منها بعض الخلايا التائية. بعد ذلك حقنوا الطفلة بالعينة مع الڤيروسات البطيئة التي سبق أن جُهِّزت بالجينات الملائمة. فقد استجابت الطفلة للمعالجة، وكانت البداية صعبة إلا أن حالة المريضة تحسنت بسرعة بعد ذلك. وبعد ثلاثة أسابيع من المعالجة أصبح ربع الخلايا التائية في نقي العظام يحمل التعديلات الجينية. وبدأت الخلايا التائية بالتوجه إلى الخلايا السرطانية التي تلاشت بسرعة.
على الرغم من أن خلايا <وايتهيد> المعدلة قد لا تدوم إلى الأبد - وفي هذه الحالة يستطيع الأطباء إعادة المعالجة – فإن هذه الطفلة الجميلة ذات الشعر البني الأشعث بقيت خالية من السرطان مدة عامين. وليست هي الوحيدة. ففي أواخر عام 2013 أعلنت عدة فرق من الباحثين أنها استعملت التقنية CAR فيما يزيد على مئة وعشرين مريضا مصابين بابيضاض الدم من النوع الذي أصيبت به <وايتهيد>، وفي ثلاثة أنواع أخرى من سرطان الدم. وقد هجع المرض عند خمسةٍ من الكهول وعند 19 من أصل 22 من الأطفال; مما يعني أنهم خالون من السرطان في الوقت الحاضر.


بعد توفر طرق توصيل الڤيروسات الأكثر أمانا، توجه مختصو العلاج الجيني إلى معالجة أكبر التحديات التي يواجهها كل دواء جديد وهي الحصول على موافقة إدارة الدواء والغذاء الأمريكية (FDA)ا. تتطلب هذه الخطوة المخيفة ما يسمى المرحلة الثالثة من التجارب السريرية التي صممت لتقييم فاعلية الدواء عند مجموعة أكبر من المرضى المتطوعين، والتي تحتاج عادة من سنة إلى خمس سنوات لإتمامها (تختلف المدة اللازمة لذلك اختلافات واسعة). وفي نهاية عام 2013 وصلت إلى المرحلة الثالثة خمسة في المئة من التجارب السريرية الخاصة بالعلاج الجيني من أصل 2000 تجربة تقريبا، وتتناول إحدى هذه التجارب الأكثر تقدما داء ليبر Leber أو الكُمْنَة الخلقية congenital amaurosis - وهو الداء الذي حرم <هاس> من حاسة البصر. ويوجد الآن العديد من المرضى الذين غرزت جينات معدلة في كلتا عينيهم وأصبحوا الآن قادرين على رؤية العالم.
كانت الصين أول دولة توافق على تطبيق العلاج الجيني في معالجة سرطانات الرأس والعنق وذلك في عام 2004. وفي عام 2012 وافقت الدول الأوروبية على دواء يعتمد على العلاج الجيني لعلاج عوز ليپاز الليپوبروتين العائلي. وتُهيأ نسخ من الجينات الطافرة المغلفة بالڤيروسات AAV وتحقن في عضلات الساق. وتجري الشركة UniQure ومقرها هولندا مباحثات مع الإدارة FDA من أجل الموافقة على استعمال هذا الدواء في الولايات المتحدة. ولكن إحدى العقبات التي تعيق استعمال هذا الدواء هي تكلفته العالية، حيث يبلغ ثمن الجرعة الشافية منه 6.1 مليون دولار.
وكما هي الحال في كثير من التقانات الطبية، فإن الطريق الذي استغرق عدة عقود للوصول إلى معالجة جينية ناجحة كان طريقا غير مباشر وبعيدا عن الكمال. ومع تراكم المزيد من قصص نجاحات العـلاج الجينـي مثل قصـة <هاس> و<وايتهيد>، فإنه يقترب من أن يصبح السبيل السائد لمعالجة بعض الأمراض وخيارا واعدا جديدا لكثيرٍ غيرها.
 

مواضيع مماثلة

أعلى