موقف المسلم تجاه الفتن - سلسلة متجددة بإذن الله

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,951
مجموع الإعجابات
1,980
النقاط
113
مقدمة :
أحببت الحديث عن هذا الأمر إخوانى و أحبابى أعضاء الملتقى و هو الفتن و موقف المسلم حيالها لما فى ذلك من أهمية كبيرة بصفة عامة و فى وقتنا هذا بصفة خاصة ، و لعلِّى قد تأخرت فى هذا كثيرا لأن الفتن تعصف بأمتنا منذ زمن بعيد و اشتد هذا الأمر فى السنوات الثلاث الأخيرة مع بدء ثورات الربيع العربى التى جاءت علينا بما فيها من خير و شر حتى وصلنا إلى ما نحن عليه الآن

و سوف أوجز ما استطعت بإذن الله إيجازا لا يخل بالمعانى التى أريد إيصالها لكم و أعتمد فيما سأرويه على شرح شيوخنا المعاصرين لكتاب الفتن للإمام البخارى رحمه الله فهو من أفضل الكتب التى تحدثت عن الفتن كما ذكر أهل العلم ، و هو ليس كتاب منفرد بل جزء أو باب من أبواب صحيح البخارى
و سوف أورده تباعا فى المشاركات التالية لأننى ما زلت أقرأ و أتعلم و لم أنتهى من السلسلة بعد و ما منعنى من الانتظار حتى نهاية التعلم هو عدم ضمانى لأن أحيا إلى ذلك الوقت فأحببت إرشاد إخوانى الأفاضل إلى هذا الأمر و أهميته و مصادره حتى لا يُحرَم أحدنا من الخير
لذا أرجو متابعة المشاركات معى حتى أنتهى بإذن الله

و أسأل الله أن يوفقنا جميعا لما يحب و يرضى و أن يعلمنا ما ينفعنا و ينفعنا بما علمنا و يزيدنا علما
 

مواضيع مماثلة

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,951
مجموع الإعجابات
1,980
النقاط
113
أولا : أهمية تعلم حديث الفتن


أولا : أهمية تعلم حديث الفتن
كلنا نعلم أن كثيرا من طلاب العلم انصرفت إلى دراسة علوم القرآن و أصول الفقه و مصطلح الحديث و بذلوا جهودا عظيمة فى ذلك و هم مشكورون و مأجورون بإذن الله فى ذلك التعلم ، و لكن لم يلتفت إلا القليل منهم إلى تعلم معالم الفتن من كتب الفتن
فكيف لنا إذا أدركتنا الفتن أن نتصدى لها و أن نتخذ المسالك الصحيحة فى عبورها ؟
و لا ننسى موقف الصحابى الجليل حذيفة بن اليمان رضى الله عنه حينما كان يسألَ الناسُ النبىَ صلى الله عليه و سلم عن الخير و يسأله هو عن الشر مخافة أن يدركه

و ما ترك النبى عليه الصلاة و السلام فتنة من الفتن التى حدثت أو ستحدث للأمة حتى قيام الساعة إلا و حدَّث أصحابه بها و نقلوها هم عنه إلينا إلا أننا للأسف لم ننظر إليها و نتعلمها ، فإذا وقعت أى فتنة أو أزمة نجد أن كُلاً منَّا سعى إلى فتح رسالة أو كتيبا أو بحثا أو ما شابه لشيخ أو داعية أو رجل سياسة أو اقتصاد تعرَّض لبعض الفتن و حلِّها و يظن أنه بهذا قد أحاط بالأمر علما

و لهذا وجب علينا تعلم معالم الفتن حتى لا نقع فيها و إذا وقعنا فيها عرفنا قبلها بما ينبغى علينا عمله تجاهها بما يرضى الله سبحانه و يرضى رسوله عليه الصلاة و السلام ، مبتعدين عن المخالفات الشرعية التى تزيد بكثرة وقت حدوث الفتن
و يقول عمر الفاروق رضى الله عنه : ( لست بالخبِّ و ليس الخبُّ يخدعنى ) ، وذلك لمعرفته لأمور الخداع من الناس فوقى نفسه من الوقوع فيها
و قال قائل : عرفت الشر لا للشر أعرفه و لكن لتوقِّيه ، فإنه من لا يعرف الشر يقع فيه
 

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,951
مجموع الإعجابات
1,980
النقاط
113
ثانيا : معنى الفتنة


ثانيا : معنى الفتنة
لا نجد خيرا من القرآن ليعرفنا بمعنى هذه الكلمة (الفتنة)
فهى لها عدة معانى فى كتاب الله كالآتى :

1- الكفر
و ذلك من قوله تعالى : " و الفتنة أشد من القتل "
الفتنة ها هنا بمعنى فتنة الرجل فى دينه ليخرج منه و يرتد كما كان المشركون يفعلون مع الصحابة فى بادىء الأمر فكانوا يعذبونهم لكى يفتنوهم فى دينهم و يخرجوهم منه بالكلية و يعيدوهم إلى عبادة الأصنام
لذا فكانت الفتنة أشد من القتل ، لأن المسلم لو قُتِلَ كان على الإسلام و الإيمان أما لو فُتِن أى ارتد و خرج من الإسلام كان كافرا

و أيضا من حديث المسور بن مخرمة الطويل فى قصة صلح الحديبية و فيه أن النبى عليه الصلاة و السلام كتب بنودا مع سهيل بن عمرو ، و جاء أبوجندل بن سهيل بن عمرو يرسف فى قيوده فارا من عذاب قريش له لأنه أسلم حتى وقف بين يدى النبى عليه الصلاة و السلام و الصحابة ، و قال سهيل : يا محمد هذا أول ما أقاضيك عليه ، فقال النبى عليه الصلاة و السلام : دعه لى ، فقال سهيل : لا ، لا أدعه لك رده على َّ ، فقال أبوجندل : يا معشر المسلمين أتردوننى إلى المشركين ليفتنوننى فى دينى

2- الشرك
و ذلك من قوله تعالى : " و قاتلوهم حتى لا تكون فتنة و يكون الدين كله لله "
فقال المفسرون أى حتى تكون العبادة خالصة لله من أى شرك

3- الإحراق بالنار
و ذلك من قوله تعالى : " يوم هم على النار يفتنون "
أى يُحرَقون

4- القتل
و ذلك من قوله تعالى : " فما ءامن لموسى إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون و ملإيْهم أن يفتنهم "
أى يقتلهم

5- العذاب
و ذلك من قوله تعالى : " فإذا أوذى فى الله جعل فتنة الناس كعذاب الله "
أى جعل عذاب و إيذاء الناس له كعذاب الله
و أيضا من قوله تعالى : " ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا "
أى من بعد ما عذِّبوا

6- العذر الذى يقدمه الإنسان الذى لا عذر له
و ذلك من قوله تعالى : " و يوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون(22) ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا و الله ربنا ما كنا مشركين(23) "
أى ما كان عذرهم إلا أن أقسموا بالله كذبا بأنهم لم يكونوا مشركين

7- الصد عن سبيل الله
و ذلك من قوله تعالى : " و إن كادوا ليفتنونك عن الذى أوحينا إليك لتفترى علينا غيره و إذاً لاتخذوك خليلا "
أى ليصدونك عن الحق لتفترى بقول الباطل

8- الجنون و الغفلة
و ذلك من قوله تعالى : " فستبصر و يبصرون(5) بأييِّكم المفتون(6) "
أى بأييِّكم المجنون و ذلك حينما اتهموا النبى عليه الصلاة و السلام بالجنون

9- المحنة و الاختبار و الابتلاء
و هذا هو المعنى الذى يعرفه أغلب الناس عن الفتنة
و ذلك من قوله تعالى : " آلم (1) أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا ءامنا و هم لا يفتنون (2) و لقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا و ليعلمن الكاذبين (3) "
أى و هم لا يُمتَنحون و يُختَبرون و يُبتَلون كما امتُحن و ابتُلى الذين من قبلهم حتى يُظهِرنَّ الله بعلمه الذين صدقوا و الذين كذبوا فيكون حجة على الناس حتى لا يأتى أحد منهم و يقول يا رب لِمَ تعذبنى و قد كنت مؤمنا
 

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,951
مجموع الإعجابات
1,980
النقاط
113
ثالثا : مصادر الفتنة

ثالثا : مصادر الفتنة

1- المال و الولد
و الولد أى الابن ذكرا كان أم أنثى
و ذلك من قوله تعالى : " إنما أموالكم و أولادكم فتنة و الله عنده أجر عظيم "
و من قول النبى عليه الصلاة و السلام : " لكل أمة فتنة ، و فتنة أمتى فى المال "
و أيضا قول النبى عليه الصلاة و السلام : " الولد مجبنة مبخلة مجهلة محزنة "
مجبنة : حيث يجعل الابن أوالأبناء أباهم جبانا فى فعل أمور كثيرة من الخير خوفا عليهم و على مستقبلهم كالجهاد و نحوه
مبخلة : حيث يجعل الأبناء أباهم بخيلا فى الإنفاق فى الصدقات و نحوه ليوفر لهم المال الذى يؤمِّن لهم مستقبلهم من سيارة و شقة و أرصدة فى البنوك .. إلى آخره
مجهلة : حيث يجعل الأبناء أباهم فى جهل بقضاء كل أو جُلَّ وقته فى أمور العمل و الرزق فلا يجد وقتا لحضور مجالس العلم و التعلم
محزنة : حيث يجعل الأبناء أباهم فى حزن ، لأنه إذا تعب الولد فإنه أباه يحزن و إذا أراد الولد شيئا لا يستطيع أباه شراءه فإن أباه يحزن ، و إذا فشل الولد فى الدراسة فإن أباه يحزن ، و إذا نجح الولد فى دراسته و تخرج و لم يجد عملا فإن أباه يحزن ، و إذا وجد عملا براتب وفير و نسى أباه و عقه فإنه يحزن ، .... إلى آخره

2- الشيطان
و ذلك من قوله تعالى : " يا بنى آدم لا يفتننكم الشيطان "
فهو أعدى أعداء الإنسان و بيَّن القرآن ذلك و أنه يجب على المسلم عدم طاعته و اتخاذه عدوا و مع ذلك يطيعه الكثيرون من بنى آدم ، و للشيطان مداخل عديدة لفتنة الإنسان يجب عليه معرفتها و دراستها والتنبه لها لتجنب الوقوع فيها

3- الناس
و ذلك من قوله تعالى : " و جعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون "
فالغَنَى فتنة للفقير ، و الصحيح فتنة للمريض ، و القوى فتنة للضعيف ، و الكافر فتنة للمسلم ، و العكس صحيح فالكل فتنة للكل


4- النساء
و ذلك من قول النبى عليه الصلاة و السلام : " ما تركت بعدى فتنة أضر على الرجال من النساء "
و قال تعالى : " إن كيدكن عظيم "
 

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,951
مجموع الإعجابات
1,980
النقاط
113
رابعا : ضوابط الفتنة

رابعا : ضوابط الفتنة
أى الضوابط الشرعية لموقف المسلم عندما تنزل الفتن لنعرف بها كيف نتعامل مع الفتن
و الضابط هو الأمر الذى ينزل على الباب الواحد أو المسألة الواحدة فى الشرع بخلاف القاعدة التى تنزل على أو تندرج تحتها مجموعة من الأبواب و الجزْيِّئات
مثل : قاعدة المشقة تجلب التيسير ، فهى تخص جميع الأبواب و المسائل التى تحتوى على مشقة
و أيضا : قاعدة الضرورات تبيح المحظورات حيث تندرج تحتها جميع المسائل التى فيها ضرورة و تبيح محظورا
و ضابطنا هنا هو ما يخص باب الفتن فقط دون غيرها من أمور الدين
و مصادر هذه الضوابط التى سيلى ذكرها ستكون من الكتاب و السنة و أفعال الصحابة حينما نزلت بهم الفتن لأنهم رضى الله عنهم ما حادوا عن الشرع و هم خير من اتبع دين الله و اجتهد فى مسائله
 

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,951
مجموع الإعجابات
1,980
النقاط
113
الضابط الأول : العمل بالشرع لا بالعاطفة

الضابط الأول : العمل بالشرع لا بالعاطفة
فعندما تنزل الفتن ، الكثير من الناس يتكلمون بالعاطفة لا بالشرع و هذه طامة كبرى
و الله خلق للإنسان عقلا و عاطفة
العقل يفكر به صاحبه فيما يُصلِحه ، و العاطفة تنفِّذ ما فكر به العقل
و الشرع أنزله الله ليضبط العقل حتى لا يشذ فى فكره و يضبط العاطفة فلا تشذ فى تصرفاتها

مثال : بعد صلح الحديبيبة و كان من شروطها أن من أتى من قريش إلى المسلمين داخلا الإسلام يرده المسلمون إلى قريش ، و من ذهب من المسلمين إلى قريش كافرا لا ترده قريش
و هذا أمر لا يقبله العقل و لا تقبله العاطفة ، و مع ذلك وافق النبى عليه الصلاة و السلام بهذا الشرط فصار شرعا يجب على المسلمين تنفيذه
و جاء عمر الفاروق و تكلم بعاطفته الجياشة التى أبت هذا الشرط
فقال للنبى عليه الصلاة و السلام : ألسنا بالمسلمين ؟
قال النبى عليه الصلاة و السلام : بلى
فقال عمر : أليسوا بالكافرين ؟
قال النبى عليه الصلاة و السلام : بلى
فقال عمر : فعلام نعطى الدَنيَّة فى ديننا ؟
فقال النبى عليه الصلاة و السلام : يا عمر إنى رسول الله و لست أعصيه و ليس يضيعنى
و مع ذلك انطلق عمر إلى أبى بكر الصديق و سأله نفس الأسئلة فأجاب بنفس أجوبة النبى عليه الصلاة و السلام و زاد جملة حيث قال : يا عمر إنه رسول الله و لا يعصى ربه و لن يضيعه فالزم غرزه (أى الزم هديه)
يقول عمر بعد ذلك : فما زلت أعمل لذلك اليوم (أى من الطاعات) أعمالا عسى الله أن يُكفِّر ما حدث منى فى ذلك اليوم
الشاهد يجب عند نزول الفتنة الابتعاد عما تراه العاطفة و يشذ به العقل بعيدا عن الشرع ، و اتباع أوامر الشرع حتى لو ظهر فيها شرا و ليس خيرا لأن هذا سيكون فى نظرنا فقط و ليس على الحقيقة
قال تعالى : " وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تعلمون "
 

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,951
مجموع الإعجابات
1,980
النقاط
113
الضابط الثانى : الحكم على الشىء فرع عن تصوره

الضابط الثانى : الحكم على الشىء فرع عن تصوره
فلا بد لمن يحكم على أى مسألة أن يتصورها ابتداء تصورا تاما ينفى عنه الجهالة و يحيطه بها علما يقينيا لكى يستطيع تقدير الآثار المترتبة عليه من منافع و مضار ثم يحكم على هذه المسألة بعرضها على الأدلة و يرجح بين المصالح و المفاسد و يقيس عليها ، و هذا يكون لأهل العلم و ليس لطلابه فضلا عن العوام
و مِن ثَمَّ نسأل هل كل منَّا فعل هذا مع أى أمر من أمور الفتنة ؟
هل تصورأى منَّا المسألة أو الأمر من كل جوانبه حتى يستطيع الحكم عليه أم أخَذَ صورة و ترك صورا و بنى على تلك الصورة الفردية حكمه ؟
ثم ما هى المصادر التى أخذ منها تصوره ؟
هل هى وسائل الإعلام التى تُظهِرالصور التى تريدها و تحقق مصلحتها و تخفى الصور التى تضرها بعيدة عن الأمانة العلمية و شرف و ميثاق الصدق
ثم هل نحن على قدر كافى من العلم الشرعى يتيح لنا إصدار فتوى شرعية بخصوص الأمر ؟
الأمر يحتاج إلى وقفة مرة أخرى مع النفس
 

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,951
مجموع الإعجابات
1,980
النقاط
113
الضابط الثالث : الحلم و الرفق و التأنى فى النظر إلى مسائل الفتن
فيجب الحلم و التأنى و الرفق و النظر بإمعان فى أى أمر من أمور الفتن قبل اتخاذ أى إجراء أو فعل قد يجلب الضرر ، و عدم العجلة فى إصدار أى أحكام
و مِن العلماء مَن عدَّ الحلم ضابطا ، و الرفق ضابطا ، و الأناة ضابطا
و كلها أقرب إلى بعضها البعض فى المعنى لذا هناك من عدها ضابطا واحدا

ورد فى الأثر حديث المستورد القرشى (أحد الصحابة) مع عمرو بن العاص حيث:
قال المستورد : تقوم الساعة و الروم أكثر الناس
فقال له عمرو : أبصر ما تقول
فقال المستورد : أقول ما سمعت من رسول الله عليه الصلاة و السلام حيث قال " تقوم الساعة و الروم أكثر الناس "
فقال عمرو : لئن قلت ذلك ، إن فيهم لخصالا أربع إنهم لأحلم الناس عند فتنة ، و أسرعهم إفاقة بعد مصيبة ، و أوشكهم كرة بعد فرة ، و خيرهم لمسكين و يتيم و ضعيف ، و خامسة حسنة جميلة و أمنعهم من ظلم الملوك
و الشاهد أن عمرو بن العاص لا يمدح الروم و لكن كان يُبيِّن السبب الذى من أجله أن النبى عليه الصلاة و السلام قال فيهم قولته ، و ما يهمنا فيها هى الصفة الأولى : أحلم الناس عند فتنة

و رُوىَ عن عائشة رضى الله عنها أن رهطا من اليهود أتوا النبى عليه الصلاة و السلام و استأذنوه فى الدخول إلى بيته فأذن لهم ، فدخلوا فقالوا : السام عليك يا محمد (أى الموت) ،
فرد النبى عليه الصلاة و السلام : و عليكم
قالت عائشة ففهمتُها فقلت : و عليكم السام و الزام و لعنة الله
فقال لها النبى عليه الصلاة و السلام : مهلا يا عائشة إن الله رفيق يحب الرفق فى الأمر كله
قالت : أو لم تسمع ما قالوا يا رسول الله
قال : سمعت و قلت و عليكم ، إن الله يستجيب لى فيهم و لا يستجيب لهم فىَّ

و أيضا ورد أنه أيام الإمام أحمد بن حنبل ، اعتقد الخليفة الواثق بالله بمسألة خلق القرآن كما كان قبله أباه المعتصم و من قبلهما الخليفة المأمون بن هارون الرشيد بل و دعا الناس إلى اعتناق ذلك و أمر بمعاقبة من يخالفه فيه حتى أنه قَتل العالم الجليل أحمد بن نصر بن مالك بنفسه و علَّق رأسه ببغداد ، و ذهب جَمْع من الفقهاء إلى الإمام أحمد بن حنبل يستشيروه و يستأذنوه فى الخروج على الواثق لأنه كفر كفرا بواحا باعتقاده فى مسألة خلق القرآن بل و أمر به الناس و عاقبهم على عدم تنفيذه مما يستوجب شرعا الخروج عليه
فما كان من الإمام أحمد إلا أن قال لهم : لا تفعلوا و اصبروا حتى يَستريح بَر أو يُستراح من فاجر و لا توردوا أنفسكم و لا المسلمين الهلكة و احقنوا دماءكم و دماء المسلمين
و ذلك بالرغم من أن الإمام أحمد بن حنبل هو أكثر من عُذِّب فى خلق القرآن و كان الأفضل له الموافقة على رأيهم بخروج الناس عليه
و كان من بركة تأنِّى و صبر الإمام أحمد و حرصه على حقن دماء المسلمين و خاصة العلماء أن الواثق مات و لم يحكم إلا خمس سنوات و تولى بعده الخلافة أخوه المتوكل الذى نَصَر السنة و قمع البدعة و منع الكلام فى مسألة خلق القرآن و أكرم الإمام أحمد بن حنبل غاية الإكرام و أمر بإنزال رأس الإمام أحمد بن نصر بن مالك و جمعها بجسده لدفنهما
 

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,951
مجموع الإعجابات
1,980
النقاط
113
الضابط الرابع : لزوم جماعة المسلمين

الضابط الرابع : لزوم جماعة المسلمين
قال تعالى : " و اعتصموا بحبل الله جميعا و لا تفرقوا "
و قال النبى عليه الصلاة و السلام : " من أراد بحبوحة الجنة فعليه بالجماعة "
و حتى لا يتوهم البعض و يظن أن الجماعة معناها العدد الأكبر من المسلمين أو غالبية المسلمين
فنذكر تعريف الجماعة و هو كما قال الصحابى الجليل عبدالله بن مسعود : (الجماعة مَن كان على الحق و لو كان واحدا )
و الحق هو الشرع كما قال تعالى " و تواصوا بالحق و تواصوا بالصبر "
أى تواصوا بالشرع و تواصوا بالصبر على فعله
و قال العلماء : لا تغتر بالكثرة و لا تستهين بالقلة فعسى أن يكون الخير فى القلة
و قال تعالى : " و قليل من عبادى الشكور "
و قال تعالى : " إلا الذين ءامنوا و عملوا الصالحات و قليل ما هم "
و قال تعالى : " و ما أكثر الناس و لو حرصت بمؤمنين "
و قال تعالى : " و إن تطع أكثر من فى الأرض يضلوك عن سبيل الله "

و قال النبى عليه الصلاة و السلام لحذيفة فى حديث الفتنة : تلزم جماعة المسلمين و إمامهم ،
فقال حذيفة : فإن لم يكن لهم جماعة و لا إمام
قال النبى عليه الصلاة و السلام : فاعتزل تلك الفرق كلها و لو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت و أنت على ذلك

و من المصائب العظام أنه من المسلمين من يفعل الأخطاء عند نزول الفتن و يتعلَّل بأن الشيخ فلان و الداعية فلان قالوا بذلك ، مع أن الأصل هو اتباع الشرع و التزامه و ليس كلام الشيوخ إن كان مخالفا ، لأنه قد يخطىء الشيخ فيتكلم بهواه بعيدا عن الأدلة الصحيحة من الكتاب و السنة و أقوال أهل العلم الربانيِّين و بعيدا عن ضوابط الفتن
و قال الإمام الشافعى : إذا صح الحديث فهو مذهبى
و قال الإمام مالك : كُلٌ يُؤخَذ من قوله و يُرَد عليه إلا صاحب هذا القبر ، و أشار إلى قبر النبى عليه الصلاة و السلام
و قال الإمام أحمد : الاتباع أن يتبع الرجل ما جاء عن النبى صلى الله عليه و سلم و عن أصحابه ثم هو من بعد التابعين مخيَّر
 

علي حسين

عضو معروف
إنضم
3 أبريل 2007
المشاركات
10,321
مجموع الإعجابات
2,966
النقاط
113
بارك الله بك اخي ابو عبدالرحمن ..
واطال الله عمرك وحسن عملك .
وليتك تتمهل علينا بالطرح حتى نتمكن من القراءة المتانية .. لتجذير الفهم .
:7:
 

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,951
مجموع الإعجابات
1,980
النقاط
113
بارك الله بك اخي ابو عبدالرحمن ..
واطال الله عمرك وحسن عملك .
وليتك تتمهل علينا بالطرح حتى نتمكن من القراءة المتانية .. لتجذير الفهم .
:7:
و بارك فيك أخى الفاضل ، و أجزل لك الفضل و المثوبة
و التمهل آت لا محالة ، إن لم يكن برغبتى فرغما عنى :7:
لأننى لم أسمع من السلسلة إلا ما ذكرتَه بالمشاركات السابقة و محاضرة أخرى سأرفقها غدا بإذن الله
أى أنك ربما تشكو فى الفترة القادمة من البطء الثقيل فى طرح الموضوع :9: لأن بين المحاضرة و الأخرى حوالى أسبوعين أو ثلاث
 

saad_srs

عضو جديد
إنضم
9 أكتوبر 2010
المشاركات
1,125
مجموع الإعجابات
140
النقاط
0
ربي يعطيك الصحة والعافية
ويبارك لك ولذريتك
 

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,951
مجموع الإعجابات
1,980
النقاط
113
جزاكم الله خيرا ..
تم تفضيل الموضوع ...
بارك الله فيك أختنا الكريمة
و أرجو أن يفيدك الموضوع و يفيد جميع إخواننا و أخواتنا أعضاء الملتقى
 

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,951
مجموع الإعجابات
1,980
النقاط
113
الضابط الخامس : الالتفاف حول العلماء

الضابط الخامس : الالتفاف حول العلماء
إذا نزلت الفتنة و أحاطت بالناس لا يستطيع أن يتكشَّفها إلا العلماء ، و ليس كل عالم يستطيع ذلك
فكان حذيفة بن اليمان عالما بالفتن و ليس كل الصحابة يعلمون رضوان الله عليهم جميعا
و يجب أن يكون الالتفاف حول العلماء الربانيين الذين يخلصون النصح للمسلمين لا لأهداف معينة أو أغراض خاصة إنما لدين الله تعالى و رسوله عليه الصلاة و السلام متجنبين فى ذلك الهوى و التعصب لشيخ معين أو جماعة معينة أو حزب ما ، متمسكين بالأدلة الشرعية من الكتاب و السنة

و هذه بعض صفات العالم الربَّانى :
* العالم الرباني هو الذي ديدنه التركيز على التوحيد الذي أرسلت به الرسل ألا وهو توحيد العبادة ، و التحذير من الشرك الذي حذرت منه الرسل
* العالم الرباني هو الذي يعظم سنة النبي صلى الله عليه و سلم ، فلا يوجد عنده في شريعة الله قشور ، بل الشريعة كلها لباب ينبغي أن تُعظَّم عنده
* العالم الرباني هو الذي يَعلم صغار العلم قبل كباره – كما ذكر البخاري في صحيحه – فلا يغفل مسألة على حساب مسألة
* العالم الرباني هو العالم المتأثر بعلمه ، العامل بما تعلَّمه ، الداعي إليه ، الصابر على الأذى فيه
* العالم الرباني هو الذي يقول كلمة الحق و يثبت عليها بالحكمة و الموعظة الحسنة
* العالم الرباني هو الذي ينكر البدع بجميع أنواعها ، و يدعو للتمسك بغرس السلف الصالح ، و يدعو الناس و يحثهم على ذلك
* العالم الرباني هو الذي يدعو للتمسك بنصوص الكتاب و السنة ، و نبذ التقليد و التعصب للأشخاص ، إلا لشخص النبي صلى الله عليه وسلم
* العالم الربانى هو الذى لا يتكلم فى حضرة من هو أعلم منه بل ينصت و يتعلم

و فى باب وجوب العلم و التعلم و الالتفاف حول العلماء آيات و أحاديث و آثار كثيرة
من هذه الآثار قول الإمام على بن أبى طالب رضى الله عنه لكميل بن زياد :
(يا كميل بن زياد القلوب أوعية فخيرها أوعاها، احفظ عني ما أقول لك: الناس ثلاثة ، فعالمٌ رباني، و متعلمٌ على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق، يميلون مع كل ريح، لم يستضيئوا بنور العلم، و لم يلجأوا إلى ركن وثيق، العلم خير من المال، العلم يحرسك و أنت تحرس المال، العلم يزكو بالإنفاق و المال تنقصه النفقة، و محبة العلم دين يُدان به، العلم يُكسِب العالِم الطاعة في حياته و جميل الأحدوثة بعد وفاته، و صنيعة المال تزول بزواله، مات خزّان الأموال و هم أحياء، و العلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة، و أمثالهم في القلوب موجودة؛ هاه هاه إن ها هنا - و أشار بيده إلى صدره - علما لو أصبت له حملة، بل أصبته لَقِنَا غير مأمون عليه، يستعمل آلة الدين للدنيا، يستظهر بحجج الله على كتابه، و بنعمه على عباده، أو منقادا لأهل الحق لا بصيرة له في أحِنّائه، ينقدح الشك في قلبه بأول عارض من شبهة، لا ذا و لا ذاك، أو منهوما باللذات، سلس القياد للشهوات، أو مغرى بجمع الأموال و الإدخار، فهؤلاء ليسوا من دعاة الدين، أقرب شبها بهم الأنعام السائبة، كذلك يموت العلم بموت حامليه، اللهم بلى، لن تخلو الأرض مِن قائم لله بحججه، لئلا تبطل حجج الله و بيناته، أولئك هم الأقلون عددا، الأعظمون عند الله قدرا، بهم يدفع الله عن حججه حتى يؤدوها إلى نظرائهم، و يزرعوها في قلوب أشباههم، هجم بهم العلم على حقيقة الأمر، فاستلانوا ما استوعره المترفون، و أنسوا بما استوحش منه الجاهلون، صحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلقة بالمنظر الأعلى، أولئك خلفاء الله في بلاده، و دعاته إلى دينه، هاه هاه شوقا إلى رؤيتهم، و أستغفر الله لي و لك، إذا شئت فقم )
 

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,951
مجموع الإعجابات
1,980
النقاط
113
الضابط السادس : ميزان الرايات فى الفتن

الضابط السادس : ميزان الرايات فى الفتن
فى الفتن تُرفَع رايات كثيرة : رايات جماعات ، رايات أحزاب ، رايات علماء ، رايات دول
كلٌ منهم يدَّعى أن معه الحق و الآخرون على الباطل
فكيف نزن الرايات و نحدد أيها على الحق و الصواب و أيها على الباطل ؟
وضع علماء أهل السنة و الجماعة ثلاث موازين أو معايير للحكم على الرايات هى :
1- ميزان الكفر من الإيمان (التوحيد)
أى هل الرايات المرفوعة مؤمنة أم كافرة ، تشهد ألا إله إلا الله أم لا تشهد بذلك ؟
2- ميزان تحقيق شهادة أن محمدا رسول الله
أى هل الرايات المرفوعة تهتدى بهدى النبى عليه الصلاة و السلام فى كل أمر أم لا ؟
3- ميزان المعروف و المنكر
أى هل الرايات المرفوعة تقيم المعروف و تنهى عن المنكر أم هل تستحل شيئا من المنكرات تحت أى مسمَّى ؟
هل عندها أوامر الشارع الحكيم هى المبتدى و المنتهى أم أن عندها الغاية تبرر الوسيلة ؟

فإذا وجدنا الراية التى تحقق الثلاث شروط السابقة وجب علينا اتباعها و أيضا وجب علينا مناصحتها من باب إنما الدين النصيحة ، ملتزمين فى ذلك آداب النصيحة فتكون فى السر و دون طعن أو قدح فى الأشخاص و الافتراء عليهم بما ليس فيهم كما هو منتشر الآن فى الإعلام و على مواقع النت
 

adison2000

عضو معروف
إنضم
13 سبتمبر 2010
المشاركات
3,079
مجموع الإعجابات
1,377
النقاط
113
بارك الله فيك أخي الكريم ..
متابعون إن شاء الله ..
 

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,951
مجموع الإعجابات
1,980
النقاط
113
أعلى