مفهوم الفساد في التشريع الإسلامي

adison2000

عضو معروف
إنضم
13 سبتمبر 2010
المشاركات
3,079
مجموع الإعجابات
1,377
النقاط
113
من الملاحظ عدم وجود تعريف موحد للفساد الإداري في علم الإدارة المعاصر، مما يعني وجود إشكالية حقيقية لدى الباحثين في تصوير هذا المصطلح والتعبير عنه بطريقة متماثلة ويمكن إرجاع هذا الأمر إلى جملة من الأسباب أهمها :

أولا: عدم وجود منهج موحد لدراسة هذه الظاهرة وبحثها، فمعظم الأشخاص والجهات المهتمة بدراستها ينتمون إلى حقول معرفية مختلفة، مثل السياسة والعلوم الاجتماعية والاقتصادية والإدارية ولذا فإن كل جهة منها تبحث القضية من خلال المنهج الخاص بها

ثانيًا: اختلاف المرجعية القانونية أو التشريعية أو الثقافية التي تعتمد لوضع معايير لتميز الفعلالفاسد عن غيره ، فأي تعريف للفساد لا بد أن يبرز معايير محددة تقاس على ضوئها أفعال الناس وتقيم، ففي الوقت الذي تعتمد بعض التعريفات معيار مناقضة المصلحة العامة مثلاً نجد تعريفًا آخريعتمد معيار الرأي العام، وهكذا

ثالثًا: اختلاف مفهومه ومضمونه بين ما يراه الباحثون المتخصصون وبين ما يراه عامة الناس ، فلا يتحتم أن تتماشى التعريفات دائمًا مع مشاعر الجماهير، أو أن تعاصر قضية الإصلاح، بل إنه حتى في المجتمعات التي حسمت فيها مفاهيم الفساد القانونية والاجتماعية وأصبحت إلى حد ما متوافقة، ما زال في معظم التعريفات التحليلية جانب كبير من الغموض في الأفعال التي تعد في نظر الكثيرين فساداً

رابعًا: اختلاف مفهومه بين بيئة ثقافية وأخرى، فما يراه شعب من الشعوب فسادًا، قد يراه شعب آخرعلى عكس ذلك ، ومثال هذا أنه عندما قام أحد الباحثين بدراسة السبب الذي جعل (بورما) إبان فترة الاستعمار فاسدة وفق المعايير البريطانية، وصل إلى نتيجة هي أن البورميين كانوا في كثير من الحالات يطبقون بسذاجة المعايير المعتادة عندهم بالنسبة للسلوك الصحيح

خامسًا: تعدد الأشكال والمظاهر التي يتخذها الفساد في المجتمعات المختلفة ، وظهور صور جديدة منه باستمرار، حتى أن التعريفات التي تصدر في فترة زمنية معينة قد تصبح عديمة الجدوى مع مرور الزمن

سادسًا: تعدد مجالات النشاط الإنساني التي يمكن للفساد أن يستشري فيها وتشابكها، فهناك الفساد الإداري، والفساد المالي، والفساد الاقتصادي، والفساد السياسي، وعليه فقد يعمد أحد الباحثين إلى تعريف الفساد بشكل عام لاعتقاده أن الفساد هو الفساد أينما وجد، فلا حاجة لتخصيصه بمجال دون غيره، في حين يرى باحث آخر غير هذا الرأي فيعمد إلى تعريف الفساد ضمن دائرة معينة من دوائر النشاط الإنساني

سابعًا: اختلاف الأسلوب العلمي المعتمد لصياغة التعريف، فبعض الباحثين يفضل الالتزام بشروط الحد المقتبسة من علم المنطق، أو على الأقل الاستفادة منها، في حين يرى غيرهم التعبير باللغة المعتادة بعيدًا عن تلك الشروط، وقد نجد فريقًا ثالثًا يكثر من الأمثلة في تعريفه وآخر لا يتطرق إليها مطلقًا إلى غير ذلك

معايير الفساد الإداري في علم الإدارة المعاصر :

رغم تعدد الأسباب التي حالت دون وضع تعريف موحد للفساد الإداري، ورغم تعدد التعريفات التي نشأت عن هذه الأسباب، فإنه يمكن تصنيف اتجاهات الباحثين عن تصور محدد للفساد الإداري بحسب المعيار المعتمد لديهم للحكم على السلوك الفاسد، واعتماد هذا الأمر أساسًا لتصنيف هذه التعريفات يعد -من وجهة نظري- الأهم، إذ مهما اختلفت أشكال التعريف التي توضع إزاء هذا المصطلح، فلابد في نهاية الأمر من اعتماد معيار ما يتم على أساسه الحكم على تصرف من التصرفات أو حالة من الحالات الإدارية بأنها فساد

أولاً: المعيار القيمي
يقصد من اعتماد هذا المعيار اعتبار الفساد شكلاً من أشكال الخروج على القيم السائدة في المجتمع ضمن الإطار الوظيفي، باعتبار هذه القيم مما يجب الالتزام به، وعادة ما يكون هذا الانحراف لتحقيق مصلحة شخصية أو ما شابهها وهذه التعريفات القيمية وغيرها انتقدت بأن مفهوم القيم ذاته غير محدد، فضلاً عن نسبيته وعدم ثباته، وكذلك صعوبة قياسه والتحقق منه ، وهذا يظهر جليًا مما قاله بعض الباحثين من أن الفساد الإداري ليس بالضرورة أن يكون انحرافًا عن القيم السائدة في المجتمع بل قد يكون صادرًا عن الالتزام بهذه القيم المختلة عن أنماط السلوك الصحيح

ثانيًا: المعيار المصلحي
يقصد من اعتماد هذا المعيار اعتبار الفساد الإداري في حقيقته تقديمًا للمصلحة الخاصة على المصلحة العامة، يقوم به شخص أنيطت به رسميًا مهمة الحفاظ على المصلحة العامة. وقد انتقدت التعريفات القائمة على هذا المعيار بعدم وجود أسس تحدد معنى"سوء الاستخدام"، بالإضافة إلى كيفية تحديد مفهوم المصلحة العامة، ومن الذي يحددها، وكيف يمكن تمييز العام عن الخاص في الواقع العملي، واستشكل عليها أيضًا ذلك السلوك الفردي أو الجماعي الذي يمكن أن يحقق مكاسب عامة وخاصة معًا، أو يحقق مصلحة خاصة دون الإخلال بالمصلحة العامة ومن العيوب التي أراها في هذا المعيار إغفاله للفساد الإداري الذي يمكن أن يحدث في المؤسسات الخاصة التي ترعى مصالح خاصة لأصحابها، فالموظف الذي يتعاطى في مؤسسة خاصة رشوة مالية - مثلا- للقيام بعمل يتعارض مع مصالح هذه المؤسسة يكون قد قدم مصلحته الخاصة على مصلحة أصحاب المؤسسة وهي مصلحة خاصة أيضًا، وطبقًا لهذا المعيار لا يعد فاسدًا لعدم إهداره أية مصلحة عامة

ثالثًا: المعيار القانوني (التشريعي)
هذا المعيار يقوم على مبدأ يتمثل بحصر الفساد الإداري في خرق القوانين والأنظمة والتعليمات التي يجب مراعاتها وظيفيًا، هذا الخرق الذي يقترن عادة بالسعي وراء منفعة شخصية
إلا أن القانون ذاته يمكن أن يكون موضوعًا لإضفاء الشرعية على بعض التصرفات الفاسدة، وقد ضرب أحد الباحثين على ذلك مثالا بفرديناند ماركوس الذي أعاد صياغة أقسام من الدستور الفلبيني ليضفي شرعية على نهبه ثروات شعبه
هذا بالإضافة إلى وجود أنواع من السلوك المنحرف الذي لا ينتهك قانونًا بشكل صريح، أو يمكن لصاحبه أن يراوغ ويتخلص من الوقوع تحت طائلته ، ثم ماذا عن وجود بعض الأفعال التي يمكنالدفاع عنها أخلاقيًا أو معنويًا مع أنها مدانة قانونيًا ، فهل دفع رشوة للإفلات من معسكر اعتقال جائر يعد فسادًا ؟!

رابعًا: معيار الرأي العام
يعد هذا المعيار من المعايير الحديثة نسبيًا، وقد قصد من اعتماده تجنب الانتقادات التي وجهت إلى المعايير الأخرى للفساد الإداري ، وذلك باللجوء إلى الرأي العام ليحدد بطريقته ما يراه فاسدًا من تصرفات الإداريين وما لا يراه كذلك، لتكون النتيجة بعد ذلك أن الفساد ثلاثة أنواع لكل منها تعريفه الخاص، وهي :
*
الفساد الأسود وهو ذلك السلوك الذي يتفق الجمهور على إدانته وضرورة معاقبة مرتكبيه
*
الفساد الأبيض وهو ذلك السلوك الذي يتغاضى عنه الجمهور ولا يميلون إلى معاقبة مرتكبيه
*
الفساد الرمادي المتوسط بين النوعين السابقين، ويكون هذا في الحالات التي يطالب فيها عناصر معينة من المجتمع إدانة مرتكبة، في حين يبقى الرأي العام مترددًا في ذلك
ومع أن السعي في اعتماد هذا المعيار جاء -كما أسلفت- لتجنب الانتقادات التي وجهت إلى غيره، إلا أنه انتقد هو الآخر من قبل بعض الباحثين، ومن ذلك: أن الرأي العام يتذبذب في كثير من الأحيان، فعند انكشاف فضيحة من فضائح الفساد نجد أن الرأي العام يتشدد ويقوى، ولكنه يضعف مع مرور الوقت، وربما يتسامح أخيرًا، ثم إن هناك إشكالية في تحديد الأشخاص الذين يجب اعتماد رأيهم بوصفهم يشكلون عموم المجتمع، هل هم الراشدون؟ أم الناخبون المسجلون؟ أم العينة الخاضعة للاستبانة؟ أم غير هؤلاء؟

تعريف الفساد الإداري في التشريع الإسلامي :

هو الإخلال بالسلطات الممنوحة بموجب ولاية شرعية عامة، بتجاوز حدودها المشروعة قصدًا أواستعمالها بما يتعارض مع مقاصد الشريعة الإسلامية من تلك الولاية واقعًا أو مآلا
هذا التعريف فيه اختزال لجملة من التصورات والمبادئ التشريعية الإسلامية، وفيما يأتي بيانها وبيان صلتها بالتعريف :

أولا: إن الفساد في حكم الشرع لا يعدو أن يكون إخلالا في أمر من الأمور، أي عدولا به عنالاستقامة ، تلك الاستقامة التي تحصل بالتزام أوامر الله تعالى ونواهيه ﴿ َفإسَتقم كما أُمِرت ﴾(هود: 112 ) ، ولذا كان الأمر منوطًا أولا وأخيرًا بالشرع، فكان من الضروري إبراز هذا المعنى في التعريف ككل، وجعل الإخلال جنسًا في التعريف ليتبين وجه المناسبة بين التعريف اللغوي والاصطلاحي والمفهوم الشرعي العام

ثانيًا: إن جوهر الإدارة في نظر التشريع الإسلامي هو ممارسة السلطات التي تمنح لمتولي الإدارة في تدبير شؤون الأمر الذي كلف برعايته ، "فممارسة الإدارة في المجتمع السياسي، هي ممارسة للسلطة على المجتمع، من قبل الشخص المتولي للسلطة الإدارية"

ثالثًا: إن مجالات الإدارة في التشريع الإسلامي هي المجالات التي تقام عليها الولاية بأنواعها، لذا نجد الأستاذ مصطفى الزرقا يقول في تعريف الولاية: "هي سلطة شرعية لشخص في إدارة شأن من الشؤون وتنفيذ إرادته فيه على الغير من فرد أو جماعة "غير أنها لما كانت تتسع لتشمل معظم القضايا العامة والخاصة ، ولا تنحصر في الشؤون العامة وما يتعلق بها، كان من الضروري تخصيصها بالولاية العامة التي تصدق على الوظائف على اختلاف مجالاتها ودرجاتها، والتي هي المقصودة بالبحث هنا

رابعًا: من خلال هذا التعريف يمكن التمييز بين مفهوم الفساد الإداري وغيره من المفاهيم ذات الصلة، مثل:
الخطأ الإداري: وهو ذلك التصرف الذي يتضمن تجاوزًا غير مقصود لحدود الولاية العامة، وتم التحرز عن هذا المفهوم بالقيد المضاف إلى التجاوز وهو القصد
الفساد التشريعي: الناشئ عن سن القوانين والأنظمة التي تتعارض مع الشريعة الإسلامية نصًا أو مقصدًا، ولذا اشترط في التعريف أن تكون السلطة محل الخلل سلطة شرعية ابتداء ليقال: إن ثمة فسادًا إداريًا وقع فيها
ولا يعني إخراج هذين النوعين من جملة مسمى الفساد الإداري إهمالهما، أو التغاضي عن تبعاتهما،فقد عالج الفقه الإسلامي هذين الأمرين بصورهما المتعددة ضمن سياقات تشريعية أخرى

خامسًا: هذا التعريف يظهر المعايير التي يحكم من خلالها شرعًا على تصرف من التصرفات بأنه فساد إداري، وهي: الإهمال، و تجاوز الحدود الموضوعية للسلطات الإدارية، و استعمالها الذي يتنافى مع مقاصد الشريعة، و الوصول بها إلى ذلك

منقول من بحث بعنوان :

مفهوم الفساد الإداري في التشريع الإسلامي
للدكتور : آدم نوح علي
[font=&quot]
[/font]​
 

المرفقات

  • maabda.pdf
    223.7 KB · المشاهدات: 0
أعلى