معجزة الشّم والذّوق ... هارون يحيى

ربيع عاطر

عضو جديد
إنضم
31 يناير 2009
المشاركات
1,465
مجموع الإعجابات
156
النقاط
0
حاول عزيزي القارئ أن تسترجع من سجل ذاكرتك جميع الروائح الزكية التي شممتها في حياتك، سوف تجد أن هناك العديد من الروائح المختلفة، مثل رائحة الورود والقرنفل والنيلج والبنفسج والأعشاب الخضراء والنباتات الأخرى، ويكون ذلك خصوصا في موسم الربيع. هذا إضافة إلى رائحة أزهار أشجار الحمضيات وروائح العطور المختلفة، وروائح التوابل وروائح فطور صباح الذي يفوح من المطبخ عند تحميص الخبز أو قلي البيض أو إعداد الشاي، وكذلك رائحة الحليب والطماطم والزيتون والقهوة التي عادة ما يتم تناولها أثناء الفطور، أو رائحة اللحم المشوي أو رائحة الصابون المنعشة ...
مثلما استرجعت من ذاكرتك الروائح المختلفة أعد الكرّة هذه المرة بالنسبة إلى المذاقات المختلفة التي صادفتها أو تصادفها في حياتك اليومية، مثل مذاقات الأطعمة المختلفة كالحلويات واللحوم والأسماك والخضروات والحساء بمختلف أنواعه والسلطة والمعجنات والفواكه والمشروبات والمربيات والمثلجات والمعجنات السكرية ومذاقات أخرى كثيرة جدا نتذوقها في حياتنا اليومية ...
وفي ذاكرة كل إنسان يوجد حيز يحتفظ فيه بعدد من الروائح والمذاقات التي تحسسها في حياته، وربما كانت إحداها كافية لكي تشعره بالنشوة. وهذه الروائح والمذاقات التي عددنا جزءا منها كأمثلة تعتبر قطرة من بحر النعم الذي نسبح فيه، وكل واحدة من هذه الروائح والمذاقات تثير فينا أسئلة وتساؤلات عميقة ومثيرة، ويلفت القرآن الكريم نظر الإنسان إلى أهمية التفكر في هذه النعم الإلهية:
"وَإِن تَعُدّوا نِعمَةَ الله لاَ تُحصُوهَا إِنّ الله لَغَفُورٌ رَحِيمٌ" . النحل – الآية 18.
وكما خلق الله العليم الخبير هذه النعم المختلفة، فإنه خلق في أجسامنا الأجهزة التي تستطيع أن تتحسس وجود هذه النعم بتمييزها بعضها عن بعض، وقد سخر عز وجل هذه النعم لخدمة الإنسان، وهذا التسخير يعتبر جزءا من رحمته تعالى التي وسعت كل شيء. وثمة جهازان من هذه الأجهزة لهما أهمية قصوى بالنسبة إلينا، وهما جهاز حاسة الشّم وجهاز حاسة الذّوق ، فنحن لانستطيع أن نتحسس وجود عالم الروائح والمذاقات إلا بوجودهما.
وافرض عزيزي القارئ أنك لا تملك حاستي الذوق والشم، ففي هذه الحالة سوف تصبح الروائح والمذاقات لا معنى لها عندك، وافرض أنك لا تستطيع الإحساس برائحة ما تأكله ولا تشعر كذلك برائحة ما تشربه فعندئذ فقط سوف تدرك أهمية حاستي الشم والذوق، فالذي يكسب الفراولة خاصيتها المميزة هو رائحتها ومذاقها المميز، وإذا لم تكن قادرا على شم رائحتها وتذوق طعم الفروالة، فهذا يعني أنّه ليس بمقدورك أن تستوعب معنى كلمة الفراولة.
ولقد منح الإنسان هاتين الميزتين إلى جانب مميزات أخرى منذ خلق على وجه هذه البسيطة، وهو يستخدمهما في تمييز الروائح والمذاقات المختلفة التي تعد بعشرات الآلاف دون صعوبة أو مشقة. وهذه الحواس تعمل ضمن أجهزة خارقة موجودة في جسمه، وتعمل هذه الأجهزة طيلة حياة الإنسان دون توقف أو كلل كي تجعله قادرا على شم الكثير من الروائح وتذوق االكثير من المذاقات المختلفة والتمييز بينها، وفوق هذا فإن الأجهزة مكتسبة طبيعيا، ولم يتدرب الإنسان على كيفية الشم والتذوق، وإنما اكتسب هذه الفعاليات ومارسها طبيعيا وتلقائيا دون أي جهد .
وهذا الذي ذكرناه يجعل الإنسان يتوقف للتمعّن والتفكير بعمق أمام هذه الحقائق، وكل إنسان عاقل نبيه قد يسأل نفسه السؤال الآتي: كيف وجدت الأجهزة الجسمية التي تمكنني من الشم والتذوق؟

تشير الكتب العلمية وخصوصا الطبية وكتب علم الأحياء إلى أن الفضل يعود دائما في ذلك إلى الأنف والمخ، و هذا الأمر في جزء منه صحيح، فنحن فعلا لا نستطيع التذوق والشم إلا بوجود الأنف واللسان والمخ وأداء هذه الأعضاء لفعالياتها بصورة كاملة، إلا أن هناك الجزء الأهم من الجواب يتم إهماله بقصد أو بغير قصد، ويمكن أن يكون على شكل التساؤل الآتي:
لمن ندين بهذه النعمة العظيمة؟ من الذي أوجد الأنف واللسان والمخ في أجسامنا؟
أغلبنا يكتفي بمعرفته كون التذوق يتم بواسطة اللسان والشم يتم بواسطة الأنف، ولكن هذا خطأ كبير، فالتذوق والشم جزء لايتجزأ من حياة الإنسان ولا يمكن الاستغناء عنه أبدا، لذلك فغض النظر عن البحث عن جواب لهذا السؤال هو الغفلة عينها.
فنحن بلا شك مدينون في وجود هذه النعم لله سبحانه وتعالى الذي خلقها وسخرها لنا، ومن هذه النعم ما هو موجود في أجسامنا مثل الشم والذوق ومنها ما هو موجود حولنا. ولو تمعن الواحد منا في كيفية أداء أجهزة الشم والذوق لوظائفها لوجد أجهزة مليئة بالأدلة القاطعة على حدوث عملية الخلق، وهي الأدلة التي تعكس لنا القدرة اللامتناهية لله تعالى في خلق الأشياء وتصويرها وإبداعها، وهذا التمعن والتأمل في خلق الله يساعد الإنسان على استيعاب جزء ولو صغير من بحر لطائفه وفضله ونعمه جل جلاله نحو الإنسان. وعلى مدى صفحات الكتاب سوف يجد القارئ أمامه جملة من نعم الله وفضائله ذكرت في صفحات الكتاب كي تكون تذكرة له من السّهو وصحوة له من الغفلة، وهذه النعم الإلهية هي وسيلة للرد المقنع على أفكار أولئك الداروينيين الذين يُرجعون وجود جميع الأشياء إلى المصادفة المحضة، وهذه الأفكار لا شك تدل على بساطة تفكير أصحابها وسذاجته، ويصوّر لنا القرآن الكريم عملية الخلق أبرع تصوير فيقول تعالى:
"هُوَ الله الخَالِقُ البَارِئُ المُصوّرُ لَهُ الأَسمَاءُ الحُسنَى يُسبّحُ لَهُ مَا فِي السّمَوَاتِ وَالأَرضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ ". الحشر- الآية 24 .
 
التعديل الأخير:

مواضيع مماثلة

وريث القيسين

مهندس غذائي
إنضم
25 فبراير 2010
المشاركات
1,235
مجموع الإعجابات
139
النقاط
0
ما أجملُ حلقات العلمِ

وما أجملُ مانقلت


فإن تعدو نعمةَ الله لاتحصوها

فكل يجلس جلسة فكرٍ وعقل

كيف هذا ؟ وكيف ذاك ؟

فليسأل نفسه دائما

لماذا هذه الأشياء ؟

والإجابة لأن خالقه عظيم


شكرا لك يالغالي


ولكنّ الذي أعجبني وشدّ ذهني

هو توقيعكـ .. !!

فإنّي ذُهلتُ لِمَا كُتِبَ فيه

ورحمَ الله ذلك المفكرْ


وجزيتَ عنّا وعنِ الإسلامِ كلّ خيرٍ


أتمنى أن تكثر من هذه البحوث ومن هذه العجائز الإلهيه


وديـ ى .. !!



وريثكـ
 

ربيع عاطر

عضو جديد
إنضم
31 يناير 2009
المشاركات
1,465
مجموع الإعجابات
156
النقاط
0
تصميم جهاز حاسة الشم

إنّ تعريفنا للأشياء التي نراها أو نتحسسها سهل للغاية، وبالرغم من ذلك نعاني من صعوبة تسمية بعض الروائح التي نشمها، وربما عمدنا إلى تشبيه تلك الرائحة بأخرى معروفة لدينا، وعموما تكون تلك الرائحة المجهولة مهيجة لأحاسيس معروفة لدينا سابقا، فإذا كانت الرائحة زكية دعوناها بـ "الطيبة أو الحسنة"، وإذا كانت غير ذلك دعوناها بـ "النتنة أو الكريهة"، وسبب ذلك يرجع إلى عدم وجود تسمية معينة للعديد من الروائح التي نصادفها في حياتنا اليومية.
والمقصود بالرائحة هي تلك الجسيمات الدقيقة المنبعثة من الأشياء والمواد، فالذي يجعلنا نشم تلك الرائحة النفاذة والطيبة المنبعثة من القهوة المحمصة هي تلك الجزيئات المنطلقة من مادة القهوة، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الكعكة الموجودة في الفرن، فرائحتها أقوى من رائحة الكعكة العادية خارج الفرن وذلك بسبب كثرة انتشار الجزيئات المنبعثة منها. فحرارة الفرن الزائدة تكسب جزيئات الرائحة حركة زائدة وانتشارا أوسع في الوسط، وينبغي أن نلفت نظر القارئ إلى أهمية التوازنات الموجودة في حياة الإنسان، فقد يوجد زجاج أو أحجار أو حديد في الوسط الذي يوجد فيه الإنسان، ولكن هذه المواد لا رائحة لها، وسبب ذلك يرجع إلى عدم تبخرها في درجة حرارة الغرفة.
وافرض عزيزي القارئ أن كل شيء في الغرفة أصبح ذا رائحة، فمثل هذا الوضع يكون مزعجا للغاية، وربما يعكر صفو الحياة ويجعلها لا تطاق. والحقيقة الأخرى المثيرة للانتباه تتمثل في عدم وجود رائحة للمياه بالرغم من تبخرها عند درجات حرارة منخفضة نسبيا، فهذه الخاصية في الماء مهمة للغاية، فالوردة الجافة لها رائحة تماما مثل الوردة المبللة بالماء، ولافرق بين رائحتيهما، فضلا عن كون وجود بخار الماء في الجو أو ما ندعوه بالرطوبة يؤدي إلى تقوية تأثير الروائح الموجودة في الجو، وعلى سبيل المثال تقوم جزيئات الماء المتبخرة بعد سقوط المطر بحمل جزيئات روائح الأزهار إلى الجو، وتنشر روائح منعشة وطيبة.
" أَمَّن خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِنَ السّمَاءِ مَاءً فَأَنبَتنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهجَةٍ مَا كَانَ لَكُم أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا أَإلَهٌ مَعَ الله بَل هُم قَومٌ يَعدِلُونَ "سورة النمل – الآية 60
 
أعلى