مصطلح القانون وأثره في الحياة

محسن 9

عضو جديد
إنضم
31 مارس 2006
المشاركات
3,101
مجموع الإعجابات
132
النقاط
0
مصطلح القانون وأثره في الحياة

من أكثر المصطلحات شيوعاً في حياة الناس هو مصطلح القانون، ويفهم الجميع معنى القانون وأثره في الحياة، ولو بدرجات متفاوتة لتماسّهم اليومي مع القوانين المنظِّمة لعلاقاتهم ونشاطاتهم في كلّ مؤسّسة إجتماعية ونشاط إنساني منظّم، فأجهزة الدولة ونشاطاتها المختلفة والسوق والجمعية والحزب والنقابة والمحكمة والتجارة وملكيّة الأرض والمصارف وبيوت المال والشركات والمرور في شوارع المدن... إلخ، كلّها تخضع للقانون، ولها قوانين تنظِّم نشاطاتها.
لذا عُرِّف القانون بأنّه: "مجموعة القواعد المنظِّمة لسلوك الأفراد في المجتمع والتي تحملهم السلطة العامّة فيه على احترامها، ولو بالقوة عند الضرورة. وهذا هو المعنى العام المقصود بكلمة القانون".
وكلمة القانون هي كلمة معرّبة، منقولة إلى العربية من اللّغة اللاتينية كما يذكر البعض ذلك. وقد شاع إستعمال كلمة قانون في اللّغة العربية، والثقافة الإسلامية بعد عصر الترجمة، وقد استعملت كلمة القانون بمعنى القاعدة التي تنظِّم العلاقات بين شيئين أو أكثر تنظيماً متّصفاً بالثبات والحتمية والعموم، سواء في مجال الطبيعة أو الفكر والمجتمع؛ لذا استعملت كلمة قانون في الطبّ والفيزياء والمنطق والكيمياء. كما استعملت في تنظيم العلاقات الإجتماعية، كالعلاقات الدوليّة فيُقال القانون الدولي، والعلاقات التجارية فيُقال القانون التجاري، وفي تنظيم العلاقات الأسرية فيُقال قانون الأحوال الشخصية.
والقانون كما ينظِّم الحياة المدنية للمجتمع فإنّه يساهم مساهمة فعّالة في تطوير الحياة وتنميتها على أسس علمية ومراعات للواقع البشري بعكس القانون الذي لا يقوم على رؤية علمية ولا مراعاة للواقع الإجتماعي فإنّه يتسبّب في تخلّف الحياة وإعاقتها.
ولقد استعمل القرآن كلمة (شِرْعة) و(شرع) و(شريعة) و(منهاج) و(حدّ)، بمعنى القانون الذي ينظِّم العلاقات الإجتماعية المختلفة، فقال: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ...) (الشورى/ 13).
وقال: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا...) (المائدة/ 48).
وقال: (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأمْرِ فَاتَّبِعْهَا...) (الجاثية/ 18).
وقال: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا...) (البقرة/ 187).
وقال: (وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ...) (الطلاق/ 1).
وباستقراء المصادر والقواعد التشريعية والفكر التشريعي في الإسلام نجدها منهجاً شاملاً وتنظيماً مستوعباً لكلّ صغيرة وكبيرة في الحياة، واستيعابه للوقائع والحوادث الموجودة في عصر التنزيل ولما استجدّ فيما بعد نتيجة لتطوّر الحياة، وتنامي العلوم والمعارف. وجاء هذا الاستيعاب نتيجة لعلم المشرِّع سبحانه وقدرته على إيداع هذه القدرة الإستيعابية المعجزة في نصوص التشريع ومفاهيمه، فقد استوعب النص والمفهوم الشرعي تطوّر الحياة بمبدأين أساسين هما: عموم النصّ وإطلاقه.
ولكي نفهم بوضوح أكثر دقّة وعلميّة وقدرة التشريع الإسلامي على استيعاب الثابت والمتغيِّر من الحياة، فلابدّ لنا من أن نعرِّف بمبدأين تشريعين هما:
1- حالات وجود الحكم في الكتاب والسنّة.
2- جواز الإجتهاد ومنهج الاستنباط.
1- حالات وجود الحكم في الكتاب والسنّة:
من استقراء مصادر التشريع الأساسية، الكتاب والسنّة، نعرف أنّ الأحكام قد جاءت في هذه المصادر بصيغ تعبيريّة متعدِّدة، ممّا اقتضى وضع منهج علميّ لفهمها والتمهيد لإستنباطها.
وفيما يلي نعرِّف بأبرز تلك الصيغ التعبيريّة، فهي:
1- الحكم الواضح الصريح (النصّ) الذي لا اجمال فيه ولا معارض له، كحرمة الخمر ووجوب الصّلاة والصّوم.
2- الحكم المجمل الذي يحتاج إلى بيان.
3- الحكم الذي يحمل حالة التنازع والتعارض مع غيره، كورود النهي والإباحة في مورد واحد، وكالأمر بالشيء والنهي عنه. ومثل هذا التعارض هو في حقيقته تعارض ظاهريّ، ذلك لأنّ الشريعة الإسلامية لا تناقض فيها.
لذلك وضع علماء أصول الفقه أسساً علميّة لجمع دلالات الروايات المتعارضة. فمثلاً فسَّروا النّهي والإباحة في مورد واحد بالكراهة، فاعتبروا النهي هنا نهي كراهة لا حرمة، بدليل اباحته في بيان آخر.
4- العمومات والإطلاقات التي تسلك كقواعد تشريعيّة عامّة تنطبق على مساحات غير محدودة ممّا يدخل تحت هذا العموم أو الإطلاق.
5- ورود المخصّصات والمقيّدات للعموم والإطلاق. فمثلاً إباحة البيع في قوله تعالى: (وأحلّ الله البيع وحرّم الرِّبا) مُقيّد بشروط عديدة، كشرط حلِّيّة الأعيان المباعة. وعموم حرمة الرِّبا مخصّصة بروايات، مثل قول الرسول الكريم (ص): "ليس بيننا وبين أهل حربنا رباً، نأخذ منهم، ولا نعطيهم".
6- التشريع المعلّل ووحدة الملاك في بعض الأحكام والتشريعات ممّا يسري حكمها إلى مساوياتها من شؤون الحياة البشريّة كسريان التحريم إلى كلّ ما يؤدِّي إليه الخمر، وهو الاسكار، وسريان الحرمة إلى كلّ مسكر... إلخ.
7- مجيء بعض النصوص الناهية عمّا هو أقلّ فحشاً وقبحاً وضرراً مما يدرج تحتها ما يفوقها بالفحش والقبح والضّرر، كقوله تعالى: (فلا تقُل لهما أُفٍّ) الذي يحمل النهي عمّا هو أعظم منه بالقبح والمنكر، أو الإلزام بيسير من المعروف والمصلحة، ممّا يوحي باحتمال عدم الترخيص بترك ما يفوقه في الأهميّة.
8- وجود نصوص تثبت البراءة مت التكليف في كلّ مجال نشكّ بوجود تكليف فيه، والذي اصطلح عليه في لغة علماء أصول الفقه بـ(أصل البراءة).
وان نحن قرأنا مجموع حالات وجود الحكم أو احتمالها في ثنايا الكتاب والسنّة، تأكّد لنا أنّا لا نستطيع الحصول على الحكم الشرعيّ بشكل ميسّر إلا في الحالة الأولى، أمّا في بقيّة الحالات فعمليّة إستفادة الحكم من مصدره لا تحصل إلا عن طريق الإجتهاد وبذل الجهد العلميّ.
2- جواز الإجتهاد والاستنباط:
في البدء لابدّ من التعريف بالإجتهاد كمفهوم ومصطلح ليتّضح لنا معناه وقيمته في إثراء الفقه والقانون الإسلامي ومعالجة المشاكل والقضايا المستجّدة في الحياة.
- تعريف الإجتهاد:
الإجتهاد في اللّغة: قال الجوهري في قاموس الصحاح: "الجَهْدُ، والجُهْدُ: الطاقة. الجَهْدُ: المشقّة. وجَهَدَ الرّجلُ في كذا: أي جدَّ فيه وبالغ. والإجتهاد والتجاهد: بذل الوسع والمجهود".
وقال الراغب الاصفهاني: "الجَهْدُ والجُهْدُ: الطاقة والمشقّة. والإجتهاد أخذ النفس ببذل الطاقة وتحمّل المشقّة، يُقال: جهدت رأيي، وأجهدته: أتعبته بالفكر...".
الإجتهاد في الاصطلاح: والإجتهاد كما نعرف مصطلح علمي متداول لدى الفقهاء وعلماء أصول الفقه، له تعريفه، وحدوده المسموح بها، ومنهجه وأدلّة مشروعيّته.
ولقد عرّف العلماء المختصون الإجتهاد بمعناه الإصطلاحي بأنّه: "بذل الجهد في إستخراج الأحكام الشرعية، وبهذا الإعتبار يكون إستخراج الأحكام من أدلّة الشرع إجتهاداً".
ونقل الآخوند تعريفاً علميّاً للإجتهاد عن بعض العلماء جاء فيه أنّ الإجتهاد: "ملكة يقتدر بها على استنباط الحكم الشرعي الفرعي من الأصل فعلاً أو قوّة قريبة".
وقد دار حوار علمي واسع على مدى قرون عديدة حول جواز الإجتهاد في الشريعة ومدى مشروعيّته، وكانت نتيجة هذا الحوار أن انتصرت النظرية الإجتهادية، وعوّل المسلمون عليه في إستخراج الأحكام الشرعية (القوانين الإسلامية) في مختلف المجالات التي لم يرد فيها حكم صريح في الشريعة.
ويفهم من تعريف الإجتهاد: أنّ المقصود به هو القدرة العلمية على استنباط أو إستخراج الحكم الذي يحتاج إستخراجه إلى جهد علمي، كما يفهم منه أيضاً أنّه اسم لعملية الإستنباط الفعلي للحكم واستخراجه من دليله الشرعي.
وهذا يعني أنّ الإجتهاد:
1- عمل علمي.
2- انّه إستخراج الحكم من الأصل الشرعي (الدليل).
3- أنّ الإجتهاد تنحصر دائرته في القضايا التي لم يرد فيها حكم بيِّن ومحدّد، وهذا يعني أيضاً عدم جواز الإجتهاد في الحكم البيِّن (النصّ).
ولذا ثبِّتت القاعدة المنظِّمة والضابطة لعملية الإجتهاد والمحدِّدة لدائرته بالنص الآتي: "لا إجتهاد مع النصّ

منقول
 
أعلى