مختصر شرح رسالة أصول السُنَّة للإمام أحمد بن حنبل

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,949
مجموع الإعجابات
1,976
النقاط
113
الأصل التاسع من الرسالة

الأصل التاسع (الفقرة التاسعة من الرسالة)
قال المُصِنِّف الإمام أبو عبد الله أحمد بن حَنْبَل :
( والإيمان بشفاعة النبى صلى الله عليه وسلم، وبقومٍ يَخرُجُون من النار بعد ما احترقوا وصاروا فَحْمَاً، فيُؤمَر بهم إلى نهرٍ على باب الجنة كما جاء فى الأثر، كيف شاء الله، وكما شاء، إنما هو الإيمان به والتصديق به ).

* فى هذه الفقرة يذكر الإمام أحمد الأصل التاسع أو المسألة التاسعة من مسائل العقيدة التى تعود على العبارة ( ومِن السُنَّة اللازِمة التى مَنْ تَرَكَ مِنها خِصلَة ... لم يَكُن مِن أهلها ) والتى مَن خالفها عن عَمد وعِلم لم يصير من أهل الإيمان (مِن الفرقة الناجية)، وصار من احدى الثنتين وسبعين فِرقَة التى فى النار ، بعد ذِكرِه ثمانية أصول بالفقرات السابقة (القدر خيره وشره، رؤية الله تعالى، القرآن غير مخلوق، الرؤية يوم القيامة وفى المعراج، الميزان يوم القيامة، تكليم الله لعباده يوم القيامة، الحوض، عذاب القبر). هذه المسألة هى شفاعة النبى صلى الله عليه وسلم يوم القيامة.
* الشفاعة أحد الأبواب الخاصة بركن الإيمان باليوم الآخر، فيجب التصديق والإيمان بها.
ومَن أنكر أمر الشفاعة على الإطلاق فهو مبتدع ضال (بدعة كفرية).
ومَن أثبت أمر الشفاعة على الإطلاق فهو مبتدع ضال.
أما المعتقد الصحيح فى أمر الشفاعة (معتقد أهل السنة) هو ثبوت الشفاعة يوم القيامة ولكن ليس على إطلاقه، فليس كل الخلق ستَشْفَع لبعضها، وليس كل مَن فى النار سيُشفَع له. بل الأمر مقيَّد فيمن سيَشْفَع وفيمن سيُشْفَع له وفيمن تنفعه الشفاعة وفيمن لا تنفعه الشفاعة، فليس الأمر على إطلاقه.
* أنواع الشفاعة عند أهل السنة والجماعة :
(1) الشفاعة المُثبَتَة : التي تُطلَب من الله، والشافع مكرَّم بالشفاعة، والمشفوع له هو مَن رضِي اللهُ قولَه وعمَلَه بعد الإذن.
(2) الشفاعة المَنْفَيَّة : ما كانت تُطلَب من غير الله فيما لا يقدِر عليه إلا الله.
الأدلة على أنواع الشفاعة :
" ما مِن شَفِيعٍ إلا مِنْ بَعْدِ إِذْنِه " شفاعة مثبتة.
"يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً " مثبتة.
" فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ " شفاعة منفية.
" وَاتَّقُوا يَوْمًا لَّا تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ " شفاعة منفية.
* أنواع أو صور الشفاعة المنفيَّة :
1- الشفاعة للكفار والمنافقين، فلا شفاعة لهم.
" فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ " الآية 48 سورة المدثر، وتعود على المجرمين فى الآية 41 ، وهم الكافرون والمنافقون والمشركون.
2- الشفاعة التى تُطلَب من غير الله.
" أمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ الله شُفَعَاء قُلْ أَوَ لَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلَا يَعْقِلُونَ قُلْ لله الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ".
3- الشفاعة للآلهة التى عُبِدَت من دون الله ، وهذه يمكن أن تدخل ضمنياً بالنوع السابق.
" وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ ".
* أنواع أو صور الشفاعة المثبتة :
1- شفاعة الله تعالى (فضل الله تعالى)، هى أكبر وأعظم شفاعة، وتكون بعد انتهاء كل الشفاعات يوم القيامة.
2- شفاعة النبى محمد صلى الله عليه وسلم.
3- شفاعة الأنبياء والمرسلين.
4- شفاعة الصدِّيقين والشهداء والصالحين والأولياء.
5- شفاعة الأفراط (مَن ماتوا صغاراً).
6- شفاعة حاملى القرآن.
ونركز هنا على الشفاعة المثبتة للنبى محمد صلى الله عليه وسلم لأنها موضوع الأصل التاسع بالرسالة، والذى نحن بصدده.
* أنواع الشفاعة المثبتة للنبى محمد صلى الله عليه وسلم :
(أ) الشفاعة العظمى لأهل المحشر جميعاً، لكى يُفرِّج الله عن الناس ويبدأ فى حسابهم.
والدليل على ذلك ما رواه البخارى من حديث أبى هريرة أنه قال :
أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أُتيَ بلَحم فرُفع إليه الذراع، وكانت تُعجِبُه، فنهش منها نهشةً، ثم قال: " أنا سيد الناس يوم القيامة، وهل تدرون ممَّ ذلك؟ يجمع الله الناس الأوَّلين والآخِرين في صعيد واحد، يُسمِعهم الداعي ويَنفُذهم البصر، وتدنو الشمس، فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يُطيقون ولا يَحتملون، فيقول الناس: ألا ترون ما قد بلغكم، ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟ فيقول بعض الناس لبعض: عليكم بآدم، فيأتون آدم عليه السلام فيقولون له: أنتَ أبو البشر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمَر الملائكة فسجدوا لك، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه، ألا ترى إلى ما قد بلغنا؟ فيقول آدم: إنَّ ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنه قد نهاني عن الشجرة فعصيتُه، نَفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح، فيأتون نوحاً فيقولون: يا نوح، إنك أنت أوَّل الرسلِ إلى أهل الأرض، وقد سمَّاك الله عبداً شكوراً، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول: إنَّ ربي عزَّ وجلَّ قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنه قد كانت لي دعوة دعوتُها على قومي، نفسي نفسي نفسي، اذهَبوا إلى غيري، اذهبوا إلى إبراهيم، فيأتون إبراهيم فيقولون: يا إبراهيمُ، أنتَ نبيُّ الله وخليله من أهل الأرض، اشفع لنا إلى ربِّك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقولُ لهم: إنَّ ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضبَ بعدَه مِثلَه، وإني قد كنتُ كذَبتُ ثلاث كذبات - فذكرهنَّ أبو حيان في الحديث - نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى موسى، فيأتون موسى فيقولون: يا موسى، أنت رسول الله، فضَّلَك الله برسالته وبكلامه على الناس، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول: إنَّ ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني قد قتلت نفساً لم أُؤمر بقتلها، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى عيسى ابن مريم، فيأتون عيسى، فيقولون: يا عيسى، أنت رسول الله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وكلَّمت الناس في المهد صبيَّاً، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول عيسى: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله قط، ولن يغضب بعده مثله، ولم يذكر ذنباً، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى محمد، فيأتون محمداً فيقولون: يا محمدُ، أنت رسول الله وخاتم الأنبياء، وقد غفر الله لك ما تقدَّم من ذنبِكَ وما تأخَّر، اشفع لنا إلى ربِّك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فأنطلِقُ فآتي تحت العرش، فأقع ساجداً لربي عزَّ وجلَّ، ثمَّ يفتح الله عليَّ من مَحامِدِه وحسْنِ الثناء عليه شيئاً لم يفتحه على أحد قبلي، ثمَّ يُقال: يا مُحمَّد، ارفع رأسك، سلْ تُعطَه، واشفع تُشفَّع، فأرفع رأسي، فأقول: أمتي يا رب، أمتي يا رب، أمتي يا رب، فيقال: يا محمَّد، أدخِلْ مِن أمَّتك مَن لا حساب عليهم مِن الباب الأيمن مِن أبواب الجنة، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب، ثم قال: والذي نفسي بيده، إنَّ ما بين المصراعين مِن مصاريع الجنة كما بين مكة وحِمْيَر - أو كما بين مكة وبُصرى ".
(ب) شفاعته فى أقوام يدخلون الجنة بغير حساب.
والدليل على ذلك نفس الحديث السابق لأبى هريرة، والشاهد منه :
" فأقول: أمتي يا رب، أمتي يا رب، أمتي يا رب، فيقال: يا محمَّد، أدخِلْ مِن أمَّتك مَن لا حساب عليهم مِن الباب الأيمن مِن أبواب الجنة، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب ".
(ج) شفاعته لدخول المؤمنين الجنة.
والدليل على ذلك روايتان عند مسلم لأنس بن مالك رضى الله عنه قال :
قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم : "أَنَا أَوَّلُ النَّاسِ يَشْفَعُ فِي الْجَنَّةِ، وَأَنَا أَكْثَرُ الأَنْبِيَاءِ تَبَعاً".
قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: "آتِي بَابَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَأَسْتَفْتِحُ، فَيَقُولُ الْخَازِنُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَأَقُولُ: مُحَمَّدٌ. فَيَقُولُ: بِكَ أُمِرْتُ لاَ أَفْتَحُ لأَحَدٍ قَبْلَكَ ".
(د) شفاعته لأهل الكبائر مِن أمَّته مِمَّن دخل النار (بشرط أن يكون مات على التوحيد).
والدليل على ذلك ما رواه أحمد من حديث أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي ".
(هـ) شفاعته لعمه أبى طالب.
وهى شفاعة مُشكَلَة لوجود دليل يُعارِضها مِن القرآن، كما سيلى ذكره.
الدليل على شفاعته لعمِّه أبى طالب :
فى الصحيحين من حديث أبى سعيد الخدرى أنه سمع النبى صلى الله عليه وسلم، وذُُكِر عنده عمُّه فقال : "لعلَّه تنفعه شفاعتى يوم القيامة، فيُجعَل فى ضَحْضَاحٍ من النار يبلغ كعبيه يغلى منه دماغه".
وفى الصحيحين من حديث العباس أنه قال : يا رسول الله، هل نفَعْتَ أبا طالب بشىء فإنك كان يحوطك ويغضب لك ؟ قال: " نعم، هو فى ضَحْضَاحٍ من نار، لولا أنا لكان فى الدرك الأسفل من النار ".
الدليل المعارِض لهذه الشفاعة :
قال تعالى عن المشركين والكافرين : " فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ ".
قال تعالى : " مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ ".
لفظة الظالمين هنا تعنى الظالمين ظلماً أكبر مُخرِجاً من الملَّة.
وذَكَرَت السُنَّة أن أبا طالب مات على الكفر، والإجماع منعقِدٌ على ذلك.
الرد على هذا الإشكال :
أجمع أهل العلم أنَّ (مَن مات على الكفر لا ينتفع فى أخراه بأى عمل صالح عَمِلَه فى الدنيا، إنما يوفَّى جزاؤه فى الدنيا فقط، وأنه لا يُشفَع للكافرين قط يوم القيامة، لا فى الخروج مِن النار، ولا فى تخفيف عذاب النار عليهم).
وعليه فهذا أمر خاص بأبى طالب فقط وهو من خصائص النبى عليه الصلاة والسلام إكراماً له هو وليس إكراماً لأبى طالب، ويؤكد هذا قوله : "لولا أنا" ، بالإضافة إلى أن هذا النفع الحاصل لأبى طالب ليس نفعاً كاملاً، فهو لم يخرج من النار على أي حال ولم يسقط العذاب عنه بالكلية وإنما خُفِّف فقط – إكراماً وتطييباً لقلب النبى عليه الصلاة والسلام فقد نصره أبو طالب وزاد عنه فى الدنيا – ومع هذا فإن أبا طالب لا يرى أن أحداً أشد عذاباً منه.
وبهذا يزول الإشكال ولا يوجد تعارض بين الحديث والآية، فالآية محكمة والحديث صريح قد خصص الآية، أى أن الحديث تخصيص للآية فى أبى طالب فقط .
(انتهى بحمد الله الأصل التاسع من الرسالة)
 

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,949
مجموع الإعجابات
1,976
النقاط
113
الأصل العاشر من الرسالة

الأصل العاشر (الفقرة العاشرة من الرسالة)
قال المُصِنِّف الإمام أبو عبد الله أحمد بن حَنْبَل :
( والإيمان أنَّ المسيح الدجَّال خارجٌ، مكتوبٌ بين عينيه كافر، والأحاديث التى جاءت فيه، والإيمانُ بأن ذلك كائن، وأنَّ عيسى بن مريم عليه السلام يَنْزِل فيَقتُله ببابِ لُدّ ).

* فى هذه الفقرة يذكر الإمام أحمد الأصل العاشر أو المسألة العاشرة من مسائل العقيدة التى تعود على العبارة ( ومِن السُنَّة اللازِمة التى مَنْ تَرَكَ مِنها خِصلَة ... لم يَكُن مِن أهلها ) والتى مَن خالفها عن عَمد وعِلم لم يصير من أهل الإيمان (مِن الفرقة الناجية)، وصار من احدى الثنتين وسبعين فِرقَة التى فى النار ، بعد ذِكرِه تسعة أصول بالفقرات السابقة (القدر خيره وشره، رؤية الله تعالى، القرآن غير مخلوق، الرؤية يوم القيامة وفى المعراج، الميزان يوم القيامة، تكليم الله لعباده يوم القيامة، الحوض، عذاب القبر، شفاعة النبى صلى الله عليه وسلم يوم القيامة). هذه المسألة هى الإيمان بخروج المسيح الدجَّال، وما ذكِر فيه من أحاديث صحيحة تحدَّثت عن وصفه، وهيئته، وعلامات ظهوره، وأفعاله بعد خروجه، والفتن والخوارق التى تكون معه، والمدة التى يمكثها، والأماكن التى يستطيع دخولها، والأماكن التى لا يستطيع دخولها، وأتباعه، ومصرعه، وسبل النجاة منه. فقد ذكرت السنَّة كل ما يخصُّه من أمور لتحذير الأمة منه، وذلك لأن فتنته عظيمة جداً خاصةً أنه يأتى فى آخر الزمان والناس فى خِفِّة من العقل والدين.

* الدَجَّال صيغة مبالغة على وزن فعَّال تعنى كثير الدجل ، والدجل هو الادِّعاء والكذب والخداع والتضليل والتمويه وتغطية الحق بالباطل.
المَسِيح لأن احدى عينيه ممسوحة، وقيل لسرعه مسحه الأرض أى سرعة سيره، فهو يجوب العالم كلَّه فى أربعين يوم، ويدخل كل مكان فيه إلا مكة والمدينة تمنعه الملائكة من دخولهما.
*المسيح الدجال كما أخبر عنه النبى صلى الله عليه وسلم فى أحاديث كثيرة ليس شأنه كشأن الدجالين الآخرين قبله الذى يدَّعى كل واحد منهم النبوة، فهذا الدجال شأنه أفظع وأكبر مِن أى دجال آخر، فقد ورد فيه أنه يدَّعى الربوبِيَّة ، ولهذا قال النبى صلى الله عليه وسلم فيه: "ما بين خلق آدم و قيام الساعة أمرٌ أعظم من الدجال"، فأعظم فتنة على الإطلاق هى فتنة الدجال، لذا ما مِن نبىٍّ بعثه الله إلا وحذَّر أُمَّته منه ؛ ومِن باب الفتنة أنه يُمكَّن له بشىء من الخوارق التى ثبت فى النصوص أنها تقع له فيغترَّ بها مَن أعمى الله بصائرهم فيتَّبِعوه، أما المؤمن فكما سيأتى يرى عليه العلامات الدالة على كذبه. لذا فإن أخبار الدجَّال كثيرة فى سنة النبى صلى الله عليه وسلم كما فى صحيح البخارى ومسلم وغيرهما.
وقد روى هذه الأحاديث حوالى عشرين صحابي هم ( أبوبكر الصديق، جابر بن عبد الله، أبوهريرة، عبادة بن الصامت، حذيفة بن اليمان، أبوبكرة نُفَيْع بن الحارث، أُبَىّ بن كعب، عبد الله بن عمر، عبد الله بن عمرو بن العاص، أنس بن مالك، عِمْران بن حُصَيْن، النَّوَّاس بن سَمْعَان، المُغيرة بن شُعْبَة، أبوسعيد الخُدْرى، أبوالدرداء، عبد الله بن عباس، حُذَيفة بن أُسَيْد، عائشة بنت أبى بكر، فاطمة بنت قيس، مِحْجَن بن الأَدْرَع الأَسْلَمىّ، سفينة مَوْلَى رسول الله صلى الله عليه وسلم).
وقال بتواتر أحاديث الدجَّال الأئمة (السَّخاوى، ابن كثير، الشوكانى) وغيرهم.

* وصف الدجَّال :
(مِن حديث عبادة بن الصامت): هو رجل قصير، أفحج الساقين (إذا مشى باعد بين رِجْلَيْه)، جَعْد الرأس (شعره مجعَّد غير مسترسل)، أعور مطموس العين.
(مِن أحاديث ابن عمر): أعور العينى اليمنى كأنها عنبة طافية، جَسِيم أحمر، جَعْد الرأس، أقرب الناس به شبهَاً ابن قَطَن.
(مِن حديث فاطمة بنت قيس – على لسان تميم الدارى): فإذا فيه أعظم إنسان رأيناه قط خَلقَاً وأشده وثاقاً.
(مِن حديث أبى بكرة نفيع بن الحارث): أعور العين اليسرى، بين عينيه كافر يقرأها الأُمِّىّ والكاتب.
(مِن حديث أنس بن مالك): أعور، كذّاب، بين عينيه مكتوب كافر وفى رواية ك ف ر يقرأه كل مؤمن كاتب وغير كاتب (أى الذى يعرف القراءة والكتابة، والأمِّىّ الذى لا يعرف القراءة والكتابة).
ووجه الجمع بين كل الأحاديث التى جاءت فى وصفه :
هو رجل عظيم الخِلقَة، ضخم الجسم والرأس، قصير. وجنتاه حمراء. شعره أجعد منحسر. كلتا عيناه معيبتان بهما عَوَر، اليمنى ناتئة بارزة كأنها عنبة طافية واليسرى ممسوحة. أقرب الناس شبهاً به رجلٌ من خزاعة يُسمَّى عبد العزَّى بن قَطَن. مكتوب بين عينيه (كافر) أو (ك ف ر)، يقرأها كل مسلم مؤمن بالله سواء كان يعرف القراءة والكتابة أو لا يعرف، ولا يقرأها الكافر ولو كان يجيد القراءة والكتابة. أفحج الساقين أى إذا مشى باعد بين رجليه. يهودى أكثر أتباعه من اليهود. يُلقَّب بالمَسِيح الدَّجَّال الكذَّاب الأَعْوَر.
المَسِيح لأن احدى عينيه ممسوحة، وقيل لسرعه مسحه الأرض أى سرعة سيره، فهو يجوب العالم كلَّه فى أربعين يوم، ويدخل كل مكان فيه إلا مكة والمدينة تمنعه الملائكة من دخولهما.

* مكانه :
هو حى يُرزَق يعيش محبوساً فى دير بجزيرة لا يعلمها إلا الله؛ و قد ذُكِرت فى حديث الجسَّاسة - حديث تميم الدارى، حيث أنَّ ذلك الصحابى رأى الدجال محبوساً مقيداً بسلاسل عظيمة فى ذلك الدير، ولن تُفَك قيوده ويخرج من تلك الجزيرة إلا عندما يشاء الله تعالى.

* علامات ظهوره (خروجه) :
أُخِذَت هذه العلامات من حديث الجسّاسة - حديث تميم الدارى وهى :
نخل بيسان - احدى مدن فلسطين - سوف يتلف ولا يثمر.
بحيرة طبرية - بفلسطين - سوف تجف.
عين زُهَر – بفلسطين - كثيرة الماء وأهلها يزرعون منها؛ ولعلَّ العلامة أن البحيرة ستجف ولا يزرع أهلها منها أو العكس بأنْ تكون هذه هى العلامة نفسها، لأن الحديث لم يذكر تفصيل ما سيحدث لها.
ظهور النبى محمد صلى الله عليه وسلم، وخروجه من مكة ليثرب، ومقاتلة قومه له.

* موعد خروجه :
هو غيب لا يعلمه إلا الله، ولكن هناك علامات لموعد خروجه وهى :
بعد ظهور المهدى وفتوحاته كلها مع المسلمين.
يخرج والناس فى غفلة وجهل و خفة من الدين وإدبار من العلم.
يخرج فى حالة من القحط والمجاعات تُبتَلى بها الناس قبل خروجه بثلاث سنوات، ففى الحديث: ( أنَّ فى السنة الأولى تَحبِس السماء ثُلُث مائها وتَحبِس الأرض ثُلُث ثمارها، وفى السنة الثانية يُحْبس ثُلُثَيْ الماء وثُلُثَيْ الثمار، وفى السنة الثالثة يُحْبس كل الماء وكل الثمار، وإنما غذاء الناس فى ذلك الوقت هو التكبير والتسبيح والتحميد والتهليل تجرى منهم مجرى الغذاء).
وروى الإمام أحمد من حديث محجن بن الأدرع ، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس فقال: " يوم الخَلَاص وما يوم الخَلَاص، يوم الخلاص وما يوم الخلاص، يوم الخلاص وما يوم الخلاص" ، ثلاثاً ، فقيل له: وما يوم الخلاص؟ ، قال: " يجيء الدجال فيصعد أُحَداً، فينظر المدينة ، فيقول لأصحابه أترون هذا القصر الأبيض؟ هذا مسجد أحمد ، ثم يأتي المدينة فيجد بكل نقب منها ملكاً مصلتاً، فيأتي سبخة الحرف فيضرب رواقه ، ثمَّ ترجف المدينة ثلاث رجفات ، فلا يبقى منافق ولا منافقة ولا فاسق ولا فاسقة إلا خَرَج إليه فذلك يوم الخلاص ".
فذَكَر الحديث أنَّ الدجال يخرج فى يوم الخلاص، ولكنه لم يحدد موعد هذا اليوم، ويَمُر على المدينة فيُمنع من دخولها، وترجف المدينة ثلاث رجفات فيخرج كل مَن فيها مِن المنافقين والفاسقين يتبعون الدجال، لذلك فسمِّى هذا اليوم بيوم الخَلَاص لأن المدينة تتخلص فيه من أهل النفاق والفسق، وتكون خالصة بأهل الإيمان.

* مكان خروجه (ظهوره) :
ذُكِرت عدة روايات فى مكان خروج الدجال كالآتى :
1- يخرج من أرضٍ بالمشرق يقال لها خراسان يتبعه أقوام كأنَّ وجوههم المجانّ المطْرَقَة.
2- يخرج من يهودية أصْبهان معه سبعون ألف من اليهود.
3- يخرج من خُلَّةٍ بين الشام والعراق.
وللجمع بين هذه الروايات، فإنه يخرج مِن جهة المشرق (شرق المدينة) مِن بلاد خراسان، ثمَّ ينحدر فى اتجاه الحجاز حتى يصل أصبهان (بإيران) فيظهر أمره بها، ويناصره يهودها، ثم يذهب إلى العراق، ثم يسلك طريقاً بين الشام والعراق قاصداً المدينة فيُمْنع من دخولها فيخرج على العالم أجمع ليعيث فيه فساداً.

* أتباعه :
أتباعه هم الكافرون والمنافقون والفاسقون، وأكثرهم من اليهود. فقد روى الإمام مسلم من حديث أنس: (يتبع الدجال مِن يهود أصبهان سبعون ألفاً عليهم الطَّيالِسَة).
أصبهان أو أصفهان: مدينة تقع بإيران حالياً جنوب مدينة طهران.
الطَّيَالِسَة: جمع طَيْلَس أو طَيْلَسَان (شالٌ، وشاح، كساء أخضر يضعه البعض على الكتف).

* فتنته (الفِتَن التى تكون معه) :
قدَّر الله تعالى أن يكون للدجّال خوارق عظيمة وفتن كبيرة، وهى ليست قدرات مِن عنده ولا مِن صُنعِه بل هى قدرات حَبَاه الله بها ليفتن الناس، ومنها:
1- سرعة تَنَقّلِه فى الأرض، فيجوب الأرض كلها فى أربعين يوم.
2- معه جنّة ونار، إلا أنَّ (جنّـته نار تحرق، وناره ماء عذب طيب)، ولا يدرك ذلك إلا من وفّقَه الله لهذا مِن أهل الإيمان والصلاح، لذا نبَّهَنا النبىُّ صلى الله عليه وسلم بأن يتجه المؤمن إلى ما تراه عينه ناراً فهى الجنة ولا شك، وأن يبتعد عمَّا تراه عينه ماء فهى النار التى ستحرقه.
3- جريان النِعَم معه ( كنـزول المطر، إنبات الزرع، إخراج الكنوز من الأرض الخربة).
4- استعانته بالشياطين، فيُخرِج للرجل شيطانَيْن فى صورة أبيه وأمه الَّذَيْن ماتا من قَبْل، فيأمران الرجل أنْ: (يا بنىّ اتبعه فإنه ربك)، فيفتناه فتنة عظيمة.
5- قتْلُه للشاب المؤمن ثم إحياؤه ، حيث يأتى على رجلٍ مؤمن فيضع فيه منشاراً ينشره نصفين، ثم يمر بينهما، ثم يأمره أن يَقُم فيقوم حيَّاً مرةً أخرى، فيخبره المؤمن بأنه قد ازداد به بصيرة (أى بأنه المسيح الدجال)، فيحاول الدجال أن يقتله مرةً أخرى فلا يستطيع وذلك يدل على عجزه، وأنه لا يستطيع أن يفعل شيئاً من خاصَّة قدرته، وإنما ما يسَّره الله له فقط.

* مقدار مكوثه على وجه الأرض، والأماكن التى لا يستطيع دخولها :
يلف العالم كله بسرعة كبيرة فى أربعين يوم كالغيث استدبرته الريح، ويدخل كل مكان فيه إلا مكة وطيبة (المدينة) تمنعه الملائكة من دخولها. يمكث فى الأرض مدة أربعين يوماً (يومٌ كَسَنَة ، ويومٌ كشهر ، ويومٌ كجمعة ، وسائر أيامه كأيامنا)، أى حوالى : (354 + 30 + 7 + 37 ) = 428 يوم هجرى.
فسأل الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذا اليوم الذى كَسَنة هل يكفيهم فيه صلوات يومٍ واحد (أى خمس صلوات)، وذلك لأن عبارة يومٌ كسنة ليست من باب التشبيه أو المبالغة، بل سيكون اليوم فعلاً مساوياً سنة، وكذلك اليوم الذى كشهر سيكون مساوياً شهر، واليوم الذى كجمعة سيكون مساوياً أسبوع، فأجاب صلى الله عليه وسلم بأنه لا يكفيهم صلاة يومٍ واحد، وأمرهم أن يقدروا لليوم قَدْره (أى بتقدير الوقت بين كل صلاة والتى تليها كما هو معتاد فى الأيام العاديَّة).

* مصرعه :
كما جاء فى حديث النوَّاس بن سمعان، يقتله المسيح عيسى بن مريم عليه السلام عند باب لُدّ بفلسطين، حيث يأتيه هناك، فلمَّا يراه الدجال يعرفه فيحاول الهرب منه، وذلك كما ورد بالحديث بأنه يذوب كما يذوب الملح فى الماء، فيعاجله المسيح عيسى عليه السلام بضربة من حَرْبَتِه فيُرْدِيه قتيلاً، ويرى الناس دماءه حتى لا يظن أحدهم أنه هرب ولم يمت.

* سبل النجاة والعصمة من فتنته :
1- التمسك بالإيمان والتزود بالتقوى، وكثرة الاستغفار والتوبة والذِّكر، والتسلُّح بالعلم الشرعى المُعِين على النجاة من فتنة الدجَّال وغيرها مِن الفتن.
2- التعوذ من فتنته دائماً، ولا سيّما الدعاء المأثور فى نهاية كل صلاة.
3- حفظ سورة الكهف، أو أول عشرة منها.
4- محاولة السكنى فى احدى المدن التى يُمنَع الدجال من دخولها، وهى مكة والمدينة.
5- الابتعاد عنه والفرار منه وعدم محاولة مواجهته.
6- إن قُدِّر للعبد وواجهه، يَتْفُل فى وجهه، ويقرأ عليه فواتح سورة الكهف.

* شبهات حول أحاديث الدجال، و الردُّ عليها
نذكر بعض الشبهات التى أثارها بعض القوم حول شخص المسيح الدجال، وحول الأحاديث التى ذُكِرَت فيه، حتى نتبصر جميعاً بها، ولا نغترَّ بكثرتها أو نقع فى شرِّها، ثم نذكر الرد عليها.
وهى منقولة مِن أحد المواقع كالتالى :
ومع ذلك لم تسلم هذه الأحاديث - الثابتة في الصحيحين وغيرهما - مِن الاعتراض والاستنكار والتأويل، مصداقاً لما أخبر به صلى الله عليه وسلم مِن أنَّه سيأتي مَن يُنكِر ظهور الدجال وغيره من الأمور الثابتة بصريح الكتاب وصحيح السنة، وذلك في قوله:
" ألا إنَّه سيكون من بعدكم قوم يكذبون بالرَّجم، وبالدجَّال، وبالشَّفاعة، وبعذاب القبر، وبقومٍ يخرجون من النار بعدما امتحشوا " رواه أحمد بسند صحيح.
* فقد ذهب الشيخ محمد عبده – كما نقل عنه صاحب تفسير المنار (3/317) - إلى أن الدجال رمز للخرافات والدجل والقبائح ، التي تزول بتقرير الشريعة على وجهها ، والأخذ بأسرارها وحكمها.
* وتبعه أبو عبيه في تعليقه على كتاب النهاية في الفتن والملاحم للإمام ابن كثير حيث ذهب إلى أنَّ الدجال رمز للشر، واستعلائه وصولة جبروته، واستشراء خطره، واستفحال ضرره في بعض الأزمنة، وتطاير أذاه في كثير من الأمكنة، بما يتيسر له من وسائل التمكن والانتشار، والفتنة في بعض الوقت، إلى أن تنطفئ جذوته وتموت جمرته بسلطان الحق.
* وأمَّا أبوريه فقد عرض لأحاديث الدجال - في كتابه (أضواء على السنة المحمدية) صـ 213- وطعن فيها معتبراً ظهور الدجال في آخر الزمان خرافة.
* بعضهم أثبت وجوده ولكنه أنكر الخوارق التي تكون معه، وأنها لا حقيقة لها بل هي خيالات وتمويهات، لأنها بزعمهم تضاهي أكبر الآيات التي أيَّد الله بها أولي العزم مِن الرسل بل تفوقها، ولأن الله عز وجل إنما آتاهم هذه الآيات لهداية خلقه، وإثبات صدق أنبيائه، فكيف يؤتي الدجال أكبر الخوارق لفتنة السواد الأعظم من عباده ؟
ثم استشهدوا على تعارض أحاديث الدجال بأنه ورد في بعض الروايات أنَّ معه جبال الخبز وأنهار الماء والعسل، وأنَّ معه جنة و ناراً . . . . . إلى غير ذلك، وقالوا إن هذا يتعارض مع الحديث الذي في الصحيحين عن المغيرة بن شعبة قال: ما سأل أحدٌ النبي صلى الله عليه وسلم عن الدجال أكثر مما سألته، وإنه قال لي: ما يضرك منه ؟ قلت: إنهم يزعمون أن معه أنهار الماء وجبال الخبز ، قال:" هو أهون على الله من ذلك " (تفسير المنار 9/490).
وإذا كانت فتنة الدجال بهذه الخطورة، فلماذا لم يُذكَر في القرآن مع عظم فتنته وتحذير جميع الأنبياء منه، والأمر بالاستعاذة منه في كل صلاة ؟

- و يجاب على كل ما سبق من شبهات بأنَّ :
ظهور الدجال فى آخر الزمان واقع لا محالة، فهو ليس خرافة، وإنما هو حقيقة ستقع فى يوم من الأيام، نصَّ على وقوعها الكثير مِن الأحاديث الصحيحة الصريحة الثابتة فى صحيح البخارى ومسلم وغيرهما، فكيف يٌنكِر هؤلاء كل هذه الأحاديث ؟
ومَن قال منهم أن الأحاديث صحيحة وثابتة، ولكنها رمز للخرافات والدجل وكناية عن الشر واستعلائه، ولا تعنى وجود شخص بعينه يُدْعَى المسيح الدجال، فيُرَد عليه: أين أنت مِن عشرات الأحاديث التى ذَكَرَت وصف الدجَّال بدقة كبيرة ، كشكله وهيئته ومشيته وشعره وعينه وبشرته وجسمه؟ ، كيف يمكنك تأويل كل هذه الصفات المذكورة على شخص بعينه إلى أنه كناية عن الدجل والخرافات والشر؟ ، وأين أنت مِن حديث تشبيهه برجل يدعى عبد العزى بن قطن ؟ وأين أنت من الأحاديث التى ذَكَرَت شك الفاروق عمر فى رجلٍ كان يعيش فى عصر الصحابة يسمَّى ابن صياد بأنه هو المسيح الدجال ؟ بل أين أنت من الأحاديث التى تذكر أن عيسى عليه السلام سينزل آخر الزمان ويقتله عند باب لد بفلسطين ؟ ، كيف يمكنك تأويل كل هذه المعانى التى تُحمَل على شخص بعينه إلى أنه كناية عن الدجل والخرافات والشر ؟!
أما مَن أنكر الخوارق التى تكون مع الدجال بحجَّة تعارضها مع حديث المغيرة، فإنه يُردُّ عليه بأنَّ معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم "هو أهون على الله من ذلك" أي أنه أهون مِن أن يجعل ما يُجرِيه على يديه من الخوارق مُضِلاً للمؤمنين، ومشككاً لقلوب الصادقين، ولكن ليزداد الذين آمنوا إيماناً، وتثبت الحجة على الكافرين والمنافقين، وليس المراد من قوله:"هو أهون على الله من ذلك" أنه ليس معه شيء من ذلك، فشتان بين الأمرين. وحتى لو سلمنا جدلاً أن الحديث على ظاهره فيكون قول النبي صلى الله عليه وسلم له ذلك قبل أن ينزل عليه بيان ما مع الدجال من الخوارق، بدليل قول المغيرة للنبي صلى الله عليه وسلم:" يقولون: إن معه . . . . . ." ولم يَقُل للنبي صلى الله عليه وسلم: إنك قلت فيه كذا وكذا. ثم جاء الوحي بعد ذلك ببيان ما يكون مع الدجال من الخوارق والآيات، فلا منافاة أو تعارض بين حديث المغيرة وأحاديث الدجال.
هذا هو مذهب أهل السنة وجميع المحدثين والفقهاء والنُظَّار، خلافاً لمن أنكره وأبطل أمره مِن الخوارج والجهمية وبعض المعتزلة وغيرهم من المُحْدَثين في أنه صحيح الوجود، ولكن الذي يدعي مخارف وخيالات لا حقائق لها، وزعموا أنه لو كان حقاً لم يوثق بمعجزات الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، وهذا غلط من جميعهم، لأنه لن يدِّع النبوة، فيكون ما معه كالتصديق له، وإنما سيدِّعي الألوهية، وهو في نفس دعواه مكذِّبٌ لها بصورة حاله، ووجود دلائل الحدوث فيه، ونقص صورته، وعجزه عن إزالة العور الذي في عينيه، وعن إزالة الشاهد بكفره المكتوب بين عينيه.
(انتهى بحمد الله الأصل العاشر من الرسالة)
 

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,949
مجموع الإعجابات
1,976
النقاط
113
الأصل الحادى عشر من الرسالة

الأصل الحادى عشر (الفقرة الحادية عشرة من الرسالة)
قال المُصِنِّف الإمام أبو عبد الله أحمد بن حَنْبَل :
( والإيمان قولٌ وعمل، يزيد ويَنقُص، كما جاء فى الخبر "أَكْمَل الناس إيماناً أحسَنُهُم خُلُقَاً"، ومَنْ تَرَك الصلاة فقد كَفَر، وليس مِن الأعمال شىءٌ تَرْكُه كُفْرٌ إلا الصلاة، مَن تَرَكَها فهو كافرٌ، وقد أحلَّ الله قَتْلَه).


* فى هذه الفقرة يذكر الإمام أحمد الأصل الحادى عاشر أو المسألة الحادية عشرة من مسائل العقيدة التى تعود على العبارة ( ومِن السُنَّة اللازِمة التى مَنْ تَرَكَ مِنها خِصلَة ... لم يَكُن مِن أهلها ) والتى مَن خالفها عن عَمد وعِلم لم يصير من أهل الإيمان (مِن الفرقة الناجية)، وصار من احدى الثنتين وسبعين فِرقَة التى فى النار ، بعد ذِكرِه عشرة أصول بالفقرات السابقة (القدر خيره وشره، رؤية الله تعالى، القرآن غير مخلوق، الرؤية يوم القيامة وفى المعراج، الميزان يوم القيامة، تكليم الله لعباده يوم القيامة، الحوض، عذاب القبر، شفاعة النبى صلى الله عليه وسلم يوم القيامة، خروج المسيح الدجَّال). هذه المسألة هى مسألة الإيمان.

* هذه المسألة من المسائل العقدية الهامة جداً، فقد اختُلِف فيها اختلافاً كبيراً بين أهل السنة والجماعة وأهل البدعة والضلالة من المُرجِئة والخوارج والمعتزلة وغيرهم ، لذا سنبسط فيها الكلام ببعض التفصيل لبيان هذا الأمر.

* معنى وتعريف الإيمان :
الإيمان لغةً : التصديق والاعتقاد.
وشرعاً : الإيمان بالله هو الاعتقاد بالله قولاً وعملاً ، بالقلب واللسان.

* معتقد الإيمان عند الفِرَق يتمثَّل فى أربع صور هى :
1- مُعتَقَد الجَهْمِيَّة : الإيمان هو المعرفة فقط، أى معرفة الله ورسوله فقط.
ومِن لوازم هذا المعتقد الفاسد أنَّ إبليس وفرعون ومَن شابههم مؤمنون لأنهم كانوا يعرفون الله عزَّ وجل ، والدليل على معرفتهم قوله تعالى بالآية 102 من سورة الإسراء على لسان موسى عليه السلام مخاطِباً فرعون " قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً ".
أما إبليس فآيات خطابه مع الله تعالى والتى تبيِّن معرفته به كثيرة فى القرآن.
2- مُعتَقَد الكُلَّابيَّة والكُرَّامِيَّة : الإيمان هو المعرفة مع الإقرار باللسان.
ومِن لوازم هذا القول الفاسد أنَّ المنافقين مؤمنون لأنهم يعرفون ويُقِرُّون بلسانهم.
3- مُعتَقَد المُرجِئَة : الإيمان هو الإقرار باللسان والقلب، وعملٌ بالقلب فقط.
ومِن لوازم هذا القول الفاسد أنَّ كل مَن لم يعمل خيراً قط بجوارحه مؤمن.
4- مُعْتَقَد أهل السنة والجماعة (المعتقد الصحيح) :
الإيمان قولٌ وعملٌ ، يزيد وينقص.
والقول قَوْلَان (القلب واللسان)، والعمل عَمَلان (القلب والجوارح)، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.

* الشِّق الأول (الأصل الأول) مِن معتقد أهل السنة (الإيمان قول وعمل) :
أما القول: فهو قول القلب، وقول اللسان ،
وأما العمل: فهو عمل القلب، وعمل الجوارح.
قول القلب: الإقرار بالقلب الذى يلزم منه التصديق الذى يؤدى إلى العمل.
قول اللسان: الإقرار باللسان بما أقرَّه القلب.
عمل القلب: ما أَمَر به الشرع ومحلُّه القلب، مثل (الخضوع والخشوع والمحبَّة والتوكُّل والخوف والرجاء والإخلاص والوَرَع والمراقبَة والصبر والرضا والشكر والغيرة والحياء والإنابة والإخبات .... إلى آخره مِن أعمال القلوب).
وضد هذه الأعمال هو ما يُسمِّيه أهل العلم بأمراض القلوب مثل (الحسد والبغضاء والحقد والسخط وعدم الرضا والجحود والإنكار والكِبْر والغرور والرياء .... إلى آخره من أعمال القلوب السيئة).
عمل الجوارح: ما أَمَر به الشرع ومصدره الجوارح، مثل (الصلاة والجهاد والحِسْبَة والزكاة والحَجّ وإماطة الأذى وزيارة الأقارب .... إلى آخره من أعمال الجوارح).
وعليه لا يَصِح الإيمان ولا يتحقَّق للعبد إلا باجتماع هذه الأمور الأربعة فيه (قول القلب وقول اللسان وعمل القلب وعمل الجوارح)، أما إذا ذهب أحدها أو أكثر فقد انتفى عنه الإيمان.
أما المعتقدات والأقوال التى أخرجت هذه الأمور من مُسمَّى الإيمان فهى معتقدات باطلة ضالة.
فكما ذكرنا أنَّ المرجئة أخرجوا عمل الجوارح مِن مُسمَّى الإيمان، والكُلَّابيَّة والكُرَّاميَّة أخرجوا عمل القلب وعمل الجوارح مِن مُسمَّى الإيمان، أما الجهمية فقد أخرجوا عمل القلب وعمل الجوارح وقول اللسان مِن مُسمَّى الإيمان.
أى أنَّ أهل السنة والجماعة هى الفِرقة الوحيدة التى أدخلت عمل الجوارح فى مُسمَّى الإيمان، لذا فإن عمل الجوارح هو الفارق بين أهل السنة وأهل البدعة فى معتقد الإيمان بالله تعالى.
وأكثر هذه المعتقدات الفاسدة انتشاراً هو معتقد المرجئة لذا سنركِّز عليه أكثر من غيره، لأنه للأسف وقع فيه الكثير من المسلمين، فترى كثيراً منهم يتركون الصلاة ويقولون ما دامت قلوبنا عامرة بالإيمان وألسنتنا تنطق به فلا مشكلة إن ترَكْنَا الصلاة جزئياً أو حتى بالكليَّة، وللأسف أيضاً وَصَل بعضٌ مِن نفحات هذا المعتقد الخبيثة إلى بعض مَن ينتسِب للسلفيَّة.

* معتقد المرجئة فى الإيمان والرد عليه :
الإيمان عند المرجئة إقرار بالقلب واللسان، وعملٌ بالقلب فقط. لذا فمن الممكن عندهم أن يعمل القلب ولا تعمل الجوارح. وهذا خطأ بيِّن ويستحيل عقلاً ونقلاً.
فقد دلَّ المنقول والمعقول ولم يُخالِف فى ذلك إلا المنكوس أنَّ العلاقة بين عمل القلب وعمل الجوارح علاقة لزوم ، أى أنَّ القلب إذا عَمِل لزاماً أن تعمل الجوارح تَبَعَاً له، أما الجوارح إذا لم تعمل فهذا دليل قطعى على أنَّ القلب لا يعمل.
أما العلاقة بين عمل الجوارح وعمل القلب علاقة التزام ، أى أن الجوارح إذا عَمِلَت فإن القلب قد يعمل (قلب المؤمن)، وقد لا يعمل (قلب المنافق).
الأدلة النقلية والعقلية على ذلك :
فى الصحيحين من حديث النعمان بن بشير أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
" ألا وإنَّ في الجَسَد مُضْغَة إذا صَلُحَت صَلُح الجَسدُ كله، وإذا فَسَدَت فَسَد الجسد كله، ألا وهي القلب ".
أى أن القلب إذا صَلُح بالعمل، لزاماً لذلك أن يَصلُح الجسد كله (الجوارح) بالعمل أيضاً.
أما عن أدلة المعقول فنقول : دِلالَة المعقول على القاعدة هى دلالة اللزوم عند العقلاء، فهى دلالة الشىء على سببه، فالبَعْرَة تدل على البعير، والأثر يدل على المَسِير. ونضرب مثالاً صغيراً على ذلك :
إذا أخبرك شخصٌ ما أنه يَحمِل لك محبَّةً فى قلبه، ثم عَمِل مِن الأعمال تجاهك ما يدل على حبه هذا، فبالطبع ستصدقه فى قوله بأنه يحبُّك.
أما إذا أخبرك شخصٌ آخر بأنه يحبك حباً كبيراً لم يحبك أحداً مثله، وأقسم لك على هذا بالأيمان المغلَّظَة، وظلَّ يُكِرِّر على مسامعك كلامه هذا ليل نهار، ثم تجده عندما يعاملك فى أى أمر يُسِىء إليك، وعندما تطلب منه أى مساعدة لا يساعدك، وعندما يتحدَّث معك يُسِىء إليك بأقبح الألفاظ، وعندما يتحدَّث عنك فى غيابك يغتابك دائماً ويقول عنك ما ليس فيك من قبائح الأمور، فبالطبع هذا الشخص لن تُصِدِّقه فى ادِّعائه بأنه يحبك لأنه ببساطة لم يعمل تجاهك أى عمل يدل على أنه يحمل لك محبَّة فى قلبه.
وعليه فيستحيل أن يعمل القلب ولا تعمل الجوارح، ومَنْ ادَّعَى سلامة قلبه وعمله وتَحَقُّق إيمانه وهو لا يعمل بجوارحه فدعواه باطلة مردودة، ولا يتَحَقَّق له إيمان.
* إشكال والردُّ عليه :
قد يقول قائل بأن معتقد المرجئة فى الإيمان (عمل القلب دون الجوارح) صحيح، بدليل أنَّ كثيراً من الصحابة فى أوائل الدعوة ماتوا مِن التعذيب على أيدى كفار قريش ولم يعملوا شيئاً من أعمال الإسلام سوى قول الشهادتين والثبات عليها، وكذلك من أسلم ثم وافته المنيَّة بانتهاء أجله فى الحال دون أن يتمكَّن مِن عمل خيرٍ قط.
والرد على ذلك : هذا كلام باطل، لأن الإيمان هو إقرار القلب واللسان وعمل القلب والجوارح، ولكن يستثنى من هذا صاحب العذر كالمُكرَه والناسى والجاهل جهلاً ليس مِن سعيه وكسبه، وكذلك مَن لم يتمكَّن مِن العمل بأن أسلم ثم مات فى الحال، ومَن مات مِن الصحابة على الشهادتين فقط سواء تعذيباً أو بأجله، لأن هؤلاء عملهم هو قول التوحيد فقط، إذْ أنه لَم يُفرَض عليهم أعمال مِن الشريعة حينئذٍ ولو فُرِض لامتثلوا وعَمِلوا.
وإلا فكيف نُساوِى بين مَن فُرِض عليه عمل ولم يعمله، ومَن لم يُفرَض عليه عمل أصلاً ومات قبل أن يُفرَض العمل ؟
وكيف نساوى بين مَن فُرِض عليه العمل ولم يعمله دون أى عذر، ومَن فُرِض عليه ولكنه لم يستطع عمله لأنه أُكْرِهَ على ذلك بأن قُيِّد مثلاُ وحُبِس ومُنِع من عمله، أو كان جاهلاً بفرضيَّة العمل عليه، أو كان عالِمَاً ولكنه كان نائماً أو نَسِى عمله ؟

* الشِّق الثانى (الأصل الثانى) من معتقد أهل السنة (الإيمان يزيد وينقص) :
الإيمان يزيد بالطاعة ما شاء الله له أنْ يزيد ، وينقص بالمعصية ما شاء الله له أن ينقص، حتى أنه قد لا يبقى منه شىء قط أو لا يبقى منه إلا مقدار صغير كمثقال حبة خردل.
والسؤال هو : ما هى الطاعة التى يزيد بها الإيمان، وما هى المعصية التى ينقص بها الإيمان ؟
الجواب : إذا نظرنا إلى قول أهل العلم (الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية)، نجد أن الألف واللام فى كلمة الطاعة، والألف واللام فى كلمة المعصية تفيدان الاستغراق.
فأى طاعة استوفت الشروط مهما كان نوعها (فرضاً أم نَفْلاً، واجباً أو مستحبَّاً، ظاهرة أم باطنةً) تزيد من الإيمان ما شاء الله له أن يزيد.
وأى معصية استوفت الشروط مهما كان نوعها (حراماً أم مكروهاً، ظاهرة أم خفيَّة) تُنقِص من الإيمان ما شاء الله له أن يَنقُص.
وعليه فلا يصح أبداً ما يقوله البعض بأن الدين لُبٌّ وقشور، لُبٌّ من الطاعات الكبيرة الباطنة نأخذه ونداوم عليه، وقشور من الطاعات الصغيرة الظاهرة (كاللحية والنقاب وتقصير الثياب والدخول للخلاء باليمين أم اليسار وغير ذلك) يمكن أن نتركها ونتغاضى عنها فى سبيل فِعْل ما هو أَهَم مِن اللباب. فهذا كلام باطل يُخشَى على أصحابه مِن الزَّلَل، فكل طاعة تزيد الإيمان ولا ندرى ما الطاعة التى ستدخل صاحبها الجنة، وكل معصية تنقص الإيمان ولا ندرى ما المعصية التى ستودى بصاحبها إلى النار ، ولم يسمِّ لنا الشرع إطلاقاً أى طاعة من الطاعات وقال بأنها طاعة صغيرة غير مهمة لا تزيد من إيمان العبد، ولا أى معصية من المعاصى بأنها معصية هينة لا تنقص من إيمان العبد ، فكيف يدِّعى البعض ما لم يقل به الشرع ويجعلونه اعتقاداً من عقائد الدين ؟
وكذلك لم يسمِّ لنا الشرع إطلاقاً أى طاعة من الطاعات وقال بأنها طاعة كبيرة تستوفى الإيمان، أو إذا عملها العبد بكمٍّ أو كيفٍ معين يستوفى إيمانه، كأن يُقال مثلاً عمل عشر حجَّات وعمرتين يستوفى الإيمان لصاحبه، أو أداء صلوات سبع سنين فى جماعة تستوفى الإيمان لصاحبها، وغير ذلك من الأعمال.
بل أمر الشرع الحكيم بِفعْل كل الطاعات وحثَّ عليها، ونهى عن فِعْل كل المعاصى وحذّر منها ، ولنا فى رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، فلم يَفتُر عن فعل أى طاعة مهما كانت، وعن اجتناب كل معصية مهما كانت، ولم يتكاسل أو يتوانى فى ذلك لحظة برغم أن الله قد غفر له ما تقدَّم مِن ذنبه وما تأخَّر، وكذلك صحابته الكرام لم يتوانوا لحظة فى فعل كل الطاعات التى حثَّهم عليها الشرع واجتناب كل المعاصى التى نهاهم عنها الشرع برغم أنهم بُشِّروا جميعاً بدخول الجنة، ولم يقولوا عن الدين أنه لباب وقشور، فنهتم ونركز كل جهدنا ووقتنا ومالنا وأنفسنا على اللباب، وندع القشور أو نوليها اهتماماً أقل. هذا قول خاطىء فاسد يتعذَّر به بعض مَن قصَّر فى فِعْل بعض الطاعات.
ويجب التفرقة بين ثبوت الإيمان فى القلب مهما كان صغيراً أو كبيراً، وبين العمل الذى يتولَّد من الإيمان فى القلب، فهذا للأسف ما أوقع بعض المنتسبين للسلفية فى الخطأ.

* الأدلة الشرعية على الأصل الأول من أصول الإيمان (الإيمان قول وعمل، القول قولان : قول القلب وقول اللسان، والعمل عملان: عمل القلب وعمل الجوارح) :
أولاً الأدلة على قول القلب :
وهو الإقرار بالقلب الذى يلزم منه التصديق الذى يؤدى إلى العمل.
قال تعالى : " أولئك كتب فى قلوبهم الإيمان ".
قال تعالى : " ولم تؤمن قلوبهم ".
قال تعالى : " ولمَّا يدخُل الإيمان فى قلوبكم ".
ثانياً الأدلة على قول اللسان :
وهو الإقرار باللسان بما أقرَّه القلب، والتكلُّم والنطق بكلمة التوحيد (الشهادتين) عند الاستطاعة.
روى البخارى ومسلم من حديث ابن عمر، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
" أُمِرْتُ أَن أُقاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَن لا إِلهَ إِلاَّ الله وأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، ويُقِيمُوا الصَّلاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ، فَإِذا فَعَلوا ذلكَ، عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وأَمْوَالَهم إِلَّا بحَقِّ الإِسلامِ، وحِسابُهُمْ عَلى الله ".
وعليه فمن لم يتكلم بالشهادتين مع القدرة ، فهو كافر ظاهراً وباطناً.
وليس المقصود بالشهادتين الإخبار فقط عمَّا فى النفس من العلم والجزم بأن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل لا بد أن يكون ذلك على وجه الإنشاء المتضمِّن للالتزام والانقياد.
فائدة : هناك فرق بين وصف الإسلام للعبد ابتداء، ووصف الإسلام للعبد استمراراً.
وصف الإسلام للعبد ابتداءً يتحقَّق باحدى الأمور الستة التالية :
1- النطق بالشهادتين. ****************2- أن يُولد من أبوين مسلمين.
3- أن يُولَد من أب مسلم.
***********4- أن يُوجَد لقيطاً ببلاد الإسلام.
5- أن يَظهَر منه شيء مِن خصائص الإسلام (كتحية الإسلام، والصلاة).
6- أن يريد أن يُعبِّر عن الإسلام ويعجز لِعُجمَةٍ فى لسانه.
وبتحقيق العبد لواحدة من هذه الأمور الستة يوصف له الإسلام ابتداءً ويُعصَم ماله ودمه وعِرضُه، ولهذا أنكر النبى صلى الله عليه وسلم على أسامة بن زيد عندما قتل أناساً فى احدى الغزوات من أهل الكفر بعدما ألقوا عليهم تحية الإسلام، متعلِّلاً بأنهم قالوها خوفاً، فأنكر عليه بقوله " هلَّا شَقَقْتَ عن قلوبهم ؟ "
أما تحقيق وصف الإسلام استمراراً فيكون من خلال التزامه بشعائر الإسلام وعدم الإتيان بناقض من نواقضه.
ثالثاً الأدلة على عمل القلب :
وهو النية والإرادة والخضوع لله عزوجل، وكذلك كل ما أمر الشارع أن نتعبد إليه به ومحله القلب.
قال تعالى : " إنما المؤمنون الذين إذا ذُكِر الله وَجِلَت قلوبهم " الوَجَل.
قال تعالى : " وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين " التوكُّل.
قال تعالى : " فلا تخافوهم وخافونِ إن كنتم مؤمنين " الخوف.
فالوجل والتوكل والخوف كلها مِن أعمال القلوب.
والأدلة من السنة حديث الإيمان بضع وسبعون شعبة، ومحل الشاهد منه :
" والحياء شُعبَة من شُعَب الإيمان " ، والحياء مِن أعمال القلوب لأن موطنه القلب.
رابعاً الأدلة على عمل الجوارح :
وهو الأفعال التى تصدر من جوارح العبد بغرض التعبُّد لله.
وهذا هو أصل الإشكال بين أهل السنة والمرجئة الذين لم يدخلوه فى عمل الإيمان، وهذا مناقض ومخالف للأدلة كما سيلى.
قال تعالى : " وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ".
قال تعالى : " إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بالله وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ الله أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ".
فإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والجهاد بالمال والنفس فى سبيل الله كلها من أعمال الجوارح.
قال تعالى : " وقال رَجُلٌ مِن آل فِرْعَون يَكْتُم إيمَانَه ".
وجه الاستدلال من هذه الآية فيما كتمه هذا الرجل وسمَّاه الله إيماناً.
هل كتم الرجل تصديق القلب ؟ والجواب لا، لأن تصديق القلب مُختبِىء بطبيعته ولا يحتاج إلى كتمان.
هل كتم تصديق اللسان ؟ والجواب لا، لأنه لا يحتاج إلى الجهر بلسانه أمام الناس ليُقبَل منه إيمانه.
وبالتالى يتعيَّن أن الرجل المؤمن كتم عمل الجوارح، وهذا هو محل الشاهد.
والأدلة من السنة على عمل الجوارح :
روى البخارى من حديث ابن عباس قال : إنَّ وفْدَ عبدِ القَيْسِ لَمَّا أتَوُا النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قالَ: "مَنِ القَوْمُ؟ - أوْ مَنِ الوَفْدُ؟" - قالوا: رَبِيعَةُ. قالَ: "مَرْحَباً بالقَوْمِ،
أوْ بالوَفْدِ، غيرَ خَزايا ولا نَدامَى"، فقالوا: يا رَسولَ الله إنَّا لا نَسْتَطِيعُ أنْ نَأْتِيكَ إلَّا في الشَّهْرِ الحَرامِ، وبيْنَنا وبيْنَكَ هذا الحَيُّ مِن كُفّارِ مُضَرَ، فَمُرْنا بأَمْرٍ فَصْلٍ، نُخْبِرْ به مَن وراءَنا، ونَدْخُلْ به الجَنَّةَ، وسَأَلُوهُ عَنِ الأشْرِبَةِ: فأمَرَهُمْ بأَرْبَعٍ، ونَهاهُمْ عن أرْبَعٍ، أمَرَهُمْ: بالإِيمانِ بالله وحْدَهُ، قالَ: "أتَدْرُونَ ما الإيمانُ بالله وحْدَهُ؟"، قالوا: الله ورَسولُهُ أعْلَمُ، قالَ: "شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلَّا الله وأنَّ مُحَمَّداً رَسولُ الله، وإقامُ الصَّلاةِ، وإيتاءُ الزَّكاةِ، وصِيامُ رَمَضانَ، وأَنْ تُعْطُوا مِنَ المَغْنَمِ الخُمُسَ" ونَهاهُمْ عن أرْبَعٍ: عَنِ الحَنْتَمِ والدُّبَّاءِ والنَّقِيرِ والمُزَفَّتِ، ورُبَّما قالَ: المُقَيَّرِ وقالَ: "احْفَظُوهُنَّ وأَخْبِرُوا بهِنَّ مَن وراءَكُمْ "
.
 

علي حسين

عضو معروف
إنضم
3 أبريل 2007
المشاركات
10,314
مجموع الإعجابات
2,960
النقاط
113
بارك الله فيك اخي ابو منه ..

رأيت في موضع للنقاش من ينكر حديث عدم قبول الجزية عند نزول سيدنا عيسى عليه السلام ..
معللا ان الجزية حكم شرعي قطعي الثبوت لا يجوز نقضه .

افدنا ولك الثواب والاجر .
 

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,949
مجموع الإعجابات
1,976
النقاط
113
بارك الله فيك اخي ابو منه ..

رأيت في موضع للنقاش من ينكر حديث عدم قبول الجزية عند نزول سيدنا عيسى عليه السلام ..
معللا ان الجزية حكم شرعي قطعي الثبوت لا يجوز نقضه .

افدنا ولك الثواب والاجر .
وبارك فيك أخى الكريم على حسين
بالنسبة أخى الفاضل للأمر الذى تحدثت عنه وهو نزول سيدنا عيسى بن مريم عليه السلام آخر الزمان وعدم قبوله للجزية، ردِّى عليه كالتالى :

أولاً : الأحاديث التى ذَكَرَت نزول سيدنا عيسى عليه السلام آخر الزمان وما سيفعله بعد نزوله أحاديثٌ كثيرةٌ فى كتب الرواة، أذكر لك منها هذا الحديث :
روى البخارى فى صحيحه، حدثنا إسحاق، أخبرنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا أبى عن صالح عن ابن شهاب، أنَّ سعيد بن المسيب سمع أبا هريرة رضى الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " وَالَّذِي نَفْسِي بيَدِهِ، لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمُ ابنُ مَرْيَمَ حَكَماً عَدْلاً، فَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلُ الخِنْزِيرَ، وَيَضَعُ الجِزْيَةَ، وَيَفِيضُ المَالُ حتَّى لا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ، حتَّى تَكُونَ السَّجْدَةُ الوَاحِدَةُ خَيْراً مِنَ الدُّنْيَا وَما فِيهَا "، ثُمَّ يقولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاقْرَؤُوا إنْ شِئْتُمْ: {وَإنْ مِن أَهْلِ الكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ به قَبْلَ مَوْتِهِ، وَيَومَ القِيَامَةِ يَكونُ عليهم شَهِيداً} النساء 159.
والحديث رواه الإمام البخارى فى صحيحه فى كتاب أحاديث الأنبياء - باب نزول عيسى بن مريم عليهما السلام (حديث رقم 3448).
وكذلك رواه الإمام مسلم (حديث رقم 155).
وكذلك رواه الإمام الترمذى فى صحيحه (حديث رقم 2233) عن الصحابى أبى هريرة بهذا اللفظ :
"والَّذي نفسي بيدِه لَيُوشِكَنَّ أنْ ينزلَ فيكم ابنُ مريمَ حَكماً مُقسِطاً فيَكسرُ الصَّليبَ ويقتلُ الخنزيرَ ويضعُ الجزيةَ ويفيضُ المالُ حتَّى لا يقبلَه أحدٌ".
وعليه فالحديث صحيح لا خلاف عليه بين أهل العلم الأكابر، ولا أعلم كيف يأتى مَن يُنكره وهو حديث صحيح.

ثانياً بالنسبة لأمر الجزية :
لا خلاف أنَّ الجزية حكمٌ شرعى من أحكام الشريعة الإسلامية، والأدلة عليها من الكتاب والسنة أدلة كثيرة قطعية الثبوت قطعية الدلالة، وللجزية أحكام وشروط وضوابط ذكرها أهل العلم الأكابر، منها أنها تؤخَذ من أهل الكتاب (اليهود والنصارى) والمجوس فقط لورود الأدلة على ذلك، أما سواهم مِن المشركين فلا تُقبل منهم جزية فليس لهم إلا الإسلام أو القتال، ومِن أهل العلم مَن قال بأنها على العموم، أى تٌؤخَذ مِن أهل الشرك بجميع أجناسهم (أهل الكتاب والمجوس وغيرهم من جميع أجناس المشركين).
قال تعالى : " قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بالله وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ الله وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ " التوبة 29.
وأخرج الإمام مالك فى الموطَّأ، رُوِيَ عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أنه سُئِل عن المجوس، قال: ما أدري ما أصنع بهم وليسوا بأهل الكتاب؟ فقال عبدالرحمن بن عوف: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " سُنُّوا بهم سُنَّة أهل الكتاب "، وبُناءً عليه أخذ عمر الجزية من مجوس هجر ومن مجوس فارس.
وللأمانة العلمية قرأت أنَّ الإمام الألبانى - رحمه الله - ضعَّف هذا الحديث، والله أعلم.


ثالثاً :
تعلَّمنا من أهل العلم أنه عندما يأتى دليلان صحيحان (أو أكثر) ظاهرهما التعارض فى حكمٍ ما من أحكام الشريعة، فهناك مسالك يجب أنْ تُسلك لحل هذا الإشكال هى على الترتيب :
1- الجمع *** 2- النسخ *** 3- الترجيح *** 4- التوقُّف لأمد.
فيحاول المجتهد أولاً الجمع بين الأدلة التى ظاهرها التعارض لأن الأصل هو إعمال الأدلة الشرعية وليس إلغاءها، فإنْ تعذَّر الجمع بين الأدلة انتقل المجتهد إلى المسلك الثانى (النسخ)، فيتم اللجوء إليه إنْ تعذَر الجمع بين الدليلين المتعارضين ظاهراً، وكان الدليلان يقبلان النسخ، فإنه يتم النظر فى التاريخ لمعرفة المتقدم من المتأخر، فيكون المتأخر ناسخاً للمتقدم. المسلك الثالث (الترجيح) ويتم اللجوء إليه إن تعذر الجمع بين الدليلين المتعارضين ظاهراً، ولم يكن هناك دليل على النسخ، فيُعمل بالراجح ويُترك المرجوح. والعمل بالراجح وتَرك المرجوح محل إجماع بين أهل العلم، وأنواع الترجيح تتجاوز المائة ذكرها الإمام الشوكانى فى كتابه إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول. أما إذا تعذَر الجمع والنسخ والترجيح فإنه يجب التوقف عن العمل بأحد النصَّين حتى يتبيَّن وجه الحق فيهما. وهذا التوقف مؤقت لأن التوقف الأبدى يفضى إلى تعطيل الأحكام، وعليه يتوقَّف المجتهد فى العمل لإعادة النظر مرة أخرى أو رَدِّ الأمر لِمَن هو أعلم منه.
هذا ما ذكره أهل العلم فيما يجب فِعلُه فى الأدلة التى ظاهرها التعرض ولكن بشرط أن تكون أدلة صحيحة، أما إنْ كان أحدها غير صحيح فإنه يُرَد، ولا يُعوَّل عليه ولا يُعبَأ به أو يُنظَر إليه فضلاً عن تضييع الوقت فى الرد على ما جاء فى متنه. أما أن يكون الدليل صحيحاً (كحديث نزول عيسى بن مريم عليه السلام سابق الذكر وعدم قبوله الجزية) ويَردُّه البعض ولا يقبلوه لتعارضه مع أدلة الجزية، فهذا خطأ بيِّن ولا يَصِح أنْ يَصْدُر مِن طالب علم فضلاً عن عالم، ومَن ردَّه لهذا السبب (التعارض مع أدلة الجزية) فهو إما جاهل يُعلَّم وإما صاحب هوى يُترَك الجدال معه، كما تعلَّمنا مِن أهل العلم وعلى رأسهم الإمام أحمد بن حنبل - رحمه الله - فى هذه الرسالة (أصول أهل السنة) التى نتناولها فى هذا الموضوع، والتى حثَّ فيها فى أكثر من موضع على ترك الجدال مع أصحاب الأهواء.

رابعاً للفصل فى الأمر :
قال الإمام الحافظ أبو الفضل زين الدين عبد الرحيم العراقى المتوفَّى سنة 806 هـ فى كتابه طرح التثريب فى شرح التقريب :
( قوله صلى الله عليه وسلم: "ويضع الجزية"، قال النووي: الصواب في معناه أنه (عيسى عليه السلام) لا يقبلها، ولا يَقبَل مِن الكفار إلا الإسلام، ومَن بذل منهم الجزية لم يَكُفَّ عنه بها، بل لا يقبل إلا الإسلام، أو القتل، هكذا قاله الخطابي وغيره من العلماء .....
السادسة: إنْ قلتَ: كيف يضع السيد عيسى الجزية، مع أنَّ حكم الشرع وجوب قبولها من أهل الكتاب، قال الله تعالى: "
حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ
". فكيف يحكم بغير هذه الشريعة، وهو خلاف ما قررتم من أنه لا يحكم إلا بهذه الشريعة ؟
قلتُ: قال النووي: جوابه أنَّ هذا الحكم ليس مستمِرَّاً إلى يوم القيامة، بل هو مقيَّد بما قبل نزول عيسى، وقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الأحاديث الصحيحة بنسخه، وليس عيسى هو الناسخ، بل نبينا هو المبين للنسخ، فإنَّ عيسى يحكم بشريعتنا، فدلَّ على أنَّ الامتناع مِن قبول الجزية في ذلك الوقت هو شرع نبينا محمد صلى الله عليه وسلم .....
السابعة: فإن قلتَ: ما المعنى في تغيير حكم الشرع عند نزول عيسى في قبول الجزية؟
قلتُ: يظهر لي أنَّ قبول الجزية من اليهود والنصارى، لشبهة ما بأيديهم من التوراة والإنجيل، وتعلقهم بزعمهم بشرعٍ قديم، فإذا نزل عيسى زالت تلك الشبهة لحصول معاينته، فصاروا كعبدة الأوثان في انقطاع شبهتهم، وانكشاف أمرهم، فعومِلوا معاملتهم في أنَّه لا يُقبَل منهم إلا الإسلام، والحكم يزول بزوال علته، وهذا معنى حسن مناسب، لم أرَ مَن تَعرَّض له، وهو أولى مما ذكره ابن بطال، والله أعلم )
. انتهى كلام العراقى.

وعليه أخى الكريم على حسين، فإنَّ الجزية حُكمٌ مِن أحكام الشريعة الإسلامية، ذكرته الأدلة الشرعية بالوجوب بشروط وضوابط حدَّدها أهل العلم، وذكرت الأدلة الشرعية أيضاً أنه سيُنسَخ العمل به بنزول النبى عيسى بن مريم عليه السلام آخر الزمان،
وحديث النزول بالروايات سابقة الذكر وغيرها من الروايات الصحيحة هو الحديث الناسخ، وآيات وأحاديث الجزية هى المنسوخة، أى أن الشارع الحكيم هو الذى نسخ الحكم فى حياة النبى محمد صلى الله عليه وسلم، وليس النبى عيسى عليه السلام هو الذى سينسخه بأحكام شريعته، بل على العكس فقد دلَّت الأدلة كلها التى ذكرت نزوله آخر الزمان بأنه سيحكم بشريعة الإسلام بما جاء فى القرآن والسنة، وليس شريعة المسيحية بما جاء فى الإنجيل، بدليل أنه سيكسر الصليب ويصلِّى بعد نزوله مباشرة صلاة الفجر مع المسلمين خلف المهدى. وعليه فلا تعارض ولا إشكال بين الأدلة.
هذا والله تعالى أعلى وأعلم.
 

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,949
مجموع الإعجابات
1,976
النقاط
113
أما أن يكون الدليل صحيحاً (كحديث نزول عيسى بن مريم عليه السلام سابق الذكر وعدم قبوله الجزية) ويَردُّه البعض ولا يقبلوه لتعارضه مع أدلة الجزية فهذا خطأ بيِّن ولا يَصِح أنْ يَصْدُر مِن طالب علم فضلاً عن عالم، ومَن ردَّه لهذا السبب (التعارض مع أدلة الجزية) فهو إما جاهل يُعلَّم وإما صاحب هوى يُترَك الجدال معه، كما تعلَّمنا مِن أهل العلم وعلى رأسهم الإمام أحمد بن حنبل - رحمه الله - فى هذه الرسالة (أصول أهل السنة) التى نتناولها فى هذا الموضوع، والتى حثَّ فيها فى أكثر من موضع على ترك الجدال مع أصحاب الأهواء.
عبارة : إما جاهل يُعلَّم وإما صاحب هوى يُترَك الجدال معه.
للتوضيح هذه العبارة ليست مِن عندى، بل هى تَرِد كثيراً فى كتب وكلام أهل العلم، وليس معناها أنَّ صاحبها جاهل فى كل الأمور ويجب عليه تعلمها، بل تعنى أنه جاهل فى هذا الأمر الذى نتحدَّث عنه ويجب عليه أن يتعلمه، وإلا فأنا وأغلب الناس فى هذا الزمان بحاجة إلى التعلُّم المستمر، ولا يستطيع أىٌّ منا أن يدَّعى بأنه طالب علم فضلاً عن أن يكون عالم، ويصف الباقين بالجهل والحمق، بل جميعنا فى حاجة إلى العلم النافع لندفع به الجهل الذى نحن فيه.
 

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,949
مجموع الإعجابات
1,976
النقاط
113
تابع الأصل الحادى عشر من الرسالة

* الأدلة الشرعية على الأصل الثانى من أصول الإيمان (الإيمان يزيد ويَنْقُص ، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية ) :
قال تعالى : " وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ " سورة التوبة 124.
قال تعالى : " هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَّعَ إِيمَانِهِمْ " سورة الفتح 4.
قال تعالى : " وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً " سورة الأنفال 2.
روى البخارى من حديث أنس بن مالك، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال :
" يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَن قالَ لا إلَهَ إلَّا الله، وفي قَلْبِهِ وزْنُ شَعِيرَةٍ مِن خَيْرٍ،
ويَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَن قالَ لا إلَهَ إلَّا الله، وفي قَلْبِهِ وزْنُ بُرَّةٍ مِن خَيْرٍ،
ويَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَن قالَ لا إلَهَ إلَّا الله، وفي قَلْبِهِ وزْنُ ذَرَّةٍ مِن خَيْرٍ".
وقال : قال أبان: حدثنا قتادة حدثنا أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم "مِن إيمان" مكان " مِن خير ".

وزن (شَعِيرة، بُرَّة، ذَرَّة) مِن خير أو مِن إيمان تدل على أن الإيمان يكون زائداً فى أناسٍ عن آخرين بهذه المقادير، أى أنه يزيد وينقص.

* الأدلة مِن أقوال الصحابة والأئمة على الأصلين الأول والثانى للإيمان :
(1) كان ابن مسعود رضي الله عنه يقول في دعائه :
( اللهم زدنا إيماناً ويقيناً وفقهاً ).
(2) قال جندب بن عبد الله رضي الله عنه :
(كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ونحن غلمان حزاورة، فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن، ثم تعلمنا القرآن فازددنا به إيماناً).
(3) قال الشافعى :
(الإيمان قول وعمل، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية).
(4) قال البخارى : (لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار، فما رأيت أحداً منهم يختلف في أن الإيمان قول وعمل، ويزيد وينقص).
(5) قال الإمام سفيان الثورى لِمَن سأل عن مسألة الإيمان :
( الإيمان يزيد وينقص، أليس تقرأون القرآن ؟
" نحن نقص عليك نبأهم بالحق إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى ".
" ويزيد الله الذين اهتدوا هدى ".

" وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ".
" والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم ".

" هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَّعَ إِيمَانِهِمْ ".

ثم قال سفيان الثورى : وليس شىء يزيد إلا وهو ينقص ).
(6) قال الإمام أبو ثور إبراهيم بن خالد ردَّاً على مَن سأله سؤالاً عن الإيمان :
(فأما الطائفة التى زعمت أنَّ العمل ليس مِن الإيمان، يُقال لهم: ماذا أراد الله تعالى مِن العباد إذ قال لهم أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة، الإقرار بذلك أم الإقرار والعمل ؟ فإنْ قالوا: فإنَّ الله أراد الإقرار ولم يُرِد العمل فقد كَفَرَت، فعند أهل العلم مَن قال أن الله لم يُرِد من العباد أن يُصلُّوا ولا يُؤتوا الزكاة فلا شك فى كُفرِه. وإنْ قالوا: أراد منهم الإقرار والعمل (وهذا هو الصواب)، قيل: فإنْ أراد منهم الأمرين جميعاً، فِلمَ زعمتم أنه يكون بأحدهما دون الآخر مؤمناً وقد أرادهما جميعاً.
أرأيتم لو أنَّ رجلاً قال: أَعْمَل جميع ما أَمَر الله به ولا أُقِر به، أيكون مؤمناً ؟
فإنْ قالوا: لا ، قيل لهم: فإنْ قال: أُقِر بجميع ما أمر الله به ولا أعمل منه شيئاً، أيكون مؤمناً ؟ ، فإنْ قالوا: نعم، قيل: فما الفَرْق ؟
وقد زعمتم أنَّ الله أراد الأمرين جميعاً، فإن جاز أن يكون بأحدهما مؤمناً إنْ تَرَك الآخر، جاز أن يكون بالآخر إذا عَمِل ولم يُقِر مؤمناً، فلا فَرْق.
ليس بين أهل العلم خلافٌ فى رجلٍ لو قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنَّ ما جاءت به الرسل حق، وأقَرَّ بجميع الشرائع، ثم قال: ما أُصِدِّق بشىء من هذا، فهذا ليس بمسلم بإجماع.
ولو قال الرجل: المسيح هو الله، وجحد أمر الإسلام ولم يعتمد قلبى على شىء من ذلك، فهذا كافر.
فلمَّا لم يكن بالإقرار إذا لم يكن معه التصديق مؤمناً، ولا بالتصديق إذ لم يكن معه بالإقرار مؤمناً، حتى يكون مصدِّقاً بقلبه مُقِرَّاً بلسانه) أ.هـ.
(7) قال الإمام سفيان بن عيينة حين سأله رجلٌ عن الإيمان : قولٌ وعملٌ.
قال الرجل: يزيد وينقص ؟
قال سفيان: يزيد ما شاء الله له أن يزيد، وينقص حتى لا يبقى منه مِثْل هذه (وأشار بيده إلى إصبعه ، أى مقدار ضئيل جداً).
قال الرجل : كيف نَصنَع بقومٍ عندنا يزعمون أنَّ الإيمان قولٌ بلا عَمَل ؟
قال سفيان : (كان القول قولهم (الإيمان قول بلا عمل) قبل أن تُقَرَّر أحكام الإيمان وحدوده. إن الله قد بعث نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم إلى الناس كلهم كافة أن يقولوا لا إله إلا الله وأنه رسول الله، فلمَّا قالوها عَصَمُوا بها دماءهم وأموالهم.
فلمَّا عَلِم الله عزَّ وجلَّ صِدْق ذلك مِن قلوبهم أَمَرَه أنْ يأمُرَهم بالصلاة، فأمرهم ففعلوا، فوالله لو لَمْ يفعلوا ما نَفَعَهم الإقرار الأول (التوحيد).
فلمَّا عَلِم الله عزَّ وجلَّ صِدق ذلك مِن قلوبهم (الإقرار والصلاة) أمره أن يأمرهم بالهجرة إلى المدينة ففعلوا، فوالله لو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار الأول ولا صلاتهم.
فلمَّا عَلِم الله عزَّ وجلَّ صدق ذلك من قلوبهم (الإقرار والصلاة والهجرة) أمره أن يأمرهم بالرجوع إلى مكة ليقاتلوا آباءهم وأبناءهم حتى يقولوا قولهم ويصلوا صلاتهم ويهاجروا هجرتهم، فأمرهم ففعلوا حتى أنَّ أحدهم (أبو عبيدة بن الجراح) أتى برأس أبيه وقال: يا رسول الله، هذه رأس شيخ الكافرين، فوالله لو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار الأول ولا صلاتهم ولا هجرتهم المدينة.
فلمَّا عَلِم الله عزَّ وجلَّ صدق ذلك من قلوبهم (الإقرار والصلاة والهجرة والقتال) أمره أن يأمرهم بالطواف بالبيت تعبُّداً وأن يحلقوا رؤوسهم تذلالاً ففعلوا، فوالله لو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار الأول ولا صلاتهم ولا هجرتهم ولا قتالهم آباءهم.
فلمَّا عَلِم الله عزَّ وجلَّ صدق ذلك من قلوبهم (الإقرار والصلاة والهجرة والقتال والطواف) أمره أن يأخذ من أموالهم صدقة يطهرهم بها، فأمرهم ففعلوا حتى أتوا بها قليلها وكثيرها، فوالله لو لم يفعلوا ما نفعهم الإقرار الأول ولا صلاتهم ولا هجرتهم ولا قتالهم آباءهم ولا طوافهم بالبيت ولا حلقهم.
فلمَّا عَلِم الله عزَّ وجلَّ صدق ذلك من قلوبهم فيما تتابع عليهم من شرائع الإيمان وحدوده، أنزل قوله تعالى : " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى " ، فَمَن تَرَك خُلَّةً مِن خلال الإيمان كان بها عندنا كافراً، ومَنْ تركها كسلاً أو تهاوناً أدَّبناه وكان بها عندنا ناقصاً. هكذا السنة أبَلِغْهَا عنى من سَأَلَك مِن الناس). أ.هـ.

* أصول أهل البدع فى مسألة الإيمان والتى بنوا عليها جميع أقوالهم الفاسدة :
1- الإيمان كُلٌ لا يتبعَّض ولا يتجزَّأ، فإذا زال بعضه زال كله.
2- لا يجتمع عند الإنسان طاعة ومعصية، وإيمان وكفر (أصغر)، وإسلام ونفاق (أصغر) ، فإذا وُجِد أحدهما انتفى الآخر.

* رَدُّ أهل السنة والجماعة على هذين الأصلين الفاسدين :
أجمع أهل السنة على أنَّ الإيمان يزيد وينقص، وبالتالى يتبعَّض وإذا زال بعضه لم يزل كله. وسبق ذكر الأدلة على أن الإيمان يزيد وينقص.
وأجمع أهل السنة على أن الرجل المسلم قد يجتمع فيه كفرٌ أصغر وإيمان، وشركٌ أصغر وتوحيد، وفجورٌ وتقوى، ونفاقٌ أصغر وإيمان ، وأدلة ذلك ما يلى :
الأدلة من القرآن :
قال تعالى: " وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ".
فأثبت لهم إيماناً به سبحانه مع وجود الشرك (الأصغر غير المخرج من الملة).
قال تعالى : " قالت الأعراب آمنَّا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ".
فأثبت لهم الإسلام ونفى عنهم الإيمان، أى أثبت لهم إسلاماً (أصل الإيمان أو مطلق الإيمان)، مع نفى الإيمان (الإيمان المطلق أى الكامل).
الأدلة من السنة :
فى الصحيحين من حديث ابن مسعود، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
" سِبَابُ المسلم فُسٌوق وقتاله كُفْر ". أى كفر أصغر.
والإجماع منعقد أن القتال حدث بين طائفتين من الصحابة (الجَمَل وصِفِّين) ولم يُكفِّر أحدهما الآخر، مِمَّا دلَّ على أنه كفرٌ أصغر ومعه إيمان.
روى الإمام أحمد بسند صحيح من حديث ابن عمر، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال :
" مَنْ حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك ". أى شرك أصغر.
روى الإمام النسائى من حديث ابن عمر أنه قال :
" ثلاثٌ من كنَّ فيه فهو منافقٌ ؛ إذا حدَّث كذبَ ، وإذا اؤتمِنَ خان ، وإذا وعدَ أخلفَ ، فمَن كانت فيه واحدةٌ منهنَّ ، لم تزلْ فيه خَصلةٌ من النِّفاقِ حتَّى يترُكَها ".

* أصل هام عند أهل السنة والجماعة :
لا يمكن أن تجتمع أصول التوحيد مع أصول الشرك لتنافى الحقيقتين، ولكن يمكن أن تجتمع فروع الإيمان (الطاعات) مع فروع الكفر (المعاصى).
أصول التوحيد : توحيد الألوهِيَّة وتوحيد الرُّبُوبِيَّة وتوحيد الأسماء والصفات.
توحيد الألوهِيَّة : هو إفراد الله تعالى بكل أنواع العبادة.
توحيد الرُّبُوبِيَّة : هو إفراد الله تعالى بالخَلْق والتدبير والمُلْك.
توحيد الأسماء والصفات : هو إفراد الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العليا.
أصول الشرك : هى المنافية لتوحيد الألوهية والربوبية والأسماء والصفات.
بأن يجعل العبدُ أحداً غير الله مستحق مِن العبادة ما يستحقّه الله.
أو بأن يجعل العبدُ أحداً غير الله له تصرفٌ وتدبيرٌ ومُلكٌ فى كَوْن الله.
أو بأن يجعل العبدُ أحداً غير الله له مِن الأسماء والصفات كما لله.

* تفصيل فى أقوال الإيمان عند الفِرَق، والمقارنة بينها :
القول الأول : مذهب أهل السنة والجماعة (الحق)
1- الإيمان قول وعمل. (الأصل الأول)
(القول قولان : القلب واللسان) ، (العمل عملان : القلب والجوارح).
2- الإيمان يزيد وينقص (يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية). (الأصل الثانى)
ومنه أن الإيمان بضع وسبعون شعبة، ومركَّب من أصل وواجب ومستحب.

القول الثانى: مذهب الخوارج والمعتزلة الوعيدية (فاسد فساد بيِّن)
1- وافقوا أهل السنة والجماعة فى الأصل الأول فقط فى أنَّ الإيمان قول وعمل، وأدخلوا أعمال الجوارح فى مسمَّى الإيمان، ومَن تركها فقد ترك بعض الإيمان.
2- الإيمان كُلٌ لا يتبعَّض، إذا زال بعضه زال كله، وعليه فَمَن ترك شيئاً واحداً من الإيمان سواء كان قولاً أو عملاً فقد زال إيمانه كله وكَفَر بالله تعالى وخَرَج مِن الملَّة.
ومِن لوازم هذا أنَّ مَن ترك إماطة الأذى عن الطريق فقد كفر بالله تعالى فى مذهبهم، وهذا فساد ما بعده فساد ومخالِف للأصل الثانى من أصول أهل السنة.
3- لا يجتمع فى العبد طاعة ومعصية، وإيمان وكفر ، وإسلام ونفاق،
ورفعوا عن صاحب الكبيرة الإيمان، وأوجبوا له الخلود فى النار.
واختلفوا فى المسمَّى فقط للعبد الذى فعل الكبيرة (كافر أم مؤمن)
فقد جعل الخوارج صاحب الكبيرة كافراً ،
وقد جعل المعتزلة صاحب الكبيرة فى منزلة بين المنزلتين (بين الكافر والمؤمن) ،
واتفقوا فى الحكم بأنهم أوجبوا له الخلود فى النار.

القول الثالث: مذهب المرجئة (فاسد فساد بيِّن فيما عدا قول واحد أقرب للحق)
انقسم قولهم فى الإيمان إلى قسمين :
القسم الأول: قولهم فى مُسمَّى الإيمان وتعريفه وهل العمل داخل فى مسمَّاه أم لا.
القسم الثانى: قولهم فى وجوب العمل.
(1) قولهم فى مُسمَّى الإيمان انقسموا إلى الأقوال الأربعة التالية :
أ- قول الجهميَّة (أتباع الجهم بن صفوان فى جُلِّ مذاهبه)
الإيمان هو المعرفة بالقلب فقط، وأخرجوا قول اللسان والعمل بالقلب والجوارح مِن مسمَّى الإيمان، وهو كل لا يتجزَّأ ولا يتبعَّض ولا يزيد ولا ينقص. ومِن لوازم قولهم هذا أنَّ إبليس وفرعون وكل مَن شابههم مؤمنون لأنهم كانوا يعرفون الله. وهذا هو أفسد الأقوال على الإطلاق لأنه لم يوافق مذهب أهل السنة فى أىٍ من أصوله.
ب- قول الأشاعرة والمَاتريديَّة
* الإيمان هو التصديق القلبى فقط، وهو كل لا يتجزَّأ ولا يتبعَّض ولا يزيد ولا ينقص (كالباقلانى والجوينى والرازى وأغلبهم كذلك).
* الإيمان هو التصديق القلبى فقط، ولكنه يزيد وينقص (كالغزالى والأيجى).
ج- قول الكُرَّامِيَّة والكُلَّابِيَّة
الإيمان هو الإقرار باللسان دون القلب، وهو كل لا يتجزَّأ ولا يتبعَّض ولا يزيد ولا ينقص، ومِن لوازم قولهم هذا أنَّ المنافقين مؤمنون. وهذا قول فاسد أيضاً.
د- قول المرجئة المحضة الغلاة
الإيمان هو الإقرار بالقلب واللسان فقط، وأخرجوا العمل مِن مُسمَّى الإيمان، وهو كل لا يتجزَّأ ولا يتبعَّض ولا يزيد ولا ينقص.
د- مُرجِئَة الفقهاء
الإيمان هو الإقرار بالقلب واللسان، وأخرجوا العمل فقط مِن مُسمَّى الإيمان، لكنهم أوجبوا العمل. والإيمان يزيد وينقص. وهذا القول هو أقرب الأقوال للحق.
(2) قولهم فى وجوب العمل انقسموا إلى قسمين أو قولين :
أ- قول غلاة المرجئة والجهميَّة والكرامية والكلابية والماتريدية والأشاعرة
يزعمون أنَّ العمل غير واجب، فقد أخرجوه أصلاً مِن مُسمَّى الإيمان، ولا تضر مع الإيمان معصية لأنه عندهم لا يزيد ولا ينقص، ولا ينفع مع الكفر طاعة.
ب- قول مرجئة الفقهاء ( الإمام حمَّاد بن أبى سليمان شيخ الإمام أبو حنيفة)
يرون أن العمل واجب، وأن العاصى تحت مشيئة الله إن شاء عذَّبه وإن شاء غفر له، وأنَّ العبد عليه واجبان (واجب الإيمان وواجب العمل)، ولا يدخل أحدهما فى مُسمَّى الآخر. وعليه فإنهم أوجبوا العمل ولكنهم أخرجوه مِن المسمَّى فقط. لذلك هذا المذهب هو أقرب المذاهب إلى مذهب أهل السنة والجماعة مذهب الحق لأنه يوافقها فى كل شىء ما عدا أمر واحد وهو خروج العمل مِن المسمَّى فقط ، لكنهم وافقوهم فى وجوب العمل.

* ملاحظات :
1- سُمِّى المعتزلة والخوارج بالوعيدية لأنهم أخذوا بأحاديث الوعيد فقط وتركوا أحاديث الوعد.
2- سُمِّى المرجئة بذلك لأنهم أرجأوا العمل أى أخروه عن الإيمان، وأخذوا بأحاديث الوعد فقط وتركوا أحاديث الوعيد.
3- لكى يستدل المرجئة على كلامهم الفاسد استدلوا ببعض الأحاديث وأوَّلوها وأخرجوها عن معناها الصحيح المراد لكى يصلوا إلى هدفهم الخبيث، ومن أهمها (حديث البطاقة، حديث الشفاعة، حديث الجهنَّميِّين) ، إلا أنَّ أهل السنة والجماعة ردُّوا عليهم ردوداً ناجعة أبطلت كلامهم وزَعْمَهم الفاسد.
 

علي حسين

عضو معروف
إنضم
3 أبريل 2007
المشاركات
10,314
مجموع الإعجابات
2,960
النقاط
113
ما شاء الله اخي أبو منه ..
اجابة مفصلة مبيّنه ..

زادك الله من علمه وفضله ..

المشكل من طرح هذا الامر كان لي معلما يوما ما في المدرسة .. والنقاش معه يشبه النقاش ما بين المعلم وتلميذه الغبي .. كاد ان يشككني في ما اعلم وراسخ عندي .. :)
 

علي حسين

عضو معروف
إنضم
3 أبريل 2007
المشاركات
10,314
مجموع الإعجابات
2,960
النقاط
113
ساثقل عليك بسؤال اخر ؟

هل ينقص الايمان ام ينقض كاملا اذا صحبه عدم الكفر بالطاغوت ؟
 

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,949
مجموع الإعجابات
1,976
النقاط
113
ساثقل عليك بسؤال اخر ؟

هل ينقص الايمان ام ينقض كاملا اذا صحبه عدم الكفر بالطاغوت ؟
أخى الحبيب على حسين
الطَّاغُوت لُغةً : الطاغوت كلمة مشتقة من الطغيان، طغى - يطغى - طغياناً، والطغيان هو الشيء المجاوز للحد.
والمعنى أتى من قول الله سبحانه وتعالى فى سورة الحاقة
" إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ ".
بمعنى عندما زاد الماء عن الحد أي جاوز الارتفاع أو القدر المحدد، أمرهم الله أن يركبوا السفينة (نوح عليه السلام ومَن معه مِن المؤمنين)، ويأتي معناها أيضآ: غَلَا في الكفر أي تجاوز الحدود مع الله بالعصيان.
الطَّاغُوت اصطلاحاً : لا يخرج عن معناه اللغوى.
قال الإمام الطبرى: (والصواب من القول عندي في الطاغوت: أنه كل ذي طغيان على الله، فعُبِد مِن دونه، إما بقهر منه لِمَن عَبَده، وإما بطاعة مِمَّن عَبَده له، إنساناً كان ذلك المعبود، أو شيطاناً، أو وثناً، أو صنماً، أو كائناً ما كان مِن شيء).
قال الإمام ابن القيم: (الطاغوت: كل ما تجاوز العبد به حَدَّه من معبود، أو مَتبُوع، أو مُطَاع، فطاغوت كل قوم، مَن يتحاكمون إليه، غير الله ورسوله، أو يعبدونه مِن دون الله، أو يتبعونه على غير بصيرةٍ من الله، أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة لله، فهذه طواغيت العالم إذا تأمَّلتَها، وتأمَّلْت أحوال الناس معها، رأيت أكثرهم عَدَلُوا عن عبادة الله، إلى عبادة الطاغوت، وعن التحاكم إلى الله، وإلى الرسول صلى الله عليه وسلم، إلى التحاكم إلى الطاغوت، وعن طاعته، ومتابعة رسوله، إلى طاعة الطاغوت، ومتابعته).
وعليه فكل مَن عُبِدَ أو اتُّبِعَ أو أُطِيعَ أو تَحَاكَم إليه الناس مِن دون الله فهو طاغوت، ولكن بشرط وهو الرِّضا منه.
فقد اشترط أهل العلم شرطاً على مَن عُبد من دون الله لكى يُطْلَق عليه لفظ طاغوت، وهو أن يكون ذلك برضاه، أما إذا لم يرضَ بذلك فهو ليس بطاغوت.
فالأنبياء والصالحون والأولياء ليسوا بطواغيت، فهم لم يرضوا بأن يُعبدوا مِن دون الله، بل حذَّروا الناس مِن ذلك أشد التحذير، ونهوهم عن المغالاة فى أشخاصهم.
قال تعالى
فى سورة المائدة (116 ، 117)
"وَإِذْ قَالَ الله يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهيْنِ مِن دُونِ الله قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا الله رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ".
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لَا تُطْرُونِي، كما أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، فإنَّما أَنَا عَبْدُهُ، فَقُولوا عبدُ الله، وَرَسُولُهُ." رواه البخارى فى صحيحه.
قال الشيخ ابن باز رحمه الله ردَّاً على سؤال سائلٍ عن معنى الكفر بالطاغوت :
(الكفر بالطاغوت معناه البراءة منه واعتقاد بطلانه،
قال الله تعالى: " فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بالله فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى "
معنى الطاغوت المعبود من دون الله، يعني: يتبرأ من عبادة غير الله، عبادة الأوثان والأصنام والجن يتبرأ منها ويعتقد بطلانها، ويؤمن بأن المعبود الحق هو الله وحده، فمن لم يؤمن بهذا فليس بمسلم، لا بد أن يؤمن بأن الله هو المستحق للعبادة،وأنَّ عبادة الطواغيت، عبادة الجن، عبادة الأصنام، عبادة مَن دَعَا إلى عبادة نفسه، كل هذا باطل، لا بد أن يتبرأ منها، والطواغيت: كل من عُبِد من دون الله وهو راضٍ).


الأدلة على وجوب الكفر بالطاغوت :
قال تعالى:
"
لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بالله فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انفِصَامَ لَهَا وَالله سَمِيعٌ عَلِيمٌ" البقرة 256.
قال تعالى:
"
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَالاً بَعِيداً". النساء60.

وتحدثنا فى المشاركة السابقة عن بعض أصول أهل العلم فى مسألة الإيمان، ومنها :
أجمع أهل السنة على أن الرجل المسلم قد يجتمع فيه كفرٌ أصغر وإيمان، وشركٌ أصغر وتوحيد، وفجورٌ وتقوى، ونفاقٌ أصغر وإيمان.
وكذلك أجمعوا على أنه لا يمكن أن تجتمع أصول التوحيد مع أصول الشرك لتنافى الحقيقتين، ولكن يمكن أن تجتمع فروع الإيمان (الطاعات) مع فروع الكفر (المعاصى).

وعليه أخى الكريم فإنَّ عدم الكفر بالطاغوت هو عدم البراءة منه وعدم اعتقاد بطلانه، وهذا بالطبع من أصول الشرك الذى ينافى أصول التوحيد، ولا يمكن أن يجتمع شرك أكبر مع التوحيد أو الإيمان، وعليه فإنه يُنقِض الإيمان نقضاً كاملاً وليس ينقصه فقط، لأنه من الأمور التى تُذهِب مُطلَق الإيمان (أصل الإيمان) مِن العبد، كما سيلى ذكره فى المشاركة التالية بإذن الله بهذا الموضوع. هذا والله تعالى أعلى وأعلم.
 

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,949
مجموع الإعجابات
1,976
النقاط
113
تابع الأصل الحادى عشر من الرسالة

* مسائل وأقوال هامة لأهل العلم فى مسألة الإيمان :
* مِن كلام الإمام أحمد ابن تيمية رحمه الله :
الإيمان مٌركَّبٌ من أصلٍ وواجبٍ ومستحب. (مراتب الإيمان).
1- أصلٌ لا يتم الإيمان إلا به، فإن فُقِد يُكَفَّر صاحبه. (أصل الإيمان).
2- واجبٌ يَنقُص بفواته الإيمان نقصاً يستحق صاحبه العقوبة، إن فُقِد لا يُكفَّر صاحبه بل يَأثَم ويستحق العقوبة. (واجبات الإيمان).
3- مستحبٌ يفوت بفواته عُلُو الدرجة، إن فُقِد لا يُكَفَّر صاحبه ولا يَأثَم ولكن تَنقُص درجاته (تفوته درجات).
فإذا قلنا أن الإيمان بضع وسبعون شعبة كما دلَّ الدليل الشرعى، فإنه يكون :
بعضها الأصل وأعلاها التوحيد ،
وبعضها الواجب كصلاة الجماعة والحِسبَة و الصدق وأداء الأمانة .... إلى آخره من الواجبات ،
والباقى هو المستحب كإماطة الأذى عن الطريق، صلاة النفل، صيام النفل .... إلى آخره من المستحبَّات ،
وهذه تسمى مراتب الإيمان.
- والأصل الذى لا يتم الإيمان إلا به هو : تصديق الخبر وتنفيذ الأمر.
أى تصديق كل الأخبار المعلومة من الأدلة الشرعية وتنفيذ ما فيها.
مثال: رجلٌ يُصدِّق كل الأخبار وينفِّذ أوامرها عدا أمر المسيح الدجال، فإننا نقول هنا أنه كَفَر به ويلزم له التصديق به، أى أنَّ تصديقه بالمسيح الدجال شرط فى صحة إيمانه.
- والواجب الذى ينقص بفواته الإيمان نقصاً يستحق صاحبه الإثم والعقوبة هو: كل أمْرٍ أَمَرَ به الشرع مِن باب الواجب والفرضية مثل عدم شرب الخمر واجتناب الزنا وعدم السرقة وعدم أكل الربا والصدق فى القول والفعل والأمانة .... إلى آخره من هذه الأعمال التى مَن تركها يأثم ولا يُكَفَّر بشرط عدم استحلالها وعدم إنكار أدلتها الشرعية.
- والمستحب الذى يفوت بفواته علو الدرجات هو ما زاد عن أصل الإيمان وعن الإيمان الواجب مِن فِعْل المستحبَّات وترك المكروهات بل وبعض المباحات.

* الفرق بين الإيمان المُطْلَق، ومُطْلَق الإيمان، ويقاس عليه المَعَيَّة المُطْلَقة، ومُطْلَق المَعَيَّة.
مُطْلَق الإيمان (أصل الإيمان): الإيمان والتصديق بكل الأخبار وتنفيذ الأوامر واجتناب النواهى.
والأخبار كلها أتت مِن أركان الإيمان الستة، وهى الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقضاء والقدر خيره وشره.
أما عن تنفيذ الأوامر (الواجبات)، فلو نفذها العبد كلها سَلِم عنده الأصل.
أما لو لم ينفذها كلها أو بعضها مع الجحود أو التكذيب بها اختلَّ عنده الأصل وكَفَر.
أما لو لم ينفذ بعضها مع عدم الجحود أو التكذيب بها فإنه لا يكفر بل يأثم.
وكذلك الأمر نفسه فى اجتناب النواهى (المحرَّمات).
الإيمان المُطْلَق (الإيمان الكامل): تصديق الأخبار وفعل جميع الواجبات والمستحبات والتنزُّه عن فضول المباحات وترك المنكرات.
مُطلَق المَعَيَّة: المعية فى بعض الأشياء، أى أن نكون مع أفراد أو أشخاص فى أشياء دون أشياء أخرى.
المَعَيَّة المُطْلَقة: المعية فى كل شىء، أى أن نكون معهم فى كل شىء.
قال أهل العلم فى مراتب الإيمان : مَن اجتمع فيه الثلاثة أمور (أصل الإيمان، وواجبه، ومستحبه) يكون قد تحقَّق له الإيمان المطلق (كامل الإيمان).
ومَن اختلَّ عنده الأصل فهو كافر، ولو أتى بكل واجبات ومستحبات الإيمان.
ومَن سَلِم عنده الأصل واختلَّ الواجب فإنه يأثم ويستحق العقوبة لكنه لا يكفر.
ومَن سلِم عنده الأصل والواجب واختل عنده المستحب فإنه يفوته درجات كثيرة.
قال تعالى : " قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ". الحجرات 14.
فى هذه الآية المنفى هو الإيمان المطلق والمثبت هو مطلق الإيمان.
* عند مسلم من حديث أبى هريرة، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال :
" الإيمان بضعٌ وسبعون أو بضعٌ وستون شُعْبة، فأفضلُها قولُ: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شُعْبة من الإيمان ".
وفي رواية " الإيمان بضعٌ وسبعون شُعْبة " بالجَزْم.

* مِن كلام الإمام ابن القيم رحمه الله :
( لا بد مِن التفرقة عندما نطلِق مصطلح الركن على الإيمان أو عَمَلٌ مِن أعمال الإيمان، أو عندما نطلقه على عبادة من العبادات). أ.هـ.
(الإيمان بضع وسبعون شعبة، والشعبة إما جزء من الإيمان أو ركن من الإيمان أو كل الإيمان. لذا فكان الحياء كما نصَّ الدليل شعبة من شعب الإيمان. فهل الذى لا يستحى فقد ركناً أم جزءاً أم كل الإيمان ؟ لذا لا بد من التفرقة عند إطلاق هذا المصطلحات).
وقال ابن القيم : (شُعَب الإيمان ما يزول الإيمان بزواله مثل شهادة التوحيد، ومنها ما لا يزول الإيمان بزواله مثل إماطة الأذى). أ.هـ.

* وهناك قاعدة سنَّها بعض أهل العلم لتحديد الشُّعَب التى يزول بزوالها الإيمان أو لا يزول، وهى :
(كل شُعبة لا يَصِح فيها القَضَاء أو الوِكَالَة أو البَدَل، إذا تَرَكَهَا العبد ذَهَب إيمانه، أى أنه بزوالها يزول الإيمان).
القضاء : تَرْك شىء أُمِر به العبد حتى انقضت حياته، ويصلح قضاؤه بعد مماته.
مثل: الصيام الفرض فهو يُقضَى عن العبد بعد مماته سواء كان من أيام رمضان أو أيام نَذْر، ويَقضِى عنه وَليُّه، وكذلك الحج، أما الصلاة فلا تُقضَى بعد الممات بل حتى فى حياة العبد إذا خرجت عن وقتها بدون عذر من نومٍ أو نسيان.
الوِكَالَة : أن يُوكِّل المرء عنه غيره ليأتى له بها.
مثل: الحج، فقد أذن الشرع للرجل المريض مرضاً شديداً يُقعِده عن الحج أن يوكِّل غيره بماله ليحج عنه.
البَدَل : أن يفعل العبد عبادة أخرى من العبادات بدلاً من العبادة المرادة، شريطة أن يكون الشرع قد دلَّ على صحتها وأَذِن بها الشارع الحكيم.
مثل الصدقة التى تُدفَع بدلاً من الصيام للمريض الذى لا يُرجَى شفاؤه، ومثل الصيام عشرة أيام ثلاثة فى الحج وسبعة بعد الرجوع بدلاً مِن الهَدْى، للحاج المتمتِّع الذى لم يجد هَدْياً يذبحه يوم النحر.

* الاستثناء فى الإيمان :
ما حُكْم أن يقول الرجل عن نفسه أنا مؤمن إن شاء الله ؟
أجاز أهل السنة والجماعة أن يقول الرجل أنا مؤمن إن شاء الله، ولكن باعتبارات خمسة.
أما المرجئة فقالوا لا يجوز للرجل أن يقول هذا لأنه فيه شك فى الإيمان، فقد علَّق إيمانه على مشيئة الله وهذا فيه شك فى الإيمان.
ردَّ أهل السنة والجماعة على زَعْم المرجئة بأنه وردت بعض النصوص الشرعية التى تدل على الاستثناء فى أمر يقينى، مثل :
قال تعالى : " لَقَدْ صَدَقَ الله رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ الله آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ ". الفتح 27.
ثبت بصحيح مسلم مِن حديث أبى هريرة، أَنَّ رسُول الله صلى الله عليه وسلم أَتَى المقبرةَ فَقَال : " السَّلامُ عَلَيْكُمْ دَار قَومٍ مُؤْمِنينِ وإِنَّا إِنْ شَاءَ الله بِكُمْ لاحِقُونَ، ودِدْتُ أَنَّا قَدْ رأَيْنَا إِخْوانَنَا .... " الحديث.
ففى الآية علَّق اللهُ دخولَ النبى صلى الله عليه وسلم ومَن معه مِن الصحابة إلى البيت الحرام على المشيئة برغم أنه أمر يقينى سيحدث لا شك فيه.
وفى الحديث علَّق النبى صلى الله عليه وسلم لحوقه هو والصحابة (الأحياء الذين كانوا معه وقتها) بالموتى على المشيئة، برغم أن موتهم وموت أى إنسان أمر يقينى لا شك فى حدوثه البتَّة.
والاعتبارات الخمسة التى يجوز من خلالها الاستثناء فى الإيمان هى :
1- باعتبار الإيمان المطلق الذى يتضمَّن فِعْل المأمور وترك المحرَّم، وليس لأحدٍ أنْ يدَّعِى أنه أتى بذلك (الإيمان المطلق)، فجاز الاستثناء على هذا الاعتبار.
أما إن كان الاستثناء فى مطلق الإيمان (أصل الإيمان) فلا يجوز.
2- باعتبار النظر إلى قبول الأعمال، فإنَّ الإنسان يَعمَل ولا يَدرِى أيُقبَل منه أم لا، لخوفه ألا يكون أتى بالعمل المأمور به على الوجه المأمول (الصحيح).
3- باعتبار تَرْك تزكية النفس.
4- أنَّ الاستثناء يَصِح أنْ يكون فى الأمور المُتيَقَّنَة التى لا شك فيها، مثل الأدلة السابقة من آية الفتح وحديث أبى هريرة.
5- باعتبار عدم العلم بالعاقبة وخوف تغيُّر الحال فى المستقبل.
قال الإمام أبو العِزّ الحَنَفىّ :
(وأما مَن يُجوِّز الاستثناء وتَرْكِه، فهُمْ أسعد الناس بالدليل وخير الأمور وأوسطها، فإن أراد المستثنِى الشك فى أصل إيمانه مُنِع مِن الاستثناء وهذا لا خلاف فيه، وإنْ أراد أنه مؤمن مِن المؤمنين الذين وصفهم الله تعالى "إنما المؤمنون الذين إذا ذُكِر الله وجلت قلوبهم"، فالاستثناء حينئذ جائز) أ.هـ.
قال أهل العلم : ويُكْرَه أنْ يسأل المؤمن أخاه أمؤمنٌ أنت أم لا ؟
 

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,949
مجموع الإعجابات
1,976
النقاط
113
تابع الأصل الحادى عشر من الرسالة

قال المُصِنِّف الإمام أحمد بن حَنْبَل :
(ومَنْ تَرَك الصلاة فقد كَفَر، وليس مِن الأعمال شىءٌ تَرْكُه كُفْرٌ إلا الصلاة، مَن تَرَكَها فهو كافرٌ، وقد أحلَّ الله قَتْلَه).


* فى الفقرة الحادية عشرة ذَكَرَ الإمام أحمد فى مَطْلَعِها مسألة الإيمان وأصولها عند أهل السنة والجماعة، ثمَّ ذكر مسألة تَرْك الصلاة وحكم تاركها.
* مسألة حكم تارك الصلاة من المسائل التى اختلف فيها أهل العلم سَلَفَاً وخَلَفَاً. ولا شكَّ أنَّ الصلاة ركنٌ مِن أركان الإسلام مَن تَركَه فقد هَدَم رُكنَاً.
* ويُقسِّم أهل العلم تارك الصلاة إلى قسمين :
1- تارك الصلاة مع الجحود (الإنكار لفرضية الصلاة).
2- تارك الصلاة مع الإقرار وعدم الجحود بها.
أما تقسيم تارك الصلاة إلى (تاركها عمداً، تاركها تكاسلاً) فهو تقسيم غير منضبط، لأنهما متشابهان ويُعدَّان أمراً واحداً يدخل تحت قسم تاركها مع عدم الجحود. أى أن الأمر لا يختلف فى حكم مَن ترك الصلاة مع الجحود فلا يُنظَر هل هو عامِد أم متكاسل لأنه لا يعترف بها أصلاً فلا شكَّ أنه تركها عامداً، وكذلك لا يختلف الأمر فى حكم مَن تركها عامداً أو تكاسلاً مع الإقرار فحكمهما واحد. فالأمر يُعَوَّل على الجحود أو الإقرار وليس التكاسل أو العمد، فلا شك أنَّ المتكاسل هو عامِدٌ للترك، ولا شكَّ أنَّ مَن أقر بها وتركها عمداً لم يفعل ذلك إلا تكاسلاً، فلا يُعقَل لأحد يفهم ويُقِر بحكم الصلاة وفرضيتها وأنها الركن الثانى مِن أركان الإسلام ويتركها عمداً من أى باب آخر غير باب التكاسل. أما مَن تركها بعذر شرعى مِن نوم أو نسيان فهذا لا يُسمَّى عامداً.
* حكم تارك الصلاة :
1- تارك الصلاة مع الجحود كافرٌ كُفر أكبر بإجماع أهل العلم لا خلاف فيه.
2- تارك الصلاة مع الإقرار وعدم الجحود فهذا هو المختَلَف فيه.
ففريق مِن أهل العلم كفَّره كفراً أكبر بأدلة، وفريق آخر لم يكفِّره كفراً أكبر بل كَفَّرَه كُفراً أصغر بأدلة ، ولكلٍ من الفريقين الأدلة الوجيهة التى يؤكِّد بها رأيه.
أما عن حديث النبى صلى الله عليه وسلم فى صحيح مسلم " بَيْنَ الرجل و بَيْنَ الكُفْر والشِّرْك تَرْكُ الصَّلاة ".
فقد اتفق الفريقان على أن كلمة الكفر هنا تعنى الكفر الأكبر، لأنها جاءت مصدر و مُعرَّفة بأل (أصل عند أهل العلم)، لكن الفريق الثانى قال بأن الترك هنا مقيَّد على ترك الجاحد المنكر وليس المُقِر، أما الفريق الأول فلم يقيده بهذا التقييد بل أخذ به على إطلاقه للجاحد والمقِر.
وهناك تقنين عند أهل العلم لحكم تارك الصلاة مع الإقرار وعدم الجحود للتقليل مِن هذا الخلاف وتقييده فى نقطة واحدة، ويتمثل فى هذا التقسيم :
(أ) مَن تَرَك الصلاة كليةً فلم يركع لله ركعة ولم يسجد له سجدة، مع الإقرار وعدم الجحود بها، فلا شكَّ فى كفره كفراً أكبر.
(ب) مَنْ ترك الصلاة حيناً وأتى بها حيناً فهذا الذى عليه الخِلاف هل هو كفر أكبر أم أصغر.
وعليه :
فمَن كفّر تارك الصلاة مقِرَّاً غير جاحد كفراً أكبر لا يُوصَف بأنه من الخوارج، ومَن لم يكفِّره كفراً أكبر لا يُوصَف بأنه من المرجئة.
فالمسألة فيها خلاف كبير بين أهل العلم، أما تارك الصلاة جاحد منكر فلا خلاف فى كفره كفراً أكبر.
(انتهى بحمد الله الأصل الحادى عشر من الرسالة)
 

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,949
مجموع الإعجابات
1,976
النقاط
113
الأصل الثانى عشر من الرسالة

الأصل الثانى عشر (الفقرة الثانية عشرة من الرسالة)
قال المُصِنِّف الإمام أبو عبد الله أحمد بن حَنْبَل :
( خير هذه الأمَّة بعد نبيِّها أبو بكر الصديق، ثم عمر بن الخطَّاب، ثم عثمان بن عفَّان، نُقدِّم هؤلاء الثلاثة كما قدَّمهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يختلفوا فى ذلك، ثم بعد هؤلاء الثلاثة أصحاب الشورى الخمسة: على بن أبى طالب، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد، كُلُّهم يَصْلُح للخلافة وكلهم إمام، ونذهب فى ذلك إلى حديث بن عمر : (كنَّا نَعُدُّ ورسول الله صلى الله عليه وسلم حى وأصحابه متوافرون أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم نَسكُت). ثم مِن بعد الشورى أهل بدر مِن المهاجرين ثم أهل بدر مِن الأنصار مِن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على قَدْر الهجرة والسَّابقة، أولاً فأولاً، ثم أفضل الناس بعد هؤلاء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم القرن الذى بُعِث فيهم. وكل مَن صَحِبَه سَنَة أو شهراً أو يوماً أو ساعة، أو رآه فهو مِن أصحابه، له مِن الصُّحبة على قَدْرِ ما صَحِبَه، وكانت سابقته معه، وسَمِع منه، ونَظَرَ له نظرة، فأدناهم صحبة هو أفضل مِن القرن الذين لم يَروْه، ولو لقوا الله بجميع الأعمال، كان هؤلاء الذين صحبوا النبى صلى الله عليه وسلم ورأوْه وسمعوا منه، ومَن رآه بعينه وآمن به ولو ساعة، أفضل لصحبته من التابعين، ولو عَمِلوا كل أعمال الخير).

* تحدَّث الإمام أحمد فى هذه الفقرة عن صحابة النبى صلى الله عليه وسلم، وعن فضلهم وخيريتهم، وعن المفاضلة بين رتبهم، وعن أنهم خير القرون.
* أشرنا فى شرح الأصل الأول إلى تعريف الصحابى عند أهل السنة والجماعة، وهو :
(كل مَن لَقِى النبى صلى الله عليه وسلم وآمن به ومات على ذلك، ولو تَخلَّلَته رِدَّة). واللقيا تُعَد ولو لمَرَّة واحدة، ولا تشترط فيها الرؤية كأن يكون الصحابى أعمى مثل ابن أم مكتوم ، كما أن الرؤية فقط لا تجعله صحابى بل يجب الجلوس معه فى مجلس.
لو تخلَّلته رِدَّة : أى مَن ارتدَّ بعد موت النبى صلى الله عليه وسلم ثم تاب ورجع إلى الدين.
* مفاضلة (رُتَب) الصحابة كما أقرَّ أهل العلم :
الصحابة كلهم أفاضل أطهار مرضىُّ عنهم من أهل الجنة بالأدلة الشرعية، خير خلق الله بعد أنبيائه ورسله، نزع الله الحقد والغِلّ والبغضاء من قلوبهم إخواناً على سرر متقابلين، لا أفلحَ من خاض فى أحدهم بسوء أو منقصَة. ولكن هناك تفاضل فيما بينهم عند أهل العلم يتمثَّل فى قولين كالتالى :
القول الأول لأهل العلم (ومنهم الإمام أحمد) : أفضلهم أبو بكر الصديق ثم عمر بن الخطاب ثم عثمان بن عفان ثم على بن أبى طالب، ثم باقى العشرة المبشَّرين، ثم أهل بدر من المهاجرين ثم أهل بدر من الأنصار، ثم باقى المهاجرين، ثم باقى الأنصار، ثم باقى الصحابة، رضى الله عنهم جميعاً.
القول الثانى لأهل العلم : هو نفس القول الأول فيما عدا ترتيب سيدنا عثمان وسيدنا على ، بأنْ جعل على بن أبى طالب بعد عمر بن الخطاب وقبل عثمان بن عفان، رضى الله عنهم جميعاً.
ولا شك بأنَّ أهل العلم ما أقروا هذه المفاضلة بين الصحابة عن هوى، بل بالأدلة الشرعية من الكتاب والسنة.
* وأقرَّ الإمام أحمد وأهل العلم، أنَّ أى صحابى لقى النبى صلى الله عليه وسلم ورآه أو سمع منه ولو ساعة واحدة هو أفضل مِن أى تابعى أتى بعده، مهما بلغ هذا التابعى مِن الفضل والعلم والعمل، وحتى لو لقى الله بجميع الأعمال الصالحة.
ففضل وشرف الصحبة ولو لساعة واحدة لا يعادله أو يساويه أى فضل أو شرف.
وأهل السنة والجماعة وسطٌ بين فرقتين ضالتين :
الأولى : غالت أشد الغلو فى أمر الصحابة وآل البيت، فجعلوا لهم الِعصمَة، (كبعض طوائف الصوفية، والشيعة الروافض تجاه على بن أبى طالب وأبنائه وأحفاده).
الثانية : انتقصت مِن الصحابة بل وكفَّرتهم. (كالخوارج، والشيعة الروافض تجاه أغلب الصحابة).
أما أهل السنة : أقرَّت بفضل الصحابة وأنهم خير الأمة وخير القرون بل وخير البشر جميعاً بعد الأنبياء والرسل، لكن لم يجعلوا لهم عِصْمَة كعصمة الأنبياء.
* وأقرَّ الإمام أحمد وأهل العلم بأنَّ خير القرون فى هذه الأمة هو القَرْن الأول الذى كان فيه النبى صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام (قرن الصحابة)، ثم القرن الثانى (قرن التابعين)، ثم القرن الثالث (قرن تابعى التابعين)، ثم الذى يليه ثم الذى يليه، الأمثل فالأمثل.
والمراد بالتابعي : مَن لقي الصحابي مؤمناً بالنبي صلى الله عليه وسلم ومات على الإسلام.
وتابع التابعي : مَن لقي التابعي مؤمناً بالنبي صلى الله عليه وسلم ومات على الإسلام.
* وأطلق أهل السنة والجماعة على القرون الثلاثة الأولى اسم القرون الخيرية الأولى، والقرون المفضَّلة، وذلك لأنها خير القرون وأفضلها، وكل مَن يأتى بعدها أدنى منها فى الفضل والعلم.
روى الشيخان من حديث عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أنه قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:
" خَيْرُكُمْ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَكُونُ بَعْدَهُمْ قَوْمٌ يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ، وَيَنْذُرُونَ وَلَا يَفُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهِمْ السِّمَنُ ".
وفى رواية : " إن خيركم قرني؛ ثم الذين يلونهم؛ ثم الذين يلونهم" ،
قال عمران: فلا أدري أقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد قرنه مرتين أو ثلاثاً :
" ثم يكون بعدهم قوم يشهدون ولا يستشهدون؛ ويخونون ولا يؤتمنون؛ وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السِّمَن ".

* لذا فهناك مِن أهل العلم مَن عدَّ القرن الرابع مِن القرون الخيرية المفضَّلة، اعتماداً على الرواية الثانية للصحابى عِمْران بن حُصَيْن.
والقرن الذى أصَّلَه أهل العلم هنا لا يعنى القرن بمقداره (مائة سنة) عند أهل الإحصاء، بل يعنى الجيل ، فالقرون الثلاثة الأولى تعنى الأجيال الثلاثة الأولى.
وقد عدُّوها (القرون الخيرية الأولى) كالتالى :
القرن الأول : عصر الصحابة والخلفاء الراشدين الأربعة.
القرن الثاني : عصر التابعين ، ومنهم الأئمة :
سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير والحسن البصري وعمر بن عبد العزيز ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة مولى ابن عباس ونافع مولى ابن عمر.
القرن الثالث : عصر تابعى التابعين، انتهى سنة 220 هـ تقريباً، ومنهم الأئمة :
سفيان الثوري ومالك وربيعة وابن هرمز والحسن بن صالح وعبد الله بن الحسن والأوزاعى وابن أبي ليلى وابن شبرمة وسفيان بن عيينة.
القرن الرابع : تابعى أتباع التابعين، انتهى سنة 300 هـ تقريباً، ومنهم الأئمة :
الشافعى وأحمد بن حنبل وأئمة كتب الصِّحاح الستة البخارى ومسلم وابن ماجة وأبوداود والترمذى وينتهى بالإمام النسائى المتوفى 303 هـ.
وسَمَّى أهلُ العلم (أو المحققون) القرونَ الأربعة الأولى بالسَّلَف أو المتقدِّمين، وكل مَن أتى بعدهم الخَلَف أو المتأخِّرين، أى أنَّ الحدَّ الفاصل بين المتقدِّمين والمتأخِّرين هو المائة الثالثة من الهجرة.
(انتهى بحمد الله الأصل الثانى عشر من الرسالة)
 

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,949
مجموع الإعجابات
1,976
النقاط
113
الأصل الثالث عشر من الرسالة

الأصل الثالث عشر (الفقرة الثالثة عشرة من الرسالة)
قال المُصِنِّف الإمام أبو عبد الله أحمد بن حَنْبَل :
( والسَّمْع والطَّاعة للأئمَّة وأمير المؤمنين البرِّ والفَاجِر، ومَنْ وَلِىَ الخِلافة، واجتمع الناس عليه ورَضُوا به، ومَنْ عَليَهُم بالسيف حتَّى صار خليفةً، وسُمِّىَ أمير المؤمنين، والغزو ماضٍ مع الأمير إلى يوم القيامة البرِّ والفاجر لا يُتْرَك. وقِسمَة الفَىْء وإقامة الحدود إلى الأئمة ماضٍ ليس لأحدٍ أن يطعن عليهم، ولا يُنازِعُهم، ودَفْع الصدقات إليهم جائزة نافذة، مَنْ دفَعَهَا إليهم أَجْزَأت عنه، برَّاً كان أو فاجراً. وصلاة الجمعة خَلفَه وخَلْفَ مَن ولَّاه جائزة باقية تامَّة ركعتين، مَن أعادهما فهو مبتدِع تاركٌ للآثار، مُخَالِف للسنَّة، ليس له مِن فَضْل الجمعة شىء، إذْ لم يرَ الصلاة خلف الأئمة مَن كانوا بَرِّهِم وفاجِرِهم. فالسنة بأن يُصلِّى معهم ركعتين ويدين بأنها تامَّة، لا يكن فى صدرك من ذلك شكّ. ومَنْ خرج على إمام من أئمة المسلمين وقد كان الناس اجتمعوا عليه وأقرُّوا له بالخلافة بأى وجهٍ كان، بالرِّضا أو بالغَلَبَة فقد شقَّ هذا الخارج عصا المسلمين، وخالف الآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن مات الخارج عليه مات مِيتَة جاهليَّة.
ولا يَحِلُّ قتال السلطان ولا الخروج عليه لأحدٍ مِن الناس، فمَن فعل ذلك فهو مبتدع على غير السنة والطريق.
وقتال اللصوص والخوارج جائز إذا عَرَضُوا للرجُل فى نفْسِه وماله، فلَهُ أنْ يقاتل عن نفسه وماله، ويَدْفَع عنها بكل ما يَقدِر، وليس له إذا فارقوه أو تركوه أن يطلبهم، ولا يتَّبِع آثارهم، ليس لأحدٍ إلا الإمام أو ولاة المسلمين، إنما له أن يَدْفَع عن نفسه فى مقامه ذلك، وينوى بجُهْدِه أن لا يقتل أحداً، فإنْ مات على يديه فى دَفْعِه عن نفسه فى المعركة فأبعد الله المقتول، وإن قُتِل هذا فى تلك الحال وهو يدفع عن نفسه وماله، رجوتُ له الشهادة، كما جاء فى الأحاديث وجميع الآثار فى هذا إنما أُمِر بقتاله، ولم يؤمَر بقتله ولا اتِّبَاعه، ولا يُجْهِز عليه إنْ صُرِع أو كان جريحاً، وإنْ أخذه أسيراً فليس له أن يقتله، ولا يُقيم عليه الحَدّ، ولكنْ يَرْفَع أَمْرَه إلى مَن ولَّاه الله فيَحْكُمُ فيه).


* فى هذه الفقرة الثالثة عشرة ذَكَر الإمام أحمد مسألة الحاكم (وَلَىّ الأمر)، وعلاقته بالرَّعية، والأمور الواجبة تجاهه.
* ومُجمَل الأمور التى ذكرها بهذه الفقرة كالتالى :
1- وجوب السمع والطاعة مِن الرعيَّة لوَلىِّ الأمر سواء كان بَرَّاً أو فاجراً، سواء تولَّى الحكم برغبة الناس ورضاها أو تولَّى الحكم عنوة بالقوة والسيف.
2- وجوب الخروج للغزو والجهاد مع وتحت راية الحاكم ولى الأمر سواء كان برَّاً أو فاجراً.
3- قسمة الفىء (غنائم الحرب) وإقامة الحدود من حق الحاكم ولى الأمر وحده ، ولا ينازعه أو يشاركه فيها أحد من الناس إلا مَن يولِّيه الحاكم بنفسه ليكون نائباً عنه فى هذا الأمر، أى يوكِّله الحاكم بدلاً منه فى إقامة حد من الحدود أو فى تقسيم غنيمة الحرب على المسلمين، فيكون بذك مؤدِّياً لها باسم الحاكم ولى الأمر، وليس منفصلاً عنه.
4- جواز دفع الصدقات إلى الحاكم ولى الأمر، أى إلى بيت المال تحت إدارة وتصرُّف الحاكم سواء كان برَّاً أو فاجراً أو مَن ينوبه مِن عُمَّالِه فى ذلك.
5- جواز ونفاذ صلاة الجمعة خلف الحاكم ولى الأمر برَّاً كان أو فاجراً أو من يُعيِّنه الحاكم بنفسه لينوب عنه فى الإمامة بالناس ، وعدم جواز إعادة هذه الصلاة مرة أخرى، أمَّا مَن صلى خلف الحاكم أو مَن ينوب عنه مِن أمرائه وولاته، ثم أعاد الصلاة لأنه لا يرى بجوازها بل يرى ببطلانها، فهذا مبتدع ضال مخالف للسنة والآثار ولا ثواب له مِن صلاته.
6- حُرْمَة الخروج على الحاكم ولى الأمر الذى وصل للحكم سواء بالرضا أو بالغَلَبَة، وحرمة قتاله أو قتال ولاته وأمرائه الذين يحكمون باسمه وتحت طاعته، ومَن خرج على الحاكم فقد شق عصا المسلمين وخالف السنة والأدلة الشرعية، فهو من الخوارج المبتدعة الذين ضلُّوا عن الطريق الصحيح ، ويلزمه التوبة مِمَّا فعل والعودة إلى السمع والطاعة للحاكم، أما إذا مات على ذلك (خروجه على الحاكم) فقد مات ميتة جاهلية.
7- جواز قتال الحاكم ولى الأمر لِمَن خرج عنه وقاتله (الخوارج)، فلِلْحاكم حينها أن يدافع عن نفسه وماله بكل ما يستطيع من قتال ودَفْع، ناوياً عدم القتل ، أما إن فارقوا (الخوارج) القتال وكفُّوا عنه لخوفهم وفرارهم أو لرجوعهم إلى الطريق الصحيح، فيجب على الحاكم أيضاً أن يكفَّ عن القتال، وألا يتبع آثارهم أو يسعى خلفهم، بل يتركهم.
8- يجب أن تكون نية الحاكم عند قتاله للخوارج هى الصد والدفاع عن النفس والمال والعِرض، وليس القتل والسفك، لأنه يقاتل إخوانه المسلمين وليسوا بكافرين. وعليه إن كانت نيته وهدفه هكذا فلا بأس له بالقتال ضدَّهم، فإن قُتِل تُرْجَى له الشهادة، وإن قُتِلوا هم فأَمْرُهم إلى الله. وعليه يجب علي الحاكم ومَن معه عند قتال الخوارج الذين يخرجوا عليه ويقاتلوه أنْ يسلك معهم المسالك الآتية :
النية والقَصْد بعدم قتلهم وسفك دمائهم، بل فقط دَفْعِهِم ورَدْع هجومهم، عدم قَتْل الجرحى والصَرْعَى منهم أثناء القتال فضلاً عن بعد انتهائه، كَفُّ القتال عنهم إنْ كفُّوا، عدم اتباع مَن بَقِىَ منهم بعد انتهاء القتال، عدم قتْل مَن أُسِر منهم ولا إقامة أى حدٍ عليهم، ولكن يُرفَع أمرهم إلى القضاء ليحكم فيهم بالعدل.

* تفصيل هذه الأمور بالشرح والإيضاح كما يلى فى المبحث التالى ذِكْرُه ، والذى مصدره مِن كلام أهل العلم المتقدمين كالأئمة الأربعة ومَن كان على قَدْرهم فى العلم (بالاستقراء وفيه إجماع منهم )، ومِن المتأخرين (كالألبانى ، ابن باز ، ابن عثيمين ، الفوزان ، تلاميذهم).

أولاً : كيف يتم تعيين ولى أمر المسلمين :
1- طرق شرعية (مشروعة) ، وهى طريقتان :
الأولى : بالاستخلاف ممَّن قبله ، مثل ( استخلاف أبوبكر الصديق للفاروق عمر رضى الله عنهما ).
الثانية : باختياره من قِبَل أهل الحل والعَقْد ، مثل (اختيار الصحابة فى سقيفة بنى ساعدة لأبى بكر الصديق).
وأهل الحل والعَقْد الآن يتمثلون فى : مجموعة من علماء الدين والأمراء وأصحاب الاقتصاد والسياسة والاستشاريين فى أغلب المجالات الموجودة بالبلد كل فى تخصصه بشرط أن تتوافر فيهم العدالة والأمانة والعقل الراجح ومراعاة المصلحة العامة وعدم اتباع الهوى.

2- طرق غير شرعية (غير مشروعة) ، وهى طريقتان :
الأولى : بالتَغَلُّب بالسيف ( الوصول بالقوة والغَلَبَة ).
الثانية : بالانتخابات المستحدثة عن الغرب (إدلاء كل أفراد البلد بأصواتهم فى انتخاب الحاكم).

وقال أهل العلم أنَّ ولى الأمر إذا وصل إلى سُدَّة الحُكْم وتمكَّن منه سواء باحدى الطرق المشروعة أو غير المشروعة، وانطبقت عليه الشروط التالى ذكرها، فله كل حقوق ولى الأمر من السمع والطاعة وغيرها مِمَّا سيرد ذكره.

ثانياً : الشروط (الصفات) الأساسية لاختيار ولى أمر المسلمين :
1- الإسلام ************ 2- الذكورة ************ 3- العقل.
وهذه الشروط مجتمعة إذا غاب أحدها لا تنعقد له الولاية، أما باقى الشروط من القوة والأمانة والعِلم والمروءة ونحوه فهى شروط هامة ولكنها شروط كمال.

ثالثاً : حقوق ولى أمر المسلمين - المنطبق عليه الشروط - على الرعية :
1- السمع والطاعة فى المَكْرَه والمَنْشَط، فى اليُسْر والعُسْر، سواء كان برَّاً أو فاجراً ، إلا إذا أمر بمعصية فلا يُطاع فيها.
2- الصبر عليه إذا أَخْطَأ أو ظَلَم أو فَسَق دون الكُفْر، وعدم الخروج عليه أو التشغيب والإثارة ضده، وعدم قتاله.
3- صلاة الجمعة خلفه، والحج والغزو معه (وكان هذا فيما مضى عندما كان الحاكم يصلى بالمسلمين، ويخرج على رأس الحجيج، ويخرج على رأس الجيش فى الحروب). أما الآن فتكون هذه الأمور (الجمعة والحج والغزو) خلف مَن يكون نائباً أو وكيلاً عنه.
4- الدعاء له بالخير والهداية والرشاد ليتحقق بذلك النفع له وللرعية.
5- المناصحة له بأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، ولكن مع مراعاة ضوابط النصيحة مِن كونها له مباشرة فى السر، وليس فى العلن، ودون تشغيب عليه.
6- إذا أَمَر بمعصية فلا يُطَاع فى معصيته ، لكن لا تُنزَع له يد من طاعة.
7- جواز دفع الصدقات إليه (الزكاة)، أى إلى بيت المال تحت إدارة وتصرُّفه سواء كان برَّاً أو فاجراً أو مَن ينوبه مِن عُمَّالِه فى ذلك.


الأدلَّة الشرعية على الحقوق سابقة الذِّكر كما يلى :
روى البخارى من حديث ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال
:
"مَن كَرِه مِن أميره شيئاً فليصبر، فإنه مَن خرج مِن السلطان شبراً مات ميتة جاهلية".
روى البخارى من حديث جنادة بن أبي أمية قال: دخلنا على عبادة بن الصامت و هو مريض، قلنا: أصلحك الله ، حدَّث بحديث ينفعك الله به، سمعته من النبي صلى الله عليه وسلم، قال: دعانا النبي فبايعناه، فقال فيما أخذ علينا: أن بايعنا على السمع و الطاعة، في منشطنا و مكرهنا، و عسرنا و يسرنا و أثرة علينا، و أن لا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفرا بواحاً، عندكم من الله فيه برهان.
روى البخارى من حديث أسيد بن حضير:
أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، استعملت فلاناً و لم تستعملني؟ قال: " إنكم سترون بعدي أثرة، فاصبروا حتى تلقوني ".
روى البخارى و مسلم من حديث على رضى الله عنه ، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال : " لا طاعة لبشر فى معصية الله، إنما الطاعة فى المعروف ".
وعن ابن عمر قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
" السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أَحَبَّ و كَرِه، ما لم يؤمر بمعصية فإن أُمِر بمعصية فلا سمع عليه و لا طاعة ".


رابعاً: ينقسم ولى أمر المسلمين باعتبار الإيمان و الكفر إلى ثلاث أقسام :
1- مسلم
تنعقد له الولاية مع توافر شرطى الذكورة والعقل ، وتنعقد له الحقوق سابقة الذكر
و المسلم يكون :
إما عدل تقى ، فتنعقد له كل الحقوق مع الحب والموالاة.
وإما جائر فاسق، فتنعقد له كل الحقوق مهما كانت درجة فسقه وجوره بشرط التناصح من الجميع بصفة عامة ومن أهل العلم بصفة خاصة (كلمة حق تقال عند سلطان جائر) ، مع مراعاة الضوابط فى النصح بأن يكون :
أ- فى السر وليس على الملأ.
ب- بكلمات طيبة لا منقصة فيها ولكن حازمة ورادعة.
ج- تكون خاصة بالمعصية أو المعاصى التى يفعلها.
د- نصح العلماء للرعية وتحذيرهم ونهيهم عن فعل المعصية بعينها التى أمر بها الحاكم دون نسب الأمر له ، ودون تأليب الناس عليه.
وإذا لم يستطع العامة أو حتى الخاصة نصح الحاكم بضوابط النصح سابقة الذكر ، أو مُنِعوا من الدخول عليه لنصحه لشدة جوره وفسقه يكونوا قد أعذروا أنفسهم إلى الله ولا شىء عليهم.

2- كافر لا ينطق بالشهادتين
لا تنعقد له ولاية من الأصل.

3- مسلم ، وكَفَرَ بعد توليته الأمر ولو بساعة واحدة
يُعرَض أمره على أهل العلم فيناصحوه بالتوبة والرجوع إلى دين الله ، فإن أًبَى فيجتمع أهل العلم فى مجلس شورى بينهم لينظروا فى أمره ، ويُقرِّوا بقرارهم بعد المشاورة فيما بينهم بعد استعراض أدلتهم واجتهاداتهم.

خامساً : مدة الولاية لولى الأمر :
ليس هناك أى مدة شرعية محددة لمكثه فى الحكم، ويحق له الحكم مدى حياته إلا أن تختل أحد الشروط السابقة كأن يَكفُر، أو يطعن فى السن فيضعف عقله وذاكرته، أو يمرض مرضاً شديداً يقعده عن متابعة أمر الحكم.

سادساً : ينقسم الحاكم الذى لا يحكم بشرع الله إلى تسع أقسام :
1- مُستحلاً : يستحل الحكم بغير ما أنزل الله فيما حرَّمه أهل العلم ومعلوم أنه حرام.
2- مُفضِّلاً : يُفضِّل الأحكام الوضعية على شرع ربِّ البرية.
3- جاحداً : يجحد بلسانه ما استقر فى قلبه من حكم الشريعة.
4- مُكذباً : يُكذِّب الأحكام الشرعية كلها.
5- مُساوياً : يساوى الأحكام الوضعية بالشرعية.
6- مُبدِّلاً : يأتى بحكم لغير الله وينسبه إلى الله.

وإذا تلبَّس الحاكم بأحد الستة السابقة فى قضية واحدة يكفر كفراً يُخرِجه من الملَّة على قول أهل العلم شريطة أن يُصرِّح بلسان المقال ويُقِر بذلك.
وينطبق عليه البند الثالث سالف الذكر فى تقسيم الحاكم باعتبار الإيمان والكفر ، ومِن ثمَّ يجرى عليه ما فيه.

7- مُستبدِلاً : يأتى بحكم لغير الله ولا ينسبه إلى الله.
8- مُقنِّنَاً : يُصدِر هو القوانين بنفسه ، وبالتالى يكون معلومٌ عنها أنها من عِندِه وليست من الله.
9- التشريع العام : يحكم فى كل أمور الحياة بالدولة بغير شرع الله ( وهو غير موجود ببلاد الإسلام ، فما توجد دولة مسلمة إلا ويحكم حاكمها ولو بقانون واحد من شريعة الإسلام ).

وإذا تلبَّس الحاكم بأحد الثلاثة الأخيرة - والتى مفادها أنه لم ينكر شرع الله أو يستحلَّه - لا يُكفَّر ، ولكنه مرتكب لكبيرة من أعظم الكبائر ، و يجب مناصحته بالضوابط السابقة.

سابعاً : شروط الخروج على الحاكم :

1- أن يَأمُر بِكُفْرٍ بَوَاح ، ويثبت عليه ، ويُقِر به بعد مناقشته فيه من أهل العلم.
2- أن يُستطاع خلعه وتولية بدلاً منه (وجود القوة والغلبة لذلك حتى لا تُسفَك دماء المسلمين ويُضحَّى بها هَدَرَاً).
3- ألا يَتَرتَّب على ذلك فساد أكبر منه.
مثل : ( سفك الكثير مِن دماء المسلمين بغير حق ، ضياع الدولة وانقسامها وضعفها أمام أعداء الإسلام ، ضياع الدين ،.... ) وغيرها من الأمور التى أقرَّها أهل العلم.
ولتحقيق كل ذلك يجب :
- ألا يخرج الأمر من بدايته إلى منتهاه عن أقوال أهل العلم الربَّانيِّين الذى يكون اجتهادهم فيه أجر إنْ أخطأوا ، وأجران إنْ أصابوا.
- ألا يخرج الأمر عن سيطرة قائد واحد، يرتضيه أهل الحل والعقد لتنفيذ الأمر، يكون هدفه هو ومَن خلفه واحد ورايتهم واحدة ، والهدف هو نزع الحاكم الذى يأمر بالكفر البواح مُقِراً به، ووضع مَن هو أحق بالأمر منه، ولو كان غير هذا القائد، فالهدف هو تحقيق المصلحة العامة وليس مصلحة خاصة لأحد الأشخاص أو الجماعات أو الفِرَق.

ثامناً : مَن يخرج على الحاكم بغير الشروط السابقة :
اعتبره العلماء أحد ثلاثة :
1- إما خارجى أى سلفه الخوارج.
2- إما معتزلى أى سلفه المعتزلة.
3- صاحب نِحْلَة باطلة تخالف سنة الرسول صلى الله عليه وسلم.
وكل مَن سبق مِن الثلاثة، يُعَد فى الإسلام أنه خرج على الطاعة وشقَّ عصا المسلمين وخالف الشريعة، وإنْ مات على ذلك مات ميتة جاهلية، أى مات وفيه خصلة من خصال الجاهلية، وليس معناها أنه مات كافراً.
وإنْ قام هولاء الخارجون بقتال الحاكم والوقوف ضده بالسلاح، فله أن يقاتلهم هو ومَن معه ويدفع أذاهم وشرهم عن نفسه وماله وعرضه، وعن المسلمين أنفسهم ودماءهم وأعراضهم، ويجب على المسلمين مؤازرته فى هذا القتال ، ولكن بالضوابط والشروط التى أقرَّها الإمام أحمد فى هذه الفقرة، وأقرَّها أهل العلم ، والتى سبق ذكرها بأول الفقرة.

تاسعاً : شبهات والرد عليها :
1- خروج الحسين بن على رضى الله عنهما على يزيد بن معاوية رضى الله عنه.
أولاً : هذا اجتهاد لصحابى جليل – الحسين – وهو أهل للاجتهاد ، و خالفه فيه ثمانية من كبار الصحابة الأجلاء - على رأسهم عبد الله ابن عمر ، وعبدالله بن عباس - وأربعة من كبار التابعين ، ونصحوه وشدَّدوا فى نصحه بعدم الخروج إلا أنه أبى رضوان الله عليه.
فهذا إجماع من الصحابة وقت حدوث الأمر، فكيف نستدل على فعل فرد ونترك الإجماع؟
ثانياً : نَدِمَ رضى الله عنه فى آخر الأمر بالخروج بعد تَخلِّى أهل العراق عنه، مع أنهم هم الذين دعوه منذ البداية لعقد الخلافة له وخَلْع يزيد، وأحبَّ الرجوع للمدينة أو يُخلّى بينه وبين الذهاب إلى يزيد يناقشه فى الأمر، إلا أن والى العراق ابن زياد - أخزاه الله - رفض وحَالَ بينه وبين ذلك، وانتهى الأمر إلى مقاتلته ومَن معه، وقُتِل شهيداً بشهادة الرسول صلى الله عليه وسلم مُسبَقَاً له بذلك، وهو سيد شباب أهل الجنة.
ثالثاً : كل الخلق يُستدل لها (لأفعالها)، ولا يستدل بها عدا النبى عليه الصلاة و السلام.
وهذا ما قرَّره كل أهل العلم كقول الإمام مالك : (كُلٌ يُؤخَذ مِن قوله ويُرَد عليه إلا صاحب هذا القبر) ، وأشار إلى قبر النبى محمد صلى الله عليه وسلم.
رابعاً : خروج الحسين رضي الله عنه فتنة اعتزلها كثير من الصحابة والتابعين ، فلا يصح الاستدلال بالفتنة بل هي حجة على مَن استدل بها ، خاصة أنه استقر الإجماع بعد ذلك بين أهل العلم من التابعين وتابعى التابعين على مَنْع الخروج على الحاكم إلا فى حالة الكفر البواح مُقراً آمراً بذلك – كما بينَّا من قبل.

2- رفض عبدالله بن الزبير رضى الله عنه مبايعة عبد الملك بن مروان ، وقبوله لتولية بعض الناس له كخليفة بعد مقتل الحسين رضى الله عنه.
نفس الرد السابق فى أمر الحسين إلا أنه لم يَرِد أنَّ ابن الزبير ندم حتى آخر لحظة من حياته. كما أنه وَرَد أنه بعد مقتل الحسين اِلتَفَّ أهل الحجاز حول ابن الزبير وبايعوه خليفة قبل أن يعلموا بمبايعة أهل الشام وغيرها من الأمصار لمروان بن الحكم ولابنه عبد الملك مِن بَعدِه.

3- إنْ قال قائل أنَّ الخروج على الحاكم أخف ضرراً بكثير من الصبر على ظلمه وجوره، فنقول أن هذا افتراء وغير صحيح، لأن الشرع الحكيم هو الذى حدَّد أن عدم الخروج على الحاكم المسلم الفاسق الجائر هو الأخف ضرراً، وأنَّ الخروج عليه مفسدة عظيمة لا يعادلها مفسدة، وهذا كله واقع ورأيناه بأعيننا.

و الأدلة على كل الشبهات السابقة وغيرها فى الخروج على الحاكم المسلم الجائر، هى :
1- أحاديث النبى صلى الله عليه وسلم فى باب (سترون بعدي أموراً تنكرونها) من أبواب كتاب الفتن فى صحيح البخارى، وهى خمسة أحاديث، والتى اعتمد عليها الصحابة والتابعون وأهل العلم فى إقرارهم بعدم جواز الخروج.

2- أقوال الصحابة الذين خالفوا الحسين وابن الزبير رضى الله عنهم جميعاً، ومنها :
* قول عبدالله بن عمر رضى الله عنهما :
وبلغ ابنَ عمر أن الحسين توجّه إلى العراق فلحقه على مسيرة ثلاثة ليال، فقال: أين تريد؟ قال: العراق، وهذه كتبهم وبيعتهم، فقال له ابن عمر: لا تذهب، فأَبَى، فقال ابن عمر: إنّي مُحدِّثك حديثاً: إنَّ جبريل عليه السلام أتى النبي صلى الله عليه وسلم فخيَّره بين الدنيا والآخرة فاختار الآخرة ولم يُرِد الدنيا، وإنّك بضعة من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يليها أحدٌ منكم أبداً، فأَبَى أن يرجع، فاعتنقه ابن عمر وبكى وقال: أستودعك الله من قَتِيل.
* قول عبدالله بن عباس رضى الله عنهما :
قال عبد الله بن عبّاس: استشارني الحسين بن علي – رضي الله عنهما – في الخروج فقلت: لولا أن يزري بي الناس وبك، لَنَشَبْتُ يدي في رأسك فلم أتركك تذهب.
* قول أبوسعيد الخدرى رضى الله عنه :
جاء أبو سعيد الخدري إلى الحسين رضي الله عنهما، فقال: يا أبا عبد الله: إني لكم ناصح، وإني عليكم مشفق، وقد بلغني أنه قد كاتبك قوم مِن شيعتكم بالكوفة يدعونك إلى الخروج فلا تخرج إليهم، فإني سمعت أباك يقول بالكوفة: والله لقد مللتهم وأبغضتهم ومَلُّوني وأبغضونى.

3- إجماع أهل العلم من التابعين وتابِعِيهم مِن القرون الخيرية الثلاثة الأولى، ومَن تابَعَهم مِن القرون، ومنها :
* قول الإمام النووي
بعد الكلام عن خروج الحسين وابن الزبير – رضي الله عنهما – وخروج بعض التابعين (شرحه، جزء 11 – 12، ص 433، تحت الحديث رقم 4748) :
( قال القاضي: وقيل إنَّ هذا الخلاف كان أولاً ؛ ثم حصل الإجماع على منع الخروج عليهم ) انتهى.

* قال شيخ الإسلام ابن تيمية (المنهاج 529 / 4) :
( وكان أفاضل المسلمين ينهون عن الخروج والقتال في الفتنة ؛ كما كان عبد الله بن عمر، وسعيد بن المسيب، وغيرهم: ينهون عام الحرة عن الخروج على يزيد، وكما كان الحسن البصري، ومجاهد، وغيرهما: ينهون عن الخروج في فتنة ابن الأشعث ) انتهى.
(ولهذا استقر أمر أهل السنة على ترك القتال في الفتنة للأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وصاروا يذكرون هذا في عقائدهم ويأمرون بالصبر على جَوْر الأئمة وترك قتالهم وإنْ كان قد قاتل في الفتنة خَلْق كثير من أهل العلم والدين).

* قال الحافظ ابن حجر (التهذيب 1/399 ، ترجمة : الحسن بن صالح بن حي)
( وقولهم: (وكان يرى السيف) يعني أنه كان يرى الخروج بالسيف على أئمة الجور، وهذا مذهبٌ للسلف قديم . لكن استقرّ الأمر على ترك ذلك لما رأوه قد أفضى إلى أشدّ منه ؛ ففي وقعة الحرّة ووقعة ابن الأشعث وغيرهما عِظةٌ لمن تدبّر ) انتهى.

* قال العلامة ابن الأثير عن خروج الحسين رضي الله عنه (أسد الغابة 2/28) :
( فأتاه كتب أهل الكوفة وهو بمكة، فتجهز للمسير، فنهاه جماعة منهم: أخوه محمد ابن الحنفية وابن عمر وابن عباس وغيرهم ) انتهى.

* قول الإمام أحمد بن حنبل
حين اجتمع إليه فقهاء بغداد في ولاية الواثق، وقالوا له: إن الأمر قد تفاقهم و فشا (إظهار القول بخلق القرآن)، ولا نرضى بإمرته ولا سلطانه، فناظرهم في ذلك، وقال:
(عليكم بالإنكار بقلوبكم ولا تخلعوا يداً مِن طاعة، ولا تشقوا عصا المسلمين، ولا تسفكوا دماءكم ودماء المسلمين معكم، وانظروا في عاقبة أمركم، واصبروا حتى يستريح برٌّ، أو يُستراح من فاجر) ، وقال: (ليس هذا بصواب ، هذا خلاف الآثار).

و قال المرذوي (فى الآداب الشرعية 1/ 237 ): سمعتُ أبا عبد الله – أحمد بن حنبل - يأمر بكف الدماء وينكر الخروج إنكاراً شديداً، وقال في رواية إسماعيل بن سعيد: (الكفُّ لأنا نجدُ عن النبي صلى الله عليه وسلم : " ما صلوا فلا ").
أى ما دام ولاة الأمر يُصلون – على الإسلام – فلا يجوز الخروج.

(انتهى بحمد الله الأصل الثالث عشر من الرسالة)
 

علي حسين

عضو معروف
إنضم
3 أبريل 2007
المشاركات
10,314
مجموع الإعجابات
2,960
النقاط
113
ما لم يفْرِضْه الفقيه
بقلم - د.محمد موسى الشريف

قد كان من عادة بعض فقهائنا الاوائل - رحمهم الله تعالى- عند مناقشتهم مسائل فقه العبادات والمعاملات أن يتحدثوا عن مسائل لم تقع فيفرضون وقوعها، ومن ثم يضعون لها أحكاماً، وغالب هذه المسائل من البعد عن الواقع بمكان، ولقد نظرت في جملة من هذه المسائل وكنت
أتعجب من هذه السعة في التناول لما لم يقع، وليس له نظير في زمانهم، وعجبت من هذا التعرض لما لم يقع وكنت أعده ترفاً فكرياً وتشعباً لا داعي له.

وعندما ننظر في أحوال زماننا هذا وتشابك وقائعه وما يستجد فيه من أحداث نعلم يقيناً أن فقهائنا
الاوائل لم يكن يدور في أذهانهم أن هذا يمكن أن يقع، فلذلك لم يفرضوه في كتبهم ولم يرد في مخيلتهم وتصوراتهم على كثرة ما ورد فيها وأثبتوه في كتبهم، كما أسلفت.

ولقد نظرت في أحداث زماننا هذا فخرجت بطائفة منها لم ترد أحكام أمثالها في كتب فقهائنا الاوائل
-فيما أعلم- فإليكموها:

1. لم يفرض فقيه -فيما أعلم- أنه سيأتي وقت على المسلمين يُحكمون فيه بغير كتاب الله تعالى وسنة رسوله "صلى الله عليه وسلم" ويستبدل بهما القوانين الانجليزية والفرنسية وغيرها عن رضا
وتسليم من حكام أكثر الدول العربية والمسلمة، وغاية ما صنع الفقهاء أنهم تحدثوا عن شريعة الياسق الذي فرضها المغول بحد السيف على المسلمين، لكن أن يرضى الحكام المسلمون بتحكيم غير كتاب الله طواعية وتنحيته هو والسنة المطهرة عن الحكم فهذا لم يخطر ببالهم فلم يفرضوه في كتبهم.

2. لم يفْرض فقيه - فيما أعلم- أنه سيأتي يوم على المسلمين لا يستطيعون فيه الحفاظ على أحكام
دينهم في كثير من البلد العربية والسلمية، وأنه مَن يكثر من المسلمين التردد على المساجد يصبح
محل شبهة، وإذا أطلق أحدهم لحيته حُورب وإذا أراد المحافظة على دينه صار يوصف بالتشدد
والتطرف.

3. لم يفرض فقيه -فيما أعلم- أن النساء المسلمات إذا أردن تعلم العلم النافع ولو كان شرعياً في
الجامعات فإنهن لا يستطعن لبس حجابهن، وأنهن إذا أردن الجمع بين العلم والحجاب فلا بد لهن من
السفر خارج بلدهن، ولم يخطر ببال فقيه قط أن يكون مقصدهن بلد الغرب الكافرة ليلبسن حجابهن
فيها!! وهذا اليوم هو ما يجري في تركيا عاصمة السلم لخمسة قرون!!

4. لم يخطر ببال فقيه أنه يؤتى بالمرأة المسلمة الحامل وهي في الطَلْق على باب المستشفى فتخير بين دخول المستشفى بغير حجاب أو أنها تطرد عنها فلا تدخلها إذا أصرت على حجابها!! وهذا
يحدث اليوم في تونس مثوى عقبة بن نافع فاتح أفريقيا!! وتمنع فيها النسوة المحجبات من
الوظائف الحكومية ويضيق عليهن تضييقاً لم يحصل عشر معشاره في بلد الكافرين!!!

5. لم يخطر ببال فقيه أن يطلب مسلم من كافر قصف بلد المسلمين وقتل من فيها لان حكاماً صالحين يحكمون ذلك البلد، وهذا حدث عندما طلب محمود عباس ومعه زمرة من أتباعه من اليهود
مواصلة قصف قطاع غزة وعدم التوقف حتى تسقط حكومة حماس، وغاية ما سمعنا في التاريخ
أن بعض حكام الندلس كان يتفق مع بعض النصارى على تسليم البلد والحصون خيانة، لكن لا يتفق
معهم على قتل المسلمين وهدم ديارهم والتحريض على علمائهم ورموزهم كما يحصل الان!!!

6. لم يخطر ببال فقيه أن تقوم حكومة مسلمة بحصار شعب مسلم نيابة عن عدوه، وأن تشدد عليه
الحصار ببناء جدار فولذي يسد عليه جميع المنافذ، فهذا ما لم نسمعه في سيرة الحكام الوائل، فكيف
يفرضه فقيه في كتابه؟! وغاية ما سمعنا أن بعض خونة الحكام كانوا يسكتون عن حصار الصليبيين في الاندلس للمسلمين، لا أن يشاركوا بهذا الحصار ويجهدوا في ضبطه وتشديده وسد كل المنافذ البحرية والجوية والبرية على إخوانهم المسلمين!!

7. لم يفرض فقيه قط -فيما أعلم- أن كثيراً من الحكومات السلمية تتبّع موظفيها وعمالها فمن كان منهم صالحاً داعياً إلى الخير تقصيه وتبعده وتطرده من وظيفته، ومن كان منهم سارقاً فاسداً مرتشياً خرب الذمة فإنها تقربه وتُعلي من شأنه، وهذا قد حصل فقد أبعدت دول إسلمية المدرسين
الصالحين من المدارس والجامعات وأماكن التوجيه، واجتهدت في تضييق الخناق على الجيش فطردت منه الرجال الصالحين ولو لم يُظهروا من صلحهم إلا صلة اقتنصوها في غفلة عن الرقيب في ظنهم!! وطاردت وأقصت كل من رأت فيه خطراً على أمنها القومي!!

8. لم يخطر في بال فقيه قط -فيما أعلم- أن حاكماً مسلماً يمنع بناء المساجد أو يهدمها!! أو أنه يمنع توزيع الكتب السلمية، أو أنه يحارب الدعاة العاملين فيمنع أرزاقهم أو يحظر عليهم التحدث
في وسائل العلم، كل هذا قد وقع بدرجات مختلفة الحدة في كثير من بلد السلم.

9. لم يخطر في بال فقيه قط أن الزنى يصير مرعياً من قبل الدولة ومحمياً، وأن الزانية تدفع الضرائب، وتخضع للفحص الطبي الدوري حتى يُتأكد من سلامتها من الامراض وصلاحيتها للزنا، كل هذا بتشريعات وقوانين!! وهذا يجري اليوم في بعض بلاد الاسلام... وإنا لله وإنا إليه راجعون.

10 . ولم يخطر ببال فقيه فيفرضه في كتابه أن أكثر دول الاسلام تستحل الربا بتشريعات وتقنينات، وتقيم له المصارف، وتربط به اقتصادها، وهذا قد حصل في ديار السلم؛ كما هو مشاهد معلوم.

11 . ولم يخطر ببال فقيه فيفرضه في كتابه أنه سيأتي يوم على المسلمين يصبح فيه الجهاد مسترذل مكروهاً محارباً مستوياً -في حكمه والتعامل معه- مع التشدد والغلو "الارهاب المذموم" ويصبح الجهاد وأهله موضع الريبة وظن السوء، بعد أن كان المجاهدون شامة في الناس وموضع تكريم وإعزاز.

12 . ولم يخطر في بال فقيه فيفرضه في كتابه أنه سيأتي يوم على المسلمين تتعرى فيه نساؤهم من أكثر اللباس، وأنهم يعرض عليهم في وسائل الاعلام الرسمية في البلاد الاسلامية دقائق مايجري من الحب والعشق، بل في أحيان كثيرة ما يجري في غرف النوم من مقدمات الجماع، وعهدهم أن هذا لا يكون إلا في ستر وعزلة وغفلة عن أعين الناس، لكنه صار واقعاً مشاهداً في بلاد الاسلام طول وعرضاً حتى قَلّ من ينكره!!!

13 . وهذه الخمر صارت مرخصة بقانون، ولها مصانع تصنعها في أكثر بلد الاسلام، وهي أم الخبائث -كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم- وصرنا ننافس الكفار في صنعها والدعاية لها والاقبال على شربها، وهذا -قطعاً- لم يخطر ببال فقيه حتى يفرض له صورة فيبني عليها حكماً!!

14 . ولم يرَ أو يسمع فقيه من فقهاء الاسلام في زمن العز والكرامة فقيهاً يصافح أعداء الله وأعداء رسوله بحرارة وإقبال وبكلتا يديه!! ولم يروا أو يسمعوا بفقيه يجلس مع عدو الله وعدو رسوله على منصة واحدة لحضور مؤتمر دولي، ولم يسمعوا بفقيه يحلل ما يقوم به أعداء الاسلام ضد المسلمين من تضييق على الحجاب والنقاب، ولم يسمعوا قط بفقيه يحارب النقاب ويراه عادة مرذولة!! ولم يسمعوا بفقيه يرى جواز حصار المسلمين وإذللهم وتجويعهم، ولم يسمعوا بفقيه استغيث به لئلا يهدم المسجد الاقصى فقال: "وأنا مالي!!".

15 . ولم يخطر ببال فقيه أن قصص المجون والالحاد والفحش تنشر بتشجيع من أكثر الدول الاسلامية ويُثاب عليها أصحابها بجوائز الدولة !!

16 . ولم يخطر ببال فقيه أنه سيأتي على المسلمين زمان يُسب فيه الله تعالى فلا يغضب أكثر الحكام ولا يتكلمون، فإذا سب حاكم قامت الدنيا ولم تقعد!!

17 . ولم يخطر ببال فقيه أنه ستكون في ديار الاسلام مجلات وجرائد فيها صور النساء الكاسيات
العاريات والدعوة إلى الباحية والمجون والرذيلة، والدعوة إلى اللادينية (العلمانية) والدعوة إلى محاربة الصالحين بتهمة التطرف والتشدد ، والدعوة إلى الاختلاط بين الرجال والنساء بلا ضوابط شرعية ولا تقاليد حميدة مَرْعِيّة.

18 . ولم يخطر ببال فقيه أن يصدر بيان عن مشيخة الازهر في محرم الحرام سنة 1431 ينص فيه أنهم يؤمنون بالديانة المسيحية!!! وأنهم يحترمون الدين المسيحي!! وهذا صدر تعليقاً على سحب كتاب د.عمارة من الاسواق وهو قد صدر مع مجلة الزهر ملحقاً يقرر فيه بعض الحقائق عن النصرانية، ثم إن عامة علماء الزهر وموظفيه في مصر لم نسمع لهم صوتاً يرد هذا الكفر البواح ويرفضه إلا أصواتاً ضعيفة من هاهنا وهنالك.

19 . ولم يخطر ببال فقيه أن يُؤذن في أكثر بلاد الاسلام للكفرة والملحدين من شتى أنحاء العالم
في الدخول إلى البلد بتسهيلات كثيرة ويمنع من الدخول أكثر المسلمين إلا بتأشيرات أكثرها لا
يصدر إلا بعد طول معاناة وعذاب، وهنالك طوائف من المسلمين تعلم سلفاً أنها ممنوعة من الدخول
ولا سبيل لها إل الرضا والتسليم.

20 . ولم يخطر ببال فقيه أن يكون لاعداء الاسلام -من اليهود وغيرهم- في بعض عواصم الاسلام سفارات وممثليات وعقود تجارية وعهود مرعية، هذا وهم محتلون لبلد الاسلام، ويقتلون المسلمين في كل آن ويحاصرونهم ويضيقون عليهم، فإذا جاؤوا إلى بعض بلد الاسلام استقبلوا استقبالً رسمياً، وعزفت لهم الموسيقى، وتُلقوا بالبشر والترحاب، بل يُتفق معهم ضد المسلمين في مؤامرات كيدية أصبحت لكثرتها معروفة بل منشورة!!

21 . ثم من من الفقهاء يخطر بباله أن بعض الكفار يدافع عن المسلمين، ويُسير إليهم قوافل الاغاثة،
ويجادل المسلمين فيهم ويتعرض للضرب والذل والهوان من أجلهم، ويبيت في الصحراء في البرد
القارس والحر اللاهب من أجلهم ويفترش الطريق ويقطعه من أجل إيصال المعونات إلى المسلمين
المحاصرين، بينما أكثر المسلمين عن ذلك بمعزل وكأن الامر لا يعنيهم!!

تلك كانت أمثلة لما لم يكن يخطر في ذهن الفقهاء، وقوعه، ولم يكن يدور بخلدهم، ولم يكونوا يتصورونه أبداً، لكن كل ذلك وقع، وإنا لله وإنا إليه راجعون، ويجب على فقهاء العصر أن يكونوا شجعاناً في تناول تلك المسائل ومثيلاتها ومن ثم الحكم عليها بما يناسب كل منها فقد طال غيابهم، وعظم انعزالهم، وجمهور المسلمين صار مثل الغنم في الليلة المظلمة الشاتية بلا راع، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

ولم أورد ذلك لبث التشاؤم في العقول والضيق في الصدور، لا، إنما أوردته ليظهر عِظَم ما نحن
فيه من مصائب فيتحرك الدعاة فلا يفترون ولا يضعفون، وليقوم العلماء بما يجب عليهم القيام به، وليشارك عامة المسلمين -فيما يقدرون عليه من المشاركة- في سد الثغرات وإقالة العثرات، والذب عن أمه الاسلام، وعسى أن يصل كلامي هذا إلى من كان في قلبه مرض من الحكام والمحكومين فيرتدع عن غيه وضلاله، ويفيء إلى الحق والخير.
ويا ولي الاسلام وأهله ثبتنا على الاسلام حتى نلقاك، واجعلنا من جندك فإن جندك هم الغالبون المنصورون.
 

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,949
مجموع الإعجابات
1,976
النقاط
113
ما لم يفْرِضْه الفقيه
بقلم - د.محمد موسى الشريف
قد كان من عادة بعض فقهائنا الاوائل - رحمهم الله تعالى- عند مناقشتهم مسائل فقه العبادات والمعاملات أن يتحدثوا عن مسائل لم تقع فيفرضون وقوعها، ومن ثم يضعون لها أحكاماً، وغالب هذه المسائل من البعد عن الواقع بمكان،
.
.
.
ويا ولي الاسلام وأهله ثبتنا على الاسلام حتى نلقاك، واجعلنا من جندك فإن جندك هم الغالبون المنصورون.

لله الأمر من قبل ومن بعد ، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
 

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,949
مجموع الإعجابات
1,976
النقاط
113
الأصل الرابع عشر من الرسالة

الأصل الرابع عشر (الفقرة الرابعة عشرة من الرسالة)
قال المُصِنِّف الإمام أبو عبد الله أحمد بن حَنْبَل :
( ولا نشهد على أحدٍ مِن أهل القبلة بعملٍ يعمله بجنَّةٍ ولا نار، نرجو للصالح ونخاف عليه، ونخاف على المُسِىء المُذْنِب، ونرجو له رحمة الله.
ومَنْ لَقِىَ الله بذنبٍ يجب له به النار تائباً غير مُصِرٍّ عليه فإن الله يتوب عليه، ويَقْبَل التوبة عن عباده، ويعفو عن السيئات، ومَن لَقِيَه وقد أُقِيم عليه حدُّ ذلك الذنب فى الدنيا فهو كفَّارتُه، كما جاء فى الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومَن لَقيَه مُصِرَّاً غير تائب مِن الذنوب التى قد استوجب بها العقوبة فأَمْرُه إلى الله، إنْ شاء عَذَّبه، وإنْ شاء غَفَر له، ومَن لَقيَه وهو كافر عذَّبَه ولم يَغفِر له).


* فى هذه الفقرة الرابعة عشرة ذَكَر الإمام أحمد مسألة هامة، وهى عدم جواز الشهادة لأحدٍ مِن أهل القبلة بعد موته بالجنة أو النار. وذَكَر مسألة المذنب العاصى وأحواله فى حياته وبعد مماته مع الله تعالى، وموقف الشارع تجاهه.
ولكنْ مَن هم أهل القبلة أو أُمَّة الإجابة كما أطلق عليهم أهل العلم ؟

* قسَّم أهل العلم كل أفراد الأمة بعد عهد النبوة باعتبار الإسلام وعدمه إلى قسمين :
(1) أُمَّة الدعوة : وهم كل مَن أُمِر باتباع النبى محمد صلى الله عليه وسلم ، كاليهود والنصارى وسائر الكفرة والملاحدة.
(2) أُمَّة الإجابة (أهل القبلة) : هم كل مَن انتسب للإسلام، وإنْ كان مرتكباً للكبائر أو البدع، وإنْ كانت البدعة مُكَفِّرة، وإنْ كان منافقاً نفاقاً أكبر شريطة عدم ثبوت نفاقه (غير معلوم للمسلمين).

* معتقد أهل السنة والجماعة فى مسألة الشهادة لأحدٍ بعينه بالجنة أو النار :
- لا يجوز الشهادة بالجنة أو النار لمعيَّنٍ مِن أمة الإجابة (أهل القبلة) سواء فى حياته أو بعد مماته، لكن نخاف على أهل المعاصى مِن النار، ونرجو لأهل الطاعات الجنة، ونتعامل مع أهل الطاعة فيما يظهر لنا منهم، ونتعامل مع أهل المعاصى فيما يظهر لنا منهم.
- أما أمة الدعوة فيجوز أن نشهد لهم بأعيانهم فى الدنيا بأنهم على الكفر شريطة أن تصل إليهم الدعوة ويسمعوا بها، لكن لا يجوز الشهادة لهم بأعيانهم فى دنياهم أنهم من أهل النار، فقد يتوبوا قبل مماتهم ويدخلوا الإسلام. أما إنْ ماتوا على كفرهم فيجوز أن نشهد لهم بأعيانهم أنهم فى النار بعد ثبوت ذلك لنا والتأكد منه (موتهم على الكفر)، وإلا فليُمْسِك كلٌ على لسانه ولا يَهْرِف بما لا يَعْرِف.
- أما على العموم (أى ليس على الخصوص لأحدٍ بعينه) فنجزم أنَّ أهل الإيمان مِن أهل الجنة، ونجزم أنَّ الكفار والمشركين والمنافقين (كفراً وشركاً ونفاقاً أكبر) مِن أهل النار.

* قسَّم أهل العلم الذَّنوب التى اقترفها العبد ثم مات إلى الآتى :
1- مِن حيث نوع الذنب :
إما أن يكون هذا الذنب كفر أو شرك (كفر أو شرك أكبر).
وإما أن يكون هذا الذنب دون الكفر أو الشرك.
2- من حيث التوبة منه :
إما أن يكون تاب منه العبد قبل مماته
وإما أنه لم يَتُب منه قبل موته.
3- من حيث إقامة الحد (للذنوب التى عليها حدود كالسرقة والزنا والقتل)
إما أن يكون أُقِيم عليه حدُّ هذا الذنب قبل موته.
وإما أنه لم يُقَم عليه حد هذا الذنب قبل موته.
* موقف الشارع من المُذْنِب أو العاصى :
- إن اقترف العبد كفراً أو شركاً أو ما دون ذلك، ثم تاب إلى الله توبة نصوحاً قبل مماته، فكأنَّ شيئاً لم يَكُن ويغفر الله له ويرحمه بمنِّه ورحمته.
قال تعالى : " قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ الله إِنَّ االله يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ " الزمر 53.
- وإنْ مات مُصِرَّاً على ذنبٍ دون الشرك أو الكفر ولم يَتُب منه، فهو تحت المشيئة، إنْ شاء الله عذَّبه على قدر ذنوبه ثم أدخله الجنَّة فلا يُخلَّد فى النار، وإن شاء غفر له ورحمه ولم يُعذِّبه.
- وإنْ مات مُصِرَّاً على الشرك أو الكفر الأكبر، فإن الله لا يغفر له، ويدخله النار خالداً مُخلَّداً فيها.
قال تعالى : " إِنَّ الله لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بالله فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً " النساء 48.
- وإن أُقِيم عليه حد ذنب اقترفه فى الدنيا أُسْقِط عنه يوم القيامة، وإنْ لم يُقَم لم يسقط عنه إلا إذا تاب توبة نصوح قبل مماته بشروط التوبة التى ذكرها العلماء، ومنها إذا كان الذنب فى حق أحد من الخلق فيجب لتمام التوبة ردِّ هذا الحق لصاحبه فى الدنيا قبل الآخرة.
(انتهى بحمد الله الأصل الرابع عشر)
 

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,949
مجموع الإعجابات
1,976
النقاط
113
الأصل الخامس عشر من الرسالة

الأصل الخامس عشر (الفقرة الخامسة عشرة من الرسالة)
قال المُصِنِّف الإمام أبو عبد الله أحمد بن حَنْبَل :
( والرَّجْمُ حقٌّ على مَن زَنا وقد أَُحْصَن إذا اعترف أو قامَت عليه بيِّنَة، وقد رَجَم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد رَجَمَت الأئمَّة الراشدون ).


* فى هذه الفقرة الخامسة عشرة ذَكَر الإمام أحمد مسألة الرَّجم للزانى المُحصَن، وبرغم أنها مسألة فقهية إلا أنه ذكرها فى رسالته هذه وعدَّها من أصول العقيدة عند أهل السنة والجماعة، وذلك ردَّاً على الخوارج والمعتزلة الذين أنكروا الرَّجم، وقالوا بأنه جَلْدٌ فقط.

* معتقد أهل السنة والجماعة فى مسألة الرَّجْم :
(1) الرجم ثابت بالكتاب والسنة القولية والعملية والإجماع، وأيضاً ثابت فى التوراة والإنجيل، ولم يُخالف فيه إلا الخوارج والمعتزلة وبعض الفرق الضآلة حديثاً.
(2) يُطبَّق حدُّ الرجم على الزانى الثيِّب (المُحْصَن) من الرجال والنساء على حدٍ سواء، والمُحصَن هو مَن تزوَّج وسبق له الوطء ولو مرَّة واحدة، وكذلك المحصنَة هى من تزوجت وسبق لها الوطء ولو مرة واحدة ، حتى لو كان أيَّاً منهما أرمل أو مطلَّق وقت الزنا. أما مَن نكح ولم يطأ فهو بِكْر، ومَن وطأ ولم ينكح (الزانى) فهو بكر لا يُطبَّق عليه حدُّ الرجم، وإنما يُطبَّق عليه حدُّ الجَلْد.
(3) بعد تطبيق حد الرَّجم حتى الموت على الثيِّب الزانى، يُغَسَّل ويكفَّن ويُصلَّى عليه ويُدعى له بالرحمة والمغفرة ويُدفَن بمقابر المسلمين.

* الأدلة من الكتاب والسنة على حُكم الرَّجم للزانى المحصن :
من الكتاب :
- آية الرَّجم بسورة الأحزاب، وهى مِن الآيات التى نُسِخَت لفظاً أو تلاوة، وبَقيَت حُكمَاً ، وهى كما ذُكِرَت فى الحديث التالى :
روى الإمام أحمد وابن حِبَّان والحاكم والبيهقى وابن حزم وغيرهم بسند صحيح من طريق عَاصِمِ بْنِ بَهْدَلَةَ ، عَنْ زِرٍّ، قَالَ : قَالَ لِي أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: كَأَيِّنْ تَقْرَأُ سُورَةَ الْأَحْزَابِ؟ أَوْ كَأَيِّنْ تَعُدُّهَا؟ " قَالَ: قُلْتُ لَهُ: ثَلَاثًا وَسَبْعِينَ آيَةً ، فَقَالَ: قَطُّ ، لَقَدْ رَأَيْتُهَا وَإِنَّهَا لَتُعَادِلُ سُورَةَ الْبَقَرَةِ ، وَلَقَدْ قَرَأْنَا فِيهَا : (الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا الْبَتَّةَ نَكَالاً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ).

- آية 23 من سورة آل عمران ، قال تعالى :
" أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ الله لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ ".
وهذه الآية نزلت فى اليهود بعد رجم اليهوديَّيْن الزانيَيْن، وقصة رجمهما ثابتة فى الصحيح كما فى الحديث الذى سيلى ذكره.

أما فى السنة :
روى البخارى ومسلم فى صحيحيهما من طريق الإمام مالك بن أنس عن نافع عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما : أنَّ اليهود جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذكروا له أنَّ رجلاً منهم وامرأة زَنَيَا ، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم :
"ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟ "، فقالوا: نفضحهم ويُجلَدُون، فقال عبد الله بن سلام: كَذَبْتُم إنَّ فيها الرجم، فأتوا بالتوراة فنشروها، فوضع أحدهم يده على آية الرجم، فقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك، فرفع يده فإذا فيها آية الرجم؛ فقالوا: صَدَق يا محمد، فيها آية الرجم، فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرُجِمَا، قال عبد الله: فرأيت الرجل يجنأ على المرأة يقيها الحجارة "
.

روى البخارى فى صحيحه، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه حين رجم شراحة بنت مالك الهمدانية في خلافته وقال: (رجمتها بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم).

قال العلامة الشنقيطي في تفسيره: ( اعلم أن رجم الزانيين المحصنين دلت عليه آيتان من كتاب الله، إحداهما نسخت تلاوتها، وبقي حكمها، والثانية: باقية التلاوة والحكم ،
أما التي نسخت تلاوتها، وبقي حكمها فهي قوله تعالى: (الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا الْبَتَّةَ نَكَالاً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)، وكَوْن الرجم ثابتاً بالقرآن ثابت في الصحيح، فروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من طريق ابن شهاب الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن ابن عباس أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خطب الناس وقال في خطبته: ( إن الله بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان مِمَّا أنزل الله آية الرجم، فقرأناها، وعقلناها، ووعيناها، رَجَم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورَجَمْنَا بَعْدَه، فأخشى إنْ طال بالناس زمان أن يقول قائل: والله ما نَجِد آية الرجم في كتاب الله فيَضِلوا بترك فريضة أنزلها الله، والرَّجْم في كتاب الله حق على مَن زَنَى، إذا أُحْصِن من الرجال والنساء، إذا قامت البينة أو كان الحَبَل أو الاعتراف) ، وفيه: أنَّ الرجم نزل في القرآن في آية من كتاب الله، وكونها لم تقرأ في الصحف، يدل على نسخ تلاوتها، مع بقاء حكمها ....... وأما الآية التي هي باقية التلاوة والحكم فهي قوله تعالى : " أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ الله لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ ". على القول بأنها نزلت في رجم اليهوديين الزانيين بعد الإحصان، وقد رجمهما النبي صلى الله عليه وسلم، وقصة رجمه لهما مشهورة ثابتة في الصحيح، وعليه فقوله: " ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ "، أي: عما في التوراة من حكم الرجم، وذم المعرض عن الرجم في هذه الآية يدل على أنه ثابت في شرعنا، فدلت الآية على هذا القول أن الرجم ثابت في شرعنا، وهي آية باقية التلاوة ). من كتاب أضواء البيان للشنقيطي باختصار وتصرُّف.

* خالف الخوارج والمعتزلة المعتقد الصحيح لأهل السنة وأنكروا الرَّجم لسببين (شبهتين) :
الأولى : ادَّعوا أنَّ هناك تعارض بين ثبوت الرَّجم وبين بعض النصوص الشرعية كما فى قوله تعالى "فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ"
فقالوا إذاً كيف نُطبِّق على الأَمَة الثيِّب حكم الرَّجم بالنصف، والموت لا يُنَصَّف.
ردُّ أهل السنة : تفسير هذه الآية (النساء25) أنها نزلت فى حكم الجَلْد فقط، فالحرَّة غير المحصنة إذا زنت تُجلَد مائة جلدة، والأَمَة غير المحصنة خمسون جلدة، أما الحرَّة المحصنة فتُرجَم حتى الموت، والأمة المحصنة فإنها تُجلد مائة جلدة كما ورد فى الأحاديث النبوية، وليس معناها أن ترجم بالنصف كما فَهِم أصحاب العقول الرديئة من المبتدعة الخوارج والمعتزلة.
الثانية : قالوا أن أحاديث الرَّجم غير متواترة ولا يُعمَل بها.
ردُّ أهل السنة : ثبت بالسنة القولية أحاديث الرجم، والأحاديث الآحاد يؤخذ بها فى الأحكام تماماً كما يؤخذ بالمتواترة. وأيضاً ثبت بالسنة الفعلية مسألة الرجم حيث ثبت أن النبى صلى الله عليه وسلم رجم فى حياته أربعة حالات هى :
1- المرأة الغامديَّة.
2- ماعز بن مالك.
3- امرأة الرجل التى زنا بها العسيف (الأجير).
4- اليهوديَّيْن.
وكذلك رجم الخلفاء الراشدون مِن بعدِه الزناة المحصنين، كما ورد فى قول عمر بن الخطاب وعلى بن أبى طالب رضى الله عنهما.
(انتهى بحمد الله الأصل الخامس عشر)
 

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,949
مجموع الإعجابات
1,976
النقاط
113
الأصل السادس عشر من الرسالة

الأصل السادس عشر (الفقرة السادسة عشرة من الرسالة)
قال المُصِنِّف الإمام أبو عبد الله أحمد بن حَنْبَل :
( ومَن انتقص أحداً مِن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو أبغضه بحدثٍ كان منه أو ذَكَر مساوئه كان مبتدعاً حتى يتَرَحَّم عليهم جميعاً ويكون قلبه لهم سليماً.
والنفاق هو الكفر، أنْ يَكفُر بالله ويَعبُد غيره، ويُظهِر الإسلام فى العلانية، مِثلَ المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقوله صلى الله عليه وسلم
"ثلاثٌ مَن كُنَّ فيه فهو منافق" هذا على التغليظ، نرويها كما جاءت ولا نفسِّرها، وقوله صلى الله عليه وسلم: "لا ترجعوا بعدى كفَّاراً ضٌلَّالاً يَضرِب بعضكم رقاب بعض"، ومثل: "إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول فى النار" ومثل: "سِبَاب المسلم فُسُوق وقِتَاله كفر" ومثل: "مَن قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما" ومثل:"كُفرٌ بالله تَبَرُّؤٌ مِن نَسَب وإنْ دَقَّ"، ونحو هذه الأحاديث مِمَّا قد صحَّ وحُفِظ، فإنَّا نُسلِّم له وإنْ لم نعرف تفسيرها، ولا نتكلم فيها ولا نجادل فيها، ولا نفسِّر هذه الأحاديث إلا مثل ما جاءت، لا نرُدَّها إلا بأحقِّ منها ).

* فى هذه الفقرة السادسة عشرة ذَكَر الإمام أحمد مسألتين : الأولى عن الصحابة وحرمة الانتقاص مِن أحدهم أو ذِكْرِه بسوء أو بغضه لأى سبب كان ، والثانية عن النفاق وتعريفه وصفات المنافقين والكفر، وبعض الأدلة الشرعية التى جاءت فى ذلك.

* سبق ذِكْر فضل الصحبة وقدرهم ومراتبهم بالأصل الأول والأصل الثانى عشر من هذه الرسالة، ونركِّز فى هذا الأصل على حرمة الانتقاص منهم.

* دَلَّت السنة النبوية المطهرة على تحريم سَبِّ الصحابة والتعرض لهم بما فيه نقص، وحذَّر النبي صلى الله عليه وسلم من الوقوع في ذلك، لأن الله تعالى اختارهم لصحبة نبيه ونشر دينه وإعلاء كلمته، وبلغوا الذروة في محبة النبي صلى الله عليه وسلم، فكانوا له وزراء وأنصاراً يَذبُّون عنه، وسَعَوا جاهدين منافحين لتمكين الدين في أرض الله، حتى بلغ الأقطار المختلفة ووَصَل إلى الأجيال المتتابعة كاملاً غير منقوص، ولمقامهم الشريف ولِمَا لهم مِن القيام التام بأنواع العبادات، وصنوف الطاعات والقُرُبات، فجاءت النصوص النبوية القطعية بتحريم سبِّهم وتجريحهم أو الطعن فيهم والحطِّ من قدرهم ومن تلك النصوص ما يلى :
روى الشيخان من حديث أبي سعيد الخدري، أنَّ النبى صلى الله عليه وسلم قال :
" لا تَسَبُّوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنَّ أحدكم أنفق مِثل أُحُدٍ ذهباً ما أَدرَكَ مُدَّ أحدهم ولا نَصِيفَه ".
وفي صحيح مسلم من حديث أبي سعيد أيضاً بلفظ :
كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف شيء فسبَّه خالد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تَسَبُّوا أحداً من أصحابي، فإنَّ أحدكم لو أنفق مِثْل أُحُدٍ ذهباً ما أدرك مُدَّ أحدهم ولا نَصِيفَه ".
هذان الحديثان اشتملا على النهي والتحذير من سب الصحابة رضي الله عنهم، وفيهما التصريح بتحريم سبهم، وقد عدَّ بعض أهل العلم سبهم من الكبائر. وإذا كان سبُّ خالد بن الوليد وهو صحابى جليل لأحد الصحابة محرَّماً ومنهيَّاً عنه، فكيف بِمَن هو دونه مِن باقى الأمة.
قال الإمام النووي: (واعلم أنَّ سبَّ الصحابة رضي الله عنهم حرام من فواحش المحرمات، سواء من لاَبَس الفتن منهم وغيره، لأنهم مجتهدون في تلك الحروب متأوِّلُون).
روى الطبرانى مِن حديث ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
" مَن سبَّ أصحابي فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ".
وإذا كان هذا اللعن فى حقِّ مَن سبَّ صحابياً أو انتقص مِن قَدْرِه، فكيف بمن يكَفِّر الصحابة ويخرجهم مِن ملَّة الإسلام وهم أطهر خلق الله بعد أنبيائه ورسله ، ألا لعنة الله على الروافض الذين كفَّروا الصحابة الأطهار.

* فصل فى الفتنة :
أما عن الفتنة اللتى حدثت بين بعض الصحابة، وأدَّت إلى القتال فيما بينهم (وقعة الجمل، وقعة صفين)، لم تكن بسبب الصحابة ولا يُلام أحدهم فيها فضلاً عن الانتقاص مِن قَدْرِه، فمدبِّر هذه الفتنة كان اليهودى الخبيث عبد الله بن سبأ وساعده فيها خَلْقٌ مِن أصحاب الفتن والأراجيف لم يكن أحدهم مِن الصحابة. بدأت بخروجهم على الخليفة الراشد عثمان بن عفان والافتراء عليه بأكاذيب وافتراءات وأراجيف لم تكن فيه، ثم قتلهم له فى بيته، وإثارة الفتنة الشديدة فى المدينة حتى يقع القتال بين الصحابة فى مسألة أَخْذ الثأر مِن قَتَلَة عثمان، والتى هى كانت سبب الخلاف بين الصحابة على بن أبى طالب ومَن معه مِن جانب، وطلحة والزبير ومعاوية والسيدة عائشة ومَن معهم من جانب آخر، وكلهم كان يريد الثأر لعثمان من القَتَلَة الآثمين، ولكنْ كان الخلاف فى توقيت أَخْذ الثأر، فكان على بن أبى طالب يريد التأجيل بعض الوقت حتى تستقر له الأمور وتنتهى الفتنة، والجانب الآخر كان يريد أخذ الثأر فى الحال، وكلهم لم يكن يريد القتال، وكلهم لم يطمع فى الخلافة أو فى شىء من الدنيا كما زعم المبتدعة الروافض الخبثاء.
قال أهل العلم فى هذه الفتنة :
فكان الصحابة فى هذه المسألة بين متأوِّل يرى الخروج، ومتأوِّل يرى الاعتزال وعدم الخروج على ثلاثة أقسام كالتالي :
القسم الأول: مَن رأى أنَّ علىَّ بن أبى طالب تمَّت له البيعة فوجب عليه أن يناصره، ووافقه الرأى فى تأخير الثأر مِن قَتَلَة عثمان حتى تستقر أمور الحكم والخلافة له وتنتهى الفتنة. ومِن هذا القسم كان (عمار بن ياسر وقيس بن سعد بن عبادة) رضوان الله عليهم أجمعين.
القسم الثانى: مَن رأى أنَّ علىَّ بن أبى طالب تمَّت له البيعة فوجب عليه ألآ ينازعه أو يقاتله ، ولكنَّه رأى أنَّ المتوجِّب عليه أن يقتل قتَلَة عثمان بن عفان أولاً ، ومِن هذا القسم كان (طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام ومعاوية بن أبى سفيان وعمرو بن العاص وأم المؤمنين عائشة) رضوان الله عليهم أجمعين.
القسم الثالث: من رأى أنها فتنة فاعتزلها كلها ولم يدخل مع أىٍ من القسمين ، ومِن هذا القسم كان ( أبوبكرة نفيع بن الحارث ، سعد بن أبى وقاص ، عبد الله بن عمر ، أسامة بن زيد ، محمد بن مسلمة ، أُهْبان بن صَيْفِىّ ) وغيرهم من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.
وكل هؤلاء اجتهدوا باجتهادهم ، فمَن أصاب فله أجران، ومَن أخطأ فله أجر لأنهم أهل للاجتهاد.
لذا لم يكن أيَّا ممَّن قاتل عليّا يريد الإمارة أو يطمع فى الحكم كما ادَّعى الروافض الخبثاء أخزاهم الله، ولكنَّ الجميع رضى به خليفة وأميراً للمؤمنين، فبايعه طلحة والزبير وعائشة، ورَضِى به معاوية وأهل الشام خليفة وما اعترضوا على إمارته لكنّهم أخَّروا وعلَّقوا مبايعته حتى يتم الثأر من قتَلَة عثمان، فهذا هو سبب حدوث الفتنة أنَّ هؤلاء الصحابة أرادوا الثأر مباشرة من قتَلَة عثمان. أما علىّ بن أبى طالب فكان يرى أنَّ ذلك مُحال حتى تستتب له أمور الحكم فى سائر البلاد حيث قال:(قتْلُ القتَلة غير ممكن ، البلادُ الخطوبُ فيها مُدْلَهِمَّة فكيف يمكن قتل القتلة ؟).
وقال أهل العلم أنَّ جميعهم مجتهد ومِن أهل الحق والفضل، لكنَّ اجتهاد علىّ كان هو الأوْلَى بالصواب والحق، حيث أن النبى صلى الله عليه وسلم قال فى الخوارج :
"تقتُلُهم أَوْلى الطائفتين بالحق"، ومن المعلوم أن علىَّ والطائفة التى معه هم الذين قتلوا الخوارج، فدلَّ هذا الحديث على أنَّ كلا الطائفتين معها بعض الحق وليست أىٍ منهما على الخطأ التام، لكن الطائفة التى ستقتل الخوارج – وهى طائفة علىّ – هى الأوْلَى والأجدر بالحق من الطائفة الأخرى.
لهذا لا يجب على أحد من المسلمين الخوض فى أحدٍ من الصحابة، ولا أن يُحزِّب الناس على أحدهم فيقول: هؤلاء ضآلون بالخروج على أمير المؤمنين علىّ، أو يقول: هؤلاء ظلمهم علىّ وكان الحق معهم. فذلك كله مِن فِعْل الروافض الخبثاء ومِن فِعْل مَن سار على نهجهم إما معتقداً باعتقادهم أو جاهلاً يجب أن يتعلّم.

* أجْمَعَ أهل السنة و الجماعة - ولم يخالفهم فى ذلك إلا أهل البدعة والضلالة من الخوارج والمعتزلة والمرجئة – أنَّ الكُفْر والشرك والنفاق والفسق والظلم ينقسم كل منهم إلى نوعين :
(1) أصغر، وهو لا يُخرِج صاحبه من الملَّة (ملة الإسلام).
(2) أكبر، وهو الذى يُخرِج صاحبه من الملة، فلا يُصَلَّى عليه ولا يُدْفَن فى مقابر المسلمين.
وأقرُّوا على أنه يجب التفرقة بين الأوصاف والأعيان، فتُطلَق الأحكام على الأوصاف، ولكن عند إطلاقها على الأعيان لا بد من تحقق الشروط وانتفاء الموانع. ومعنى هذا أنه يمكن الإطلاق بالعموم على ذنبٍ قد حكم الشارع الحكيم بكفر أو نفاق أو لَعْن صاحبه بذلك، فنقول أنَّ من يفعل كذا وكذا فهو كافر أو ملعون كما أخبرت الأدلة، لكن لا يصح أن نقول عن شخص بعينه فَعَل هذا الذنب بأنه كافر أو ملعون أو منافق إلا بعد تحقق الشروط وانتفاء الموانع عنه، وهذا ما يسمَّى بإقامة الحجَّة عليه.

* طريقة (كيفية) حُكم الشرع على مَن اقترف ذنباً :
إذا اقترف المسلم ذنباً فإنه :
1- يُنظَر أولاً هل هو ذنب مكَفِّر بما دلَّت عليه الأدلة الشرعية أم هو ذنب غير مُكفِّر.
أ- فإذا كان ذنب غير مكفِّر ينتهى الأمر، ويُحكَم على صاحبه بأنه مسلم عاصى مرتكب لمعصية تُنقِص إيمانه، إن تابَ منها يتوب الله عليه، وإن مات عليها دون توبة فهو تحت المشيئة إن شاء الله عذَّبه وإن شاء تاب عليه.
ويستوى فى ذلك الحكم المعصية سواء كانت من الكبائر أم من صغائر الذنوب، غير أن الكبائر تنقص الإيمان أكثر مما تُنقِصه الصغائر.
ب- أما إذا كان ذنب مُكفِّر ، فينظر هل هو كُفْر أصغر أم أكبر.
فإن كان كُفْر أصغر فصاحبه لم يَخرُج من الملة، ويلزمه التوبة.
أما إن كان كفر أكبر مُخرِج من الملة، فلا يُحكَم على صاحبه بالكفر إلا بعد النظر إلى الأمر التالى (الثانى).

2- يُنظَر ثانياً إلى حكم استيفاء الشروط وانتفاء الموانع، وهو ما يسمَّى (بإقامة الحُجَّة).
قرّر أهل العلم القاعدة الآتية :
(قَوْل الكفر لا يقتضى كُفْر القائل، و فِعْل الكفر لا يقتضى كفر الفاعل إلا بعد استيفاء الشروط وانتفاء الموانع).
والشروط أربعة هى :
أ- العِلْم ******* ب- القَصْد ******* ج- الاختيار ******* د- عدم التأويل.
والموانع أربعة هى :
أ- الجَهْل ******************* ب- الخطأ ******************* ج- الإكراه
د- التأويل ( أى قال قولاً أو فعل فِعلاً ظنَّاً منه بتأويله أنَّه من الدِين).
وعليه يجب لكى يُطْلق على شخص مسلم بأنه كَفَر كُفْراً أكبر وخَرَج من الملة أن يستوفى أولاً جميع الشروط الأربعة وينتفى عنه جميع الموانع الأربعة مجتمعة كلها.
أى أن يكون قال قَولَة الكُفر أو فَعَل فِعلَة الكفر وهو ( عالم غير جاهل بأنها مكفِّرة كفراً أكبر ، قاصد غير مُخطِىء ، مختار غير مُكرَه ، غير مؤوِّل )
فإن اختل واحدة منها فقط لا يُكفَّر صاحبها.
أما إذا تحقَّقت فيه جميع الشروط وانتفت عنه جميع الموانع، وأقيمت عليه الحجَّة، وأقرَّ على ذلك بلسان المقال، فإنه يُكَفَّر كُفراً أكبر، ويُمْهَل ثلاثة أيام ليُستتاب، فإذا لم يَتُب وأصرَّ على كفره فإنه يُطبَّق عليه حَدُّ الرِدَّة بقطع رقبته.
وذلك كله لا يكون إلا مِن خلال الحاكم ولى الأمر أو مَن ينوب عنه من قاضى أو وزير أو نحو ذلك، وإقامة الحُجَّة لا تكون إلا مِن خلال عالِم فقيه يَعِى ويَعلَم جيداً الذنب المكفِّر وغير المكفِّر، والشروط والموانع وكيفية تطبيقها على الفرد ونحو ذلك. فالأمر كله (التكفير) من أوله لآخره أمرٌ كبير جَلَل، لا يصح التهاون أو التساهل فيه، كما نرى مِن بعض العوام يتهاونون ويتبسَّطون فى هذا الأمر أشد الهوان، ويكفِّرون بعضهم البعض بمنتهى البساطة واليسر، ويطلقون لفظة الكفر أو اللعن على أى شخص لا يعجبهم دون عِلْمٍ أو فهمٍ أو وَعْىٍ أو فقه، ونسوا أو تناسوا قول النبى صلى الله عليه وسلم :
"مَن قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما"، بل ويقوم بعضهم بتطبيق حد الردَّة بنفسه ويقطع رقاب الخلْق متعلِّلاً بجهله أنَّ البلد التى يعيش فيها لا تُقيم الحدود ولا تحكم بشرع الله، ومِن ثَمَّ يقيم هو الحدود بنفسه فيَقطَع الأيدى والرِّقاب ويَجلِد ويَرجُم، وهذا هو أعظم الجهل وأشد الظلم للنفس وللغير، ولا نراه إلا من الخوارج المبتدعة ومَن كان على شاكلتهم.

* أنواع النفاق :
(1) النفاق العَقَدى (النفاق الأكبر المُخرِج مِن المِلَّة) :
إظهار الإسلام وإبطان الكفر. مثل ما كان عليه منافقوا المدينة على عهد النبوَّة.
وهذا هو الذى عناه الإمام أحمد بقوله (والنفاق هو الكفر)، وهو النفاق المذكور فى أوائل سورة البقرة.
(2) النفاق العملى (النفاق الأصغر غير المُخرِج مِن الملَّة) :
فِعْل بعض أفعال المنافقين أو الاتصاف ببعض صفات المنافقين، مع تحقُّق الإيمان والتوحيد. مثل (إذا حدَّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان، وإذا خاصم فجر، وإذا عاهد غدر، ......) إلى آخره من صفات المنافقين.
وهى الصفات المذكورة بالحديثين "آية المنافق ثلاث..." ، "أربعٌ مَن كُنَّ فيه ...".
* ذكر الإمام أحمد فى هذه الفقرة بعض الأحاديث (ستة أحاديث)، وأشار إلى أنَّ هذه الأحاديث ونحوها - مِن أحاديث الوعيد – مِن باب التغليظ والوعيد، نأخذها ونصدِّقها ونؤمن بها ونفسِّرها كما جاءت دون كلام أو جدال أو تأويل خاطىء. هذا لأن الخوارج والمعتزلة أخذوا هذه الأحاديث وفسَّروها بأهوائهم واستدلوا بها على مذهبهم الفاسد (التكفير بالكبيرة) ، فزعموا أنَّ كل مَن فعل كبيرة من الكبائر (أو ذنب قال الشرع بكُفرِه) كافرٌ خارجٌ مِن الملَّة وَجَبَت له النار خالداً مخلَّداً فيها، فليس عندهم كفر أصغر ونفاق أصغر، بل الكفر والنفاق عندهم كله نوع واحد أكبر مُخرج من الملة، وعليه استدلوا من هذه الأحاديث ونحوها بأنَّ مَن فعل ذنباً مِن هذه الذنوب (قتال المسلم لأخيه المسلم، الكذب، الحِنْث بالوَعْد، الخيانة، الغدر، الفجور فى الخصام، انتساب الرجل لغير أبيه وهو يعلم أنه ليس أباه، الذهاب إلى العرَّافين والكهَّان، إتيان المرأة الحائض، الظلم، وغيرها) فهو كافر خارج من الملة. وهذا مِن جهلهم وسوء عقيدتهم.
وقد ذكرنا مِن قبل معتقد أهل السنة والجماعة فى أنواع الكفر والشرك والنفاق والظلم والفسق (أكبر وأصغر).
وذكرنا معتقدهم فى أحاديث الوعيد، وأنه يجب إجراؤها على ظاهرها المراد لتكون من باب الزَّجر والتغليظ لمن يريد فعل الذنوب الواردة فيها، مع الاعتقاد أنها لا تصل إلى الخروج مِن الملَّة، إلا ما دلَّ عليه الدليل بذلك.

أمثلة :
(1) قول النبى صلى الله عليه وسلم: " سِبَابُ المسلم فُسوق وقِتَالُه كُفْر" الكفر هنا كفر أصغر.
(2) قول النبى صلى الله عليه وسلم : " ليس مِن رجل ادَّعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كَفَر". وكذلك قوله : " كُفرٌ بالله تَبَرُّؤٌ مِن نَسَب وإنْ دَقَّ ". الكفر هنا كفر أصغر ، عبارة (وإنْ دقَّ) تعنى : أى تعمَّد الانتساب لرجل يعرف أنه ليس أباه.
(3) قول النبى صلى الله عليه وسلم : " مَن أَتَى حائضاً أو امرأةً في دبرها أو أَتَى عرَّافاً فصَدَّقَه فقد كَفَرَ بما أنْزِل على محمد " الكفر هنا كفر أصغر.
(4) قول النبى صلى الله عليه وسلم: " من أتى عرَّافاً أو كاهناً فصَدَّقه فيما يقول فقد كَفَرَ بما أنْزِل على محمد " الكفر هنا كفر أصغر.
(5) قول الله تعالى: " يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ الله ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ ". الكفر هنا كفر النِّعمَة، وهو كفر أصغر.
(6) قول النبى صلى الله عليه وسلم : "أُرٍيتُ النَّار؛ فإذا أكثر أهلها النساء، يَكفُرْن" قيل: أيكفرن بالله؟ قال: "يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان؛ لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم رَأَت منك شيئاً، قالت: ما رأيت خيراً قط ". الكفر هنا كفر العشير والإحسان، وهو كفر أصغر.
(7) قول النبى صلى الله عليه وسلم : " لا ترجعوا بعدي كفاراً؛ يضرب بعضكم رقاب بعض ". الكفر هنا كفر أصغر.
(8) قول النبى صلى الله عليه وسلم : " اثنتان في الناس هما بهم كفر؛ الطَّعن في النَّسَب، والنياحة على الميت ". الكفر هنا كفر أصغر.
(9) قول النبى صلى الله عليه وسلم : " مَن حلف بغير الله فقد كفر، أو أشرك ". الكفر هنا كفر أصغر، والشرك هنا شرك أصغر.
(10) قول الله تعالى : " لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ الله هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ". الكفر هنا كفر أكبر.
(11) قول الله تعالى: " وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى الله كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَما جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ ". الكفر هنا كفر أكبر.
(12) قول الله تعالى: "ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ". الكفر هنا كفر أكبر.
(13) قول الله تعالى عن المنافقين: "وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ". النفاق هنا نفاق أكبر.
(14) قول الله تعالى : " وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بالله وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ ". الفسق هنا فسق أكبر.

(انتهى بحمد الله الأصل السادس عشر)
 

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,949
مجموع الإعجابات
1,976
النقاط
113
الأصل السابع عشر من الرسالة

الأصل السابع عشر (الفقرة السابعة عشرة من الرسالة)
قال المُصِنِّف الإمام أبو عبد الله أحمد بن حَنْبَل :
(والجَنَّة والنَّار مخلوقتان قد خُلِقِتا، كما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :
"دخلتُ الجنَّة فرأيْتُ قصراً"، و"رأيت الكوثر"، و"اطَّلَعْتُ فى الجنة فرأيتُ أكثر أهلِها..." كذا، و"اطلعت فى النار فرأيت ..." كذا وكذا ، فَمَنْ زَعَمَ أنهما لم تُخْلَقَا، فهو مُكذِّب بالقرآن وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أحسَبُهُ يُؤمِن بالجنة والنار).

* فى هذه الفقرة السابعة عشرة ذَكَر الإمام أحمد مسألة عقدية غيبية، وهى أنَّ الجنة والنار مخلوقتان قد خُلِقَتا بالفعل كما ورد فى القرآن والسنة، ومَن زعم بأنهما لم يُخلَقا بعد فهو مكذّب بالقرآن والسنة، ولعلَّه لا يؤمن أصلاً بالجنة والنار وأنه هناك حساب وثواب وعقاب يوم القيامة.

* معتقد أهل السنة والجماعة فى الجنة والنار :
(1) الإيمان بالجنة والنار أحد أبواب ركن الإيمان بالله واليوم الآخر الذى هو ركن من أركان الإيمان الستة.
(2) ثبوت الإيمان بالجنة والنار، وأنهما مخلوقتان وموجودتان، قد خلقهما الله لتكونان الدار الأخيرة للإنس والجن يوم القيامة، فالجنة أعدَّها الله للمتقين والأبرار أهل الإيمان، والنار أعدَّها الله للكافرين والمنافقين والفجَّار والفسَّاق والعصاة.
(3) الجنة والنار داران مخلوقتان، باقيتان، أبديَّتان أبد الآبدين، لا تفنيان. فهُمَا مِن جملة الأشياء التسعة التى لا تَفنَى أبداً بإبقاء الله لها وهى :
الكرسى، والعرش، واللوح المحفوظ، والقلم، والصُّور، والجنة، والنار، والأرواح، وعَجْب الذَّنَب.
(4) الجنَّة موجودة بأعلى علِّيين فى السماء السابعة وسقفها عرش الرحمن،
وهى دَرَجَات (مائة درجة) ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، فيها مِن النَّعيم ما لا عينٌ رأت ولا أذن سمعت ولا يخطر على قلب بشر. أكثر أهلها الفقراء.
(5) النار موجودة بأسفل سافلين تحت الأرض السابعة السُّفلى.
وهى درَكَات. لها سبعون ألف زمام، يُمسِك بكل زمام سبعون ألف مَلَك، وفيها مِن العذاب والآلام ما لا يعلمه إلا الله تعالى، وأكثر أهلها النساء.
(6) عَلِم الله بعلمه الأَزَلىّ عدد مَن سيدخل الجنة، وعدد مَن سيدخل النار، وقد خلق الله لكل واحد مِن خلقه مكاناً فى الجنة ومكاناً فى النار، وعليه فالجنة كافية لكل مَن سيدخلها، والنار كافية لكل مَن سيدخلها وتقول هل مِن مزيد.
(7) أوَّلُ مَن دخل الجنة وسَكَنَها مِن البشر هما آدم وزوجته حواء عليهما السلام، ولكنَّهما لمَّا عَصِيَا الله تعالى بالأكل من الشجرة التى نهاهما الله عنها، عُوقِبا بالهبوط من الجنة إلى الدنيا، ولكنَّه سبحانه تاب عليهما.
(8) إذا مات العبد وكان من الصالحين المؤمنين، أمر اللهُ أن يُفْتَح له باب إلى الجنة يتنعَّم به فى قبره ، وإذا كان من الفاسقين الظالمين، أمر اللهُ أن يُفتَح له باب إلى النار يتعذَّب به فى قبره.
(9) جهنَّم لها نَفَسَان تتنفَّسهما فى العام :
نَفَسٌ فى الصيف، وهو أشدَّ ما نجد مِن الحرِّ فى الصيف،
ونَفَسٌ فى الشتاء، وهو أشدُّ ما نجِد مِن البرد فى الشتاء.

* الأدلة على كل ما سبق مِن معتقد أهل السنة والجماعة فى الجنة والنار :
قال تعالى : " وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ". آل عمران 131.
قال تعالى : " وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ". آل عمران 133.
قال تعالى : " هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ * يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ ". الرحمن 43-44
قال تعالى : " وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى ". النجم 13-15.
قال تعالى : " كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ " المطففين 18.
قال البراء بن عازب، قال النبي صلى الله عليه وسلم :
" عِلِّيُّون في السماء السابعة تحت العرش ".
قال تعالى : " كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ " المطففين 7.
سجِّين : الأرض السابعة، الأرض السُّفلَى.
قال تعالى : " إِنَّ الله لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً لا يَجِدُونَ وَليَّاً ولاَ نَصِيرَاً ". الأحزاب 64-65.
قال تعالى : " إِلَّا بَلَاغاً مِّنَ الله وَرِسَالَاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ". الجن 23.
قال تعالى : " وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً وَعْدَ االله حَقَّاً وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ الله قِيلاً ". النساء 122.
قال تعالى : " يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ ". ق 30.
قال تعالى : " وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ". الأعراف 19.
قال تعالى : " قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ". الأعراف.
فى الصحيحين من حديث ابن عمر، أنَّ النبى صلى الله عليه وسلم قال :
" إنَّ أحدكم إذا مات عُرِض عليه مقعده بالغداة والعَشِي، إنْ كان مِن أهل الجنة فَمِن أهل الجنة، وإنْ كان مِن أهل النار فَمِن أهل النار، فيُقَال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة ".
فى صحيح مسلم، من حديث أبى هريرة، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال :
" لمَّا خَلَق الله الجنة والنار، أرسل جبرائيل إلى الجنة، فقال: اذهب فانظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها .... " الحديث.
فى الصحيحين من حديث أبى هريرة، أنَّ النبى صلى الله عليه وسلم قال :
" قال الله تعالى: أَعْدَدْتُ لعبادي الصالحين ما لا عينٌ رَأَتْ ولا أذنٌ سَمِعَت ولا خَطَر على قلب بشر ".
وفي بعض رواياته : " ولا يَعْلَمه مَلَكٌ مُقرَّب ولا نبي مُرسَل ".
فى صحيح مسلم، من حديث عبد الله بن عمر، أنَّ النبى صلى الله عليه وسلم قال :
" يُؤتَى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف مَلَك يَجُرُّونَها ".
روى البخارى من حديث أبي هريرة، أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قالَ :
" إنَّ في الجنَّةِ مائَةَ درجةٍ أعدَّهَا الله للمُجَاهِدينَ في سبيلِ الله، مَا بيْن الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بيْنَ السَّمَاءِ والأَرْض ".
روى أحمد فى مسنده من حديث ابن عباس، أنَّ النبى صلى الله عليه وسلم قال :
"اطَّلَعْتُ فِي الْجَنَّةِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الْفُقَرَاءَ، وَاطَّلَعْتُ فِي النَّارِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ".
روى الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري قال: شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم جنازة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أيها الناس إنَّ هذه الأمة تُبتَلى في قبورها، فإذا الإنسان دُفِن فتفرَّق عنه أصحابه، جاءه مَلَك في يده مطراق فأقعده، قال ما تقول في هذا الرجل؟، فإن كان مؤمناً قال أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، فيقول صدقت، ثم يُفتَح له باب إلى النار فيقول هذا كان منزلك لو كَفَرْتَ بربِّك فأما إذْ آمنت فهذا منزلك، فيُفتَح له باب إلى الجنة، فيريد أنْ ينهض إليه، فيقول له اُسْكُن، ويُفسَح له في قبره، وإنْ كان كافراً أو منافقاً يقول له ما تقول في هذا الرجل؟، فيقول لا أدري سمعت الناس يقولون شيئاً، فيقول لا دَرَيْت ولا تَلَيْت ولا اهتَدَيْت، ثم يُفتَح له باب إلى الجنة فيقول هذا منزلك لو آمنت بربِّك فأمَّا إذْ كَفَرْت به فإنَّ الله عز وجل أَبْدَلَك به هذا، ويُفتَح له باب إلى النار ... " الحديث.
روى البخارى ومسلم فى صحيحيهما، من حديث أبى سعيد الخُدْرىّ، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال :
" يُؤْتَى بالمَوْتِ كَهَيْئَةِ كَبْشٍ أمْلَحَ، فيُنادِي مُنادٍ : يا أهْلَ الجَنَّةِ، فَيَشْرَئِبُّونَ ويَنْظُرُونَ، فيَقولُ : هلْ تَعْرِفُونَ هذا؟ فيَقولونَ : نَعَمْ، هذا المَوْتُ، وكُلُّهُمْ قدْ رَآهُ، ثُمَّ يُنادِي : يا أهْلَ النَّارِ، فَيَشْرَئِبُّونَ ويَنْظُرُونَ، فيَقولُ : وهلْ تَعْرِفُونَ هذا؟ فيَقولونَ : نَعَمْ، هذا المَوْتُ، وكُلُّهُمْ قدْ رَآهُ، فيُذْبَحُ ثُمَّ يقولُ : يا أهْلَ الجَنَّةِ خُلُودٌ فلا مَوْتَ، ويا أهْلَ النَّارِ خُلُودٌ فلا مَوْتَ ..... " الحديث.
* روى البخارى ومسلم من حديث أبى هريرة ، أنَّ النبى صلى الله عليه وسلم قال :
" اشْتَكَتِ النار إِلَى رَبِّهَا، فَقَالَتْ : رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضاً، فَأَذِنَ لَهَا ِبنَفَسَيْنِ : نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ ، وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ ، فَهُو أَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الْحَرِّ ، وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الزَّمْهَرِيرِ ".

* شبهات أهل البدعة فى مسألة الجنة والنار :
(1) زَعَم المعتزلة والجهميَّة وبعض الفلاسفة أنَّ الجنة والنار لم تُخلَقَا بعد، وإنما يُنشِئهما الله يوم القيامة. وعلَّلوا زعمهم هذا بأنَّ الجنة والنار لا يكون لهما استخدام إلا يوم القيامة، ومِن ثمَّ يكون خَلْقُهُما قبل يوم القيامة عبثاً، والله لا يمكن أن تُوصَف أعماله بالعبث.
وقالوا بأنَّ كل شىء يَفنَى قبل يوم القيامة، فلو كانت الجنة والنار مخلوقتان، فإنهما ستفنيان مع فناء الخلائق قبل يوم القيامة، واستدلُّوا بآيات سورة الرحمن :
" كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ".
(2) زعموا بأنَّ الجنة والنار غير أبديَّتان وأنهما ستفنيان بعد فترة من نعيم أهل الجنَّة وعذاب أهل النار، ولا يعلم مقدار هذه الفترة إلا الله. وعلَّلُوا زعمِهِم هذا بأنَّ مشيئة الله تمنع الخلود فى الجنَّة والنار واستدلُّوا على هذا بآيات سورة هود 106 - 108 :
" فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ * وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ".

* ردُّ أهل السنة والجماعة على هذه الشبهات :
(1) تضافرت الأدلة الشرعية مِن الكتاب والسنة على أنَّ الجنة والنار مخلوقتان بالفعل، كما سبق ذكره من آيات وأحاديث كثيرة وضَّحَت أنَّ : (الجنة خلقها الله فى أعلى عليين، وبعد ما خلقها أرسل إليها جبريل ليراها ويرى ما أعدَّ الله فيها من النعيم لأهلها، وأنَّ نبى الله آدم عليه السلام سكنها وزوجته فترة من الزمن حتى عصيا الله فعوقبا بالنزول منها إلى الأرض، وأنَّ نبى الله محمد صلى الله عليه وسلم رآها فى المعراج، ورأى أن أكثر أهلها الفقراء. وكذلك النار خلقها الله تعالى فى أسفل سافلين، وبعد ما خلقها أرسل إليها جبريل ليراها ويرى ما أعدَّ الله فيها من العذاب لأهلها، وأنَّ نبى الله محمد صلى الله عليه وسلم رآها فى المعراج، ورأى أن أكثر أهلها من النساء، وأنهما باقيتان لا تفنيان، وأنَّ الموت يأتى يوم القيامة بعد خروج آخر فرد من النار ودخوله الجنة على هيئة كبش أَمْلَح، فَيُذْبَح فيكون خلود بلا موت لأهل الجنة ولأهل النار).
أما زَعْم الجهَّال أنهما ليس لهما استخدام قبل يوم القيامة، فهذا وهمٌ منهم، لأنه كما ثبت بالأدلة سابقة الذِّكر أن الميِّت فى قبره إذا كان من أهل العمل الصالح يُنعَّم بنعيم الجنة حيث يُفتَح له فى قبره بابٌ إليها، وإذا كان من أهل العمل الطالح يُعذَّب بعذاب النار حيث يُفتَح له فى قبره باب إلى جهنم. فالجنَّة والنار هما نعيم وعذاب أهل القبور فى قبورهم حتى يُبعَثُوا يوم القيامة.
وأمَّا زعم الجهال بأن كل شىء يَفنَى قبل يوم القيامة، وعليه فلو كانت الجنة والنار مخلوقتان، فإنهما ستفنيان مع فناء الخلائق قبل يوم القيامة مستدلِّين بالآية "كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ" ، فإنه يُرَدُ على هذا الزَّعم بأن هذه الآية عامَّة خُصِّصَت بالآيات والأحاديث التى جاءت فى خلود الجنة والنار، فالمراد مِن الآية "كل من عليها فان" هو كل ما كَتَب الله عليه الفناء فسيفنى قبل يوم القيامة، والجنة والنار لم يَكتُب الله عليهما الفناء لذا ستبقيان دون فناء، وعليه فلا إشكال أو تعارض بين الأدلة،
وهذا الأمر (العام والمخصوص) كثيرٌ فى الكتاب والسنة، فقد جاءت أدلة كثيرة فى مواضع عامة، وجاءت أدلة أخرى تخصِّص هذا العام ، وإلا فماذا يقول هولاء الجُهَّال فى قوله تعالى: "ورحمتى وَسِعَت كلَّ شىءٍ" ؟ ، فهذه الآية لو أخذناها هكذا على عمومها دون تخصيص سنقول أنَّ إبليس وفرعون وقارون وأبا لهب وأبا جهل وغيرهم من الكافرين داخلون فى رحمة الله ، وعليه فالصواب أنَّ هذه الآية عامة خُصِّصَت بأدلة أخرى، وتعنى أنَّ رحمة الله عامَّة تَسَع كل شىء شاء الله له الرحمة وكَتَبَ فى حقِّه الرحمة، ويخرج منها الأشياء التى لم يشأ الله لها الرحمة، والتى ذُكِرَت بأدلة شرعية أخرى (كإبليس وفرعون وهامان وجميع الكافرين ونحوهم).

(2) تضافرت الأدلة الشرعية مِن الكتاب والسنة على أنَّ الجنة والنار أبديَّتان أبد الآبدين لا تفنيان، كما سبق ذكره من آيات خلود أهل الجنة فى الجنة وخلود أهل النار فى النار، وحديث الموت الذى يأتى على هيئة كبش فيُذبَح ، أما آيات سورة هود التى ذكَرَت أنَّ الأشقياء فى النار خالدين فيها إلا ما شاء الله، وأنَّ السعداء فى الجنة خالدين فيها إلا ما شاء الله، فهذه المشيئة فسَّرها العلماء على عدة معانى منها :
أ- أنها هى مدة المكوث فى القبور، فيُنَعَّم أهل الصلاح فى القبور بنعيم الجنة، ويُعذَّب أهل الطلاح فى القبور بعذاب النار، ما دامت السماوات والأرض حتى يشاء الله بالنفخ فى الصور، فيقومون من قبورهم للحساب.
ب- أنها هى مدة المقام فى موقف القيامة للحساب والجزاء، لأنه ورد أنَّ جميع الخلق سيعرضون على جهنم ليروها، ثم يدخل من شاء الله له الجنة، ويمكث من شاء الله له المكوث ليُعذّبَ فيها.
ج- أنها هى مجموع الأمرين: مدة المكوث فى القبر، بالإضافة إلى مدة الوقوف يوم القيامة للحساب والجزاء حتى دخول الجنة أو النار.
د- أنَّ دخول الجنة أو النار متعلِّق بمشيئة الله تعالى، فلا يكون أصلاً إلا بمشيئته.

(انتهى بحمد الله الأصل السابع عشر)
 
أعلى