مختصر شرح رسالة أصول السُنَّة للإمام أحمد بن حنبل

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,949
مجموع الإعجابات
1,976
النقاط
113
إخوانى الكرام أعضاء ومشرفى وإدارى ملتقى المهندسين العرب
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أقدم لكم فى هذا الموضوع - بإذن الله - مختصراً لشرح رسالة طيبة ماتعة تفيد كل مسلم ومسلمة بصفة عامة، وكل طالب وطالبة علم بصفة خاصة.
عنوان الرسالة : (أصول السُنَّة للإمام أحمد بن حنبل)
وهى رسالة هامة جداً لأنها تخُصُّ الكثير من أمور العقيدة بشريعة الإسلام.
وأرجو من الله تعالى ألا يكون هذا الموضوع بالطويل المُمِل ولا القصير المُخِل ، ومن أراد الاستزادة فعليه بكتب العلم الشرعية فى هذا الموضوع ، والتى قامت بشرح هذه الرسالة الطيبة شرحاً مفصَّلاً وافياً.
وبإذن الله سوف أورد هذا المختصر تباعاً فى المشاركات التالية بالموضوع ، لذا أرجو المتابعة معى يوميَّاً حتى نهاية الموضوع إن شاء الله.
أسأل الله أن يوفقنا جميعاً لِمَا يُحبِّه ويرضاه ، وأنْ يُعلِّمَنا ما ينفعنا وينفعنا بما عَلَّمنا ويَزِدْنا عِلمَاً.

 

مواضيع مماثلة

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,949
مجموع الإعجابات
1,976
النقاط
113
تمهيد عن الرِّسالة وعن صاحبها

تمهيد بسيط عن الرسالة

كتاب أصول السنة للإمام أبى عبد الله أحمد بن حنبل - رحمه الله - رَغمَ صِغَر مادَّتِه إلا أنَّه يُعتَبَر مِن أهم الكتب الشَّرعية في تقرير عقيدة أهل السنة والجماعة، وفيه :
تقرير للضوابط العامة والقواعد الأساسية اللتي تَضْبُط مذهب السَّلف وتُخالِف أهل البدع، وتحرير أصول عقيدة الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة التي كان عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وقد اهتمَّ العلماء بها اهتماماً كبيراً فدَرَسُوها وتعلَّموها وحفِظُوها، وعَلَّموها لتلاميذهم.
قال فيها القاضي أبو يعلى ـ رحمه الله : ( لو رُحِلَ إلى الصين فـي طلبها لكان قليلاً ).
ولا شكَّ فى أنَّ الإمام أحمد بن حنبل مِن أعظم أئمَّة السلف فى القرن الرابع الهجرى، أى أنه مِن القُرُون التى أَطْلَق عليها أهل العلم القرون الخَيْريَّة الأولى لأنها بدأت بالنبى صلى الله عليه وسلم وجيل الصحابة الذين تعلَّموا على يديه الشريفتين، ثم جيل التابعين الذى تعلَّم على يد الصحابة، ثم جيل تابعى التابعين الذى تعلَّم على يد التابعين، ثم جيل تابعى تابعى التابعين الذي تعلَّم على يد تابعى التابعين، والإمام أحمد بن حنبل من هذا الجيل الرابع.
وليس فقط الإمام أحمد من أئمة أهل السنة والجماعة بل إنه أُطلِقَ عليه إمام أهل السنة والجماعة لِمَا تحمَّله وكابده فى سبيل ظهور السنة وقمع البدعة خاصة بدعة خلق القرآن ، وهو إمام سلفى قُحّ بشهادة أهل العلم الأكابر عاش ومات على السنَّة، ترك علماً عظيماً منه هذه الرسالة – رسالة أصول السنة.
 

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,949
مجموع الإعجابات
1,976
النقاط
113
مَتْن الرِّسالة

أرفق فى هذه المشاركة ملفاً فيه مَتْن الرسالة كاملاً ، قبل الشروع فى شرحها.
والملف فى صيغة pdf لِمَن أراد تحميله وقراءته.

وفى المشاركات التالية بإذن الله، سوف أرفق فقرةً فقرةً مِن فقرات الرسالة متناً وشرحاً ، ولعدم الالتباس على أحد سيكون المتن مكتوباً باللون الأزرق، والشرح باللون الأسود، والأدلة الشرعية من الكتاب والسنة باللون البنفسجى.
 

المرفقات

  • ط£طµظˆظ„ ط§ظ„ط³ظ†ط© ظ„ظ„ط¥ظ…ط§ظ… ط£ط­ظ…ط¯ ط¨ظ† ط­ظ†ط¨ظ„.pdf
    236.4 KB · المشاهدات: 10

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,949
مجموع الإعجابات
1,976
النقاط
113
شرح الرسالة : الأصل الأول (الفقرة الأولى)

الأصل الأول (الفقرة الأولى من الرسالة) :

قال المُصِنِّف الإمام أبو عبد
الله أحمد بن حَنْبَل :
( أُصُولُ السُنَّة عندنا التَّمسُّك بما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والاقتداء بهم، وتَرْكُ البِدَع، وكل بِدْعَة فهى ضلالة، وتَرْكُ الخُصُومَات، والجلوس مع أصحاب الأهواء، وتَرْكُ المِرَاء والجِدَال والخُصُومات فى الدِّين. والسُنَّة عِندَنا آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم، والسُنَّة تُفسِّر القرآن، وهى دلائل القرآن، وليس فى السُّنَّة قياس، ولا تُضرَب لها الأمثال، ولا تُدرَك بالعقول ولا الأهواء، إنما هو الاتِّبَاع وتَرْكُ الهَوَى ).


شرح الأصل الأول :
قوله: (أُصُوُل السنة عندنا التَّمسُّك بما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والاقتداء بهم)
أُصُول : جمع أَصْل، وهو ما يُبنَى عليه غيره.
السُّنة : هنا أى الشريعة والعقيدة والدِّين (دين الإسلام).
تعريف الصحابى (للإمام الحافظ بن حجر) :
هو كل مَنْ لَقِى النبى صلى الله عليه وسلم وآمن به ومات على ذلك.
وهناك مَن أضاف مِن أهل العلم لهذا التعريف إضافة ليكون كالتالى :
هو كل مَن لَقِى النبى صلى الله عليه وسلم وآمن به ومات على ذلك، ولو تَخلَّلَته رِدَّة.
واللقيا تُعَد ولو لمَرَّة واحدة، ولا تشترط فيها الرؤية بالعَيْن، كأن يكون الصحابى أعمى مثل ابن أم مكتوم ، كما أن الرؤية فقط لا تجعله صحابى بل يجب الجلوس معه فى مجلس.
وإضافة جملة لو تخلَّلته رِدَّة لأنه هناك من ارتدَّ بعد موت النبى صلى الله عليه وسلم ثم تاب ورجع إلى الدين.
الاقتداء بهم : جعلهم قدوات، والسير على نهجهم وطريقهم، واتباعهم فى كل أمر.
* معتقد أهل السنة والجماعة المجمل فى الصحابة (للإمام الطحاوى) :
( نُحبُّهم جميعاً و لا نفرِّط فى حب أحد منهم، ونبغض من يبغضهم وبغير الحق يذكرهم، فحبهم إيمان، وبغضهم كفر ونفاق وعصيان، وكلهم فى الجنة بأعيانهم، نترحَّم عليهم ونذكر فضلهم، ونَكُفُّ عن زلَلِهم ولا نذْكُر أحداً منهم إلا بالخير، نَكفُّ ألسنتنا عن الخوض فيما حدث بينهم من خلاف، وندافع عنهم ونَردُّ على كل من يتنقَّص أحدهم )أ.هـ.
* مفاضلة (رُتَب) الصحابة كما أقرَّ أهل العلم :
الصحابة كلهم أفاضل أطهار مرضىُّ عنهم من أهل الجنة بالأدلة الشرعية، خير خلق الله بعد أنبيائه ورسله، نزع الله الحقد والغِلّ والبغضاء من قلوبهم إخواناً على سرر متقابلين، لا أفلحَ مَن خاض فى أحدهم بسوء أو منقصَة.
ولكنْ هناك تفاضل فيما بينهم عند أهل العلم كالتالى :
أفضلهم أبو بكر الصديق ثم عمر بن الخطاب ثم عثمان بن عفان ثم على بن أبى طالب ثم باقى العشرة المبشَّرين ثم أهل بدر من المهاجرين ثم أهل بدر من الأنصار ثم باقى المهاجرين ثم باقى الأنصار ثم باقى الصحابة، رضى الله عنهم جميعاً.
وهناك مِن أهل العلم مَن خالف هذا الترتيب بأنْ جعل على بن أبى طالب بعد عمر بن الخطاب وقبل عثمان بن عفان، رضى الله عنهم.
ولا شك بأن أهل العلم ما أقرُّوا هذه المفاضلة بين الصحابة عن هوى، بل بالأدلة الشرعية من الكتاب والسنة.
* إذا تفرَّد صحابى بقولٍ أو مسألة (لم يتكلم بها صحابى غيره) وليس عليها دليل، تُقبَل منه هذه المسألة بثلاثة شروط مجتمعة هى :
1- ألا يخالف هذا القول نصَّاً شرعياً من الكتاب (القرآن).
2- ألا يخالف هذا القول نصَّاً شرعياً من السنة (الأحاديث النبوية).
3- ألا يخالف هذا القول قولاً لصحابى آخر.
فإذا خالف قول أو رأى الصحابى نصَّاً من الكتاب أو السنة يُرَد ولا يُقبَل، مع التوقير الكامل للصحابى وعدم الظن بأنه تَعمَّد الخطأ أو قال بهواه بل نعتقد اعتقاداً جازماً بأنه مِن أهل الحق والصدق ولكن لعلَّه لم يصل إليه الدليل.
أما إذا كان لا يخالف نصَّاً شرعياً من كتاب أو سنة وإنما خالف قول صحابى آخر، فهنا يتم النظر إلى مرجِّحات أهل العلم من التابعين وتابعيهم فى القولين.
* عصم الله الصحابة من أمرين لأنهم حملة الرسالة، وأوَّلُ مَن بلَّغها بعد النبى صلى الله عليه وسلم، هما :
1- الكذب على النبى صلى الله عليه وسلم ، ومِن باب أولى على الله تعالى.
2- الوقوع فى الابتداع فى دين الله تعالى.
لذا فقد أقرَّ أهل العلم بأصلٍ فى رواية الأحاديث وهو: جهالة الصحابى لا تضر فى السَّنَد، وذلك يعنى لا يهم مَن ذَكَر الدليل أو رَوى الحديث من الصحابة على وجه التحديد فإنه أيَّاً كان الصحابى الذى ذكره فلا يهم، لأنهم كلهم جميعاً مشهود لهم بالصدق والعدل والحق لا يكذبون ولا يبتدعون ، وهذا فى الصحابة فقط، وليس مَن دونهم مِن التابعين ومِمَّن يليهم من الأئمة.
* وعليه وجب التمسك بما كان عليه الصحابة والاقتداء بهم فى كل أمر من أمور الدين، والاعتقاد الجازم بأن كل عبادة فعلها النبى صلى الله عليه وسلم نقلتها إلينا الصحابة، وأن أى عبادة لم تنقلها الصحابة إلينا فإن النبى صلى الله عليه وسلم قطعَاً لم يفعلها، أما إنْ قيل(لعلَّه فعل ولم تُنقَل) فهذا كلام باطل لا يصح وتترتَّب عليه مفاسد كثيرة.
قال تعالى : " وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّم وَسَاءَتْ مَصِيراً " النساء 115
تدل هذه الآية على ضرورة التمسك بسبيل المؤمنين أى سبيل ونهج الصحابة الكرام، وقال العلماء بأن العطف فى هذه الآية هو من نوع عطف اللازم.
أنواع المعطوف بالنسبة للمعطوف عليه فى اللغة :
(1) المعطوف غير المعطوف عليه.
مثل: "خلق الله السماوات والأرض" ، فالأرض غير السماوات.
(2) المعطوف جزء من المعطوف عليه (عطف الخاص على العام)
مثل: "حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى" ، فالصلاة الوسطى جزء من الصلوات، وهى من باب عطف الخاص على العام لبيان الاهتمام به.
(3) المعطوف لازم المعطوف عليه.
مثل: " وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّم وَسَاءَتْ مَصِيراً "
فعدم اتباع سبيل المؤمنين لازمٌ لشقاق الرسول صلى الله عليه وسلم، أى أن الذى يتبع سبيلاً غير سبيل المؤمنين ما فعل ذلك إلا لما شاقَّ الرسول صلى الله عليه وسلم.
فائدة : أخذ العلماء من هذه الآية دليل على الإجماع، أى أن الإجماع من الأدلة الشرعية لأن اتباع سبيل المؤمنين لازم لاتباع النبى صلى الله عليه وسلم، أى أن إجماع المؤمنين لازم لكلام النبى صلى الله عليه وسلم الذى هو لازم لكلام الله تعالى ، وعليه فالإجماع دليل شرعى من الأدلة الشرعية بعد القرآن والسنة.
* قال حذيفة بن اليمان عند أبى داود : " كل عبادة لم يفعلها أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم لا تفعلوها ".
 

سمندل السوداني

إدارة الملتقى
إنضم
29 نوفمبر 2009
المشاركات
6,080
مجموع الإعجابات
1,324
النقاط
0
جزاك الله خيراً أخي الحبيب أبو منة، استأذنك في النقل شكر الله لك ونفع بك، وحياك الله يا كريم.
 

علي حسين

عضو معروف
إنضم
3 أبريل 2007
المشاركات
10,314
مجموع الإعجابات
2,960
النقاط
113
ابومنه الحبيب بارك الله فيك ..
متابع ان شاء الله ..

وانت يا زول ( سمندل السوداني ) لا تنقطع فوجودك يشجع على المتابعه :)
 

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,949
مجموع الإعجابات
1,976
النقاط
113
جزاك الله خيراً أخي الحبيب أبو منة، استأذنك في النقل شكر الله لك ونفع بك، وحياك الله يا كريم.
حياك الله أخى الكريم سمندل
لا بأس أخى، يمكنك النقل كما تحب، ولكن احرص على مراجعة كل ما هو مكتوب قبل أن تقوم بنقله، لأنه قد يكون هناك أخطاء لغوية أو نحوية أو ما شابه، كما أنصحك أن تتمهَّل حتى أنتهى من الفقرة أو الأصل كاملاً ثم قم بنقله.
وجزاك الله خيراً.
 

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,949
مجموع الإعجابات
1,976
النقاط
113
ابومنه الحبيب بارك الله فيك ..
متابع ان شاء الله ..

وانت يا زول ( سمندل السوداني ) لا تنقطع فوجودك يشجع على المتابعه :)
وبارك فيك أخى الحبيب العزام
يشرفنى متابعتك ومتابعة الزول طبعاً :) (الابتسامات لا تعمل)
وكذلك باقى الشباب أديسون وابن البلد والحمصى والجزائرى والحلبى ومهاجر وهاتمان وغيرهم من الإخوة الأفاضل الذين انقطعوا عن الملتقى منذ فترة طويلة.
وأرجو أن يكون الموضوع فيه إفادة لنا جميعاً.
 

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,949
مجموع الإعجابات
1,976
النقاط
113
تابع الأصل الأول (الفقرة الأولى) من الرسالة

قوله: (وتَرْكُ البدع)
* تعريف البدعة (للإمام الشاطبى) :
هى طريقة مخترعة فى الدين تُضاهِى الطريقة الشرعية يُقصَد بها التعبُّد لله.
قال الشافعى: (ومَن استَحسَن فقد شرَّع)
* الاختلاف بينها وبين المعصية :
المعصية صاحبها يعلم أنها معصية ولا يتقرب بها إلى الله تعالى.
أما البدعة فصاحبها لا يراها معصية بل يراها طاعة ويتقرب بها إلى الله.
لذا فإن أشنع المعاصى مَن يراها صاحبها أنها ليست معاصى، وأشنع منها مَن يرى أنها طاعة، لذا فإن البدعة أخطر بكثير من المعصية، وهى أحب إلى الشيطان من المعصية، لأن العبد عندما يفعل المعصية يعلم أنها معصية وبمجرد أن يتذكر الله يتوب من معصيته، أما مَن يفعل البدعة قلَّ ما يتوب منها لأنه يظن أنها عبادة ويفعلها تقرباً لله.
الإصرار على المعصية ليس استحلالاً لها ولا يكفَّر بها أحد إلا إذا كانت شركاً بالله أو من الكفر الأكبر الذى أخبر عنه الشارع الحكيم.
* أقسام البدعة ، تنقسم البدع باعتبارات إلى :
أولاً: باعتبار الأصل أو الأدلة :
1- بدعة حقيقية (أصلية)، أى ليس عليها دليل شرعى قط أو أصل فى الشرع.
مثل تخصيص مكان كبئر أو شجرة أو نحوها بخصوصية معينة من اعتقاد جلب خير أو دفع ضر (تقديسه) بلا استناد إلى خبر صحيح.
2- بدعة إضافية، عليها دليل مِن وَجْه
مثل ذكر الله على هيئة الاجتماع بصوت واحد (كالطرق الصوفية).
فالذكر مشروع بل واجب بالأدلة الشرعية، لكن أداؤه على هذه الكيفية غير مشروع، بل هو بدعة مخالفة للسنة.
ومثل تخصيص يوم النصف من شعبان بالصيام، وليلته بالقيام، وإفراد شهر رجب بالصوم، وما شابه ذلك. فالصوم والقيام من العبادات المشروعة بالأدلة الشرعية، لكن أداؤها بهذه الكيفية وهذه الخصوصية التى لم يقل بها الشرع غير مشروعة وبدعة.
لذا فإن البدعة الإضافية أشد خطورة من الحقيقية، والوقوع فيها أقرب وأكثر من الوقوع فى البدعة الحقيقية لأن البدعة الإضافية قريبة الشبه من العبادات الشرعية بوجه من الوجوه، فترى فاعلها يقول :( وما الخطأ فيما أفعله ؟ أنا أصلى وأصوم وأذكر الله، وهذه عبادات، فأين البدعة فى ذلك ؟)
ثانياً : باعتبار الكفر من عَدَمِه :
1- بدعة مكفِّرة (تجعل صاحبها كافراً)
مثل بدعة الجَهْميَّة في إنكار صفات الله عز وجل، والقول بخلق القرآن، أو خلق أي صفة من صفات الله ، وكبدعة القَدَريَّة في إنكار علم الله وأفعاله ، وكبدعة المُجَسِّمة الذين يشبِّهون الله تعالى بخَلقِه .. وغير ذلك.
2- بدعة غير مكفِّرة (لا تجعل صاحبها كافراً)
مثل بدعة التزام صوم يوم النصف من شعبان وقيام ليلته، واتخاذ يوم ولادة النبي صلى الله عليه وسلم عيداً، وما أحدثه الناس من قراءة القرآن قبل أذان الفجر، والتزام الذكر بأعداد معينة في أوقات معينة بهيئات معينة.
ثالثاً : باعتبار المكان :
1- بدعة مكانية (تختص بمكان معين)
مثل بدع الذبح والنذور التى تتم عند المقابر والأضرحة، وتقديس أماكن معينة لم يقل بها الشرع بالعبادة.
2- بدعة غير مكانية (لا تختص بمكان معين)
رابعاً : باعتبار الزمان :
1- بدعة زمانية (تختص بزمان معين)
مثل بدع تخصيص الصوم فى أول رجب أو نصف شعبان، وتخصيص زيارة المقابر فى أول رجب والأربعين وفى الأعياد، وبصفة عامة تخصيص أى عبادة فى أوقات مخصوصة لم يقل بها الشرع.
2- بدعة غير زمانية (لا تختص بزمان معين)

* الشروط اللازمة لأى عبادة يراد التقرب بها إلى الله تعالى (شروط قبول العبادة) :
1- شروط عامة (فى جميع العبادات).
2- شروط خاصة (تختلف من عبادة لأخرى، فكل عبادة لها شروطها الخاصة بها) ، مثل الطهارة شرط من شروط الصلاة والطواف حول الكعبة ، بلوغ النصاب شرط من شروط الزكاة.

الشروط العامة لأى عبادة (شرطان) :
أ- الإخلاص لله تعالى، والنية الصادقة فى أداء العبادة.
ب- المتابعة للنبى صلى الله عليه وسلم، وعدم الابتداع فى العبادة.
فإذا فُقِد شرط من الشرطين بطلت العبادة ولم تُقبَل، فإذا فُقِد شرط الإخلاص لم تُقبَل العبادة مع كونها صحيحة، وإذا فُقِد شرط المتابعة لم تُقبَل العبادة مع كونها خاطئة.
وإذا أتى العبد بعبادة مستوفية الشروط والأركان ترتَّب عليها أمران :
الأول: حصول الثواب ، وهذا يتوقف على حسن المتابعة وشدة الإخلاص.
الثانى: سقوط الفرض (براءة الذمة من الفرض).
وكلاهما لا يرتبطان ببعضهما، فإنْ تحقَّق أحدهما لا يُشتَرَط تحقُّق الآخر، وإن فُقِد أحدهما لا يُشتَرَط فقدان الآخر.
مثل: طفل صغير لم يبلغ الحلم قام بأداء الحج بجميع شروطه وأركانه بإخلاص تام وبغير ابتداع أو مخالفات. هذا يتحصل على ثواب الحج لكن لا تسقط عنه فريضة الحج، ويجب عليه أداؤه بعد بلوغه عندما يتيسر له السبيل إلى ذلك.
ومثل: عبد صام شهر رمضان كاملاً ولكنه لم يحافظ على الصلوات المفروضة ولم يكُفّ عن اللغو وقول الزور والمعاصى، فهذا تسقط عنه فريضة الصيام وتبرأ ذمته منه فلا يكون كمن ترك الصيام ولم يَصُم، لكنه للأسف لا يتحصل على أى ثواب منه.
والتمام هو تحقق الأمرين معاً: أن يسقط الفرض(العبادة) عن المكلَّف فلا يتحصل على ذنب من جرَّاء عدم قبولها ، وأن يتحصل المكلَّف على ثوابها.
أما عن شرط الإخلاص فهذا أمر داخل العبد لا يعلمه إلا الله تعالى، وكل عبد أعلم بما فى نفسه هل يخلص عباداته لله تعالى أم يفعلها بغرض الرياء وحب الظهور والتفاخر أمام الخلق.
وأما عن شرط المتابعة، فإنه لكى يتحقق شرط المتابعة فى أى عبادة، فيجب تحقُّق أمرين هما :
أولاً: معرفة أنواع السنن كلها (القولية والفعلية والتقريرية والتَرْكَية)،
لمعرفة هل العبادة التى يقوم بها العبد تندرج تحت أى نوع من هذه الأنواع فتكون عبادة، أم لا تندرج تحت أى نوع منها فتكون بدعة.
ثانياً: موافقة العبادة للشريعة فى ستة أمور مُعتبَرة هى (السبب، الجنس، الكم، الكيف، الزمان، المكان) :
1- السَّبَب: فكل عبادة أتى بها المكلَّف يجب أن تكون لسببٍ أَذِن به الشرع، وإلا تكون بدعة يأثم صاحبها ولا شك.
2- الجِنْس: فهناك عبادات لها أجناس معينة، لا يصح إخراجها عنها، وإلا تصير بدعة ويأثم صاحبها.
كإخراج الزكاة من جنسها فزكاة الزروع تخرج زروع من نوعها، وزكاة المال تخرج مالاً، وزكاة الأنعام تخرج أنعاماً من نوعها، وكذلك الأضحية فى العيد أو العقيقة تخرج من أجناس أنعام معينة (الإبل بأنواعها والبقر بأنواعها والغنم بأنواعها) فلا يصح أن تكون أى نوع آخر من اللحوم كالطيور ونحوه.
3- القَدْر (الكَمّ): فالعبادات تكون بقدر أو كمٍّ معين لا يجوز بحال من الأحوال الحياد عنه بالزيادة أو النقصان عمَّا ذكره الشرع فيها، وإلا تصير بدعة ويأثم صاحبها.
مثل عدد الركعات فى كل صلاة ، عدد مرات الطواف بالبيت فى الحج والعمرة، عدد مرات التسبيح والتحميد والتكبير فى أذكار الصلاة.
أما العبادات المفتوحة التى لم يذكر الشرع فيها كمَّاً معيناً فلا تقييد بها ويمكن الزيادة فيها بحسب قدر وطاقة وسعة المكلَّف دون أن يطغى بها على حق عبادات أخرى.
مثل عدد أجزاء القرآن التى يقرأها العبد فى اليوم الواحد، وعدد مرات الحج والعمرة.
4- الكَيْف: فكل عبادة تتكون من أركان وواجبات ومستحبات ولها كيفية معينة ذَكَرَها الشارع الحكيم، يجب الإتيان بها كما هى وإلا تصير بدعة ويأثم صاحبها.
مثل كيفية الصلاة، وكيفية الحج .... إلى آخره.
فإذا خالف المكلَّف الكيفية فى الأركان الخاصة بالعبادة بدون عذر بطلت عبادته ويأثم ويلزمه الإعادة.
وإذا خالف الكيفية فى الواجبات بدون عذر لم تبطل العبادة مع الإثم ولا يلزمه الإعادة.
وإذا خالف الكيفية فى المستحبات لم تبطل العبادة ولم يأثم ولكنه ينقص فى الأجر.
ولا يجب أن يتغافل العبد عن أى شىء يخص العبادات سواء كان مِن الأركان أوالواجبات أوالمستحبات، فلا يدرى هل الإثم الذى يأثمه من مخالفة الواجبات أكبر من الثواب الذى يتحصَّل عليه من أداء العبادة أم لا ، ولا يدرى هل الأجر الذى فاته من مخالفة المستحبات سيدخله الجنة وينقذه من النار أم لا.
ولا يصح البتَّة القياس أو إعمال العقل فى كيفية العبادات، كمن يخرج علينا من أصحاب البدع ويغيِّر ويعدِّل فى كيفية عبادة معينة بهواه ويقول هكذا تكون أفضل وأتمّ.
5- الزمان: فهناك عبادات معينة تُوجِب (يَلزَمُها) أزمنة معينة، يجب الإتيان بها فيها وإلا تصير بدعة ويأثم صاحبها. مثل شهر رمضان للصيام فلا يصح إبداله أو إبدال بعضه بأى أيام من شهر آخر بدون عذر شرعى مِن مرض أو سفر أو حيض أو نفاس للمرأة وإلا كان ذلك بدعة، وزمن إخراج زكاة الفطر فيجب أن يكون فى رمضان إلى ما قبل صلاة العيد فمن أخرجها فى وقت آخر غير ذلك معتقداً أنها زكاة الفطر وليست صدقة عادية فقد ابتدع فى دين الله ويأثم ، ووقت الصلاة فمن أخَّر الصلاة حتى خرجت عن وقتها دون إذن شرعى (نوم أو نسيان) فقد أثم ولا يصح أن يقضيها فى أى وقت آخر، ولو أداها قضاءً دون إذن شرعى لا تُقبَل ويكون ابتدع فى دين الله ، ووقت الحج فى أيام الحج بشهر ذى الحجة فلا يصح أداؤه فى شهر شوال أو محرم مثلاً، ومن فعل ذلك يكون ابتدع فى دين الله ويأثم.
6- المكان: فهناك عبادات معينة تُوجِب أماكن معينة يجب الإتيان بها فيها وإلا تصير بدعة ويأثم صاحبها. مثل مكان الحج فيجب أن يكون بمكة فى أماكن الشعائر التى حددها الشرع كل شعيرة بمكانها (الطواف حول الكعبة والسعى بين الصفا والمروة والوقوف بعرفة والمبيت بمزدلفة ورمى الجمرات بمنى... إلى آخره) ، ومكان الاعتكاف فيجب أن يكون بالمسجد وليس أى مكان آخر.

الشروط الخاصة (تختلف من عبادة لأخرى)، وتنقسم إلى شرطين :
1- شرط إيجاد : أى إيجاد شىء غير موجود لتَصِح العبادة.
مثل إيجاد الوضوء شرط إيجاد لصحة الصلاة ، وهو شرط خاص تختص به عبادة الصلاة وعبادة الطواف فى الحج ولا تختص به عبادات أخرى مثل قول الأذكار، والسعى بين الصفا والمروة، وإخراج الزكاة والصدقة.
2- شرط تَرْك : أى ترك أو إزالة شىء موجود لتَصِح العبادة.
مثل إزالة النجاسات من على البدن والثوب والمكان شرط ترك لصحة الصلاة.
وهناك قاعدة هامة تقول: ترك شروط العبادات الخاصة إن كان فى شرط إيجاد حتى لو كان جهلاً أو نسياناً بطلت العبادة ويجب إعادتها بعد فعل الشرط ، أما إن كان فى شرط ترك جهلاً أو نسياناً صحَّت العبادة ولا يجب إعادتها.
فمن نسى أو جهل القيام بالوضوء قبل أداء الصلاة فإن صلاته باطلة ويجب الوضوء وإعادة الصلاة بمجرد تذكره أنه صلَّى بدون وضوء ، أما من نسى أو جهل إزالة النجاسة من ثوبه أو مكان صلاته وصلَّى على ذلك فإن صلاته صحيحة ولا يلزمه إعادتها بعد علمه بأنه صلَّى فى ثوب أو مكان نجس.

قوله: (وكل بدعة فهى ضلالة)
* فلا يوجد بدع حسنة وبدع سيئة، فكل بدعة ضلالة كما أخبر النبى صلى الله عليه وسلم فى الحديث الذى رواه مسلم " خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة ".
أى أنها كلها سيئة لا حسن فيها، يأثم مَن فَعَلها. أما قول الفاروق عمر رضى الله عنه عن قيام شهر رمضان فى جماعة (نِعمَت البدعة هذه) فيجب أن يُحمَل على معناه الصحيح، فقد وجَّهه العلماء إلى وجهين :
الوجه الأول: لا كلام لأحدٍ بعد النبى صلى الله عليه وسلم ، وهذا أصل شرعى.
الوجه الثانى: باعتبار اللغة وفَرَح عمر رضى الله عنه ، أى أن هذه العبادة (قيام رمضان جماعة) لم تكن بدعة من الأصل بل هى عبادة مشروعة حدثت أيام النبى صلى الله عليه وسلم ولم يَنهَى الصحابة عنها، وإنما خَشِىَ أن تُفرَض عليهم ، فابتعد عنها والصحابة فترة من الزمن ، وحثَّهم عمرُ عليها أيام خلافته وانتدب لهم أُبَىّ بن كعب لإمامتهم، فلما اجتمعوا لها ورآهم فَرِح وقال قولته تلك باعتبار معناها اللغوى من الناحية الزمنية لها أنها كانت متروكة فترة ثم عادوا إليها من جديد كأنهم ابتدعوها ، أما لو كانت بدعة بالفعل فما كان الصحابة وعلى رأسهم عمر ليفعلوها أبداً أو يستحسنوا فعلها.
وهذا هو الأصل أن تُحمَل دائماً كل النصوص الصحيحة وأقوال الصحابة وأقوال أهل العلم على محمل صحيح لا يخالف الشرع ، فإذا وُجِد نصَّاً ظاهره يخالف الشرع فإنه يجب حمله على محمل صحيح لا يخالفه، لأنه يستحيل على الصحابة أو أحدهم أو أحد العلماء الأئمة الأكابر المشهود لهم بحسن الاعتقاد والعمل مخالفة الشرع بقولٍ أو رأىٍ عن عَمْد، ولكن قد يكون له رأىٌ أو قولٌ مخالف عن جهل، والدليل لم يصله ووصل إلى غيره من أهل العلم.

* هناك فارق بين البدعة والمصالح المُرْسَلَة :
البدعة : طريقة مخترعة فى الدين تضاهى الطريقة الشرعية بهدف التعبد لله.
المصلحة المرسلة: تتعلق بالعادات والوسائل الحياتية العامة التى ليس لها علاقة بالعبادات.
فالأفعال التى تصدر من الإنسان تنقسم باعتبار عبوديتها إلى قسمين :
أ. عبادات (كالصلاة والزكاة والحج والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وإماطة الأذى عن الطريق ... إلى آخره).
ب. عادات (كبناء المدارس والمستشفيات وطبع المصاحف وكتب العلم وصناعة وسائل المواصلات والاتصالات التى يستخدمها الإنسان فى حياته العامة).
وعليه فإن البدع محرَّمة ويأثم من يفعلها لأنها فى أمور مستحدثة تتعلَّق بالدين، أما المصالح المرسلة (ويسميها البعض البدع اللغوية - من باب معناها فى اللغة: أمورٌ قام الإنسان بابتداعها واستحداثها) فهى مباحة ولا يأثم من يفعلها، لأنها فى أمور مستحدثة تتعلق بالعادات والأمور الدنيوية وليس العبادات.
وقد وضع العلماء ثلاثة شروط للمصلحة المرسلة لكى تكون مقبولة :
1- ألا تخالف نصَّاً شرعياً.
2- أن تكون مصلحة حقيقية وليست موهومة.
3- أن تكون مصلحة عامة وليست خاصة.
لذا فإن أى أمر مستحدث أو عادة من العادات بحجة المصلحة المرسلة يجب أن تُحمَل على الشروط الثلاثة السابقة فإن وافقتها فإنها تجوز ، وإن لم توافقها فلا تجوز.

قوله: (وتَرْكُ الخُصُومَات والجلوس مع أصحاب الأَهْوَاء)
الخُصُومَات: جمع خُصُومَة وهى الجَدَل.
أصحاب الأهواء: مَن يتَّبِع هواه من أهل البدع والمعاصى، بعيداً عن النصوص الشرعية وعن الحق.
* لا يجوز الجلوس مع أهل البدع والأهواء فى بدعهم ، فقد تَرِقُّ القلوب لهم، أما الجلوس معهم من أجل مصالح دنيوية فلا بأس به.
* كما لا يصح مجالستهم بهدف مناظرتهم لِمَن هم ذلك مِن طلبة العلم.
ولكن شتَّان بين أخ لك وقع فى بدعة ويمكنك أن تنصحه، فهذا أَسْرِع بانقاذه وخُذْ بيده ، وبين مبتدع واقع فى البدع من قمة رأسه حتى أخمص قدميه فهذا أَعْرِض عنه ولا تجالسه أو تستمع له أو تناظره.
الدليل على ذلك قوله تعالى: " وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ الله يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ " النساء:140
وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
" مَن سَمِع بالدجَّال فليَنْأُ عنه ما استطاع، فإنَّ الرجل يأتيه وهو يحسب أنه مؤمن، فما يزال به حتى يتَّبِعه لِمَا يرى معه مِن الشبهات ".
قال الإمام ابن بَطَّة مُعلِّقاً : (هذا قول الرسول صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق، فالله الله يا معشر المسلمين، لا يحمِلَنَّ أحداً منكم حُسنُ ظنه بنفسه، وما عهده عن معرفته بصحة مذهبه على المخاطرة بدينه في مجالسة بعض أهل هذه الأهواء، فيقول أُداخله لأناظره أو لأستخرج منه مذهبه فإنهم أشد فتنة من الدجال، وكلامهم ألصَقُ من الجَرَب، وأحرَقُ للقلوب من اللهب، ولقد رأيتُ جماعةً من الناس كانوا يلعنونهم ويَسبُّونَهم في مَجالِسَهم، فجالَسُوهم على سبيل الإنكار والرد عليهم، فما زالت بهم المُبَاسطة وخَفِيُّ المكر ودَقِيق الكُفْر حتى صَبُوا إليهم).
وعن أنس (وقد جاءه رَجُلٌ فقال له: يا أبا حمزة لقيت قوماً يُكذِّبون بالشفاعة وبعذاب القبر، فقال: أولئك الكذابون فلا تجالسهم).
وعن ابن عباس أنه قال: ( لا تجالس أهل الأهواء فإن مجالستهم مُمْرِضة للقلوب).
وقال الفضيل بن عياض: (لا تجلس مع صاحب بدعة، فإني أخاف أن تنزل عليك اللعنة).
(دخل على محمد بن سيرين رجلان من أهل الأهواء فقالا :
يا أبا بكر نُحدِّثك بحديث ؟
قال: لا
قالا: فنقرأ عليك آية من كتاب الله؟
قال: لا، لتقومان عني أو لأقومنَّ
فخرجا، فقال بعض القوم: يا أبا بكر وما كان عليك أن يقرأا عليك آية من كتاب الله ؟
قال: إني خشيت أن يقرأا عليَّ آية فيُحرِّفانها فيقُّر ذلك في قلبي).
وعن مبشر بن إسماعيل الحلبي قال: (قيل للأوزاعي إن رجلاً يقول: أنا أجالس أهل السنة وأهل البدعة، فقال الأوزاعي: هذا رجلٌ يريد أن يساوي بين الحق والباطل).
وقال أبو الجوزاء: (لأَنْ أُجالِس القِرَدة والخَنَازير أحبُّ إلىَّ مِن أنْ أُجالِس رجلاً مِن أهل الأهواء ).

* لأهل البدع والأهواء علامات يُعرَفون بها منها :
1- الوقيعة فى أهل الأثر (أهل الحق والسنة).
2- شدة المعاداة لأهل الحديث، والسكوت عن أهل الغى والباطل.
3- الاستعانة بالولاة والسلاطين فى ضرب أهل السنة والجماعة، بسبب ضعف حجة أهل البدع وقلة حيلتهم، فإنهم يستعينون في نصرة دعوتهم بالولاة والسلاطين، لأن فيها نوعاً من الإكراه والإخافة، (كما فعل بشر المريسى وأحمد بن أبى دُؤاد وعمرو بن عبيد وغيرهم باستعانتهم بالخلفاء ضد أهل السنة كالإمام أحمد بن نصر بن مالك والإمام أحمد بن حنبل وغيرهم).
4- الغلو والاجتهاد فى العبادة.

ضابط الغلو : مجاوزة حدود ما شرَّعه الله عزَّ وجل بقَولٍ أو بفِعْلٍ أو اعتقاد.
بقَولٍ : كالبوصيرى حين مدح النبى صلى الله عليه وسلم وقال أنَّ مِنْ عِلمِه عِلم اللوح والقلم.
بفِعْلٍ : كما حدث من الثلاثة رهط الذين قال أحدهم: (أنا أصوم ولا أفطر)، وقال الثانى: (وأنا أقوم الليل ولا أنام)، وقال الثالث: (وأنا لا أقرب النساء).
باعتقادٍ : كاعتقاد البعض فى الولاة مِن القدرات والخوارق ما ليس لهم، مثل أنهم يُسيِّرون العالم ، أو اعتقاد البعض فى الموتى أنهم ينفعون أو يضرون.
ومن الغلو أن يُغالى المرء فى عبادة معينة أقصى حد ويتجاوز المشروع ليُعِوِّض بزَعْمِه الخلل والنقص فى عبادة أخرى.

* لأهل السنة علامات يُعرَفون بها منها :
1- محبة السنة، وأهلها، وعلمائها، وأوليائها.
2- بغض البدع وأئمتها.

* أهم أساس لتقييم المسلم ومعرفة هل هو صاحب بدعة أم لا هو جانب الاعتقاد وليس جانب العبادة، فمِنْ خلال عقيدته يتَّضِح نهجه وفكره ، أما مِن ناحية العبادة، فكم مِن عُبَّاد زُهَّاد واقعون فى بدع عظيمة ، فالخوارج كانوا حُفَّاظاً للقرآن صوَّامين بالنهار قوَّامين بالليل لدرجة أنَّ مِن الصحابة والتابعين مَن احتقر صلاته وصيامه بجانب صلاة وصيام الخوارج الذين عاصروهم، ومع ذلك خرجوا عن طاعة الخلفاء والحكام وكفَّروهم وحاربوهم وقتَّلوا العباد وخرَّبوا البلاد، ولم يرحموا صغيراً ولا كبيراً ولا طفلاً ولا امرأة، واستحلوا دماء ونساء وأموال وبيوت إخوانهم المسلمين، بدءاً من عصر الخليفة الراشد -الصحابى الجليل المبشَّر بالجنَّة- على بن أبى طالب الذين خرجوا عن طاعته وكفَّروه وحاربوه هو ومَن معه مِن المؤمنين وقتلوا منهم مَن قتلوا ، حتى أن النبى صلى الله عليه وسلم قال فيهم " يَخْرُجُ فِيكُمْ قَوْمٌ تَحْقِرُونَ صَلاتَكُم مع صَلاتِهِمْ، وصِيامَكُمْ مع صِيامِهِمْ، وعَمَلَكُمْ مع عَمَلِهِمْ، ويَقْرَؤُونَ القُرْآنَ لا يُجاوِزُ حَناجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كما يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، يَنْظُر في النَّصْلِ فلا يَرَى شيئاً، ويَنْظُرُ في القِدْحِ فلا يَرَى شيئاً، ويَنْظُرُ في الرِّيشِ فلا يَرَى شيئاً، ويَتَمارَى في الفُوقِ " رواه البخارى.
قال عنهم الإمام ابن كثير : (فجعلوا يقتلون النساء والولدان، ويبقُرونَ بطون الحبالى، ويفعلون أفعالاً لم يفعلها غيرهم).

* ضوابط النهى عن المنكر (تغيير المنكر) :
عن أبي سعيدٍ الخدري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " مَن رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان ". رواه مسلم.
1- التغيير باليد : شريطة وجود الصلاحية والقدرة التامة، وعدم الخوف، وعدم وجود ضرر مترتِّب عليه، ومراعاة المصلحة والمفسدة.
2- التغيير باللسان : وهو درجات، يبدأ مِن النصح والتذكير بالله، وينتهى باستخدام أفحش الألفاظ كما وردت النصوص ، لذا يجب الحذر مِن الوقوع فى الكلام الفاحش.
3- التغيير بالقلب :
أولاً: يكون بكراهية المنكر بالقلب.
ثانياً: الابتعاد عن أى مجلس يكون فيه منكر، وإذا حدث فى مكان أو مجلس أنت موجود به فعليك بمغادرته فوراً وعدم المكث فيه إلا لضرورة حتَّمت وجودك فيه، وكل ضرورة تُقدَّر بِقَدْرها بسؤال أهل العلم.
والتغيير بالقلب هو أضعف الإيمان لأنه لا يوجد أى احتمالية لعجز المسلم عن تغيير المنكر بالقلب أما احتمالية عجز اليد أو اللسان فموجودة. وذلك لأن القلب ليس لأحد علم به أو تأثير عليه إلا الله.

قوله: (وتَرْكُ المِراء والجدال والخُصُومَات فى الدِّين)

المِرَاء (لُغةً) : الجدال
المِرَاء (اصطلاحاً) : كثرة الملاحاة للشخص لبيان غلطه وإفحامه، والباعث على ذلك الترفُّع.
قال الجرجاني: (المراء: طعن في كلام الغير لإظهار خَللٍ فيه، مِن غير أن يرتبط به غرض سوى تحقير الغير).
قال الهروي عن المراء : (هو أن يستخرج الرجل من مُناظِره كلاماً ومعاني الخصومة وغيرها).
الجِدَال : المناقشة والمناظرة والمحاججة.
الخصومات: جمع خصومة وهى الجَدَل.
الجَدَل: اللدد في الخصومة والقدرة عليها.
قال الجرجاني: (الجدل: دفع المرء خصمه عن إفساد قوله بحجة، أو شبهة، أو يقصد به تصحيح كلامه).

* الجدال نوعان (محمود ومذموم) :
الدليل قوله تعالى : " وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ".
فدلَّت الآية على أنه يُشرَع الجدال بالتى هى أحسن (وله شروط يلى ذكرها) ، ولا يُشرَع إن كان غير ذلك.
الجدال المحمود : حدّد له أهل العلم شروط هى :
1- الغرض منه البحث عن الحق والوصول إليه.
2- التقيُّد فيه بالأدلة الشرعية (الكتاب والسنة والإجماع والقياس).
3- التقيُّد فيه بالضوابط الشرعيَّة (مثل: حسن الخلق، والبعد عن فحش الكلام وبذاءته، وهضم النفس، البعد عن الهوى والانتصار للنفس، قوة الحجة والمناظرة وعدم الضعف والهوان فيها).

الجدال المذموم : هو الجدال الذى يختل فيه أحد شروط الجدال المحمود ، وله صورتان: (1) جدال المجادل بالباطل بعد أن يَظهر له الحق وبأدلة يلوى عنقها.
(2) الجدال بالتشغيب وبغير دليل والاعتماد على العقل والقياس الفاسد.

جدال الإمام الشافعى (مِن خير الأمثلة على الجدال المحمود بجميع شروطه) :
قال الشافعى: (ما ناظرت أحداً قط على الغلبة ، ما دخلت في مناظرة مع أحد لكي أتغلب عليه، وإنما لكي يتبيَّن الحق).
وقال: (ما ناظرْتُ أحداً قط فأحببتُ أن يُخطِىء).
وقال: (ما ناظرت أحداً قط إلا على النصيحة).
وقال: (ما كلَّمتُ أحداً قط إلا أحبَبْتُ أن يُوفَّق ويُسَدَّد ويُعَان ويكون عليه رعاية من الله تعالي وحِفْظ، وما كلَّمتُ أحداً قط وأنا أبالي أن يُبيِّن الله الحق علي لساني أو علي لسانه).
وقال عنه ولده : (ما سمعت أبي يُناظِر أحداً قط فيرفع صوته).
ومع كل هذا كان الشافعى قوى الحجَّة، بارعاً جداً فى المناظرة ، حتى قيل عنه: (لو ناظر الشافعيُ الشيطانَ لقطَّعه وجدَّله).
وقال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم: (ما رأيت الشافعي ناظَرَ أحداً إلا رَحِمْتُه، ولو رأيت الشافعي يناظرك لظننتَ أنه سَبُعٌ يأكلك، وهو الذي علَّم الناس الحجج).
ومع ذلك فإنه كان لا يرفع صوته في المناظرة، وكان لا يريد إلا الحقَّ، ولا يريد قَهْرَ الطرفِ الآخر ، رَحِمَه الله مِن إمام.
 

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,949
مجموع الإعجابات
1,976
النقاط
113
تابع الأصل الأول من الرسالة

قوله: (والسُنَّة عِندَنا آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم)
السنة هنا أى السنة النبوية (المصدر الثانى من مصادر التشريع بعد القرآن) : كل ما نُسِب للنبى صلى الله عليه وسلم غير القرآن من أقوال وأفعال وتقرير، ومنها المتواتر والآحاد، ويُؤخذ أو يُستدَل بالاثنين فى كل المسائل العقدية والفقهية على حدٍ سواء، ومن قال غير هذا فهو جاهل أو مبتدع ضال.
* قسَّم الأُصوليٌّون (أهل الأصول: أهل العلوم الشرعية) السنَّة باعتبار صدورها من النبى صلى الله عليه وسلم إلى أربعة أقسام :
1- سنة قولية : هى ما جاءت بكلامٍ منطوقٍ (قول) من النبى صلى الله عليه وسلم.
والأصل فيها التصديق والاعتقاد للأخبار، والاقتداء والتطبيق للأوامر والنواهى بحسب ما جاء فيها من فرض أو مستحب أو مندوب أو مكروه أو محرَّم.
2- سنة فعلية (عملية) : هى ما جاءت من أفعال النبى صلى الله عليه وسلم مجرَّدة من أى قول، وهى فرضٌ فى حقِّه عليه الصلاة والسلام، ومستحبٌ فى حق المسلمين إلا إذا أتى عليها دليل قولى يجعلها فرض أو واجب.
وتنقسم السنة الفعلية إلى أربعة أقسام: (أفعال جِبِليَّة، أفعال عاديَّة، أفعال تشريعية خاصة، وعامة).
أ- سنة جِبِليَّة (أفعال جبلية) : هى ما فعله النبى صلى الله عليه وسلم بمقتضى جِبِلِّيَّته، مثل المشى والأكل والشرب والنوم ونحوه من الصفات الإنسانية، والأصل فيها عدم الاقتداء إلا إذا اقترن الفعل الجِبِلىّ بأصل تشريعى، مثل حديث " سَمِّ الله، وكُلْ بِيَمِينكَ، وكُلْ مِمَّا يَلِيكَ " فى البخارى ومسلم.
ب- سنة عادية (أفعال عاديَّة) : هى ما فعله النبى صلى الله عليه وسلم على عادة قومه، أى عادات وتقاليد قومه التى لو لم يفعلوها ما علمها وما فعلها، مثل المشى بالعصا وشكل الملابس التى يرتدونها والعمل برعى الأغنام وإعفاء اللحية وقص الشارب. والأصل فيها عدم الاقتداء إلا إذا أتت قرينة من الشرع تحث عليها مثل أحاديث إعفاء اللحية وقص الشارب.
ج- سنة تشريعية خاصة : هى أفعال تشريعية (أى من الشرع) خاصة بالنبى صلى الله عليه وسلم فقط، ولا يحلّ لأحدٍ من المسلمين اتباعه فيها.
مثل: الوِصَال فى الصوم لأيام متتالية دون إفطار أو سحور، الزواج بأكثر من أربعة، فرضيَّة بعض المستحبات عليه مثل فرضيَّة قيام الليل.
د- سنة تشريعية عامة : هى أفعال تشريعية عامة لجميع المسلمين، لا تخص النبى صلى الله عليه وسلم فقط. مثل : كيفية الوضوء، كيفية الصلاة، أعمال ومناسك الحج.
3- سنة تقريرية :هى ما جاءت من فِعْل أحد الصحابة، وعَلِمَه النبى صلى الله عليه وسلم وأقرَّ به ولم ينكره عليه.
وهذا لا يكون إلا للنبى صلى الله عليه وسلم ، أما مَن عَدَاه فيلزمه القول صراحة ، وعليه إذا قرأنا أو سمعنا أنَّ صحابياً أو إماماً من أئمة العلم رأى أحداً يقول أو يفعل شيئاً من المحرَّمات أو المنهيَّات وسكت عنه ولم يقل شيئاً حيال ذلك فلا يصح أن نقول أنه يكون بذلك موافق على فعله وأقرَّه عليه وأن هذا مذهبه أو رأيه، بل يجب أن يكون إقراره بالقول صراحة، أما السكوت فلا يعد إقراراً إلا فى حق النبى صلى الله عليه وسلم.
مثال على السنة التقريرية :
روى البخارى من حديث عبد الله بنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْأَحْزَابِ: " لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ " ، فَأَدْرَكَ بَعْضُهُمْ الْعَصْرَ فِي الطَّرِيقِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا نُصَلِّي حَتَّى نَأْتِيَهَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ بَلْ نُصَلِّي لَمْ يُرِدْ مِنَّا ذَلِكَ. فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يُعَنِّفْ وَاحِداً مِنْهُمْ.
4- سنة تَرْكيَّة : هى ما تركه النبى صلى الله عليه وسلم ولم يفعله مع وجود المقتضى لفعله وذهاب المانع عنه.
وتصل إلينا السنة التركية بطريقين :
الأول: تصريح أحد أو بعض أو كل الصحابة بأن النبى صلى الله عليه وسلم لم يفعل هذا الأمر.
الثانى: عدم ورودها ، وبالتالى لم ينقلها الصحابة، وبالطبع يستحيل على الصحابة ألا ينقلوا شيئاً عَلِمُوا أنَّ النبى صلى الله عليه وسلم قاله أو فعله أو أقرَّه.
قال الصحابى حذيفة ابن اليمان: (كل عبادة لم يفعلها أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم لا تفعلوها).
وعليه فإنَّ: (كلُّ ما تَرَكَه الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، مع وجود المقتضى للفعل وزوال المانع، فإنه واجب التَّرك وفِعلُه بدعة). أصل عند أهل السنة والجماعة.
مثال: قول الصحابى جابر بن عبد الله أن النبى صلى الله عليه وسلم دخل لصلاة العيد ولم يصلِّ قبلها ركعتين (ركعتى تحية المصلَّى). فهذه من السنن التركية لأن النبى صلى الله عليه وسلم ترك هذا الأمر مع وجود المقتضى لفعله وهو حرصه ولزومه على صلاة تحية المسجد دائماً، وذهاب المانع عنه فلم يوجد شىء يمنعه عن صلاة ركعتين كأن يكون متعجِّلاً على صلاة العيد مثلاً لسببٍ ما ، وبالتالى تكون متروكة وغير مشروعة.

* قاعدة هامة : إذا تعارضت السنة الفعلية مع السنة القولية – تعارض ظاهرى وليس حقيقى – يُقدَّم القول على الفعل لاحتمالية الخصوصية فى الفعل لشخص النبى صلى الله عليه وسلم كأن يكون من السنة التشريعية الخاصة أو من السنة الجبلية، وإلا فإنه يستحيل أن يعارض النبى صلى الله عليه وسلم بفعله قوله.
ويتم الاستدلال بالسنة الفعلية (العملية) والتقريرية فى أحكام الشرع كما يستدل بالسنة القولية سواء بسواء لا يفرِّق بينهم إلا جاهل أو مبتدع صاحب هوى.

قوله: (والسُنَّة تُفسِّر القرآن، وهى دلائل القرآن)
السنة هنا : السنة النبوية (المصدر الثانى من مصادر التشريع الأربعة).
تُفسِّر : تُوضِّح وتُبيِّن وتُفصِّل وتَشْرَح.
القرآن : كلام الله المنزَّل على النبى محمد صلى الله عليه وسلم عن طريق الوحى جبريل عليه السلام ، وهو المصدر الأول من مصادر التشريع الأربعة.
دلائل : جمع دلالة أو دليل، وهى (الإرشاد والحجة والبرهان والبيِّنة والإشارة والعلامة).
* مصادر التشريع الأربعة هى :
القرآن ، السنَّة ، الإجماع ، القياس.
* قسَّم العلماء السنة باعتبار ما فيها من أحكامٍ للقرآن إلى ثلاثة أقسام :
1- أن يأتى الحُكْم فى القرآن، ويأتى فى السنة. فتكون السنة بذلك مؤكِّدة ومقرِّرة لما جاء فى القرآن.
مثال :
قال تعالى : " وَاعْبُدُوا الله وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً " النساء 36
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اجتنبوا السَّبْعَ المُوبِقَات " قالوا: يا رسول الله، وما هُنَّ؟ قال: "الشرك بالله، والسِّحر …." الحديث.
2- أن يأتى الحُكْم فى القرآن مُجمَلاً، ويأتى فى السنة مفصَّلاً. فتكون السنة بذلك مفصِّلة لما جاء مجملاً فى القرآن.
مثل : أحكام الوضوء، وأحكام الصلاة، وأحكام الزكاة، وأحكام الحج.
3- أن تستقل السنة بحُكْم لم يأتِ به القرآن. وإن كان هذا من ناحية الظاهر فقط، لأن جميع أحكام السنة تدخل فى أحكام القرآن ، وذلك من قوله تعالى : " وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا "
مثال :
قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لَعَنَ الله ‏الوَاشِمَات والمُسْتَوْشِمَات، والنَّامِصَات والمُتَنَمِّصَات، والمُتَفَلِّجَات للحُسْن المُغَيِّرَات خَلقَ الله‏".
قال النبى صلى الله عليه وسلم : " لا يُجمَع بين المرأة وعمَّتِها، ولا بين المرأة وخالتها، إنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم ".
فهذه الأحكام بتحريم الوشم والنماص والتفلٌّج للنساء، وتحريم أن يجمع الرجل بين المرأة وعمتها ، أوالمرأة وخالتها زوجاتٍ له‏ ، كلها أتت فى السنة ولم تأتِ بالقرآن.
* القرآن والسنة متفقان لا يختلفان ، مجتمعان لا يفترقان. (أصل).
* قديماً أحب أهل التشكيك فى السنة الذين يدَّعون بأنهم يأخذون بالقرآن فقط دون السنة، أن يستدلوا على رأيهم الخبيث هذا بدليلٍ ليخدعوا به الناس، فألَّفوا حديثاً من عندهم سنداً ومتناً يوافق أهواءهم، ثم قالوا نعرضه على أحد الأكابر لنرى ماذا يفعل، وبالفعل ذهبوا به إلى الإمام سفيان بن عيينة ليحدَّثوه به ، فقالوا له كاذبين مدَّعين : (إن النبى صلى الله عليه وسلم قال: إذا سمعتم حديثاً عنى فأعرضوه على القرآن فإن وافق فأنا قلته، وإن خالف لم أَقُلْه، فاضربوا به الحائط، وعليكم بكتاب الله فإن الله هدانى به) ، فلما سمع الإمام سفيان بن عيينة هذا الكلام قال لهم : (كَذِب) ، قالوا: لِمَ ؟ ، قال : (عَرَضْتُه على القرآن فخالَفَه ولم يُوافِقه).
رَحِم الله الإمام سفيان بن عيينة وأئمة العلم الأكابر، فكلماته الوجيزة هذه ردَّت عليهم ردَّاً مُفحِماً قاطعاً لا يُعطِى فرصة للجدال فيه، فعبارته (عَرَضْتُه على القرآن فخالَفَه ولم يُوافِقه) لهؤلاء القوم تعنى أنَّ: حديثكم هذا يسرى عليه أحد احتمالين لا ثالث لهما، إما أن يكون كاذباً وبالتالى لا عبرة به ولا أهمية له (وهو كذلك)، وإما أن يكون صحيحاً (كافتراض)، وعليه فقد عَرَضْتُه على القرآن ولم يُوافِقه، لأن الله تعالى قال: "وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا"، وبالتالى حديثكم هذا فى كلا الحالتين كَذِب.
* حديثاً يخرج علينا كل حينٍ رويبضةٌ أتباعٌ لهؤلاء الذين شككوا قديماً فى السنة، ويدَّعون بأنهم قرآنيين (يأخذون بما جاء فى القرآن فقط دون السنة)، وكَذَبُوا والله، فلو أخذوا ما فى القرآن لأخذوا ما فى السنة فقد قال تعالى " وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا "
والسنة كما عرَّفناها هى كل ما جاء من النبى صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير، وقد أمر القرآن باتباعه فى كل شىء جاء عنه، فالقرآن الذى يدَّعون أنهم يأخذوا بما فيه هو نفسه مَن فضحهم وبيَّن كذبهم وعِوَرَهم.

قوله: (وليس فى السُّنَّة قياس)
السنة هنا : تعنى العقيدة.
العقيدة : هى عَقْد القلب على الإيمان بقضية معينة لا شك فيه ولا ريب مع الثبات عليها.
القياس هنا : يعنى قياس العلَّة (الفقه والاجتهاد).
* قسَّم أهل العلم القياس إلى ثلاثة أقسام هى :
1- قياس العِلَّة (قياس الفقه أو الاجتهاد) : هو إلحاق فرع بأصل فى حُكمٍ لِعِلَّةٍ بينهما. ويكون فى الأمور الفقهية فقط (أغلبها وليس كلِّها)، أما العقدية فلا يصح قط.
2- قياس الشمول : هو قياس الجزئيات على الكليات.
3- قياس الأَوْلَى : لا يكون إلا لله تعالى، فكل ما خُصَّ من فضائل، فالله أَوْلَى بالتحلِّى بها، وكل ما خُصَّ من نقائص، فالله أَوْلَى بالتنزُّه عنها.
* لا قياس فى العقيدة، لأن القياس لا يتم إلا بعلَّة معقولة المعنى يدرك العقل علتها وسببها وحكمتها ، وأمور العقيدة لا تُدرك بالعقل ولا يُعلَم كنهها ولا كيفيتها، إنما العقيدة هى عقد القلب على الإيمان والتصديق بحقيقة معينة إيماناً وتصديقاً جازماً لا يقبل الشك مع الثبات عليه، سواء أدرك العبد هذه الحقيقة وكنهها أم لم يدركها، فهمها أم لم يفهمها، اتضح له كيفيتها أم لم يتضح.
وهذا كثير جداً فى أمور العقيدة مثل : أسماء الله وصفاته نعلمها ونعلم معناها ولكن لا نعلم كيفيتها ولا كنهها، وأيضاً كل أو جُلّ أمور الغيبيات نعلمها من القرآن والسنة ولكن لا نعلم كيفية حدوثها ولا وقت حدوثها بالتحديد، إلى آخره من أمور العقيدة ، ومع هذا يجب علينا التصديق والإيمان الجازم بها بشرط ثبوت صحة الدليل الذى جاء بها.
* لا يُستدَل على أى أمر من الأمور العقدية (الأخبار والغيبيات) إلا مِن مصدرين تشريعيين فقط هما القرآن والسنة (الأحاديث المتواترة والآحاد سواء بسواء)، أما الإجماع والقياس فلا يصح أيَّاً منهما أن يكون دليلاً على أمور العقيدة.
* أصل من الأصول الشرعية : الحُكْم يدور مع عِلَّته وجوداً وعَدَماَ، فإذا وُجِد الحكم وُجِدت العِلَّة، وإذا انتفى الحُكْم انتفت العِلَّة، بشرط أن تكون العِلَّة التى يدور الحكم معها منصوص عليها بنص شرعى أو مجمع عليها.
هذا لأن بعض الجُهَّال أقاموا عللاً وأنشأوا عليها أحكاماً من عند أنفسهم فضلُّوا وأضلُّوا.
مثل : قالوا بأن العلَّة فى أحكام الحدود (كقطع اليد، الجَلْد) هى الزَّجر والتنكيل، ولأن الحكم يدور مع علته فيمكن أن نحافظ على العِلَّة وهى الزجر بحُكمٍ آخر كالسجن، وبهذا يمكن إلغاء حدود الله واستبدالها بالسجن، هكذا قالوا هذا الكلام الأجوف الذى لا يَمُتّ إلى الحق بشىء ، لأنهم بهذا الكلام نسوا أو تناسوا أن أحكام الحدود (كقطع اليد، والجَلد، الرَّجم، والقتل، والحِرَابة) عللها منصوص عليها بنصوص الشريعة، أما ما يقولوه فلا نصَّ له.
* أمثلة على أمور العقيدة (التى لا يدركها العقل) :
1- روى مسلم من حديث أبى هريرة، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال:
" ما بين منكبي الكافر في النار مسيرة ثلاثة أيام للراكب المسرع ".
وعنه أيضاً أنه قال : "ضرس الكافر أو ناب الكافر مِثْل أُحُد، وغِلْظ جلده مسيرة ثلاث".
فهل يمكن لعقل الإنسان أن يدرك أو يتخيل هذه الأمور ؟
أن ضرس الكافر أو نابه مثل جبل أحد ، وسُمْك جلده بمقدار مسيرة ثلاثة أيام ، والمسافة بين منكبيه (كتفيه) بمقدار مسيرة ثلاثة أيام للمسرع.
2- روى الطبرانى والحاكم بإسناد صحيح، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال:
"إن الله جلَّ ذِكْرُه أَذِن لي أن أُحدِّث عن ديك قد فرقت رجلاه الأرض، وعنقه مثني تحت العرش، وهو يقول: سبحانك ما أعظمك ربنا، فيرد عليه: ما عَلِم ذلك مَن حَلف بي كاذباً"
فهل يمكن لعقل أن يدرك حجم ووزن وطول هذا الديك الذى رجلاه فى الأرض ورأسه تحت عرش الرحمن ؟
3- الأحاديث التى تبيِّن قدرات ومعجزات المسيح الدجال ، وقوة وتطاول بنيان قوم يأجوج ومأجوج.
4- أحاديث استواء الله على عرشه ، وأسماء الله وصفاته.
5- الآيات والأحاديث التى تبيِّن تَغَيُّر وتَبدُّل الظواهر والمخلوقات الكونية وقت قيام القيامة ، مثل سَيْر الجبال وانفطار السماء وانتثار الكواكب ... إلى آخره.
وغير ذلك من أمور العقيدة التى لا يمكن للعقل أن يدركها بمداركه المحدودة التى خلقها الله فيه، فضلاً على أن يقيس عليها أموراً أخرى.
* تقديم العقل على الخبر يؤدى إلى بدعة فى المعتقد.
وتقديم العقل على الدليل يؤدى إلى بدعة فى العبادة.
* ما يجب علينا تجاه كل أمور العقيدة، واللتى أغلبها أخبار :
1- التصديق الجازم والإيمان الراسخ لكل ما فيها على وجه اليقين.
2- أن يكون للتصديق أثرٌ فى السلوك.
وعليه فإن زعم العبد أنه صدَّق ولم يؤثر تصديقه فى سلوكه ، فلا عبرة بتصديقه ولا يصح.

قوله : (ولا تُضرَب لها الأمثال، ولا تُدرَك بالعقول ولا الأهواء، إنما هو الاتِّبَاع وتَرْكُ الهَوَى)
أصل : إذا ورد النص الشرعى بحكم خَفِيَت عنَّا علته وحكمته، فلا يحل لنا أن نضرب له الأمثال أو نستخدم فيه القياس. فإذا عُلِمَت العلَّة صحَّ القياس وإذا جُهِلَت العلَّة ذهب القياس. وعليه فالقياس لا يصح فى بعض الأمور الفقهية وليس فقط فى الأمور العقديَّة.
* أمثلة على أمور فقهية وليست عقدية، ومع ذلك لا يصح فيها القياس :
(1) سؤال : أيهما أضعف المرأة أم الرجل ؟
العقل يُجيب : المرأة طبعاً أضعف من الرجل.
ومع ذلك فقد نصَّ الشرع فى بعض حالات الإرث أنَّ للرجل مثل حظ الأنثيين، أى أن الرجل يرث ضعف المرأة. فأين القياس هنا ؟
(2) سؤال : أيهما أعظم عند الله الصلاة أم الصيام ؟
العقل يجيب : الصلاة طبعاً ، فقد فرضها الله طوال أيام العام وخمس مرات فى اليوم الواحد ولم يُسقِطها عن أصحاب الأعذار كالمريض والمسافر، لكن يَسَّر وأباح لهم الرخصة فى أدائها - فى هيئتها وكيفيتها للمريض ، وفى عدد ركعاتها للمسافر – فلا تسقط عنهم بحال ، أما الصيام فقد فرضه الله شهراً واحداً طوال العام ومرة واحدة فى اليوم الواحد، وأسقطه عن المريض الذى لا يُرجى شفاؤه فيتصدَّق عن كل يوم، وأسقطه عن المسافر حال سفره، وعن المريض حال مرضه مرضاً يُرجى شفاؤه ، فيقضوها مِن أيامٍ أُخَر.
ومع ذلك فقد فرض الشرع علي المرأة قضاء الصوم لأيام رمضان التى فاتتها وقت حيضها أو نفاسها، ولم يسقطه عنها ، ولم يفرض عليها قضاء الصلوات التى فاتتها وقت حيضها أو نفاسها بل أسقطها عنها. فأين القياس هنا ؟
(3) سؤال : أيهما أنجس البول أم المنى ؟
العقل يجيب : البول طبعاً أنجس من المنى.
ومع ذلك فرض الشرع الاغتسال الكامل للبدن بعد نزول المنى ، ولم يفرضه بعد نزول البول بل شرع غسل العضو فقط. فأين القياس هنا ؟
* قال الإمام البربهاري إمام أهل السنة في عصره: ( واعْلَم رَحِمَك الله أنه ليس في السنة قياس، ولا تُضرَب لها الأمثال، ولا تُتَّبَع فيها الأهواء، بل هو التصديق بآثار رسول الله صلى الله عليه وسلم بلا كَيفٍ ولا شرح، ولا يُقال: لِمَ ولا كيفْ ).
ولا يقال لِمَ :أى يجب ألا يقال لِمَ - يعني في الأفعال؛ لم فعل الله كذا أو لم يفعل كذا ؟
ولا يقال كيف : أى يجب ألا يقال كيف في الصفات – فكيفيتها مجهولة ولا يصح السؤال عنها.
* وعليه فالسنة ليس فيها قياس عقلي، وليس فيها جدال، ولا تضرب لها الأمثال، ولا تدرك بالعقول ولا الأهواء، إنما هو الاتباع - اتباع الدليل الشرعى، وترك الهوى - ما يهواه الإنسان ويميل إليه وما يوافق عقله وهواه ومما يبتدع في دين الله.
(انتهى بحمد الله الأصل الأول من الرسالة).
 

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,949
مجموع الإعجابات
1,976
النقاط
113
الأصل الثانى من الرسالة

الأصل الثانى (الفقرة الثانية من الرسالة)

قال المُصِنِّف الإمام أبو عبد الله أحمد بن حَنْبَل :
( ومِن السُنَّة اللازِمة التى مَنْ تَرَكَ مِنها خِصلَة – لم يَقبَلها ويُؤمِن بها – لم يَكُن مِن أهلها الإيمان بالقَدَرِ خيره وشره، والتصديق بالأحاديث فيه، والإيمان بها، لا يُقال لِمَ ولا كَيفْ، إنما هو التصديق والإيمان بها، ومَنْ لم يَعرِف تفسير الحديث ويَبْلُغُه عقله فقد كُفِىَ ذلك وأُحكِمَ له، فعليه الإيمان به والتسليم له، مِثلُ حديث "الصادق المصدوق" ومِثلُ ما كان مِثْلَه فى القَدَر، ومِثلُ أحاديث الرؤية كلها، وإنْ نَأَتْ عن الأسماع واستَوْحَش منها المُستمِع، وإنما عليه الإيمان بها وأنْ لا يَرُد منها حرفاً واحداً وغيرها من الأحاديث المأثورات عن الثِّقات. وأنْ لا يُخاصِم أحداً ولا يناظِره ولا يتعلَّم الجدال. فإنَّ الكلام فى القَدَر والرؤية والقرآن وغيرها من السنن مكروه ومَنْهىٌّ عنه، لا يكون صاحِبُه –وإنْ أصاب بكلامه السُنَّة- مِن أهل السُنَّة حتى يَدَع الجِدَال ويُسِلِّم ويُؤمِن بالآثار).


شرح الأصل الثانى :
قوله: ( ومِن السُنَّة اللازِمة التى مَنْ تَرَكَ مِنها خِصلَة – لم يَقبَلها ويُؤمِن بها – لم يَكُن مِن أهلها الإيمان بالقَدَرِ خيره وشره، والتصديق بالأحاديث فيه، والإيمان بها، لا يُقال لِمَ ولا كَيفْ، إنما هو التصديق والإيمان بها، ومَنْ لم يَعرِف تفسير الحديث ويَبْلُغُه عقله فقد كُفِىَ ذلك وأُحكِمَ له، فعليه الإيمان به والتسليم له، مِثلُ حديث "الصادق المصدوق" ومِثلُ ما كان مِثْلَه فى القَدَر).
السنة هنا : تعنى العقيدة.
اللازمة : الواجبة التى لا بد منها.
خِصْلَة : طريقة أو أمر أو شعبة.
لم يقبلها ويؤمن بها - لم يَكُن من أهلها : إذا تركها صار كافراً بها غير مؤمن.
القَدَر (لغة) : التقدير أو التدبير.
القَدَر (اصطلاحاً) : عِلْم الله تعالى وإحاطته الأزَلَيَّة بمقادير الأشياء وأحوالها التي ستكون عليها من مبتدأها إلى منتهاها قبل حدوثها.
التصديق : الإيمان.
والعبارة تعنى أن من أمور السنة (معتقداتها) التى مَن خالفها عن عَمدٍ وعِلمٍ لم يصير من أهل الإيمان (مِن الفرقة الناجية)، وصار من احدى الثنتين وسبعين فِرقَة التى فى النار – الإيمان بالقدر خيره وشره والتصديق والإيمان لكل الأحاديث الواردة فيه، وتمام الرضا بكل ما قَسَمَه الله لعباده وكَتَبه لهم وقَدَّره عليهم.
* الإيمان بالقدر هو الركن السادس من أركان الإيمان، فقد ورد فى حديث النبى صلى الله عليه وسلم لجبريل عليه السلام عندما سأله عن الإيمان، فأجابه بقوله : " الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره ".
* ما معنى الإيمان بالقدر ؟
معناه : أن نعتقد اعتقاداً جازماً أن الله قَدَّر مقادير كل شىء، وكَتَب ذلك فى اللوح المحفوظ قبل أن يَخلُق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة.
* ما معنى أنَّ الله قَدَّر مقادير كل شىء ؟
معناه : أن الله عَلِم كل شىء عن كل شىء قبل أن يُوجَد هذا الشىء أو قبل أن يُوجَد أى شىء.
فإنه لا يقع مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا طبقاً لما أحاط به عِلمُه سبحانه، وسَبَق به كتابه،
قال تعالى: " وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً " الفرقان(2).
وقال سبحانه: " إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَر " القمر(49).
وقال عزَّ وجلَّ: " مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى الله يَسِيرٌ " الحديد(22).
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، قال: وعرشه على الماء " رواه مسلم.
فالإيمان بالقدر أصل من أصول الإيمان، وجزء أساسي من عقيدة المسلم.
* قال الإمام ابن تيمية فى الفتاوى:
الله تعالى يعلم ما كان، وما يكون، وما لا يكون أنْ لو كان كيف كان يكون).
و قال ابن كثير في التفسير : (وَاللَّه - سبحانه - وَتَعَالَى يَعْلَمُ مَا كَانَ وَمَا يَكُونُ، وَمَا لَمْ يَكُنْ لَوْ كَانَ كَيْفَ يَكُونُ، وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ عِنْدَ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ).
وقيل أنَّ هذا القول ذكره الإمام عبد العزيز الكنانى فى مناظرته الشهيرة المعروفة (برسالة الحَيْدَة) مع بِشْر المَرِيسى فى مسألة خلق القرآن وبعض مسائل الصفات والقدر أمام الخليفة المأمون.
ومعناها أن الله تعالى يعلم ما كان وما يكون وما سيكون (الماضى والحاضر والمستقبل) ، ويعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون، أى يعلم الأشياء التى لن تكون ولن تحدث، ولو كانت ستحدث (على سبيل الفرض لا أكثر) يعلم سبحانه كيف كانت ستحدث.
واستدل أهل العلم على هذه القاعدة (الله تعالى يعلم ما كان وما يكون وما لا يكون أن لو كان كيف كان يكون)، من الآيتين الكريمتين 27، 28 بسورة الأنعام ، قال تعالى :
" وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِين * بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ".
ووجه استدلالهم من الآيات أنَّ الله تعالى أخبر بعلمه السابق الأزلى أن هؤلاء المجرمين لو رُدُّوا مرة أخرى إلى الدنيا بعد مماتهم وحسابهم يوم القيامة (وهذا أمر مستحيل ولكنه على سبيل الفرض فقط) لعادوا إلى المعاصى والذنوب والتكذيب بآيات الله كما كانوا قبل مماتهم، فهم كاذبون وما قالوا كلامهم هذا إلا بسبب خوفهم من عذاب النار التى شهدوها.
فقال العلماء بأن هذا (عودتهم مرة أخرى للحياة الدنيا) هو ما لم يكن ولا يكون ، وأنه لو كان (افتراض عودتهم للحياة) كيف كان يكون (سيعودوا إلى المعاصى والتكذيب مرة أخرى) ، وهذا كله لا يعلمه إلا الله، فهو سبحانه يعلم بعلمه الأزلى ما كان وما يكون وما سيكون، وما لم يكن أن لو كان كيف كان يكون.

* أقسام الفِرَق بالنسبة للإيمان بالقدر :
(1) غُلاة القَدَر (الجَبْرِيَّة أو القَدَريَّة المُثْبِتَة).
(2) نُفاة القَدَر (القَدَريَّة النُفَاة).
(3) المؤمنون بالقدر خيره وشره (أهل السنة والجماعة).
ويُجمَع مُسمَّى الفرقتين الأولى والثانية تحت اسم واحد (القَدَريَّة) فكلاهما يُسمَّى بالقدرية إلا أنَّ أحدهما تُثبِت القدر ولكنها تُغالى فيه أشد الغلو ، والثانية تنفى القدر بالكليَّة ، وكلاهما ضال مضل مبتدع من الثنتين وسبعين فرقة التى فى النار، وبدعتهما بدعة مكفرة لأنهما قد خالفا العقيدة فى أصل هام جداً من أصولها وأركانها وهو الإيمان بالقدر خيره وشره.
- معتقد فرقة القَدَريَّة المثبتة (الجَبْريَّة)
قالوا بأن الإنسان مجبور على أفعاله، ولا اختيار له ولا قُدرَة، كأنه ريشة فى مهبِّ الريح، فكل أفعاله قدَّرها الله عليه، ولا دَخْل له فيها إطلاقاً.
وعليه فإن الإنسان مهما فعل من أفعال (معاصى وذنوب وكفر) فإنه لا اختيار له ولا ذنب عليه.
- معتقد فرقة القدريَّة النفاة (نفاة القدر)
قالوا بأنَّه لا قَدَر والأمْرُ أُنُف ، أى أن الإنسان هو الذى يختار أفعاله ويتحكم فيها بمحض إرادته وحريته من مبتداها إلى منتهاها، دون أى تقدير أو إرادة أو عِلْم مسبق من الله تعالى.
- معتقد أهل السنة والجماعة فى القدر :
أجمعوا على أنَّ كل أمرٍ مُقدَّر عند الله من قديم الأزل يعلمه الله قبل وقوعه، ومُقدَّر ومكتوب عنده فى الكتاب (اللوح المحفوظ) قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة ، وأنَّ الإنسان غير مجبور على أفعاله، بل هو مختار لها، يفعلها بمحض إرادته (بعد أن أرشده الله إلى طريق الحق وثوابه، وطريق الضلالة وعقابه)، ولكن بعلمٍ مُسبَق وإرادةٍ كونية مِن الله تعالى، فلا شىء يحدث فى كون الله دون علمه المسبق ودون إرادته الكونية ، وعليه يجب الإيمان بالقدر خيره وشره مع تمام الرضا بكل ما قَسَمه الله لعباده وكَتَبه لهم وقدَّره عليهم، وسلوك طريق الحق الذى بيَّنه الله لعباده وأمرهم به، واجتناب طريق الباطل الذى بيَّنه الله لعباده وحذَّرهم منه. والقدر عند أهل السنة والجماعة له أربعة مراتب (العلم، والكتابة، والمشيئة، والخَلْق) يجب الإيمان بها جميعاً، فلا يصح للعبد إيمانه بالقضاء والقدر إلا بالإيمان بهذه الأربعة مجتمعة دون أن تختل واحدة منها.

* مراتب الإيمان بالقضاء والقدر (أربعة مراتب على الترتيب) :
أولاً : مرتبة العلم
وهو علم التقدير وحساب المقادير، تقدير كل شىء قبل تصنيعه وتكوينه، وتنظيم أمور المخلوقات قبل إيجادها وإعدادها.
ويمكن تقسيم هذه المرتبة (مرتبة العلم) إلى أربعة مراتب أو صور :
1- عِلْم الله بالشىء قبل كونه، وقبل كتابته فى اللوح المحفوظ.
فهو سر الله فى خَلقِه لا يعلمه مَلَك مُقرَّب ولا نبى مُرسَل.
قال تعالى: " إنَّ الله عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ الله عَلِيمٌ خَبِيرٌ " لقمان 34.
2- عِلْم الله بالشىء بعد كتابته فى اللوح، وقبل إنفاذ مشيئته.
قال تعالى: " أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى الله يَسِيرٌ " الحج 70.
وقال تعالى: " مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى الله يَسِيرٌ " الحديد 22.
فى كتاب : مكتوبة فى اللوح المحفوظ.
من قبل أن نبرأها : من قبل أن نَخلُقَها ونُوجِدها.
3- عِلْم الله بالشىء حال كونه وخلقه وتنفيذه وتصنيعه.
قال تعالى: " هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَالله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ " الحديد 4.
4- علم الله بالشىء بعد كونه وخلقه وإحاطته الشاملة والكاملة بعد تمامه وفنائه.
قال تعالى " قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ " ق 4.
ثانياً : مرتبة الكتابة
وهى كتابة المعلومات التى فى علم التقدير وتدوينها بالقلم فى صيغة كلمات باللوح المحفوظ، فكل مخلوق مهما عظم شأنه أو دَقَّ حجمه كتبَ الله ما يَخَصُّه فى اللوح المحفوظ، كَتَب تفصيل خَلْقِه وإيجاده، وما يلزم لنشأته وإعداده وإمداده، وجميع ما يرتبط بتكوينه وترتيب حياته.
والدليل على ذلك :
عن عُبادة بن الصامت رضي الله عنه: قال لابنه عند الموت: يا بني، إنك لن تجد طعم حقيقة الإيمان حتى تعلم أنَّ ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأنَّ ما أخطأك لم يكن ليصيبك، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إنَّ أوَّل ما خَلَق الله القلم، قال له: اكتب، قال: يا ربِّ، وماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة " ، يا بني، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " مَن مات على غير هذا فليس مني ". رواه أبو داود.
وعن أُبَي بن كعب رضي الله عنه: قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
"أوَّلُ ما خَلَق الله القلم، فقال له: اكتُبْ، فجرى بما هو كائنٌ إلى الأبد" أخرجه أبو داود.
وما دُوِّنَ فى اللوح المحفوظ لا يقبل المحو أو التعديل أو التبديل أو التغيير، فكل ما كُتِب فيه واقع لا محالة. والسرُّ فى عدم التغيير أو التعديل أن سائر المخلوقات إلى قيام الساعة قد أحكم الله غاياتها، وقضى فى اللوح المحفوظ كل ما يتعلِّق بها، فلا يتغير بنيان الخلق الذى حكم به الحق.
أما التغيير والتعديل فيكون فى كُتُب الملائكة الكَتَبة (الملائكة التى ترافق كل إنسان تكتب حسناته وسيئاته فى الصحف التى معها)، وهذه تتغيَّر وتتبدَّل وتزيد وتنقص بحسب أعمال العبد وأفعاله ، لتطابق فى النهاية بعد موت العبد ما هو مكتوب سلفاً فى اللوح المحفوظ.
مثال : دلَّت الأدلة الشرعية أن عُمْر الإنسان يزيد زيادة حقيقية بصلته لِرَحِمِه، ولكن هذه الزيادة تكون فى الصُحُف التى فى أيدى الملائكة، وذلك بأن يُكتَب للعبد أجلاً فى صحف الملائكة فإذا وصل رَحِمَه زاد فى المكتوب وإن عمل ما يوجِب النقص نقص ذلك من المكتوب ، وهكذا يتغير ويتبدَّل العمر المكتوب فى صحف الملائكة بين الزيادة والنقصان حتى يطابق فى نهايته بعد موت العبد ما هو مكتوب سلفاً فى اللوح المحفوظ.
وعليه فالعُمر عُمران: عُمرٌ محدَّد عند الله فى اللوح المحفوظ لا يتغيَّر ولا يتبدَّل ، وعُمرٌ مُرَدَّد بين الزيادة والنقص عند الملائكة بحسب عمله.
ملحوظة : يُطلَق على اللوح المحفوظ هذه المسميَّات (اللوح المحفوظ، الكتاب، أم الكتاب، إمام مبين، الذِّكْر)، وكلها مذكورة بالقرآن.
ثالثاً : مرتبة المشيئة
ليس فى الوجود أمرٌ إلا بمشيئة الله تعالى، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.
وهذه المرتبة أجمع عليها الرسل والأنبياء وجميع الكتب المنزَّلة وجميع أدلة المعقول والمنقول والفطرة التى فطر الله الناس عليها.
قال تعالى : " إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ " يس 82.
قال تعالى : " وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ الله رَبُّ الْعَالَمِينَ " التكوير 29.
ومِن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم : " اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، عَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَأَنْتَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، مَا شَاءَ اللهُ كَانَ، وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، ولَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بالله الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ، أَعْلَمُ أَنَّ الله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَأَنَّ الله قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ نَفْسِي، وَمِنْ شَرِّ كُلِّ دَابَّةٍ أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا، إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ".

رابعاً : مرتبة الخَلْق
وهى خَلْق الأشياء وتكوينها وتصنيعها وتنفيذها على وفْق ما قُدِّر لها بمشيئة الله فى اللوح المحفوظ.
فالله خالق كل شىءٍ يَقْبَل الخلق، ومنها أفعال الخلق، فقد خلق الله كل عامل وعمله، وكل متحرك وحركته، وكل ساكن وسكونه.
قال تعالى : " الله خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ " الزمر 62.
كلمة شىء فى هذه الآية تعنى كل شىء مخلوق (يقبل الخلق)، ويخرج منها الآتى : الله نفسه ، وأسماؤه ، وصفاته ، وكلامه (القرآن).
أما إخبار الله تعالى عن نفسه أنه شىء كما فى الآية 19 من سورة الأنعام، فهذا إثباتاً للوجود ونفياً للعدم، ولكن ليس من أسمائه اسم شىء، ولم يخلق نفسه سبحانه تعالى.
قال تعالى : " قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ " الأنعام 19.

أسئلة هامة فى مراتب الإيمان بالقدر والإجابة عليها :
السؤال الأول: ماذا يُقال فى النسخ الذى هو بمثابة التغيير والتبديل فى الأحكام الشرعية؟
الجواب : أَعمَلَ الله حُكمَ النسخ لأن الأحكام التى وضعها الله (المنسوخة) كانت تتناسب مع البشرية فى وقتها، وبعد فترة من الزمن قدَّرها الله أزلاً أنه سيناسبهم الأحكام الأخرى ( الناسخة). وكلٌ (ناسخ ومنسوخ) مكتوب فى اللوح المحفوظ قبل حدوثه بالآف السنوات، فلم يتبدَّل أو يتغير في اللوح شىء.
السؤال الثانى: هل الله غير قادر على المحو أو التبديل للمكتوبات باللوح؟
الجواب : بل الله قادر غير عاجز، ولكنه شاء ألا تُمْحَى أو تُبدَّل، فالله قادر على أن يفعل ما يشاء لولا ما دُوِّن فى الكتاب من أحكام القضاء.
قال تعالى: " لَوْلَا كِتَابٌ مِّنَ الله سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ " الأنفال 68.
السؤال الثالث : لِمَ أَعْمَلْ ما دام كل شىء مكتوب علىَّ أنى سأفعله، ومكتوب علىَّ أننى شقى من أصحاب النار ؟
الجواب : ومَن أدراك أن الله كتب عليك أنك ستفعل المعاصى وأنك ستكون من الأشقياء؟ ، ومَن أدراك أن الله لم يكتب عليك أفعال الخير وأنك ستكون من السعداء؟ ، اعملوا فكلُ ميسِّر لِمَا خُلِق له وكُتِب عليه.
وما كَتَب الله السعادة أو الشقاء على العبد إلا لِعِلمِه الأزلى أنَّ هذا العبد سيكون من أصحاب الطاعات فى الدنيا ويموت على الطاعة فيكون من السعداء، أو سيكون من أصحاب المعاصى ويموت على المعصية فيكون من الأشقياء، وأخفى الله هذا الأمر على عبده فى دنياه هل سيكون شقى أم سعيد حتى يعمل ولا يتَّكِل على ما كُتِب عليه، بل يعمل ما سيصل به فى النهاية للمآل الذى كُتِب عليه ، وخلق الله العباد وأرشدهم وعرَّفهم طريق الحق ودروبه ومآله وخاتمته، وطريق الضلال ودروبه ومآله وخاتمته، وأمرهم بسلوك هذا ونهاهم عن سلوك ذاك ، وأعطاهم الحرية الكاملة ليختاروا ما يشاؤون بمحض إرادتهم دون أن يجبرهم على ذلك. فهل هناك عاقل رشيد يسأل لِمَ أعْمَل ؟!
السؤال الرابع : هل هناك فرق بين المشيئة والإرداة ؟
الجواب : من ناحية اللغة لا فرق، فالمعنى واحد ، أما من ناحية المصطلح فنَعَم هناك فرق بينهما.
فالمشيئة ليس فيها شرعية وكونية ، بل هى كلها كونية (نوع واحد).
أما الإرادة ، فقد قال فيها أهل العلم بأنَّ إرادة الله نوعان :
(1) إرادة كونية (إرادة قَدَريَّة) : وهى مرادفة للمشيئة.
وتَعنِى أنَّ الله لا يَحدُث فى كونه شىء قط إلا بإرادته.
(2) إرادة شرعية : وهى مختصة بما يُحبِّه الله ويرضاه لجميع عباده.
والله تعالى يريد لجميع خلقه الخير (إرادة شرعية)، فبيَّن لهم طريق الحق والخير، وطريق الباطل والشر، وترك لهم حرية الاختيار، فمنهم من يختار طريق الحق والخير فيسير فيه بإرادة الله الكونية، ومنهم من يختار طريق الباطل والشر فيسير فيه بإرادة الله الكونية ، فلا يَخرُج شىء أبداً خيراً كان أم شراً عن إرادة الله الكونية القَدَريَّة ، وإنْ كان الله لا يريد لعباده إلا الخير بإرادته الشرعية الدينية.
كما أنَّ التوحيد الحق الذى أراده الله من عباده (بإرادته الشرعية) لا يتحقَّق إلا إذا علَّق العبد جميع أعماله على مشيئة الله تعالى فى الماضى والحاضر والمستقبل.
السؤال الخامس : كيف يُعلِّق المسلم أعماله على مشيئة الله عزَّ وجلَّ فى الماضى والحاضر والمستقبل ؟
الجواب :
أولاً بالنسبة للماضى : أمرنا الشرع تجاه أى شىء مضى وانقضى أن نقول: قدَّر الله وما شاء فعل، وألا نقول: لو أنى فعلت كذا وكذا، فلو فى هذا الموضع تفتح باب الشيطان. فقد ذكر أهل العلم أنَّ استعمال كلمة لو ينقسم إلى قسمين :
(أ) فيمَا مَضَى وانقضى وليس فى القدرة ولا فى الإمكان فعله، فهذا منهى عنه ويُكرَه كراهة تنزيه.
(ب) فى الخبر عمَّا يُستَقبَل مما لا اعتراض فيه على قدر، فهذا جائز لا كراهة فيه.
وعليه يجب تجاه أى أمر مضى أن نقول قدَّر الله وما شاء فعل، بشرط أن يكون هذا الأمر فى المصائب وليس المعائب.
فقد أجمع أهل السنة والجماعة على أنه : يَحْرُم الاحتجاج بالقدر على المعائب ويجوز الاحتجاج به على المصائب.
أى أنه لا يَصِح أن نحتجَّ بالقدر على فِعْل المعاصى والذنوب ونزعم أنه أمر قدَّره الله علينا ولا ذنب لنا فيه ، لكن يَصِح أن نحتجَّ بالقدر على المصائب التى تحدث لنا ولا دخل لنا فيها، فنقول على المصيبة التى وقعت علينا إنما هى بقدر الله وقضاءه.
ثانياً بالنسبة للحاضر : أمرنا الشرع تجاه أى شىء فى الحاضر أن نقول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله ، وفى هذا نسبةٌ للنعمة إلى الله سبحانه وتعالى، ويُرَدُّ الأمر فيها إلى مشيئته.
ثالثاً بالنسبة للمستقبل : أمرنا الشرع تجاه أى شىء فى المستقبل أن نقول: سأفعل إن شاء الله ، فيُردُّ الأمر المستقبلى ويُعلَّق بمشيئته سبحانه.

* مراتب التقدير (مراتب الكتابة) :
(خمس مراتب : الأزلى، الميثاقى، العمرى، السنوى، اليومى) :
(1) التقدير الأزلى (العام أو الكتابة الأولى) : شامل لكل أمر سيحدث لجميع المخلوقات بلا استثناء، وقد قضاه الله وقدَّره فى أم الكتاب قبل أن يخلق السماوات والأرض، وما اطَّلع عليه نبى مرسل ولا مَلَك مقرَّب، وغير قابل للتعديل أو التبديل أو المحو أو الإزالة.
(2) التقدير الميثاقى (كتابة الميثاق أو الكتابة الثانية) : هو التقدير الذي أخذ الله فيه الميثاق على جميع البشر بأنه ربهم، وأشهدهم على أنفسهم بذلك، والذي قدَّر الله فيه أهل السعادة وأهل الشقاوة. فهو تقدير خاص ببنى آدم فقط وليس كل المخلوقات. وهذا التقدير أيضاً غير قابل للتعديل أو التبديل أو المحو أو الإزالة.
قال تعالى: " وإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ علَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ " الأعراف172.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله عز وجل خلق آدم، ثم أخذ الخلق من ظهره وقال: هؤلاء إلى الجنة ولا أبالي، وهؤلاء إلى النار ولا أبالي، فقال قائل: يا رسول الله فعلى ماذا نعمل؟ قال: على مواقع القدر " رواه أحمد.
(3) التقدير العُمُرى (الكتابة العمرية) : هو تقدير كل ما يجري على العبد في حياته إلى نهاية أجله، وكتابةُ شقاوته، أو سعادته، في بطن أمه في أطوار الحمل الأولى. وهذه الكتابة العُمرية هي تفصيلٌ لِمَا في اللوح المحفوظ، لأنَّ الذي في اللوح المحفوظ شامل لكل المخلوقات، وهذا مُتعلِقٌ بهذا المخلوق المعين وحده.
الدليل على ذلك حديث الصادق المصدوق في الصحيحين عن ابن مسعود مرفوعاً :
" إنَّ أحدكم يُجمَع خَلقِه في بطن أمه أربعين يوماً، ثم يكون عَلَقَة مثل ذلك، ثم يكون مُضْغَة مثل ذلك، ثم يُرسَل المَلَك، فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات، بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقيٌّ أو سعيد " رواه الشيخان البخارى ومسلم.
(4) التقدير السنوى (الحَوْلِى أو الكتابة الحَوْلَيَّة) : هو الذى يشمل مجموعة الأوامر السنوية التى تصدر من الله تعالى لملائكته فى ليلة القدر مما يخصُّ الناس فى حياتهم وموتهم وتصنيف أرزاقهم على قدر أعمالهم. وهذا النوع يقبل المحو أو التعديل والإثبات، تتولَّاه الملائكة المكرَّمون فيكتبون ويُدبِّرون ما يؤمرون به من رب العالمين، ولكنهم لا يعلمون إنْ كان ما صدَرَ لهم مِن أوامر وأحكام يطابق ما فى اللوح المحفوظ أم لا، أو يطابق ما فى التقدير الميثاقى أم لا.
قال تعالى : " فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ " الدخان: 4.
فإنه يكتب في ليلة القدر ما هو كائن في السنة من الخير، والشر، والأرزاق.
قال تعالى : " تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْر سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْر " القدر 4 : 5.
قيل: يُكتَب فيها ما يحدث في السنة من مَوتٍ وحَياةٍ، وعِزٍ وذُلٍ، ورِزْق ومَطَر، حتى الحُجَّاج يُقال: يَحُجُّ فلان، ويَحُجُّ فلان. رُوي هذا عن ابن عمر، وابن عباس، وكذا الحسن البصري، وسعيد ابن جبير.
(5) التقدير اليومى (الكتابة اليومية) :
وهو ما يُقدِّره الله عزَّ وجلّ مما يخُصّ الناس فى يومهم، وهذا يقبل المحو والتغيير
أو هو سَوْق المقادير إلى المواقيت التي قُدِّرت لها، وهو التطبيق العملي والواقعي للكتابة السنوية.
قال تعالى : " يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ " الرحمن 29.
وقيل في تفسيرها: شأنه أن يُعِزَّ ويُذِل، ويَرفَع ويَخفِض، ويُعطي ويَمْنَع، ويُغنِي ويُفقر، ويُضحِكَ ويُبكي، ويُميت ويُحيي، إلى غير ذلك.

خلاصة تجمع مراتب التقديرات :
التقدير اليومي تفصيل من التقدير الحولي، والحولي تفصيل من التقدير العمري عند تخليق النطفة، والعمري تفصيل من التقدير العمري الأول يوم الميثاق، وهو تفصيل من التقدير الأزلي الذي خَطَّه القلم في الإمام المبين؛ والإمام المبين هو من عِلم الله عزَّ وجلَّ، وكذلك منتهى المقادير في آخريتها إلى علم الله عزَّ وجلّ.
وهذه الكتابات الخمسة كلها قبل وقوع العمل من الإنسان، أما الكتابة بعد العمل فهي التي تكتبها الملائكة بعد وقوع العمل من الإنسان، فالملائكة الحَفَظَة يكتبون ما يقوم به الإنسان مِن قَوْل، وما يقوم به مِن فِعْل؛ سواء كان ظاهراً؛ كأقوال اللسان وأعمال الجوارح، أو باطناً حتى ما في القلب مما يعتقده الإنسان، فإنه يُكتَب عليه.
 

علي حسين

عضو معروف
إنضم
3 أبريل 2007
المشاركات
10,314
مجموع الإعجابات
2,960
النقاط
113
فالملائكة الحَفَظَة يكتبون ما يقوم به الإنسان مِن قَوْل، وما يقوم به مِن فِعْل؛ سواء كان ظاهراً؛ كأقوال اللسان وأعمال الجوارح، أو باطناً حتى ما في القلب مما يعتقده الإنسان، فإنه يكتب عليه.

جزاك الله خيرا ..
وهل من دليل على ان الملائكة تكتب بواطن الامور وهل الملائكة لهم علم بما في القلب او ما تحدث به النفس ؟
 

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,949
مجموع الإعجابات
1,976
النقاط
113
جزاك الله خيرا ..
وهل من دليل على ان الملائكة تكتب بواطن الامور وهل الملائكة لهم علم بما في القلب او ما تحدث به النفس ؟
ما شاء الله ولا قوة إلا بالله
عهدتك أخى الكريم دائماً قارئاً متميزاً فطناً لكل ما بالسطور وما بين السطور.
زادك الله حسن انتباه وفطنة، وبارك فيك على النصيحة التى فى صورة سؤال.
أَصْدُقُك القول أخى الفاضل، هذه النقطة بالذات قبل أن أكتبها احترت فى أمرها هل أذكرها أم لا ، وذلك لأننى حين كنت أنقل من المصادر التى أقوم بالنقل منها، لم أجد دليلاً صريحا واضحاً فيها، خاصة أنها تنافى ما عرفناه منذ صغرنا بأنَّ ما فى النفس لا يطَّلِع عليه إلا الله تعالى، فكيف يطَّلِع الملائكة عليها، أم هل أن الله هو الذى يبلغهم بها، ولكنى وجدت كلاماً لأهل العلم وعلى رأسهم الإمام سفيان بن عيينة، وشيخ الإسلام ابن تيمية، والإمام الحافظ ابن حجر فى هذه المسألة مستدِلِّين بأدلة استنتجوا منها هذا الكلام، ولكنى لم أشأ أن أكتبه فى المشاركة السابقة لعدم الإطالة، ونوَّهت على استنتاجهم فقط.
وأذكر لك ملخَّص كلامهم :
روى البخارى ومسلم فى صحيحيهما عن ابن عباس، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال:
" إِنَّ الله كَتَبَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ، فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا الله لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا الله لَهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ، وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا الله لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا الله لَهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً ".
قال الحافظ ابن حجر فى فتح البارى (325/11):
( وفيه دليل على أن المَلَك يطَّلع على ما في قلب الآدمي ؛ إما بإطلاع الله إياه ، أو بأن يخلق له علماً يدرك به ذلك) .
ويؤيد الأول : ما أخرجه بن أبي الدنيا عن أبي عمران الجوني ، قال : ينادى الملك اكتب لفلان كذا وكذا ، فيقول يا رب : إنه لم يعمله ، فيقول : إنه نواه).
وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن قوله صلى الله عليه وسلم :
( إذا هَمَّ العبد بالحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة .... الحديث )
فإذا كان الهَمُّ سراً بين العبد وبين ربه، فكيف تطلع الملائكة عليه ؟
فأجاب : (الحمد لله، قد رُوِيَ عن سفيان بن عيينة فى جواب هذه المسألة قال :
(أنه إذا هم بحسنة شم المَلَك رائحة طيبة ، وإذا هم بسيئة شم رائحة خبيثة). والتحقيق أنَّ الله قادر أن يُعلِم الملائكة بما فى نفس العبد كيف شاء) أ. هـ. مجموع الفتاوى.
وقال شيخ الإسلام أيضاً :
(وهُم وإن شَمُّوا رائحة طيبة ورائحة خبيثة ، فعلمهم لا يفتقر إلى ذلك ، بل ما فى قلب ابن آدم يعلمونه ، بل ويبصرونه ويسمعون وسوسة نفسه ، بل الشيطان يلتقم قلبه ؛ فاذا ذكر الله خنس ، وإذا غفل قلبه عن ذكره وسوس ، ويعلم هل ذكر الله أم غفل عن ذكره ، ويعلم ما تهواه نفسه من شهوات الغى فيزينها له،
وقد ثبت فى الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم فى حديث ذكر صفية رضى الله عنها " إن الشيطان يجرى من ابن آدم مجرى الدم "، وقُرْب الملائكة والشيطان من قلب ابن آدم مما تواترت به الآثار ، سواء كان العبد مؤمناً أو كافراً) أ.هـ. مجموع الفتاوى.
هذا والله تعالى أعلى وأعلم.
 

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,949
مجموع الإعجابات
1,976
النقاط
113
تابع الأصل الثانى من الرسالة

قوله: (ومِثلُ أحاديث الرؤية كلها، وإنْ نَأَتْ عن الأسماع واستوحش منها المستمع، وإنما عليه الإيمان بها وأنْ لا يَرُد منها حرفاً واحداً وغيرها من الأحاديث المأثورات عن الثِّقات. وأنْ لا يُخاصِم أحداً ولا يناظِره ولا يتعلَّم الجدال).

ومِثلُ أحاديث الرؤية كلها : تعود هذه الجملة على جملته السابقة ( ومِن السُنَّة اللازِمة التى مَنْ تَرَكَ مِنها خِصلَة – لم يَقبَلها ويُؤمِن بها – لم يَكُن مِن أهلها )
فقد ذكر فيها أنه هناك أمور فى السنة (العقيدة) مَن خالفها عن عَمدٍ وعِلمٍ لم يصير من أهل الإيمان (مِن الفرقة الناجية)، وصار من احدى الثنتين وسبعين فِرقَة التى فى النار ، وذكر منها أولاً بالفقرة السابقة القدر خيره وشره، ثم ذكر ثانياً بهذه الفقرة الرؤية.
الرؤية (بالتاء المربوطة) : تعنى الرؤية بالأبصار فى الواقع ، جمعها الرؤى.
والمقصود بها رؤية الله تعالى، أى رؤية الغير لله تعالى.
أما الرؤيا (بالألف) : تعنى ما يُرَى فى المنام ، جمعها أيضاً الرؤى (الأحلام).
نأتْ : ابتعدت.
استوحش : أحس بالوحشة، استغرب، استبعد.
وإنْ نأتْ عن الأسماع واستوحش منها المستمع : المراد منها وإنْ كانت هذه الأحاديث (أحاديث الرؤية) فيها من الغرابة والعجب ما لا يكون سائغاً أو عاديَّاً على أسماع الناس وعِلْمِهم وإدراكهم فيستغربوه ويستوحشوا منه .
الثِّقات : أهل الثقة فى رواية الأحاديث والآثار مِن الصحابة والتابعين وغيرهم.
* قَسَّم أهل العلم الرؤية (رؤية الغير لله تعالى) إلى الأقسام الخمسة التالية :
أولاً : رؤية اللهِ تعالى فى المنام (الرؤيا).
(1) ثابتة بإجماع للنبى صلى الله عليه وسلم، وقعت فى المدينة حيث رأى النبىُّ صلى الله عليه وسلم اللهَ تعالى فى منامه ذات ليلة فى أحسن صورة، ثم استيقظ وصلَّى بالصحابة الفجر ثم أخبرهم برؤياه لله تعالى.
(2) لا تَصِح لأحدٍ مِن البشر بعد النبى صلى الله عليه وسلم مهما علا قَدْره وعَظُم شأنه، فهى محالة فى حق البشر جميعاً.
ثانياً : رؤية اللهِ تعالى فى الدنيا يقظةً عياناً بالأبصار.
محالة وممتنعة فى حق النبى صلى الله عليه وسلم وجميع البشر قبله وبعده.
ثالثاً : رؤية اللهِ تعالى فى الآخرة.
(1) ثابتة بإجماع لجميع المؤمنين فى الجَنَّة، فهى أفضل نعيم لهم فى الجَنَّة ينظرون إلى وجه الله الكريم.
(2) ثابتة فى عَرَصَات القيامة للمؤمنين، ومحتَمَلة فى العرصات للكافرين والمنافقين على أقوالٍ أرجحها الثبوت.
مع مراعاة الفرق الشاسع بين الرؤيتين، فرؤية المؤمنين لله فى العرصات رؤية إنعام وإكرام، ورؤية الكافرين والمنافقين لله رؤية تعذيب وامتهان.
وعليه لا يُنكَر على مَن سكت عن هذه المسألة بل يسعه السكوت، ولا يجوز جعل المسألة محنة يُمتَحَن بها العباد.
رابعاً : رؤية النبى صلى الله عليه وسلم لله فى المعراج.
وَرَدَ فيها ستة أقوال للصحابة وأهل العلم بين (الثبوت والإنكار والسكوت ورؤية نور والرؤية القلبية). والتنازع فيها مأثور، لأن الأدلة المذكورة فى مسألة المعراج الصحيح منها غير صريح، والصريح منها غير صحيح.
ولكنّ الراجح فيها بعد جَمْع الروايات أنه تمَّت الرؤية فى المعراج (رؤية النبى عليه الصلاة والسلام لله تعالى)، ولكن بالقلب وليس العين (بالبصيرة وليس البصر)، وهى رؤية خُلِقَت فى قلب النبى صلى الله عليه وسلم كما تُخلَق الرؤية بالعين، فهى رؤية قلبية وليست العِلْم بالقلب، فعلم النبى صلى الله عليه وسلم بالله لم ينقطع لحظة قبل المعراج ولا أثنائه ولا بعده.
خامساً : رؤية الملائكة أو الجن لله تعالى.
هذه لم ترد فيها أدلة شرعية من الكتاب أو السنة، لا بالإثبات ولا بالنفى، وعليه فالواجب أن نسكت عنها ولا نتكلم فيها، فهى من الغيبيات التى لا يُتكلَّم فيها إلا بدليل من القرآن أو السنة.
* مَن أنكر رؤية الله فى الجنة للمؤمنين كافر، ولم ينكرها إلا المعتزلة والخوارج والروافض.
ومَن زعم رؤية الله فى الدنيا يقظة أو مناماً كافر، كبعض فرق الصوفية.
ولو كان رؤية الله فى الدنيا يقظة واقعة، لكان أَوْلَى البشر بذلك الأنبياء والرسل، وكان أَوْلَاهم بذلك سيدنا موسى عليه السلام الذى سأل الله صراحة ذلك بأن يراه بعينيه فى الدنيا، وذلك طمعاً فى رؤيته لأنَّ الله كان يكلِّم موسى عليه السلام فى الدنيا تكليماً، فطمع عليه السلام فى أن يراه أيضاً كما يسمعه مباشرة، ومعلومٌ قصة ذلك كما جاء فى القرآن الكريم.
قال تعالى: " وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ الله مُوسَى تَكْلِيماً ". النساء164.
قال تعالى: " وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكَّاً وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ". الأعراف143.

قوله: (فإنَّ الكلام فى القَدَر والرؤية والقرآن وغيرها من السنن مكروه ومَنْهىٌّ عنه، لا يكون صاحِبُه –وإنْ أصاب بكلامه السنة- من أهل السنة حتى يَدَع الجِدال ويُسِلِّم ويُؤمِن بالآثار).
يَدَع : يترك ويتجنَّب.
الآثار : جمع أثر : وهو الخَبَر المَرْوىّ.
والمراد من هذه الفقرة : أنَّ الكلام فى القدر والرؤية والقرآن (القياس فى هذه الأمور ومحاولة إدراك كيفيتها بالعقل) وغيرها من السنن (أمور العقيدة) مَنْهِىٌّ عنه ومُحرَّم لا يجوز البتَّة، أما الكلام فيها بغرض تعليم الناس وإخبارهم بالنصوص الواردة دون إقحام القياس والعقل بها، فهذا هو الحق المطلوب والعلم النافع. كما لا يصِح الجدال والمناظرة والخصومة فى هذه الأمور بل يجب الإيمان والتصديق بها، كما سبق الإشارة والتفصيل لهذا الأمر فى الفقرة الأولى من هذه الرسالة.
(انتهى بحمد الله الأصل الثانى من الرسالة).
 

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,949
مجموع الإعجابات
1,976
النقاط
113
الأصل الثالث من الرسالة

الأصل الثالث (الفقرة الثالثة من الرسالة)
قال المُصِنِّف الإمام أبو عبد الله أحمد بن حَنْبَل :
(والقرآن كلام الله وليس بمخلوق، ولا يَضْعُفُ أن يقول : ليس بمخلوق، فإنَّ كلام الله ليس بِبَائنٍ منه، وليس منه شىءٌ مخلوق، وإيَّاك ومناظَرَة مَن أحْدَثَ فيه، ومَن قال باللفظ وغيره، ومَن وَقَفَ فيه، فقال: لا أدرى مخلوقٌ أو ليس بمخلوقٍ وإنما هو كلام الله، فهذا صاحب بدعة، مثلُ مَن قال: هو مخلوق. وإنما هو كلام الله ليس بمخلوق).

لا يَضْعُف أن يقول ليس بمخلوق : أى يجب على المسلم ألا يضعف أمام أهل الباطل والبدع فى اعتقاده بأن القرآن كلام الله ليس بمخلوق، وألا يضعف فى قول ذلك والإيمان به.
كلام الله ليس ببائن منه: القرآن ليس بمنفصل عن الله تعالى، ولم يفارقه وينتقل منه إلى غيره، أى لم يفارق ذاته ويحل فى غيره.
مَن أحْدَثَ فيه : مَن ابتدع فيه ، وتحدَّث عنه بكلام باطل ليس فيه (أنه مخلوق)، كالمعتزلة وأهل الكلام.
مَن قال باللفظ وغيره : مَن قال أنَّ القرآن بلفظه مخلوق أو بلفظه غير مخلوق (فِرقَة اللفظية).
مَن وقَفَ فيه : مَن توقَّف فيه عن قول مخلوق أو غير مخلوق، (فِرقَة الواقِفة).

* هذا الأمر أيضاً (القرآن كلام الله ليس بمخلوق) يعود على العبارة ( ومِن السُنَّة اللازِمة التى مَنْ تَرَكَ مِنها خِصلَة ... لم يَكُن مِن أهلها )، فقد ذكر أنه هناك أمور فى السنة (العقيدة) مَن خالفها عن عَمد وعِلم لم يصير من أهل الإيمان (مِن الفرقة الناجية)، وصار من احدى الثنتين وسبعين فِرقَة التى فى النار ، وذكر منها بالفقرات السابقة أولاً القدر خيره وشره، وثانياً رؤية الله تعالى، ويذكر بهذه الفقرة ثالثاً القرآن ليس بمخلوق.
* معتقد أهل السنة والجماعة فى القرآن :
القرآن كلام الله عزَّ وجلّ، منه بدأ (بلا كيفيةٍ قولاً) وإليه يعود، أنزله الله تعالى على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم عن طريق الوحى، تكلَّمه الله بصوتٍ وحروفٍ إلى جبريل عليه السلام، ثم جبريل تكلَّمه بصوتٍ وحروف إلى النبى صلى الله عليه وسلم، فهو كلام الله منسوب ومضاف إلى ذاته إضافة صفة لموصوف وليس مخلوق إلى خالقه.
*أصل هام (قاعدة) عند أهل السنة فى الأمور المضافة إلى الله تعالى :
أنواع المضاف إلى الله نوعان :
الأول: إضافة صفة لموصوف، وتكون للشىء غير القائم بنفسه، لا عيناً بذاته
مثل: (كلام الله ، رحمة الله، يد الله)، فكلها تضاف إلى الله إضافة صفة لموصوف وليس إضافة مخلوق إلى خالق، وهى لا تنفك أو تنفصل عنه بحال ولا يُتَصوَّر الذات بدونها .
الثانى: إضافة مخلوق إلى خالق، وتكون للشىء القائم بذاته، عيناً بنفسه أو حالَّاً فى قائم بنفسه.
مثل : (ناقة الله، عباد الرحمن، عبد الله ، أَمَة الله، شجنة من الرحمن) فكلها أشياء قائمة بذاتها، عيناً بنفسها ، فكلها تضاف إلى الله إضافة مخلوق لخالقه، وليس إضافة صفة لموصوف.
ومثل : (روحٌ منه) فهى شىء حالٌّ فى قائم بنفسه، أى موجودة فى الإنسان القائم بنفسه، فتكون أيضاً مضافة إلى الله إضافة مخلوق إلى خالق.
* معتقدات أهل الباطل (البدعة) فى القرآن :
1- القرآن مخلوق. (معتقد المعتزلة والجهمية وأهل الكلام وبعض الأشاعرة).
2- القرآن كلام الله فقط، لا ندرى مخلوق أو غير مخلوق. (معتقد الواقفة).
3- القرآن لفظى، أى بلفظه مخلوق أو بلفظه غير مخلوق. (معتقد اللفظيَّة).
4- القرآن كلام نفسىّ، قائم بنفس الربِّ وأوحاه إلى جبريل ، أى ما تكلَّمه الله بصوت مسموع، بل أوحاه إلى جبريل دون أن يُسمِعَه إياه. (معتقد الأشاعرة).
* وعليه حذَّر الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله فى هذه الفقرة من الرسالة من كل هذه المعتقدات الباطلة كالتالى :
(أ) حذَّر مِن القول بخلق القرآن (قول المعتزلة وأهل الكلام) ، ومن القول باللفظية (قول اللفظية)، ومن القول بالتوقف (قول الواقفة)، ومن القول بالنفسيَّة (قول الأشاعرة).
(ب) حذَّر مِن الضَّعف والتهاون بقول الحق (معتقد أهل السنة فى القرآن) .
(ج) حذَّر مِن مُناظَرة هذه الفِرَق الضآلَّة أو حتى الجلوس معهم، لأن ذلك مِن أعظم أسباب زيغ القلوب والميل للهوى والبعد عن الحق شيئاً فشيئاً حتى يصل صاحبها إلى الانسلاخ من العقيدة الصحيحة عياذاً بالله.
* ملحوظة هامة فى حديث افتراق الأمة والفِرْقَة النَّاجِيَة :
ثبت في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " افترقت اليهود على إحدى وسبعين فِرقَة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فِرقَة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فِرقَة كلها في النار إلا واحدة، قيل: مَن هي يا رسول الله؟ قال: مَن كان على مِثْل ما أنا عليه وأصحابي " وفي بعض الروايات " هي الجماعة " رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه والحاكم.
شرح الحديث :
أمَّة النبى محمد صلى الله عليه وسلم تفترق على ثلاث وسبعين فرقة، كلها فى النار إلا فرقة واحدة هى الناجية. والفرقة الناجية هي التي سارت على منهج النبي صلى الله عليه وسلم؛ ومنهج أصحابه، كما جاء في الحديث "مَن كان على مِثْل ما أنا عليه وأصحابي"، وفي اللفظ الآخر "هى الجماعة" يعني: هم الذين اجتمعوا على طريق النبي عليه الصلاة والسلام وعلى سيرته العطرة. أما الثنتان وسبعون فِرقَة ففيهم الكافر وفيهم العاصي وفيهم المبتدع على خطر. وعليه فليس كل الفرق غير الناجية ستُخلَّد فى النار، فالحديث لم يقل بذلك، بل قال أنهم كلهم سيدخلون النار ولكن لم يقل بالخلود فيها لهم، فمنهم الكافرون كفراً أكبر الذين سيخلَّدون فى النار، ومنهم أهل المعاصى وأهل البدع غير المكفِّرة الذين سيدخلون النار لتصفية ذنوبهم ومعاصيهم ثم يدخلون الجنة بعد ذلك.
* ملحوظة هامة :
كان معتقد أهل السنة والجماعة فى القرآن فى القرون الثلاثة الأولى هو:
(القرآن كلام الله عزَّ وجلّ، منه بدأ (بلا كيفيةٍ قولاً) وإليه يعود، أنزله الله تعالى على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم عن طريق الوحى، تكلَّمه الله بصوتٍ وحروفٍ إلى جبريل عليه السلام، ثم جبريل تكلَّمه بصوتٍ وحروف إلى النبى صلى الله عليه وسلم).
ولمَّا ظهرت فرق المبتدعة فى أواخر القرن الثالث وبداية الرابع (المعتزلة واللَّفظية والواقفة وغيرهم) بداية من عهد الخليفة المأمون بن هارون الرشيد ثم عهد أخوه الخليفة المعتصم، ثم عهد ابن المعتصم الخليفة الواثق، وتكلموا فى مسألة أن القرآن مخلوق أو غير مخلوق، أضاف أهل السنة للمعتقد السابق عبارة أخرى تفيد أن القرآن كلام الله غير مخلوق، فصار المعتقد بعد الإضافة بهذه الصورة التى عليها حتى الآن :
القرآن كلام الله عزَّ وجلّ، منه بدأ (بلا كيفيةٍ قولاً) وإليه يعود، أنزله الله تعالى على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم عن طريق الوحى، تكلَّمه الله بصوتٍ وحروفٍ إلى جبريل عليه السلام، ثم جبريل تكلَّمه بصوتٍ وحروف إلى النبى صلى الله عليه وسلم، فهو كلام الله منسوب ومضاف إلى ذاته إضافة صفة لموصوف وليس مخلوق إلى خالقه.
* قال الإمام أبو حامد الإسفرائيني: (مذهبي ومذهب الشافعي وفقهاء الأمصار أن القرآن كلام الله غير مخلوق ، ومن قال مخلوق فهو كافر ، والقرآن حمله جبريل مسموعاً من الله تعالى ، والنبي
slah.png
سمعه من جبريل ، والصحابة سمعوه من النبي
slah.png
، وهو الذي نتلوه نحن بألسنتنا ، فما بين الدفتين وما في صدورنا مسموعاً ومكتوباً ومحفوظاً ومنقوشاً كل حرف منه كالباء والتاء كله كلام الله غير مخلوق ، ومن قال مخلوق فهو كافر عليه لعائن الله والملائكة والناس أجمعين).
نقله شيخ الإسلام ابن تيمية
في شرح الأصفهانية .
وقال الإمام ابن القيم في النونية :
لكن أهل الحق قالوا إنما **********جبــريل بلغه عن الرحمــن
ألقاه مسموعا له من ربه ******* للصادق المصدوق بالبرهان
* الأدلة على أن الله تعالى أنزل القرآن على النبى محمد صلى الله عليه وسلم، عن طريق الوحى جبريل عليه السلام، وتكلَّمه إليه بصوت مسموع، كثيرة جداً فى الكتاب والسنة، ونذكر منها الدليلين الآتيين :
قال تعالى: "نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ*عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ *بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ".
روى الطبرانى والبيهقى من حديث النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله
slah.png
:
" إِذَا أَرَادَ الله عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُوحِيَ بِالأَمْرِ تَكَلَّمَ بِالْوَحْيِ، أَخَذَتِ السَّمَاوَاتُ مِنْهُ رَجْفَةً أَوْ قَالَ رِعْدَةً شَدِيدَةً خَوْفًا مِنَ الله فَإِذَا سَمِعَ بِذَلِكَ أَهْلُ السَّمَاوَاتِ صَعِقُوا وَخَرُّوا لله سُجَّدًا فَيَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَرْفَعُ رَأْسَهُ جِبْرِيلُ فَيُكَلِّمُهُ الله مِنْ وَحْيِهِ بِمَا أَرَادَ ثُمَّ يَمُرُّ جِبْرِيلُ عَلَى الْمَلائِكَةِ كُلَّمَا مَرَّ بِسَمَاءِ سَمَاءٍ سَأَلَهُ مَلائِكَتُهَا مَاذَا قَالَ رَبُّنَا يَا جِبْرِيلُ فَيَقُولُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَالَ الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ قَالَ فَيَقُولُونَ كُلُّهُمْ مِثْلَ مَا قَالَ جِبْرِيلُ فَيَنْتَهِي جِبْرِيلُ بِالْوَحْيِ حَيْثُ أَمَرَهُ الله ".

* الأئمة (أحمد بن حنبل، وأحمد بن نصر بن مالك الخزاعى، وعبد العزيز الكنانى) مِن أكثر الأئمة التى وقفت لهذا الأمر (مسألة الكلام بخلق القرآن)، ونافحت عن المعتقد الصحيح لأهل السنة فى القرآن.
* (أحمد بن أبى دؤاد، وبِشْر بن غياث المَرِيسىّ) مِن كبار شيوخ المعتزلة الذين قالوا ببدعة خلق القرآن، ونافحوا وناضلوا فى سبيل ذلك المذهب الضال. ويرجع قولهم هذا إلى التأثر بكلام الجهم بن صفوان، والذى يُعد مِن أوائل مَن تكلَّم من أهل الكلام المبتدعة فى مسائل العقيدة (القَدَر والأسماء والصفات وخلق القرآن وغيرها)، فإليه يُنسَب الجهمية الذين قالوا بنفى الصفات، وفناء الجنة والنار وعدم خلودهما، والجبرية القدرية الذين قالوا بالجَبْر، والمعتزلة الذين قالوا بخلق القرآن، والمرجئة الذين قالوا الإيمان قول بلا عمل.
* القاضى أحمد بن أبى دؤاد، هو أحد كبار شيوخ المعتزلة، وأول وأكبر مَن تزَعَّم تلك الفتنة وناضل في سبيل القول بخلق القرآن، وكان من جلساء الخليفة المأمون بن هارون الرشيد الدائمين فى مجلسه، فغَلَبَ المأمون على أمره، وأوقعه تحت تأثيره، وجعله بحُكْم أنه الخليفة صاحب الأمر والنهى يُظهِر ويَجهَر بالقول بخلق القرآن، بل ويأمر باعتقاد ذلك ومعاقبة كل مَن يقول بغير ذلك. وناظَرَ أحمد بن أبى دؤاد الإمام أحمد بن حنبل بموافقة وأمر المأمون فى مسألة خلق القرآن، فما كان من الإمام أحمد بن حنبل إلا أنه دحضه وغلبه فى المناظرة وبيَّن جهله وحمقه وقلة علمه، فما كان مِن أبى دؤاد إلا أنه أوغر صدر الخليفة المأمون ومِن بعده الخليفة المعتصم ومِن بعده الخليفة الواثق - لأنه كان من جلساء مجالسهم الدائمين - على الإمام أحمد بن حنبل وعلى كل أئمة أهل السنة الذين قالوا وثبتوا على أن القرآن غير مخلوق.
* الإمام أحمد بن حنبل لاقى مِن السجن والجَلْدِ والتعذيب ما لاقاه فى عهد الخلفاء المعتصم وابنه الواثق، ليحملوه على قول أنَّ القرآن مخلوق، فلم يتزحزح ولم يضعف أو يتهاون فى القول بأن القرآن كلام الله ليس بمخلوق، وأتى له الخلفاء المأمون والمعتصم والواثق بالكثير من أهل الكلام والمعتزلة والجهمية ليناظروه فى ذلك، فما كان منهم إلا أنهم هُزموا على يديه، ولكنهم أصرُّوا على بدعتهم.
* الإمام أحمد بن نصر بن مالك أيضاً عُذِب كثيراً بسبب إصراره على مذهب أهل السنة بأن القرآن كلام الله غير مخلوق، حتى أنَّ الخليفة الواثق قتله بنفسه بسبب إصراره على عدم خلق القرآن، فقطع الواثق رأسه بالسيف، وأمر بتعليقها ببغداد ليراها الناس، فنُصِبَ الرأس بالجانب الشرقى من بغداد أياماً ، و فى الجانب الغربى أياماً ، وعَلَّقوا في أذنه رقعة مكتوب عليها : (بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا رأس أحمد بن نصر بن مالك ، دعاه عبد الله الإمام هارون، وهو الواثق بالله أمير المؤمنين، إلى القول بخلق القرآن، فأبى إلا المعاندة فعجَّله الله إلى ناره).
وظلَّ رأسه معلَّقاً هكذا حتى عهد الخليفة المتوكِّل أخو الواثق، الذى نَصَر السنة و قمع البدعة ومَنَع الكلام فى مسألة خلق القرآن، وأكرم الإمام أحمد بن حنبل غاية الإكرام بعد فترة تعذيبه فى عهد الخلفاء قبله (المعتصم والواثق)، وأمر بإنزال رأس الإمام أحمد بن نصر بن مالك و جمعها بجسده لدفنهما.
* الإمام عبد العزيز بن يحيي بن مسلم الكنانى، المتوفَّى سنة 240 هـ، مِن شيوخه: الإمام سفيان بن عيينة، والإمام الشافعى.
وللإمام عبد العزيز الكنانى مناظرة فريدة رائعة بينه وبين بِشْر بن غياث المَرِيسىّ أحد كبار شيوخ المعتزلة، فى حضور الخليفة المأمون بن هارون الرشيد، عن مسألة خلق القرآن. وهذه المناظرة كتبها الإمام عبد العزيز الكنانى وسمَّاها (رسالة الحيدة والاعتذار فى الردِّ على مَن قال بِخَلق القرآن)، وتشتهر بين العلماء برسالة الحيدة، وهى تُعَد من أقوى وأشمل وأروع الردود على كُلِّ مَن زعم بأن القرآن مخلوق مِن المعتزلة وغيرهم.
فقد ناظر فيها الإمام عبد العزيز الكنانى، المعتزلى بشر المريسى، ودحض كل كلامه وافتراءاته عن خلق القرآن، مستدلاً بالكثير من آيات الله تعالى، وعندما عجز بشر المريسى عجزاً تاماً عن مناظرة الإمام عبد العزيز بأدلة القرآن، طلب منه أن يناظره بالنظر والقياس لأن هذا هو مذهب المريسى الذى يجيده، فوافق الإمام الكنانى، وناظره بالقياس، فما كان منه إلا أنه دحضه أيضاً بالقياس كما دحضه بأدلة القرآن ولم يُبقِ له شيئاً، واستحسن المأمون كل ما قاله الإمام عبد العزيز الكنانى، ورأى أنه دحض بشر تماماً فى مسألة خلق القرآن، وانتصر لمذهب أهل السنة والجماعة بأن القرآن غير مخلوق، حتى أنَّ المأمون أمر بمكافأة للإمام عبد العزيز الكنانى بعدما انتهت المناظرة، ومع ذلك لم يرجع المأمون عن القول بِخَلْق القرآن، ومات على ذلك، بل أوصى مَن بعده (أخاه المعتصم بن هارون الرشيد) بِحَمْل الناس على ذلك.
* كان من الممكن ألا تظهر مسألة خلق القرآن ويتم الجهر بها بين الناس، أو كانت تظهر ثم يتم القضاء عليها سريعاً دون حدوث محنة وفتنة لأهل العلم، ولكن الذى جعلها تظهر وتُحدِث فتنة ومحنة كبيرة فى الأمة هو نُصرة الخلفاء ولاة الأمر لها، فكما ذكرنا أنَّ الخليفة العباسى المأمون بن هارون الرشيد هو أول من افتُتِن من الخلفاء بكلام المعتزلة فى مسألة خلق القرآن وعلى رأسهم أحمد بن أبى دؤاد الذى أثَّر عليه وأقنعه بالجهر بها والأَمْر باعتقادها، ثم تَبِعَه فى ذلك أخوه الخليفة المعتصم ثم تبعه فى ذلك الخليفة الواثق بن المعتصم، وظلَّ الأمر محنة وفتنة طوال سنوات حكم هؤلاء الخلفاء الثلاثة، إلى أنْ جاءت ولاية الحُكْم للخليفة المتوكل بن المعتصم، الذى نصر السنة وحارب هذه البدعة وأوقف الكلام تماماً بخلق القرآن، وردَّ الأمر إلى أصله الصحيح عند أهل السنة والجماعة بأن القرآن غير مخلوق. فكما ذكرنا مِن قبل فى شرح الأصل الأول من الرسالة بأنَّ مِن علامات ووسائل أهل البدعة والأهواء الاستعانة بالولاة والسلاطين فى ضرب أهل السنة والجماعة، بسبب ضعف حجة أهل البدع وقلة حيلتهم، فإنهم يستعينون في نصرة دعوتهم بالولاة والسلاطين، لأن فيها نوعاً من الإكراه والإخافة. ويجدر بالذكر أن نقول بأن الإمام أحمد بن حنبل وغيره مِن أئمة أهل السنة والجماعة لم يُكفِّروا الخلفاء المأمون والمعتصم والواثق بقولهم ببدعة خلق القرآن برغم أنها بدعة مكفرة، وذلك لأنهم كانوا يؤولون المسألة، أى يرون بتأويلهم الخاطىء بأنَّ خلق القرآن ليس كفراً بل هو المعتقد الصحيح، وعليه فلا تثبت عليهم الحجة بالكفر، لأنه يجب لإطلاق الكفر الأكبر على معيَّن استيفاء الشروط له وانتفاء الموانع عنه ومنها عدم التأويل. وسيتم بإذن الله الإشارة إلى هذه المسألة بتفصيل أكثر فى الأصل السادس عشر من هذه الرسالة.
(انتهى بحمد الله الأصل الثالث من الرسالة).
 

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,949
مجموع الإعجابات
1,976
النقاط
113
الأصل الرابع من الرسالة

الأصل الرابع (الفقرة الرابعة من الرسالة)
قال المُصِنِّف الإمام أبو عبد الله أحمد بن حَنْبَل :( والإيمان بالرؤية يوم القيامة كما رُوِىَ عن النبى صلى الله عليه وسلم من الأحاديث الصِّحَاح، وأنَّ النبى صلى الله عليه وسلم قد رأى ربَّه، فإنه مأثور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صحيح، رواه قَتَادَة عن عِكْرِمَة عن ابن عبَّاس، ورواه الحَكَم بن أَبَان عن عكرمة عن ابن عبَّاس، ورواه علىّ بن زَيْد عن يُوسُف بن مِهْرَان عن ابن عبَّاس، والحديث عندنا على ظاهره كما جاء عن النبى صلى الله عليه وسلم، والكلام فيه بدعة، ولكن نؤمِن به كما جاء على ظاهره، ولا نُنَاظِر فيه أحداً).
الحديث على ظاهره : يؤخذ بمعناه الظاهرى دون تأويل.
* هذه الفقرة أيضاً تعود على العبارة ( ومِن السُنَّة اللازِمة التى مَنْ تَرَكَ مِنها خصلَة ... لم يَكُن مِن أهلها ) ، فهى (رؤية الله يوم القيامة ، رؤية النبى صلى الله عليه وسلم له فى المعراج) من أمور السنة (العقيدة) التى مَن خالفها عن عَمد وعِلم لم يصير من أهل الإيمان (مِن الفرقة الناجية)، وصار من احدى الثنتين وسبعين فِرقَة التى فى النار ، شأنها شأن الأمور العقدية التى ذكرها بالفقرات السابقة (القدر خيره وشره، رؤية الله تعالى، والقرآن غير مخلوق).
وقد سبق للإمام أحمد الإشارة لها فى الفقرة الثانية، ولكنَّه أحبَّ أن يذكرها مرةً أخرى فى هذه الفقرة على وجه التفصيل، خاصة رؤية المعراج لِما كان فيها مِن خلاف بين البعض كما أشرنا فى شرح الفقرة الثانية بسبب أن الأدلة التى جاءت فى المعراج الصحيح منها غير صريح والصريح منها غير صحيح.
* ذَكَر الإمام أحمد فى هذه الفقرة أمرين خاصَّيْن بالرؤية هما :
1- رؤية الخلق لله تعالى يوم القيامة. فهى واقعة لا محالة ويجب الإيمان بها.
2- رؤية النبى صلى الله عليه وسلم لله فى المعراج. فقد وقعت فى أواخر الفترة المكية فى عام وفاة السيدة خديجة ووفاة أبو طالب (عام الحزن).
وتم ذِكْر معتقد أهل السنة والجماعة فى هذين الأمرين فى شرح الفقرة الثانية كالتالى :
(1) رؤية الخلق لله تعالى يوم القيامة ، تنقسم إلى قسمين :
أ- ثابتة بإجماع لجميع المؤمنين فى الجَنَّة، فهى أفضل نعيم لهم فى الجَنَّة ينظرون إلى وجه الله الكريم.
ب- ثابتة فى عَرَصَات القيامة للمؤمنين، ومحتَمَلة فى العرصات للكافرين والمنافقين على أقوال أرجحها الثبوت.مع مراعاة الفرق الشاسع بين الرؤيتين، فرؤية المؤمنين لله فى العرصات رؤية إنعام وإكرام، ورؤية الكافرين والمنافقين لله رؤية تعذيب وامتهان.وعليه لا يُنكَر على مَن سكت عن هذه المسألة بل يسعه السكوت، ولا يجوز جعل المسألة محنة يُمتَحَن بها العباد.
(2): رؤية النبى صلى الله عليه وسلم لله فى المعراج.
وَرَدَ فيها ستة أقوال للصحابة وأهل العلم بين (الثبوت والإنكار والسكوت ورؤية نور والرؤية القلبية). والتنازع فيها مأثور، لأن الأدلة المذكورة فى مسألة المعراج الصحيح منها غير صريح، والصريح منها غير صحيح.ولكنّ الراجح فيها بعد جمع الروايات أنه تمَّت الرؤية فى المعراج (رؤية النبى عليه الصلاة والسلام لله تعالى)، ولكن بالقلب وليس العين (بالبصيرة وليس البصر)، وهى رؤية خُلِقَت فى قلب النبى صلى الله عليه وسلم كما تُخلَق الرؤية بالعين، فهى رؤية قلبية وليست العِلْم بالقلب، فعلم النبى صلى الله عليه وسلم بالله لم ينقطع لحظة قبل المعراج ولا أثنائه ولا بعده.
* وذَكَر الإمام أحمد فى هذه الفقرة بعض أسانيد الأحاديث الصحيحة التى جاءت فى أمر هذه الرؤية ليؤكد على الإيمان بها والتصديق لها، وكلها ترجع إلى الصحابى عبد الله بن عباس رضى الله عنهما.
وذكر أنه يجب أن تُؤخَذ وتُفهَم هذه الأحاديث على ظاهرها دون تأويل لها، وأوجب الإيمان بها كما جاءت على ظاهرها دون التكلُّم بها أو المناظرة فيها، لأن التكلم بها (التأويل، والتشكيك، والإنكار، والخلاف والخصومات) مِن البدع المحرَّمة.
* أما رؤية الله تعالى فى الدنيا يقظةً عياناً بالأبصار ممتنعة وغير واقعة فى حق النبى صلى الله عليه وسلم وجميع البشر قبله وبعده.
قال تعالى : " لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ".
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تعلمون أنه لن يرى أحدٌ منكم ربه حتى يموت" رواه أحمد والترمذى.
* أصل (قاعدة) عند أهل السنة والجماعة فى فهم النصوص الشرعية :
حَمْل النصوص على ظاهرها مع اعتقاد أنه الحق الذى يوافق مراد الله تعالى ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم لا سيَّما ما ليس للرأى فيه مجال كنصوص الصفات والقدر وأشراط الساعة والمعاد والرؤية وغيرها من أمور الغيب، ولكن ذلك بشرط هام وهو ألا يَلْزَم مِن هذا الفهم والاعتقاد (فهم النصوص على ظاهرها) لوازم فاسدة غير مرادة أو يكون القصد والنية على خلاف الظاهر.
والدليل على هذا أنه من المعلوم بالضرورة أنَّ الشارع الحكيم متصف بكمال العلم وصدق الحديث وقوة الفصاحة وحسن البيان وقصد الهدى والإرشاد والبيان، وقد تكلم باللسان المفهوم لدى المخاطَبين، فوجب قبول كلامه وفهمه على ظاهره.
ولو أراد الشارع من كلامه خلاف حقيقته وظاهره الذى يفهمه المخاطَب لكان قد كلَّفه بما لا يطيق وهو أن يفهم مراده بما لا يدل عليه، بل بما يدل على نقيض مراده ، وهذا مُحال فى حق الشارع الحكيم.
وقد أكَّد الإمام أحمد بن حنبل فى هذه الفقرة من رسالته على هذا الأصل (فهم النصوص على ظاهرها) كأصلٍ من أصول أهل السنة والجماعة.
(انتهى بحمد الله الأصل الرابع من الرسالة)
 

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,949
مجموع الإعجابات
1,976
النقاط
113
الأصل الخامس من الرسالة

الأصل الخامس (الفقرة الخامسة من الرسالة)
قال المُصِنِّف الإمام أبو عبد الله أحمد بن حَنْبَل :
( والإيمانُ بالمِيزَان يوم القيامة كما جاء يُوزَن العبدُ يوم القيامة فلا يَزِنُ جَنَاح بَعوضَة، وتُوزَن أعمال العباد كما جاء فى الأَثَر، والإيمان به والتصديق به، والإعراضُ عمَّنْ ردَّ ذلك، وتَرْكُ مجادلته).

البعوضة : الناموسة، حشرة من الحشرات.
وجاءت هنا للتصغير والتحقير للمجرمين أصحاب الكفر والمعاصى والبدع، الذين يأتون يوم القيامة فيوزنون على الميزان، فلا يزنوا جناح بعوضة، ليس بعوضة كاملة بل جناح بعوضة، وهذا من أشد التهوين والتحقير لهم.
* فى هذه الفقرة يذكر الإمام أحمد مسألة هامة من مسائل العقيدة التى يجب الإيمان بها، وهى مسألة الميزان (ميزان أعمال العباد يوم القيامة). فهى أيضاً من الأمور العقائدية التى تعود على العبارة ( ومِن السُنَّة اللازِمة التى مَنْ تَرَكَ مِنها خِصلَة ... لم يَكُن مِن أهلها ) والتى مَن خالفها عن عَمد وعِلم لم يصير من أهل الإيمان (مِن الفرقة الناجية)، وصار من احدى الثنتين وسبعين فِرقَة التى فى النار ، شأنها شأن الأمور العقدية التى ذكرها بالفقرات السابقة (القدر خيره وشره، رؤية الله تعالى، والقرآن غير مخلوق، الرؤية يوم القيامة وفى المعراج).
وعليه حثَّ الإمام أحمد على التصديق التام لها والإيمان الكامل بها، والإعراض والابتعاد عن كل مَن ردَّها ولم يؤمن بها أو عارضها وشكَّك فيها، وعدم مجادلته أو مناظرته شأنه شأن باقى أهل البدع.
* الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة الواردة فى الميزان :
قال تعالى :"ونَضَعُ المَوازينَ القَسْطَ ليومِ القيامةِ فلا تُظْلَم نَفْسٌ شيئاً" الأنبياء47.
قال تعالى : " والوَزْنُ يومئذٍ الحقُّ فمن ثَقُلَت موازينُهُ فأولئك هم المُفْلِحون (8) ومَنْ خَفَّت موازينُهُ فأولئك الذين خَسِروا أَنْفُسَهُم بما كانوا بآياتِنَا يَظْلِمون (9) " الأعراف.
فى الصحيحين من حديث أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
" كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان فى الميزان حبيبتان إلى الرحمن : سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم ".
عند مسلم من حديث أبى مالك الأشعرى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
" الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان.... " الحديث.
فى الصحيحين من حديث أبى هريرة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
" إنه لَيَأتى الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يَزِن عند الله جَنَاح بعوضة "، وقال : اقرؤوا إن شئتم: " فلا نُقِيمُ لَهُم يومَ القيامةِ وَزْنَاً ".
روى الترمذى وأحمد وابن ماجة من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
"إِنَّ الله سَيُخَلِّصُ رَجُلاً مِنْ أُمَّتِي عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَنْشُرُ عَلَيْهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ سِجِلًّا، كُلُّ سِجِلٍّ مِثْلُ مَدِّ الْبَصَرِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَتُنْكِرُ مِنْ هَذَا شَيْئاً؟ أَظَلَمَكَ كَتَبَتِي الْحَافِظُونَ؟ فَيَقُولُ: لَا يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: أَفَلَكَ عُذْر؟، فَيَقُولُ: لَا يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: بَلَى إِنَّ لَكَ عِنْدَنَا حَسَنَةً، فَإِنَّهُ لَا ظُلْمَ عَلَيْكَ الْيَوْمَ، فَتَخْرُجُ بِطَاقَةٌ فِيهَا: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَيَقُولُ: احْضُرْ وَزْنَكَ، فَيَقُولُ يَا رَبِّ مَا هَذِهِ الْبِطَاقَةُ، مَعَ هَذِهِ السِّجِلَّاتِ؟ فَقَالَ: إِنَّكَ لَا تُظْلَمُ، قَالَ: "فَتُوضَعُ السِّجِلَّاتُ فِي كَفَّةٍ، وَالْبِطَاقَةُ فِي كَفَّةٍ، فَطَاشَتْ السِّجِلَّاتُ، وَثَقُلَتْ الْبِطَاقَةُ فَلَا يَثْقُلُ مَعَ اسْمِ الله شَيْءٌ ". وهذا الحديث معروف بحديث البطاقة.
عند الإمام أحمد والطبرانى، أنَّ عبد الله بن مسعود كان يجتنى سِوَاكَاً من الأَرَاك، وكان دقيق الساقَيْن، فجَعَلَت الرِّيح تَكْفُؤه، فضحك القوم منه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ممَّ تضحكون ؟" قالوا: يا نبى الله، من دِقَّة ساقّيْه، فقال: "والذى نفسى بيده لهما أثقل فى الميزان من أُحُد".
أخرج الحاكم من حديث سلمان، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :
" يُوضَع الميزان يوم القيامة، فلو وُزِنَ فيه السماوات والأرض لَوَسِعَهنَّ، فتقول الملائكة: يا ربِّ لِمَن يزن هذا ؟ فيقول: لِمَن شئت مِن خَلْقَي، فتقول الملائكة: سبحانك ما عبدناك حقَّ عبادتك ".

أصل (معتقد) أهل السنة والإجماع فى مسألة الميزان :
ثبوت الإيمان بالميزان يوم القيامة بالكتاب والسنة والإجماع، يُوزَن فيه الخير والشر، يحتوى على كِفَّتَيْن ولسان : كِفَّة لأعمال الخير، والأخرى لأعمال الشر، واللسان كالعمود الذى يُثبَّت على جانبى الكِفَّتَيْن. وهذا الميزان محسوس يراه الخلق يوم القيامة، وليس معنوياً كما يقول البعض بأنه يراد به العدل.

أقوال أهل العلم فى الموزونات يوم القيامة (ما الذى يُوزَن يوم القيامة) :
القول الأول (مرجوح) :
أنَّ الذى يُوزَن الأعمال نفسها.
قال ابن حجر: (والصحيح أن الأعمال هى التى تُوزَن).
وأدلتهم على صحة هذا القول هى :
1- " ونَضَعُ المَوازينَ القَسْطَ ليومِ القيامةِ فلا تُظْلَم نَفْسٌ شيئاً وإنْ كان مِثْقَالَ حبةٍ مِن خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِها وكَفَى بنا حَاسِبِيِن " الأنبياء (47).
2- حديث أبى هريرة سابق الذكر " كلمتان خفيفتان .... ".
3- حديث أبى مالك الأشعرى سابق الذكر " الطهور شطر الإيمان ... ".

القول الثانى (مرجوح) :
أنَّ الذى يُوزَن العامل (صاحب العمل)، وقال بعضهم العامل مع عمله.
وأدلتهم على صحة هذا القول هى :
1- حديث أبى هريرة سابق الذكر " إنه لَيَأتى الرجل العظيم السمين .... ".
2- حديث ابن مسعود سابق الذكر " أنَّ عبد الله بن مسعود كان يجتنى سِوَاكَاً من الأَرَاك، وكان دقيق الساقَيْن .....".

القول الثالث (مرجوح) :
أنَّ الذى يُوزَن صحائف الأعمال.
وعُمْدَة أدلة أصحاب هذا القول حديث البطاقة سابق الذكر.

القول الرابع (الراجح والأصح والجامع) :
أنَّ الجميع يُوزَن، فتوزن الأعمال والعامل وصحائف الأعمال.
لأنه بالنظر إلى النصوص السابقة كلها نجد أنه لا منافاة بينها، فالجميع يُوزَن، ولكن الاعتبار فى الثِقَل والخِفَّة بالعمل نفسه لا بذات العامل ولا بالصحيفة المكتوب فيها الأعمال، وهذا مقتضى الأدلة كلها. وإلا فما الذى يجعل ساقَىْ الصحابى الجليل عبد الله بن مسعود أثقل فى الميزان من جبل أحد رغم دقتهما وصغر وزنهما ؟ وما الذى يجعل الرجل السمين أخف فى الميزان من جناح البعوضة ؟ وما الذى جعل الكِفَّة التى فيها البطاقة رغم وزنها الخفيف جداً تطيش بالكفَّة الأخرى التى بها التسعة وتسعين سجلاً المليئة بالذنوب والمعاصى، غير أنها ثقلت بقيمة ما كُتِب فيها من شهادة التوحيد.
قال ابن باز: (الجمع بين النصوص الواردة فى وزن الأعمال والعاملين والصحائف، أنه لا منافاة بينها فالجميع يُوزَن، ولكنَّ الاعتبار فى الثِقَل والخِفَّة يكون بالعمل نفسه لا بذات العامل ولا بالصحيفة).

اعتراض أو إشكال والرد عليه :
الإشكال: كيف تُوزَن الأعمال وهى أَعْرَاض، والوزن يكون للأجسام ؟
فالصلاة والزكاة وغيرها من الأعمال كلها أعراض (أمور معنوية) غير محسوسة ، فكيف يمكن جمعها ووزنها ؟
الجواب عليه : ذهب بعض أهل العلم استناداً على بعض الأدلة الشرعية أن الله تعالى يَقلِب بعض الأعراض يوم القيامة أجساماً ثم تُوزَن، أما عن كيفية تحويل الأعراض إلى أجسام فهذا أمر غيبى لا يعلمه إلا الله تعالى، نُقِرُّ به دون سؤال عن الكيفية، ونؤمن بأن الله على كل شىء قدير.
قال الإمام ابن أبى العِزّ : (فلا يُلتَفَت إلى قول ملحد معاند يقول: الأعمال أعراض لا تقبل الوزن وإنما يقبل الوزنَ الأجسامُ ، فإن الله يَقْلِب الأعراض أجساماً).
قال ابن حجر نقلاً عن الطيبى: (والحق عند أهل السنة أن الأعمال حينئذٍ تُجَسَّد أو تُجعَل فى أجسام، فتصير أعمال الطائعين فى صورة حسنة، وأعمال المسيئين فى صورة قبيحة ثم توزن).
والأدلة على أن الله يقلب بعض الأعراض أجساماً يوم القيامة :
1- فى الصحيحين من حديث أبى سعيد الخدرى، أنَّ النبى صلى الله عليه وسلم قال:
" يُؤتَى بالموت كهيئة كبش أَمْلَح، فينادِ منادٍ: يا أهل الجنة.... " الحديث.
والشاهد من الحديث أنَّ الموت عَرَض معنوى غير محسوس، ويأتى يوم القيامة على هيئة كبش أملح (جسم)، فيُذبَح فيعيش أهل الجنة فى خلود بلا موت، وأهل النار فى خلود بلا موت.
2- عند مسلم من حديث أبى أمامة الباهلى قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :
" اقرؤوا القرآن فإنه يأتى يوم القيامة شفيعاً لأصحابه، اقرؤوا الزَهْرَاوَيْن البقرة وسورة آل عمران، فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو كأنهما غيايتان أو كأنهما فرقان من طير صواف تُحَاجَّان عن أصحابهما، اقرؤوا سورة البقرة فإنَّ أَخْذَها بركة وتَرْكَها حسرة ولا تستطيعها البطلة".
والشاهد من الحديث أن سورتى البقرة وآل عمران (وهما عَرَضَان معنويان) تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان أو فرقان من طير (أجسام مادية).
إذاً من الأدلة السابقة نستطيع القول بأنه يُحتمَل قلب بعض الأعراض المعنوية إلى أجسام مادية محسوسة يوم القيامة، لكن لا نستطيع القول بأن كل الأعراض تُقلَب أجساماً يوم القيامة لكى يمكن وزنها لعدم وجود دليل على ذلك، إنما الأدلة جاءت فى بعضها فقط مثل (الموت، وسورة البقرة وسورة آل عمران، وغير ذلك مما ورد فى النصوص الشرعية).
وعليه فوزن الأعمال يوم القيامة من أمور الغيب التى لا يعلم كيفيتها إلا الله.

سؤال والجواب عليه :
هل الميزان يوم القيامة يكون ميزاناً واحداً أم عدة موازين ؟
الجواب : المسألة خلافية لأن النص فيها ليس بقاطع.
فقد جاء بالقرآن جَمْعَاً : "ونَضَعُ المَوازينَ القَسْطَ ليومِ القيامةِ "الأنبياء47.
وجاء بالسنة مُفرَداً : " يُوضَع الميزان يوم القيامة، فلو وُزِنَ فيه السماوات والأرض لَوَسِعَهنَّ ... " الحديث.
فجاءت لفظة الميزان فى الأدلة جمعاً، وجاءت مفردةً.
وقال أهل العلم أنَّ لكل أمة ميزان يوم القيامة ومِن ثمَّ فهى موازين.
وعلى كل حال سواء كان الميزان يوم القيامة ميزاناً واحداً لكل العباد أو عدة موازين لكل أمة ميزان، فإن هذا الأمر ليس هو القضية وليس هو ما يجب أن يشغلنا ، لكن الأهم والأوْلَى هو ثبوت الوزن للعباد يوم القيامة ومجازاة العبد من جنة أو نار بحسب أعماله فى الدنيا، ومِن ثمَّ التوبة إلى الله من المعاصى وإحسان وإخلاص العمل له سبحانه.
(انتهى بحمد الله الأصل الخامس من الرسالة)
 

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,949
مجموع الإعجابات
1,976
النقاط
113
الأصل السادس من الرسالة

الأصل السادس (الفقرة السادسة من الرسالة)
قال المُصِنِّف الإمام أبو عبد الله أحمد بن حَنْبَل :
( وأنَّ الله يُكَلِّمُ العبادَ يوم القيامة ليس بينهم وبينه تُرْجُمَان ، والإيمان به والتصديق به).

تُرْجُمَان : مُتَرجِم يترجم الكلام من لغة المتكلم إلى لغة المستمع ليفهمه المستمع.
* فى هذه الفقرة يذكر الإمام أحمد الأصل السادس أو المسألة السادسة من مسائل العقيدة التى تعود على العبارة ( ومِن السُنَّة اللازِمة التى مَنْ تَرَكَ مِنها خِصلَة ... لم يَكُن مِن أهلها ) والتى مَن خالفها عن عَمد وعِلم لم يصير من أهل الإيمان (مِن الفرقة الناجية)، وصار من احدى الثنتين وسبعين فِرقَة التى فى النار ، بعد ذِكرِه خمسة أصول بالفقرات السابقة (القدر خيره وشره، رؤية الله تعالى، والقرآن غير مخلوق، الرؤية يوم القيامة وفى المعراج، الميزان يوم القيامة). هذه المسألة هى أنَّ الله يكلم العباد يوم القيامة مباشرة دون تُرجمان.
لذلك حثَّ الإمام أحمد على التصديق التام لها والإيمان الكامل بها، شأنها شأن المسائل العقدية سابقة الذكر فى رسالته.
* الدليل على هذا الأصل :
ثبت فى الصحيحين من حديث عدىّ بن حاتم أن النبى صلى الله عليه وسلم قال :
" مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ سَيُكَلِّمُهُ اللّهُ، لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ، فَيَنْظُرُ أَيْمَنَ مِنْهُ فَلاَ يَرَى إِلاَّ مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ فَلاَ يَرَى إِلاَّ مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلاَ يَرَى إِلاَّ النَّارَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ ".
* وعليه يجب الإيمان بهذا المعتقد إيماناً جازماً، ولا ندرى عن الكيفية شىء، ونصدِّقه ونُعرِض عمَّن جادل فيه ولا نتحدَّث فيه معه.
* مسألة تكليم الله لعباده يوم القيامة هى أحد المسائل أو الأبواب الخاصة بركن الإيمان باليوم الآخر(أحد أركان الإيمان الستة)، شأنه شأن باقى الأبواب: كالإيمان بعذاب القبر، والميزان، والحوض، والشفاعة، والصراط، والرؤية يوم القيامة، والجنة والنار.
(انتهى بحمد الله الأصل السادس من الرسالة)
 

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,949
مجموع الإعجابات
1,976
النقاط
113
الأصل السابع من الرسالة

الأصل السابع (الفقرة السابعة من الرسالة)
قال المُصِنِّف الإمام أبو عبد الله أحمد بن حَنْبَل :
( والإيمان بالحوض، وأنَّ لرسول الله صلى الله عليه وسلم حَوْضَاً يوم القيامة تَرِدُ عليه أمَّتُه، عَرْضُه مِثْلُ طُولِه، مسيرة شهر، آنِيَتُه كعدد نجوم السماء على ما صحَّتْ به الأخبار مِن غير وَجْه ).

الحَوْض : مُجتمَع الماء ، جمعه : الأَحْوَاض والحِيَاض.
تَرِدُ عليه : تأتى إليه أو تَبْلُغُه.
آنيته : آنية جمع إناء، والإناء هو وعاء الطعام أو الشراب.

* فى هذه الفقرة يذكر الإمام أحمد الأصل السابع أو المسألة السابعة من مسائل العقيدة التى تعود على العبارة ( ومِن السُنَّة اللازِمة التى مَنْ تَرَكَ مِنها خِصلَة ... لم يَكُن مِن أهلها ) والتى مَن خالفها عن عَمد وعِلم لم يصير من أهل الإيمان (مِن الفرقة الناجية)، وصار من احدى الثنتين وسبعين فِرقَة التى فى النار ، بعد ذِكرِه ستة أصول بالفقرات السابقة (القدر خيره وشره، رؤية الله تعالى، والقرآن غير مخلوق، الرؤية يوم القيامة وفى المعراج، الميزان يوم القيامة، تكليم الله لعباده يوم القيامة). هذه المسألة هى حوض النبى صلى الله عليه وسلم.
* ذَكَر الإمام أحمد أنَّ لرسول الله صلى الله عليه وسلم حَوْضَاً يوم القيامة تَرِدُ عليه أمَّتُه ، مربع الشكل عَرْضُه مِثْلُ طُولِه والذى يبلغ مسافة قدرها مسيرة شهر (أى المسيرة المعتادة للراكب المُسرِع وقتها) ، عدد آنِيَتُه (كؤوسه) التى يشرب بها الناس الماء من الحوض كبير جداً كعدد نجوم السماء كما ذُكِر فى الروايات الصحيحة.
ويجب التصديق التام لهذه المسألة (الحوض) والإيمان الكامل بها، شأنها شأن المسائل العقدية سابقة الذكر فى رسالته.
* ورد فى السُنَّة أنَّ كل نبى من الأنبياء له حوض ترَدْه أمته لأن الناس يصيبهم عطش شديد فى عرصات ذلك اليوم العظيم (يوم القيامة) فيحتاجون الماء ليرووا ظمأهم ، وحوض نبينا محمد صلى الله عليه وسلم هو أعظم الحياض ، طوله مسيرة شهر وعرضه مسيرة شهر، ماؤه أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل وأطيب من المسك وأبرد من الثلج ، مَن يشرب منه شربةً لا يظمأ بعدها أبداً.
* الأدلة على هذا الأصل كثيرة جداً ، فقد وردت روايات صحيحة عديدة للنبى صلى الله عليه وسلم عن ثبوت الحوض له يوم القيامة، والتى وصفته وصفاً شاملاً دقيقاً من حيث (الشكل، والحجم، والمكان، ووصف مائه، ومصدر الماء الذى يغذِّيه، وآنيته، ومَن الذى يشرب منه، ومَن الذى يُمنَع عنه، وغير ذلك).
* ومِن هذه الأدلة ما يلى ذكره :
روى الترمذي والطبراني وغيرهما من حديث سعيد بن بشير عن قتادة عن الحسن عن سمرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
" إنَّ لكلِّ نبيٍ حوضاً ، وإنهم يتباهون أيهم أكثر واردة ، وإني لأرجو أن أكون أكثرهم واردة ".
ثم قال الترمذي: هذا حديث غريب ، وقد رواه أشعث بن عبد الملك عن الحسن مرسلاً، وهو أصح
.
والمرسل أخرجه ابن أبي الدنيا بسند صحيح عن الحسن رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
" إنَّ لكلِّ نبيٍ حوضاً، وهو قائم على حوضه، بيده عصا يدعو مَن عَرف مِن أمته، ألا وإنهم يتباهون أيُّهم أكثر تبعاً، وإني لأرجو أنْ أكون أكثرهم تبعاً ".

عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال النبي صلى الله عليه وسلم :
" حوضي مسيرة شهر، ماؤه أبيض من اللبن، ورِيحُه أطيب من المِسْك، وكِيزَانُه كنجوم السماء مَن شَرِب منها فلا يَظْمَأ أبداً ".
قلت: مسيرة شهر يعني للجواد المسرع.
وفي رواية لمسلم : " حوضي مسيرة شهر، وزواياه سواء، وماؤه أبيض من الورق، وريحه أطيب من المِسْك ".
قلت : ومعنى زواياه سواء، يعني عرضه كطوله (مربعاً) ،
وماؤه أبيض من الورق : يعني الفضة.

كيزانه : كؤوسه (جمع كوز).

وفى الصحيحين عن أبي حازم قال: سمعت سهل بن سعد يقول: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول :
" أنا فَرَطُكم على الحوض، مَنْ وَرَده شَرْب منه، و من شرب منه لم يظمأ بعده أبداً، لَيِرِدَنَّ عليَّ أقوام أعرفهم و يعرفونني، ثم يُحَال بيني و بينهم ".
قال أبو حازم: فسمعني النعمان بن أبي عياش و أنا أحدِّثهم هذا، فقال: هكذا سمعت سهلاً ؟ فقلت: نعم، قال: و أنا أشهد على أبي سعيد الخدري لَسَمِعْتُه يزيد فيه قال: (إنهم مني، فيقال: إنك لا تدري ما بدَّلوا بعدك، فأقول: سحقاً سحقاً لمن بدَّل بعدي)

فَرَطُكُم على الحوض : أسْبِقُكم وأتَقَدمُكم على الحوض لأسقيكم.
لَيَرِدَنَّ علىَّ : لَيَاْتِينَّ إلىَّ.
سُحقَاً : بُعْدَاً.
يُحَال بينى وبينهم : يُمنَعُون عن الشرب من الحوض.
بَدَّلوا بعدَك : حادوا عن طريق الحق (السنة) وأحدثوا وغيَّروا وابتدعوا.

عند مسلم من حديث أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
"تَرِدُ علىَّ أُمَّتى الحوض، وأنا أذود الناس عنه كما يذود الرجل إبل الرجل عن إبله"، قالوا: يا نبى الله أتعرفنا؟ قال: " نعم، لكم سِيمَا ليست لأحد غيركم، ترِدُون علىَّ غُرَّاً مُحَجَّلين مِن آثار الوضوء، ولَيُصَدَّنَّ عنى طائفة منكم فلا يَصِلون، فأقول: يا ربِّ هؤلاء مِن أصحابى، فيُجِيبَنى مَلَكٌ فيقول: وهل تدرى ما أحدثوا بعدك ؟ ".
سِيمَا : صفات أو علامات.
غُرَّاً : بِيض الوجوه ، الغُرَّة: بياض الوجه.
مُحَجَّلين : بِيض فى مواضع الوضوء من الأيدى والوجه والأقدام.

وفى الصحيحين عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال :
صَلَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم على قتلى أُحُد، ثم صعد المنبر كالمودِّع للأحياء والأموات فقال:
"إني فَرُطُكُم على الحوض، وإنَّ عَرْضَه لِمَا بَيْن أَيْلَة إلى الجحفة، إني لست أخشى عليكم أن تشركوا بعدي، ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تَنَافسوا فيها، وتَقْتَتِلوا فتَهْلَكوا كما هَلَك مَن كان قبلكم ".
قال عقبة: فكانت آخر ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر.

أيلة : مدينة بالأردن.
الجَحفَة : ميقات من مواقيت الإحرام بالمملكة العربية السعودية، ويبعد عن مكة مسافة 183 كم تقريباً.

وفى الصحيحين عن حارثة بن وهب رضي الله عنه قال:
سمعت النبي صلى الله عليه وسلم وذكر الحوض فقال : " كما بين المدينة وصنعاء ".
قلت: يعني طول الحوض كما بين المدينة المنورة وصنعاء التي في اليمن.

وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
" أمامكم حوض كما بين جرباء وأذرح ".
قلت: وجرباء وأذرح قريتان بالشام.

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
" إنَّ قدر حوضي كما بين أيلة وصنعاء من اليمن، وإن فيه من الأباريق كعدد نجوم السماء ".
قلت: وأيلة مدينة كانت بجوار العقبة المعروفة الآن في الأردن.

* قال القرطبى فى المُفْهَم - وهو غير القرطبى صاحب التفسير - :
(ظنَّ بعض القاصرين أنَّ الاختلاف الواقع فى الروايات فى قدر الحوض اضطراباً، وليس كذلك، بل كلها تفيد أنه كبير متَّسِع الجوانب، ولعلَّ ذِكرُه صلى الله عليه وسلم للجهات المختلفة بحسب مَن حَضَرَه مِمَّن يَعرِف تلك الجهة، فخاطب كل قوم بالجهة التى يعرفونها).

* معتقد أهل السنة والجماعة فى الحوض (مِن الروايات التى ذُكِرَت فيه) :
1- ثبوت الحوض للنبى صلى الله عليه وسلم ، كما ثبت وجود حوض لكل نبى مِن الأنبياء عليهم السلام بأحاديث متواترة.
2- مكانه : يوجد الحوض بأرض المحشر وليس فى الجنة.
3- مصدره : نهر الكوثر الذى هو نهر بالجنة يخرج منه ميزابان أى قناتان يصُبّان فى الحوض.
4- وصف نهر الكوثر :
هو نهر فى الجَنَّة حافتاه (شاطئاه) قباب الدر أى من اللؤلؤ المُجَوَّف، وأرضيته (طينته) مِسْك أذفر طيب الريح، أعطاه الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم.
5- وصف الحوض :
مربع الأضلاع، طوله يساوى عرضه يساوى مسيرة شهر، ماؤه أشد بياضاً من اللبن وأبرد من الثلج، وأحلى من العسل، ورائحته أطيب من المِسْك، مَن شَرِب منه شربة لم يظمأ بعدها أبداً، كيزانه (أوانيه) بعدد نجوم السماء.
6- السَّاقِى : هو النبى صلى الله عليه وسلم بيده الشريفتين، يَسْبِق الناس إلى الحوض ينتظر مَنْ يأتى منهم ليسقيه بنفسه.
7- الورود عليه :
(أ) يَرِد عليه أمة النبى محمد صلى الله عليه وسلم قبل الحساب وقبل نشر الكتب وقبل الميزان، حيث أنَّ الناس يقومون من قبورهم عطشى، وتدنو منهم الشمس مقدار ميل بحرارتها العالية التى ورد فى الأحاديث أنها ستكون قيد حرارة عشر سنين، فيزيد عطش الناس عطشاً شديداً جداً، فتذهب كل أمة إلى حوض نبيها بُغيَة أن تشرب لتروى عطشها. أى قبل الحساب والصراط.
(ب) فيَعرِف النبى صلى الله عليه وسلم أمته التى سترد عليه معرفتين :
- معرفةً بأعيانهم لِمَن كان فى حياته ويعلمه من أصحابه.
- معرفةً بآثارهم غُرَّاً مُحَجَّلين مِن آثار الوضوء والصلاة، أى بهم بياضٌ فى مواضع الوضوء من الأيدى والوجه والأقدام.
8- مَن سيشرب منه، ومَن سيُحال عنه :
يشرب مَن شاء الله له أن يشرب من أهل الإيمان.
ويُحَال الشرب عَمَّن لم يشأ الله له أن يشرب، وهم :
(أ) مَنْ ارتدَّ عن الإسلام بعد ممات النبى صلى الله عليه وسلم
فيقول فيهم عمَّن يعرفه بأعيانه:"أى ربِّ أصحابى" وفى رواية "أى ربِّ أُصَيْحَابى".
(ب) مَن أحدَثَ وبدَّل فى الدين بعد مماته
فيقول فيهم عمَّن يعرفه بآثاره : " أُمَّتِى ".
فيأتيه الرد مِن قِبَل الله تعالى " لا تدرى ما أحدثوا بعدك " ، " إنك لا تدري ما بدَّلوا بعدك " ، " لا تدري، مشوا على القهقرى ".
9- ليس كل مَن سيُمنَع عن الشرب مِن أهل النار، وليس كل مَن سيُمنَع عن الشرب سيدخل النار ويُخَلَّد فيها ، بل هناك مَن سيُمنَع عن الشرب ويَدخُل الجنَّة إما مباشرةً وإما بعد دخوله النار أولاً لتصفية ذنوبه. فحرمان الشرب ليس حرماناً مِن دخول الجنة، ولكنه حرمانٌ مِن فضلِ ونعمةِ الشرب وإطفاء حرِّ الظمأ وحرمانٌ مِن شَرَف الشرب بيدى النبى صلى الله عليه وسلم الشريفتين.
هذا ما دلَّت عليه الأدلة الشرعية وأقرَّ به أهل العلم، ومَن اعتقد أنَّ كل مَن سيُمنَع عن الشرب خالد مخلد فى النار فقد أخطأ خطأً كبيراً ، وإلا فما قوله فيمَن سيُمنَع ويَظهَر عليه آثار الوضوء والصلاة، أى أنه محافظ على الوضوء والصلاة ويعرفه النبى صلى الله عليه وسلم ؟ ، وما قوله في المسلم الذى مات موحداً بالله ولكنه فى دنياه أعان على ظلم إخوانه، فيعاقبه الله بالحرمان من الشرب من الحوض يوم القيامة ؟
روى الإمام أحمد في مسنده عَنِ ابْنِ عُمَر، أنَّ رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال :
" سَيَكُونُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ يَأْمُرُونَكُمْ بِمَا لَا يَفْعَلُونَ فَمَنْ صَدَّقَهُمْ بِكذبِهِمْ وَأَعَانَهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ فَلَيْسَ مِنِّي وَلَسْتُ مِنْهُ وَلَنْ يَرِدَ عَلَيَّ الْحَوْضَ ".
(انتهى بحمد الله الأصل السابع من الرسالة)
 

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,949
مجموع الإعجابات
1,976
النقاط
113
الأصل الثامن من الرسالة

الأصل الثامِن (الفقرة الثامِنة من الرسالة)
قال المُصِنِّف الإمام أبو عبد الله أحمد بن حَنْبَل :
( والإيمان بعذاب القبر، وأنَّ هذه الأمَّة تُفْتَن فى قبورها، وتُسْأَل عن الإيمان والإسلام، ومَنْ رَبُّه؟ ومَن نَبيُّه؟ ويأتيه مُنكَر ونَكِير، كيف شاء الله عزَّ وجلّ وكيف أراد، والإيمان به والتصديق به ).

مُنْكَر ونَكِير: مَلَكَان مِن الملائكة يسألون الموتى بعد دفنهم فى القبور عن ربهم ودينهم ونبيهم.
* فى هذه الفقرة يذكر الإمام أحمد الأصل الثامن أو المسألة الثامنة من مسائل العقيدة التى تعود على العبارة ( ومِن السُنَّة اللازِمة التى مَنْ تَرَكَ مِنها خِصلَة ... لم يَكُن مِن أهلها ) والتى مَن خالفها عن عَمد وعِلم لم يصير من أهل الإيمان (مِن الفرقة الناجية)، وصار من احدى الثنتين وسبعين فِرقَة التى فى النار ، بعد ذِكرِه سبعة أصول بالفقرات السابقة (القدر خيره وشره، رؤية الله تعالى، والقرآن غير مخلوق، الرؤية يوم القيامة وفى المعراج، الميزان يوم القيامة، تكليم الله لعباده يوم القيامة، الحوض).
هذه المسألة هى عذاب القبر.
* وعذاب القبر أحد الأبواب الخاصة بركن الإيمان باليوم الآخر، شأنه شأن باقى الأبواب: كالإيمان بالميزان، والحوض، والشفاعة، والصراط، وأن الله يكلم العباد يوم القيامة، ويرونه يوم القيامة، والجنة والنار.
* ثبوت عذاب القبر ونعيمه على الروح والبدن لِمَن كان له أهل، أى مَن كان أهلاً للنعيم نُعِّم، ومَن كان أهلاً للعذاب عُذِّب، والأهلية بالنعيم أو العذاب ينالها العبد بعمله فى الدنيا، ولا ندرى عن الكيفية شيئاً إلا ما ورد بدليل. وهذا لكل مَن مات سواء قُبِر أم لم يُقْبَر، أى دُفِن أم لم يُدفَن (كمن مات غرقاً ولم يُعثر علي جثته أو حرقاً وتحلَّل إلى تراب وغير ذلك).
* يأتى لكل عبدٍ بعد موته ودفنه فى قبره ملكان هما منكر ونكير يسألاه ثلاثة أسئلة : (من ربك ؟ وما دينك ؟ ومن نبيك ؟). ولا يُجيب على هذه الأسئلة إلا العبد الصالح، أما الضال فلن يستطيع ولو حفظها فى دنياه عن ظهر قلب، ولو كان أفصح الخلق فى الدنيا.
* ثبوت ضَمَّة القبر لكل ميت سواء كان صالحاً أو فاسقاً، فهى ليست من عذاب القبر.
روى الطبرانى والحافظ ابن حجر، عن أبي أيوب رضي الله عنه :
أن صبيَّاً دُفنَ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لَوْ أَفْلَتَ أَحَدٌ مِنْ ضَمَّةِ القَبْرِ لَأَفْلَتَ هَذَا الصَبى ".
* مَن أنكر عذاب ونعيم القبر بالكليَّة فهو كافر، ومَن خالف بعضها دون أن ينكره فهو مبتدع ضال، مِثلُ مَن قال أنَّ النعيم والعذاب يكون على الروح دون البدن.
* عذاب القبر يسمعه كل شىء عدا الثَّقَليْن (الإنس والجن)، ويستثنى منهما النبى صلى الله عليه وسلم الذى شاء الله أن يُسمِعَه، كسماعه لبعض اليهود تُعذَّب فى قبورها، وسماعه لشخصين يُعذّبان فى قبرهما أحدهما كان لا يستنزه من بوله والآخر كان يمشى بالنميمة.
* لا ندرى عن صور النعيم أو العذاب فى القبر شيئاً إلا ما ورد بالأدلة الشرعية، ولا ندرى عن كيفيتهما أو مقدارهما شيئاً إلا ما ورد بالأدلة الشرعية، فهذه كلها من الأمور الغيبية ولا يَصِح التكهُّن أو التصوُّر فيها بشىء بل يجب الوقوف فيها على ما جاء بالنص الشرعى من قرآن أو سنة فقط دون زيادة أو نقصان.
* مِن صور نعيم القبر لِمَن كان له أهل، التى جاءت بالأدلة الشرعية (السنة) :
1- يُفرَش له مِن فراش الجنَّة.
2- يُلبَس مِن لِباس الجنَّة.
3- يُفتَح له باب مِن الجنَّة، لِيأتِيَه مِن نسيمها ويشُمَّ مِن طِيبِها وتَقَرُّ عينه بما يرى فيها مِن النعيم.
4- يُفسَح له فى قبره مد بصره.
5- يُبشَّر برضوان الله وجنَّته، لذلك يشتاق إلى قيام الساعة، حيث يأتيه عمله الصالح على هيئة رجل حسن الوجه حسن الثياب طيِّب الريح فيُبشِّره بالخير والنعيم.
6- سروره برؤية مقعده من النار الذى أبدله الله به مقعداً بالجنة.
7- ينام نَومَة العروس.
8- يُنوَّر له فى قبره.
* مِن صور عذاب القبر لِمَن كان له أهل، التى جاءت بالأدلة الشرعية (السنة):
1- يُفرَش قبره ناراً.
2- يُلبَس من لباس النار.
3- يُفتَح له باب إلى النار، ليأتيَه مِن حرِّها وسمومها وعذابها ما شاء الله له أن يأتيه.
4- يُضيَّق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه.
5- يُضرَب بمطرقة عظيمة لو ضُرِب بها جبل لصار تراباً.
6- يُبشَّر بالعذاب في الآخرة، ولذلك يتمنى ألا تقوم الساعة، حيث يأتيه عمله الخبيث على هيئة رجل قبيح الوجه قبيح الثياب منتن الريح فيُبشِّره بالسوء والعذاب.
والأدلة على هذه الصور من السنة :
- روى الإمام أحمد وأبو داود، عن البراء بن عازب : قال : خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار فانتهينا إلى القبر ولَمَّا يُلحَّد، فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلسنا حوله وكأن على رءوسنا الطير، وفي يده عود ينكت في الأرض، فرفع رأسه فقال: "استعيذوا بالله من عذاب القبر" مرتين أو ثلاثا ثم قال:
"إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة، نزل إليه ملائكة من السماء، بِيِض الوجوه كأن وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة وحَنُوط من حَنُوط الجنة حتى يجلسوا منه مد البصر، ثم يجيء مَلَك الموت عليه السلام حتى يجلس عند رأسه، فيقول أيتها النفس الطيبة اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان، قال فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء، فيأخذها فإذا أخذها لم يَدَعُوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن وفي ذلك الحنوط، ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وُجِدت على وجه الأرض، قال فيصعدون بها فلا يَمَرُّون يعني بها على ملأٍ من الملائكة إلا قالوا ما هذا الروح الطيب فيقولون فلان بن فلان بأحسن أسمائه التي كانوا يُسمُّونه بها في الدنيا حتى ينتهوا بها إلى السماء الدنيا فيستفتحون له فيُفتَح لهم، فيشيِّعه مِن كل سماء مُقرَبوها إلى السماء التي تليها حتى ينتهى به إلى السماء السابعة، فيقول الله عز وجل: (اكتبوا كتاب عبدي في عليين وأعيدوه إلى الأرض فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى)، قال فتعاد روحه في جسده، فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له من ربك؟، فيقول ربي الله، فيقولان له ما دينك؟، فيقول ديني الإسلام، فيقولان له ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟، فيقول هو رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقولان له وما علمك؟، فيقول قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت، فذلك قول الله عز وجل "يثبت الله الذين آمنوا" الآية، فينادي مناد في السماء أنْ صَدَق عبدي فأفرشوه مِن الجنَّة وألبسوه مِن الجنة وافتحوا له بابا إلى الجنة، قال فيأتيه من روحها وطيبها ويُفسَح له في قبره مد بصره، قال ويأتيه رجل حسن الوجه حسن الثياب طيب الريح، فيقول أبشر بالذي يسرك هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول له من أنت فوجهك الوجه يجيء بالخير؟، فيقول أنا عملك الصالح، فيقول ربِّ أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي ،
وَإِنَّ الْعَبْدَ الْكَافِرَ إِذَا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ مِنْ الدُّنْيَا وَإِقْبَالٍ مِنْ الآخِرَةِ، نَزَلَ إِلَيْهِ مِنْ السَّمَاءِ مَلائِكَةٌ سُودُ الْوُجُوهِ مَعَهُمْ الْمُسُوحُ، فَيَجْلِسُونَ مِنْهُ مَدَّ الْبَصَرِ، ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ الْمَوْتِ حَتَّى يَجْلِسَ عِنْدَ رَأْسِه،ِ فَيَقُولُ أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْخَبِيثَةُ اخْرُجِي إِلَى سَخَطٍ مِنْ الله وَغَضَبٍ، قَالَ فَتُفَرَّقُ فِي جَسَدِهِ فَيَنْتَزِعُهَا كَمَا يُنْتَزَعُ السَّفُّودُ مِنْ الصُّوفِ الْمَبْلُولِ، فَيَأْخُذُهَا فَإِذَا أَخَذَهَا لَمْ يَدَعُوهَا فِي يَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ حَتَّى يَجْعَلُوهَا فِي تِلْكَ الْمُسُوحِ، وَيَخْرُجُ مِنْهَا كَأَنْتَنِ رِيحِ جِيفَةٍ وُجِدَتْ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ، فَيَصْعَدُونَ بِهَا فَلَا يَمُرُّونَ بِهَا عَلَى مَلإٍ مِنْ الْمَلائِكَةِ إِلا قَالُوا مَا هَذَا الرُّوحُ الْخَبِيثُ، فَيَقُولُونَ فُلانُ بْنُ فُلَانٍ بِأَقْبَحِ أَسْمَائِهِ الَّتِي كَانَ يُسَمَّى بِهَا فِي الدُّنْيَا، حَتَّى يُنْتَهَى بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيُسْتَفْتَحُ لَهُ فَلا يُفْتَحُ لَهُ، ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ "، فَيَقُولُ الله عَزَّ وَجَلَّ " اكْتُبُوا كِتَابَهُ فِي سِجِّينٍ فِي الأَرْضِ السُّفْلَى "، فَتُطْرَحُ رُوحُهُ طَرْحَاً ثُمَّ قَرَأَ: " وَمَنْ يُشْرِكْ بالله فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنْ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ" ، فَتُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ، وَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ، فَيَقُولانِ لَهُ مَنْ رَبُّكَ؟، فَيَقُولُ هَاهْ هَاهْ لا أَدْرِي، فَيَقُولانِ لَهُ مَا دِينُكَ؟، فَيَقُولُ هَاهْ هَاهْ لا أَدْرِي، فَيَقُولانِ لَهُ مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟، فَيَقُولُ هَاهْ هَاهْ لا أَدْرِي، فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنْ السَّمَاءِ أَنْ كَذَبَ فَافْرِشُوا لَهُ مِنْ النَّارِ وَافْتَحُوا لَهُ بَاباً إِلَى النَّارِ، فَيَأْتِيهِ مِنْ حَرِّهَا وَسَمُومِهَا وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ حَتَّى تَخْتَلِفَ فِيهِ أَضْلاعُهُ، ثُمَّ يُقَيَّضُ لَهُ أَعْمَى أَبْكَمُ مَعَهُ مِرْزَبَّةٌ مِنْ حَدِيدٍ لَوْ ضُرِبَ بِهَا جَبَلٌ لَصَارَ تُرَاباً، قَالَ فَيَضْرِبُهُ بِهَا ضَرْبَةً يَسْمَعُهَا مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ إِلا الثَّقَلَيْنِ فَيَصِيرُ تُرَاباً، قَالَ ثُمَّ تُعَادُ فِيهِ الرُّوحُ، وَيَأْتِيهِ رَجُلٌ قَبِيحُ الْوَجْهِ قَبِيحُ الثِّيَابِ مُنْتِنُ الرِّيحِ، فَيَقُولُ أَبْشِرْ بِالَّذِي يَسُوءُكَ هَذَا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ، فَيَقُولُ مَنْ أَنْتَ فَوَجْهُكَ الْوَجْهُ يَجِيءُ بِالشَّرِّ؟، فَيَقُولُ أَنَا عَمَلُكَ الْخَبِيثُ، فَيَقُولُ رَبِّ لا تُقِمْ السَّاعَةَ ".


- روى الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري قال : شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم جنازة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أيها الناس إن هذه الأمة تبتلى في قبورها، فإذا الإنسان دُفِن فتفرَّق عنه أصحابه، جاءه مَلَك في يده مطراق فأقعده، قال ما تقول في هذا الرجل؟، فإن كان مؤمناً قال أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، فيقول صدقت، ثم يفتح له باب إلى النار فيقول هذا كان منزلك لو كفرت بربك فأما إذ آمنت فهذا منزلك، فيفتح له باب إلى الجنة، فيريد أن ينهض إليه، فيقول له اسكن، ويفسح له في قبره، وإن كان كافراً أو منافقاً يقول له ما تقول في هذا الرجل؟، فيقول لا أدري سمعت الناس يقولون شيئاً، فيقول لا دريت ولا تليت ولا اهتديت، ثم يفتح له باب إلى الجنة فيقول هذا منزلك لو آمنت بربك فأما إذ كفرت به فإن الله عز وجل أبدلك به هذا، ويفتح له باب إلى النار، ثم يقمعه قمعة بالمطراق يسمعها خلق الله كلهم غير الثقلين، فقال بعض القوم يا رسول الله ما أحدٌ يَقُوم عليه مَلَك في يده مطراق إلا هُبِل عند ذلك [أي ذُهِل]، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " يُثَبِّت الله الذين آمنوا بالقول الثابت ".

-
روى الترمذى عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا قُبِرَ الميت أو قال أحدكم، أتاه ملكان أسودان أزرقان يقال لأحدهما المنكر والآخر النكير، فيقولان ما كنت تقول في هذا الرجل؟، فيقول ما كان يقول هو عبد الله ورسوله أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، فيقولان قد كنا نعلم أنك تقول هذا، ثم يُفسَح له في قبره سبعون ذراعاً في سبعين، ثم يُنوَّر له فيه، ثم يُقال له نم، فيقول أَرجِع إلى أهلي فأخبرهم، فيقولان نم كنومة العروس الذي لا يوقظه إلا أَحبَّ أهله إليه، حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك ، وإن كان منافقاً قال سمعت الناس يقولون فقلت مثله لا أدري، فيقولان قد كنا نعلم أنك تقول ذلك، فيقال للأرض التئمي عليه فتلتئم عليه فتختلف فيها أضلاعه، فلا يزال فيها معذَّبَاً حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك ".

* الأدلة على ثبوت نعيم وعذاب القبر من الكتاب والسنة :
أولاً من الكتاب :
قال تعالى: " وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ "السجدة.
ثبت عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما أنَّ العذاب الأدنى هو عذاب القبر، والعذاب الأكبر هو عذاب جهنم، لعلَّهم يرجعون أى يتوبون فى الدنيا بعلمهم بوجود عذاب القبر.

قال تعالى: "وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ" التوبة 101.
قال أهل التفسير أنَّ المرَّتين إحداهما فى الدنيا بفضح نفاقه والأخرى فى القبر، ثم العذاب العظيم فى جهنَّم.

قال تعالى : " وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابَاً دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ " الطور47.
قال ابن عباس هو عذاب القبر.

قال تعالى : " النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوَّاً وَعَشِيَّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ " غافر 46.
قال الطبرى فى تفسيره للآية : (يقول تعالى ذكره مبيِّناً عن سوء العذاب الذي حلّ بهؤلاء الأشقياء من قوم فرعون، ذلك الذي حاق بهم من سوء عذاب الله "النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا"، إنهم لما هلكوا وغَرَّقَهم الله، جُعِلَت أرواحهم في أجواف طير سود، فهي تُعرَض على النار كلّ يوم مرتين "غُدُوَّاً وَعَشِيَّاً " إلى أن تقوم الساعة).
قال قتادة : ( يُعرَضون عليها صباحاً ومساءً، يقال لهم: يا آل فرعون هذه منازلكم، توبيخاً ونقمة وصَغَاراً لهم ).

ثانياً من السنة :
فى الصحيحين من حديث أبي أيوب الأنصارى قال : خرج النبي صلى الله عليه وسلم وقد وَجَبَت الشمس، فسَمِع صوتاً، فقال : " يهودٌ تُعذَّب في قبورها ".
وَجَبَت الشمس : غربت الشمس.

عند مسلم من حديث أبى هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إذا فرغ أحدكم من التشهد الأخير فليتعَوَّذ بالله من أربع، من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر المسيح الدجال ".
قال أهل العلم معلِّقين على هذا الحديث : (فلم لو يكن عذاب القبر حقيقياً، لكان التعوُّذ منه عبثاً).

روى البخارى من حديث ابن عباس أنه قال :
مَرَّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم بحَائِطٍ مِن حِيطَانِ المَدِينَةِ، أوْ مَكَّةَ، فَسَمِعَ صَوْتَ إنْسَانَيْنِ يُعَذَّبَانِ في قُبُورِهِمَا، فَقالَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم: "يُعَذَّبَانِ، وما يُعَذَّبَانِ في كَبِير"
ثُمَّ قالَ: "بَلَى، كانَ أحَدُهُما لا يَسْتَتِرُ مِن بَوْلِهِ، وكانَ الآخَرُ يَمْشِي بالنَّمِيمَةِ". ثُمَّ دَعَا بجَرِيدَةٍ، فَكَسَرَهَا كِسْرَتَيْنِ، فَوَضَعَ علَى كُلِّ قَبْرٍ منهما كِسْرَةً، فقِيلَ له: يا رَسولَ اللَّهِ، لِمَ فَعَلْتَ هذا؟ قالَ: "لَعَلَّهُ أنْ يُخَفَّفَ عنْهما ما لَمْ تَيْبَسَا أوْ: إلى أنْ يَيْبَسَا "
.

وفي رواية أخرى للبخارى : "وما يعذبان في كبير، إنه لكبير".
المراد به أنه ليس بكبير في نظر الناس ، ولكنه عند الله كبير، أو أنه ليس بأمر كبير يشق التّحرز منه ، ولكنه كبير عظيم عند الله تعالى.
"كان أحدهما لا يستتر مِن بوله"، وفى رواية للنسائي : "كان أحدهما لا يستبرئ من بوله"، وفي رواية لأحمد وابن ماجه : "أما أحدهما فكان لا يستنزه من بوله".
"وكان الآخر يمشى بالنميمة"، وفي رواية أخرى للبخارى: "أما أحدهما فكان يسعى بالنميمة".
أما عن وَضْع النبى صلى الله عليه وسلم جريدة رطبة على قبر كل من الشخصين، وقوله "لَعَلَّهُ أنْ يُخَفَّفَ عنْهما ما لَمْ تَيْبَسَا" فهذا فِعْلٌ خاص به، ولا يَصِح لأحد غيره.
والدليل على خصوصية ذلك الأمر للنبى صلى الله عليه وسلم دون غيره من البشر :
1- أنَّ هذا الفعل لم يصدر منه إلا مرة واحدة، ولم يَرِد عن أحدٍ من الصحابة أنه فعله، ويستحيل أن يكون أمراً للعموم ويتركه الصحابة الذين كانوا يقتدون به فى كل قولٍ وفِعْلٍ إلا ما كان خاصَّاً به دون غيره (كالوصال فى الصوم، الزواج بأكثر من أربعة).
2- ورد فى بعض النصوص الأخرى، كرواية الإمام مسلم من حديث جابر الطويل، والشاهد منه قول النبى صلى الله عليه وسلم :
" ... فأحببت بشفاعتي أن يرفه عنهما ما دام الغصنان رطبين ".
أى أنَّ العلَّة فى شفاعة النبى صلى الله عليه وسلم، وليست فى وضع الجريد نفسه.
قال المازري: (يحتمل أن يكون أُوحي إليه أن العذاب يخفف عنهما هذه المدة).
قال القرطبي : (وقُيل: إنه شفع لهما هذه المدة كما صرح به في حديث جابر).
قال الخطابي : ( هو محمول على أنه دعا لهما بالتخفيف مدة بقاء النداوة لا أن في الجريد معنى يخصه، ولا أن في الرطب معنى ليس في اليابس).
قال الطيبي : (الحكمة في كونهما ما دامتا رطبتين تمنعان العذاب يحتمل أن تكون غير معلومة لنا كعدد الزبانية).
قال الطرطوشي : (ذلك خاص ببركة يده صلى الله عليه وسلم).
وبناء على أنَّ هذا الأمر خاص بالنبى صلى الله عليه وسلم فقط ، فإنه يَحرُم وضع الجريد وأكاليل الزهور وما شابه على القبور.
(انتهى بحمد الله الأصل الثامن من الرسالة)
 
أعلى