مختصر رسالة أحاديث العقيدة فى الصحيحين التى يوهم ظاهرها بالتعارض

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,949
مجموع الإعجابات
1,976
النقاط
113
الباب الثانى - الفصل الثانى - المبحث الثانى (ما جاء فى قلة النساء وكثرتهنَّ فى الجنَّة)

المبحث الثانى : ما جاء فى قلة النساء وكثرتهنَّ فى الجنَّة

أولاً : الأحاديث التى تفيد أن النساء فى الجنَّة أقل من الرجال :
* عند مسلم من حديث عمران بن حصين، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
" إنَّ أقلَّ ساكنى الجنة النساء ".
* عند مسلم من حديث ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
"اطَّلعْتُ فى الجنَّة فرأيت أكثر أهلها الفقراء، واطلعْتُ فى النار فرأيت أكثر أهلها النساء"
* فى الصحيحين من حديث أسامة بن زيد، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال:
" وقُمْتُ على باب النَّار فإذا عامة مَن دَخَلَها النساء ".
* فى الصحيحين من حديث ابن عباس، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال:
"أُرِيتُ النار فإذا أكثر أهلها النساء يَكْفٌرْن"، قيل: أيَكْفُرْن بالله ؟
قال: "يكفرن العشير ويكفرن الإحسان، لو أحْسَنتَ إلى إحداهنَّ الدهر ثم رأتْ منك شيئاً، قالت: ما رأيتُ منك خيراً قط".

* عند مسلم من حديث جابر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للنساء:
" تصدَّقْنَ فإن أكثرَكُنَّ حطب جهنَّم .... "الحديث.

ثانياً : الأحاديث التى تفيد أن النساء فى الجنَّة أكثر من الرجال :
* فى الصحيحين من حديث محمد بن سيرين قال: إمَّا تفاخروا وإمَّا تذاكروا: الرجال فى الجنة أكثر أم النساء، فقال أبو هريرة: لو لم يقل أبو القاسم صلى الله عليه وسلم:
"إنَّ أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر، والتى تليها على أضواء كوكب درى فى السماء لكل امرىء منهم زوجتان اثنتان يُرَى مخَّ سوقهما مِن وراء اللحم وما فى الجنة أعزب"

وفى لفظ للبخارى: "لكل امرىء زوجتان من الحور العين ...." الحديث.

وجه التعارض بين الأحاديث :
فى الأحاديث الأولى ما يفيد أن النساء أقل ساكنى الجنة وأكثر ساكنى النار، وفى المقابل نجد فى حديث أبى هريرة ما يفيد أن النساء فى الجنة أكثر من الرجال لأنه كما أخبر الحديث لكل واحد من الرجال زوجتان وليس فى الجنة أعزب، وعليه فيكون عدد النساء ضعف عدد الرجال.

مسالك العلماء تجاه مبحث ما جاء فى قلة النساء وكثرتهن فى الجنة لإزالة التعارض الظاهرى :
مسلك الجمع : جمع العلماء بين كل هذه الأحاديث ، وذلك كالتالى :
بأن أكثر أهل النار من النساء وأنهن أقل من الرجال فى الجنة من الأحاديث الأولى، أما حديث أبى هريرة بأن لكل رجل فى الجنة زوجتان - وكذلك غيره من الأحاديث التى تفيد بأن الرجل من أهل الجنة له أكثر من زوجتين كلٌ على قدر منزلته ودرجته فى الجنة – يُحمَل كل ذلك على الحور العين.
واستدلوا على هذا بروايات أخرى منها :
* رواية البخارى من حديث أبى هريرة :
"لكل امرىء زوجتان من الحور العين ...." الحديث
* رواية الإمام أحمد من حديث أبى هريرة :
" لِلْرجل من أهل الجنة زوجتان من حور العين على كل واحدة سبعون حلة يرى مخ ساقها من وراء الثياب ".
وأما ما ورد من الزيادة على الزوجتين - كما فى بعض الأحاديث – فأجابوا عنه بأن ذلك بحسب منازلهم ودرجاتهم ، فقد ذكر أن الشهيد له سبعين وفى رواية اثنتين وسبعين زوجة فى الجنة، وأما الزوجتين فهى لأدنى أهل الجنة.
قال القرطبى: (أدنى مَن فى الجنة درجة له زوجتان، إذ ليس فى الجنة أعزب كما قال، وأما غير هؤلاء: فمَنْ ارتفعت منزلته فزوجاتهم على قدر درجاتهم).
 

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,949
مجموع الإعجابات
1,976
النقاط
113
الباب الثالث - الفصل الأول - المبحث الأول (زيادة العمر بصلة الرَّحِم)

الباب الثالث : الإيمان بالقَدَر
الفصل الأول : القَدَر
المبحث الأول : زيادة العمر بصلة الرَّحِم

أولاً : الأحاديث التى فيها أنَّ الأجل مكتوب مقدَّر لا يزيد ولا ينقص :
* فى الصحيحين من حديث ابن مسعود، قال حدَّثَنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق قال :
" إنَّ أحدكم يُجمَع خلقه فى بطن أمه أربعين يوماً، ثم يكون عَلَقَة مثل ذلك، ثم يكون مُضْغَة مثل ذلك، ثم يَبْعَثُ الله مَلَكَاً فيؤمر بأربع كلمات، ويُقال له: اكتب عملَه ورزقَه وأجَلَه وشقىّ أم سعيد ثم يُنْفَخ فيه الرُّوح ".
* فى الصحيحين من حديث أنس بن مالك، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال :
"إنَّ الله عزّ وجلَّ وكَّلَ بالرحم مَلَكَاً يقول: يا ربِّ نُطفَة، يا ربِّ علقة، يا ربِّ مضغة، فإذا أراد الله أن يَقضِى خلقه قال: ذَكَرٌ أم أنثى؟ شقى أم سعيد؟ فما الرزق والأجل؟ فيُكتَب فى بطن أمِّه".
* عند مسلم من حديث ابن مسعود قال: قالت أم حبيبة زوج النبى صلى الله عليه وسلم: اللهم أمتعنى بزوجى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبأبى أبى سفيان وبأخى معاوية، فقال النبى صلى الله عليه وسلم:
"قد سألتِ الله لآجال مضروبة وأيام معدودة وأرزاق مقسمومة، لن يُعجِّل شيئاً قبل حلِّه أو يؤخِّر شيئاً عن حلِّه، ولو كنت سألت الله أن يعيذك من عذاب فى النار أو عذاب فى القبر كان خيراً وأفضل".


أولاً : الأحاديث التى فيها أنَّ العمر يزيد بصلة الرَّحِم :
* فى الصحيحين من حديث حديث أنس بن مالك، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال :
"مَن سرَّه أن يُبْسَط له فى رزقه أو يُنْسَأ له فى أَثَرِه فلْيَصِل رَحِمَه".
* عند البخارى من حديث أبى هريرة، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال :
"مَن سرَّه أن يُبْسَط له فى رزقه وأن يُنْسَأ له فى أَثَرِه فلْيَصِل رَحِمَه".

وجه التعارض :
فى الأحاديث الأولى التصريح بأن الأجل مكتوب مُقَدَّر لا يُزاد فيه ولا يُنقَص، وفى المقابل نجد فى حديثى أنس وأبى هريرة التصريح بأن الأجل يُؤخرَّ والعمر يُزاد بِصِلَة الرَّحم.

مسالك العلماء تجاه مبحث زيادة العمر بصلة الرحم لإزالة التعارض الظاهرى:
الجمع : سلك العلماء مسلك الجمع بين كل الأحاديث السابقة مِن وجهين :
الوجه الأول:
أنَّ العمر مُقدَّر ومُحدَّد، والزيادة التى تكون بصلة الرحم تُحمَل على الزيادة الحقيقية الفعلية.
وذلك بأنَّ الله تعالى قدَّر السبب والمسبَّب، فقدَّر أن هذا يزيد عمره بسبب صلة رحمه، ولو لم يصل رحمه لَمَا زاد عمره، وكل ذلك مكتوبٌ مسبقاً فى اللوح المحفوظ لِعِلْم الله الأزلىّ بأنه سيصِل رحمه أو لن يصلها.
ومنهم من قال أن الزيادة والنقصان تكون فى الصحف التى فى أيدى الملائكة، وذلك بأن يُكتَب للعبد أجلاً فى صحف الملائكة فإذا وصل رحمه زاد فى المكتوب، وإن عمل ما يوجِب النقص نقص ذلك من المكتوب.
ومنهم من قال أن المكتوب غير المعلوم والمقدَّر، فما عَلِمَه الله مِن نهاية العمر لا يتغيَّر وما كُتِب عند الملائكة قد يُمحَى أو يُثبَت بإذنه تعالى بسبب فِعْل العبد.
وعليه فالعمر عمران: عمر محدَّد عند الله لا يتغيَّر ولا يتبدَّل ، وعمر مُرَدَّد بين الزيادة والنقص عند الملائكة بحسب عمله.
الوجه الثانى:
أنَّ العمر مُقدَّر ومحدَّد، لا يزيد ولا ينقص، وأما الزيادة التى تكون بصلة الرحم تُحمَل على المجاز (البركة). يبقى بعده ثناء جميل وذِكْر حميد، والسعة فى الرزق والعافية بالبدن، فالغِنَى يُسمَّى حياة والفقر يُسمَّى موت.

قاعدة هامة فى القَدَر
كل مكتوب مقدَّر ، وليس كل مقدَّر مكتوب.
فكل الأمور التى حدثت بالماضى والتى تحدث فى الحاضر والتى ستحدث فى المستقبل مقدَّرة ومحدَّدة عند الله تعالى ومعلومة بعلمه الأزلى القديم ، أما بالنسبة للكتابة فهى مرتبة تلى مرتبة العلم والتقدير ، وهى نوعان كتابة أزليَّة قديمة فى اللوح المحفوظ لا تتغيَّر ولا تتبدَّل ، وكتابة الملائكة فى الصحف التى معها وهذه تتغيَّر وتتبدَّل وتزيد وتنقص بحسب أعمال العبد وأفعاله ، لتطابق فى النهاية بعد موت العبد ما هو ما مكتوب سلفاً فى اللوح المحفوظ.

إشكال والرد عليه :
عند مسلم من حديث ابن مسعود سابق الذِّكر والذى دَعَت فيه أم حبيبة بطول العمر لزوجها النبى محمد صلى الله عليه وسلم، ولأبيها، ولأخيها، نهاها النبى صلى الله عليه وسلم عن فِعْل ذلك، وحثَّهَا على الدعاء بالاستعاذة من عذاب النار وعذاب القبر.
فلماذا نهاها عن ذلك وأمرها بهذا برغم أنَّ كلاهما مُقدَّر ؟
والجواب : أنَّ كليهما أمر مقدَّر، ولكن الأول (الدعاء بطول العمر) ليس بعبادة ولم يأمر به الشرع، أما الثانى (الاستعاذة من عذاب النار والقبر) فهو عبادة وأُمِر بها المسلم. فالأول دعاء غير مشروع بل هو مِن التعدِّى فى الدعاء لذا نهاها عنه، والثانى دعاء مشروع نافع مؤثِّر أمَرَها به بل وأَمَر به كل مسلم أن يقوله فى نهاية كل صلاة. وقد أُثِر عن الإمام أحمد أنَّه كان يكره أن يُدعَى له بطول الأجل ويقول : (هذا أمر قد فُرِغَ منه).
 

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,949
مجموع الإعجابات
1,976
النقاط
113
الباب الثالث - الفصل الأول - المبحث الثانى (ما جاء فى أنَّ الشقى مَن شقى فى بطن أمه)

المبحث الثانى : ما جاء فى أنَّ الشقى مَن شقى فى بطن أمه

أولاً : الأحاديث التى تفيد بأنَّ الإنسان قد كُتِبَت عليه الشقاوة أو السعادة قبل أن يُولَد :
* فى الصحيحين من حديث ابن مسعود، قال حدَّثَنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق قال :
" إنَّ أحدكم يُجمَع خلقه فى بطن أمه أربعين يوماً، ثم يكون عَلَقَة مثل ذلك، ثم يكون مُضْغَة مثل ذلك، ثم يَبْعَثُ الله مَلَكَاً فيؤمر بأربع كلمات، ويُقال له: اكتب عملَه ورزقَه وأجَلَه وشقىّ أم سعيد ثم يُنْفَخ فيه الرُّوح ".
* عند مسلم من حديث ابن مسعود، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال :
" الشقى مَن شَقِى فى بطن أمه، والسعيد مَن وُعِظَ بغيره ".
* فى الصحيحين من حديث أنس بن مالك، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال :
"إنَّ الله عزّ وجلَّ وكَّلَ بالرحم مَلَكَاً يقول: يا ربِّ نُطفَة، يا ربِّ علقة، يا ربِّ مضغة، فإذا أراد الله أن يَقضِى خلقه قال: ذَكَرٌ أم أنثى؟ شقى أم سعيد؟ فما الرزق والأجل؟ فيُكتَب فى بطن أمِّه".
* عند مسلم من حديث أُبَىّ بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
" إنَّ الغلام الذى قتله الخضر طُبِع كافراً، ولو عاش لأرْهَق أبَوَيْه طغياناً وكفراً ".
* فى الصحيحين من حديث على بن أبى طالب، أنَّ النبى صلى الله عليه وسلم قال :
" ما مِنْكُم مِنْ أحدٍ، ما مِن نفس منفوسة إلا كُتِب مكانها من الجنَّة و النَّار، وإلا قد كُتِب شقيَّة أو سعيدة ".

ثانياً : الأحاديث التى تفيد بأنَّ كل مولود يُولَد على الفطرة :
* فى الصحيحين من حديث أبى هريرة، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال :
" ما من مولود إلا يُولَد على الفطرة، فأبواه يُهِوِّدانه أو يُنَصِّرانه أو يُمَجِّسانه، كما تُنتِج البهيمةُ بهيمةً جمعاء، هل تُحسِّون فيها مِن جدعاء ؟ "ثم يقول أبو هريرة
" فِطْرَتَ الله التى فَطَر الناس عليها لا تبديل لخلق الله " الروم 30
جمعاء : مجتمعة الأعضاء، سليمة من كل نقص
جدعاء : مقطوعة الأذن أو الأنف أو غيرها من الأعضاء
* وفى رواية عند مسلم : " ما من مولود يولد إلا وهو على الملَّة ".
* وفى رواية : " ليس من مولود يولد إلا على هذه الفطرة حتى يُعبِّر عنه لسانه ".

معنى الفطرة فى اللغة :
للفطرة فى اللغة معانى كثيرة منها :
الإسلام ، الخِلْقَة التى خُلِق عليها المولود ، البدأة التى ابتدأ الله عليها خَلقِه ، الميثاق الذى أخذه الله من ذريَّة آدم بإقرار الرُّبوبيَّة له يوم استخرجهم من ذريَّته ، ما يُقلِّب الله قلوب الخلق إليه مما يريد ويشاء.
والرَّاجح عند عامة السلف أن معنى الفطرة فى الأحاديث السابقة هو الإسلام – ملَّة الإسلام.

وجه التعارض بين الأحاديث :
أن الأحاديث الأولى تفيد أن المولود قبل أن يولد قد كُتِب عليه شقاوته أو سعادته ،
أما الأحاديث الأخرى تفيد أن كل مولود يولد على فطرة الإسلام ثم إما يستمر عليها أو يكفِّره أهله بأى ملة أخرى (كاليهودية أو النصرانية أو المجوسية أو غير ذلك).
فكيف لِمَن كُتِب عليه الشقاوة أن يُولَد على ملَّة الإسلام وقد سبق تقديره بالشقاوة ؟
ففى هذا تعارض ظاهرى.
أما من كُتِب عليه السعادة فلا يتعارض بل يوافق أن يُولَد على فطرة الإسلام.

مسالك العلماء تجاه مبحث ما جاء فى أن الشقى من شقى فى بطن أمه لإزالة التعارض الظاهرى:
الجمع : سلك العلماء مسلك الجمع بين كل الأحاديث السابقة كالتالى :
كل مولود يولد على الفطرة (مِلَّة الإسلام) ثم إما يستمر عليها وإما يكفره أهله، أما الأحاديث الأولى (لابن مسعود، أنس، على) وغيرها التى تفيد بكتابة الشقاء والسعادة على الإنسان قبل أن يولد فهى حق لا مِرْيَة فيه ولكن ليس فيها ما ينافى كون المولود وُلِد على فطرة الإسلام، لأن المراد بكتابة الشقاوة والسعادة إنما هو باعتبار المآل والخاتمة وهذا لا يمنع مِن أن يكون قبل ذلك مولوداً على الإسلام.
وعلى هذا فمَن كُتِبَ سعيداً فإنه يظل على فطرته التى ولد عليها ويموت عليها، ومَن كُتِب شقياً فإنه لا بد أن يصير إلى ما فى علم الله فيعرض له ما يُغيِّر فطرته، كما تولد البهيمة جمعاء وقد عَلِم الله أنها ستُجدَع.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية : (.... والآثار المنقولة عن السلف لا تدل إلا على هذا القول الذى رجَّحناه وهو أنهم ولدوا على الفطرة ثم صاروا إلى ما سبق فى علم الله فيهم من سعادة وشقاوة، لا تدل على أنه حين الولادة لم يكن على فطرة سليمة مقتضية للإيمان مستلزمة له لولا المعارض)
وقال أيضاُ : (من ابتدأه على الضلالة أى كتبه أنه يموت ضالاً، فقد يكون ذلك عاملاً بعمل أهل الهدى، وحينئذ مَن وُلِد على الفطرة السليمة المقتضية للهدى لا يمتنع أن يُعرَض لها ما يغيِّرها فيصير إلى ما سبق به القدر لها، كما فى الحديث الصحيح :
"إنَّ أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يصير بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخل النار، وإنَّ أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يصير بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخل الجنة").
وقال أيضاً فى رواية " إنَّ الغلام الذى قتله الخضر طُبِع كافراً" :
(طُبِع : أى طُبِع فى الكتاب أى : قُدِّر وقُضِى، لا أنه كان كفره موجوداً قبل أن يولد، فهو مولود على الفطرة السليمة وعلى أنَّه بعد ذلك يتغيَّر فيكفر كما طُبِع كتابه يوم طُبِع).
 

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,949
مجموع الإعجابات
1,976
النقاط
113
الباب الثالث - الفصل الأول - المبحث الثالث ( والشرُّ ليس إليك )

المبحث الثالث : والشرُّ ليس إليك

أولاً : الأحاديث التى تفيد أنَّ الشرَّ من الله تعالى واقع بتقديره :
* عند مسلم من حديث عمر بن الخطاب أنَّ جبريل سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإيمان فقال: " أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره ".
* عند مسلم من حديث ابن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
" كل شىء بقدر حتى العَجْز والكَيْس "
العَجْز : عدم القدرة ، الكَيْس : العقل والحذقة بالأمور
وفى هذه الأحاديث دلائل واضحة على أن الخير والشر كلاهما من عند الله تعالى وبتقديره.

ثانياً : الأحاديث التى تفيد عدم إضافة الشرِّ إلى الله تعالى :
* عند مسلم من حديث على بن أبى طالب، أنَّ النبى صلى الله عليه وسلم كان يقول فى دعاء الاستفتاح : "لَبيَّك وسَعْدَيْك والخير كله فى يَدَيْك والشرُّ ليس إليك"

وجه التعارض بين الأحاديث
أنَّ أحاديث (عمر وابن عمر) تفيد بأن الشرَّ والخير كلاهما بتقدير الله على عباده وأنه خالقهما، أما حديث على بن أبى طالب فيفيد أن الشر لا يُضاف إلى الله تعالى.

أصل من الأصول (لأبى عثمان الصَّابونى):
(يشهد أهل السنة ويعتقدون أن الخير والشر والنفع والضُر بقضاء الله وقدره، لا مردَّ لها ولا محيص ولا محيد عنها، ولا يُصيب المرء إلا ما كتبه له ربَّه).

مسالك العلماء تجاه مبحث والشر ليس إليك لإزالة التعارض الظاهرى :
مسلك الجمع
: جمع أهل العلم بين كل الأحاديث السابقة، بأن الله تعالى هو مقدِّر كل شىء الخير والشر على حدٍ سواء، أما حديث على بن أبى طالب والذى فيه "والشر ليس إليك" فيُحمَل على الأوجه الآتية :
(1) والشر لا يُتقرَّب به إليك، كالملوك التى يَتقرَّب إليها بعض الناس بالشر (كغيبة فلان أو إيذاء فلان أو بالتملُّق والنفاق والكذب).
وإلى هذا الرأى ذهب الخليل بن أحمد، وإسحاق بن راهويه، ويحيى بن معين، وأبوبكر بن خزيمة، والطحاوى، والأزهرى، وغيرهم.
(2) والشر لا يُضاف إليك على انفراده، فلا يصِح أن يقال: (يا خالق الشر، يا مقدِّر الشر) ونحوه.
وإلى هذا ذهب أبوعثمان الصَّابونى، والمزنى، وغيرهما.
(3) والشر لا يصعد إليك، وإنما يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح.
(4) أن الله تعالى لا يخلق شراً محضاً، فالشر الذى يخلقه الله تعالى ليس شراً بالنسبة إليه لأنه صادر عن حكمة بالغة، فقضاء الله وقدره كله خير لا شر بوجه من الوجوه ولكن قد يدركه العبد وقد لا يدركه.
وإلى هذا ذهب شيخ الإسلام أحمد بن تيمية، وتلميذه ابن القيِّم، وابن أبى العزّ، وسليمان بن عبد الله، وغيرهم.
قال ابن تيمية: (فإنه لا يخلق شراً محضاً بل كل ما يخلقه فيه حكمة هو باعتبارها خير، ولكن قد يكون فيه شر لبعض الناس، وهو شر جزئى إضافى، فأما شر كلى أو شر مطلق فالربُ منزَّه عنه، وهذا هو الشر الذى ليس إليه).

خلاصة الجمع :
إن الله تعالى هو مقدِّر كل شىء الخير والشر على حدٍ سواء، أما قول النبى صلى الله عليه وسلم "والشرُّ ليس إليك" فمعناه :
الشرُّ لا يُتقرَّب به إليك، والشرُّ لا يضاف إليك على انفراده، والشرُّ لا يصعد إليك، والشرُّ المحض المطلق فهذا لا يُنْسَب أبداً إلى الله، أما الشرُّ الجزئى الذى فيه خير وفيه شر عن حكمة يعلمها سبحانه فهذا يُنسَب إلى الله تعالى.

سؤال فى إرادة الله تعالى والجواب عنه :
السؤال : هل يريد الله الشر لأحدٍ من عباده ؟
فإذا كان الجواب بنعم ، فكيف يريد الله الشر لعباده وهو خالقهم ؟
وإذا كان بلا ، فكيف يحدث الشر للعباد دون إرادة الله تعالى (رُغمَاً عنه) ؟
الجواب : يُمتنع إطلاق إرادة الشر وفِعْله إلى إرادة الله تعالى، لِمَا فى ذلك الإطلاق من إيهام المعنى الباطل ونفى المعنى الصحيح.
وبيان ذلك أنَّ العلماء قالوا بأنَّ إرادة الله نوعان :
(1) إرادة كونية : وهى مرادفة للمشيئة (إرادة قَدَريَّة)
وهذه الإرادة لا يَخرُج عن مرادها شىء، فلا يَخرُج أىُّ فِعلٍ خيراً كان أم شراً عن إرادة الله الكونية ، فالكافر والمؤمن تحت هذا الإرادة سواء ، فالطاعات والمعاصى كلها بمشيئة الرب وإرادته الكونية.
والدليل على هذا النوع (الإرادة الكونية)
قوله تعالى : "وإذا أراد الله بقوم سوءاً فلا مردَّ له" سورة الرعد
قوله تعالى : "فَمَنْ يُرِد الله أنْ يَهْدِيَه يشْرَح صَدرَه للإسلام ومَنْ يُرِد أنْ يُضِلَّه يَجْعَل صَدْرَه ضَيِّقَاً حَرَجَاً كأنَّما يَصَّعَّدُ فى السَّماء" سورة الأنعام
(2) إرادة شرعية : وهى مختصة بما يحبه الله ويرضاه لجميع عباده ، فهى لا تكون إلا فى الخير، فلا يريد الله أبداً لأىِّ أحدٍ من خلقه وقوع الشرِّ عليه ، بدليل أن الله تعالى بيَّن لجميع عباده طريق الحق والخير وحثَّهم عليه ، وطريق الشر والسوء وحذَرهم منه ومِن الوقوع فيه ، وأرسل لهم الأنبياء والرسل والآيات والمعجزات لهدايتهم وإرشادهم إلى الطريق الصحيح والأخذ بأيديهم من الوقوع فى الخطأ، وتَرَكَ لهم حرية اختيار الطريق ، فمنهم من اختار طريق الحق وسار فيه ، ومنهم من اختار طريق الشر والباطل وسار فيه.
والدليل على هذا النوع (الإرادة الشرعية أو الدينية)
قوله تعالى: "يُرِيدٌ الله بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْر" سورة البقرة
قوله تعالى: "مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ " سورة المائدة
قوله تعالى: "وَاللّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيمًا يُرِيدُ اللّه أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا" سورة النساء
وملخَّص ما سبق أن الله تعالى يريد لجميع خلقه الخير (إرادة شرعية)، فبيَّن لهم طريق الحق والخير، وطريق الباطل والشر، وترك لهم حرية الاختيار، فمنهم من يختار طريق الحق والخير فيسير فيه بإرادة الله الكونية، ومنهم من يختار طريق الباطل والشر فيسير فيه بإرادة الله الكونية ، فلا يخرج شىء أبداً خيراً كان أم شراً عن إرادة الله الكونية القَدَريَّة ، وإنْ كان الله لا يريد لعباده إلا الخير بإرادته الشرعية الدينية.
 

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,949
مجموع الإعجابات
1,976
النقاط
113
الباب الثالث - الفصل الأول - المبحث الرابع ( حُكْم أولاد المشركين فى الآخرة )

المبحث الرابع : حُكْم أولاد المشركين فى الآخرة
أى حكم أولاد المشركين (غير المسلمين) الذين ماتوا قبل بلوغهم الحُلُم.

أولاً : الأحاديث الدَّالة على أنَّ أولاد المشركين فى الجنَّة :

* عند البخارى من حديث سمرة بن جندب فى قصة رؤيا النبى صلى الله عليه وسلم، وفيها أنه قال: "وأما الرجل الطويل الذى فى الرَّوضة فإنه إبراهيم عليه السلام، وأما الولدان الذين حوله فكل مولود مات على الفطرة" قال: فقال بعض المسلمين: يا رسول الله، وأولاد المشركين ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "وأولاد المشركين".
* فى الصحيحين من حديث أبى هريرة، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال :
" ما من مولود إلا يُولَد على الفطرة، فأبواه يُهِوِّدانه أو يُنَصِّرانه أو يُمَجِّسانه، كما تنتج البهيمةُ بهيمةً جمعاء، هل تُحسِّون فيها مِن جدعاء ؟ " ثم يقول أبو هريرة
" فِطْرَتَ الله التى فَطَر الناس عليها لا تبديل لخلق الله "
الروم 30
جمعاء : مجتمعة الأعضاء، سليمة من كل نقص
جدعاء : مقطوعة الأذن أو الأنف أو غيرها من الأعضاء
وهذا الحديث عام فى أى مولود وأى طفل سواء كان من أبناء المؤمنين أو المشركين.

ثانياً: الأحاديث الدَّالة على أنَّ مآلهم إلى الله ولم تذكر أفى الجنَّة أم النَّار :
* فى الصحيحين من حديث ابن عباس قال: سُئِلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أولاد المشركين، فقال: "الله إذ خَلَقَهم أعلمُ بما كانوا عاملين".
* فى الصحيحين من حديث أبى هريرة قال: سُئِلَ النبى صلى الله عليه وسلم عن ذرارى المشركين، فقال: "الله أعلمُ بما كانوا عاملين".

ثالثاً: الأحاديث الدَّالة على أنَّ مآلهم مع آبائهم :
* فى الصحيحين من حديث الصعب بن جثامة، أنَّ النبى صلى الله عليه وسلم سُئِلَ عن أهل الدار يُبَيِّتون من المشركين فيُصاب مِن نسائهم وذراريهم، قال: "هم منهم".
* عند مسلم أنَّ النبى صلى الله عليه وسلم قيل له: إنَّ خيلاً أغارت مِن الليل فأصابت من أبناء المشركين، قال: "هم من آبائهم".

بيان وجه التعارض :
ذكرت الأحاديث الأولى بأن أطفال المشركين الذين يموتون دون البلوغ مآلهم جميعاً إلى الجنَّة، وذكرت الأحاديث الثانية أنَّ مآلهم إلى الله ولم تُحدِّد مصيرهم هل إلى الجنة أم النار، أما الأحاديث الثالثة فقد ذكرت أنهم مع آبائهم ومآلهم معهم، ومن المعلوم أن آباءهم فى النار طالما ماتوا على الكفر.
وبالنسبة للنوع الثالث من الأحاديث فقد أوضح أهل العلم بيانه وتأويله بأنَّ المقصود أنَّ هؤلاء الأطفال مع آبائهم ولكن فى أحكام الدنيا وليس فى عذاب الآخرة، لأن السؤال أصلاً فى هذه الأحاديث كان من المسلمين فى خبر حرب أو جهاد بين المسلمين والمشركين ، فقد سأل المسلمون النبى صلى الله عليه وسلم عن حالهم مع هؤلاء الأطفال الذين ماتوا خطأ بالسِّهام التى كانت تُطْلَق على آبائهم فى الحرب فأصابت منهم البعض بالخطأ، فردَّ النبى صلى الله عليه وسلم بأنهم مع آبائهم، أى فى حكم أنَّ مَن قتلهم خطأ ليس عليه دية. وعليه فهذا النوع من الأحاديث يخرج عن الإشكال، ويتبقى الإشكال بين النوعين الأول والثانى.

مسالك العلماء تجاه مبحث حكم أولاد المشركين فى الآخرة لإزالة التعارض الظاهرى :
الجمع : سلك العلماء مسلك الجمع بين كل الأحاديث السابقة ، وبيَّنوا بأنَ أطفال المشركين الذين ماتوا قبل أن يبلغوا الحلم سيُمْتَحَنون فى عرصات القيامة، فيُرسَل إليهم رسول يدعوهم إلى عبادة الله، فمَن أطاعه دخل الجنة، ومَن عصاه دخل النار ، أو تُرفَع لهم نار ثم يُؤمَرون من قِبَل الله تعالى أن يدخلوها، فمن أطاع الله ودخلها كانت عليه برداً وسلاماً ويكون من أهل الجنة، ومن عصى الله ولم يدخلها يكون من أهل النار.
وعليه فيُحمَل قول: " الله أعلم بما كانوا عاملين " على يوم القيامة، أى الله أعلم بما سيفعلون فى الامتحان يوم القيامة.
وعليه لا يصح أن نطلق أن أطفال المشركين الذين ماتوا قبل البلوغ فى الجنة
ولا يصح أن نطلق أنهم فى النار ، وذلك لأننا لا نعلم كيف سيكون فعلهم فى امتحان القيامة. كما لا يصح أن نطلق أنهم من أهل الأعراف لأنه لم يَقُل أحدٌ بذلك.
وهذا الرأى هو ما ذهب إليه أكثر السلف من الصحابة والتابعين وأهل العلم.
قال شيخ الإسلام فى هذا الرأى: (وهذا أجود ما قيل فى أطفال المشركين، وعليه تتنزَّل جميع الأحاديث).
وقال ابن كثير: (وهذا القول يجمع بين الأدلة كلها).
وقال الشنقيطى: (ولا وجه للجمع بين الأدلة إلا هذا القول: بالعذر والامتحان، فمن دخل النار فهو الذى لم يمتثل ما أُمِر به عند ذلك الامتحان، ويتفق بذلك جمع الأدلة، والعلم عند الله تعالى).
وقال ابن القيم: (وفى قوله: "الله أعلم بما كانوا عاملين" إشارة إلى أنه سبحانه كان يعلم ما كانوا عاملين لو عاشوا، وأنَّ مَن يطيعه وقت الامتحان كان مِمَّن يطيعه لو عاش فى الدنيا، ومَن يعصيه حينئذ كان مِمَّن يعصيه لو عاش فى الدنيا).
الأدلة على أنَّ مَن مات مِن أطفال المشركين يُمْتَحَن فى عرصات القيامة :
وردت أحاديث وروايات كثيرة متشابهة تحدَّثت عن فئات تأتى يوم القيامة تحاجج الله بأنها لم تُرسَل إليها الدعوة بعبادة الله، فيمتحنهم الله حينها وهو أعلم بما سيفعلوه، فمن أطاعه ونجح فى الامتحان كان من أهل الجنة، ومن عصاه رسب فى الامتحان وكان من أهل النار. وهذه الفئات هى : (الأصمُّ، الأحمق، الهَرِم، أهل الفترة، المولود).
وأهل الفترة هم الذين ولدوا بعد موت نبى، وماتوا قبل بعثة النبى الذى يليه
أى أنهم عاشوا فى فترة تقع بين موت نبى وبَعْثِ نبى آخر، وعليه فإنه لم تصلهم رسالة أى نبى من الأنبياء ولم يُعرَض عليهم الإسلام.
وعليه فإن مشركوا وأهل قريش ليسوا من أهل الفترة لأنهم كانوا على علم بشريعة الله إبرهيم عليه السلام بدليل أنهم كانوا يحجُّون ويطوفون بالبيت الحرام ، ومنهم مَن كان على علمٍ بشريعة النبى عيسى عليه السلام مثل ورقة بن نوفل، لذا بنص الأحاديث فإنهم (مَن مات منهم على الشرك) فى النار.
وفى هذا ردٌّ على الفِرَق الضآلة (أهل التكفير) مِن الخوارج والمعتزلة الذين قالوا بأنَّ مشركى قريش من أهل الفترة ثم استعملوا الأحاديث التى تنص على أنهم فى النار، فقالوا أن الله حكم عليهم بالنار بالميثاق عند ولادتهم وهم من أهل الفترة، فاستدلوا بذلك على مذهبهم الضآل بأنَّ كل من أشرك أو عصى الله فهو كافر من أهل النار حتى لو كان على غير علم منه لأنه قد أُخِذ عليه ميثاق الإسلام عند ولادته.
ومن هذه الأحاديث والروايات ما يلى :
*عند أحمد فى مسنده من حديث الأسود بن سريع، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال:
" أربعة يَحْتَجُّون يوم القيامة: رجلٌ أصم ورجلٌ أحمق ورجلٌ هَرِم ورجلٌ مات فى الفترة، فأما الأصم فيقول: يا ربِّ لقد جاء الإسلام وما أسمع شيئاً، وأما الأحمق فيقول: ربِّ قد جاء الإسلام والصبيان يحذفوننى بالبعر، وأما الهرم فيقول: ربِّ لقد جاء الإسلام وما أَعْقِل، وأما الذى مات فى الفترة فيقول: ربِّ ما أتانى لك رسول، فيأخذ مواثيقهم لَيُطِيعَنَّه فيُرسِل إليهم رسولاً أن ادخلوا النار، قال: فو الذى نفسى بيده لو دخلوها كانت عليهم برداً وسلاماً".
* روى البزَّار من حديث أنس بن مالك، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال :
" يؤتى بأربعة يوم القيامة : بالمولود والمعتوه ومن مات فى الفترة وبالشيخ الفانى، كلهم يتكلَّم بحجَّته، فيقول الله تبارك وتعالى لِعُنُق من جهنم (أحسبه قال) : ابرزى، فيقول لهم: (إنى كنت أبعث إلى عبادى رسلاً من أنفسهم، فإنى رسول نفسى إليكم، ادخلوا هذه)، فيقول مَن كُتِب عليه الشقاء: يا ربِّ أتُدْخِلْناها ومنها كنا نفرق؟ ، ومَن كُتِب له السعادة فيمضِى فيقتحم فيها مُسْرِعاً، قال : فيقول الله : قد عصيتمونى وأنتم لرسلى أشد تكذيباً ومعصية، قال: فيدخل هؤلاء الجنة وهؤلاء النار ".
* روى البزَّار من حديث أبى سعيد، عن النبى صلى الله عليه وسلم -أحسبه - قال :
" يؤتى بالهالك فى الفترة والمعتوه والمولود، فيقول الهالك فى الفترة: لم يأتنى كتاب ولا رسول، ويقول المعتوه: أى ربِّ لم تجعل لى عقلاً أعقِل به خيراً ولا شراً، ويقول المولود: لم أدرك العمل قال: فترفع لهم نار فيقال لهم: رِدُوها أو قال: ادخلوها، فيدخلها مَن كان فى علم الله سعيداً إن لو أدرك العمل، قال: ويُمسِك عنها من كان فى علم الله شقيَّاً إن لو أدرك العمل، فيقول تبارك وتعالى: وإياى عصيتم فكيف برسلى بالغيب ؟ "
قال شيخ الإسلام ابن تيمية بعد ذكره لبعض الأحاديث السابقة وغيرها : (وقد جاءت بذلك عدة آثار مرفوعة إلى النبى صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة والتابعين بأنه فى الآخرة يُمتَحن أطفال المشركين وغيرهم مِمَّن لم تبلغه الرسالة فى الدنيا، وهذا تفسير قوله "الله أعلم بما كانوا عاملين" ).
وقال أيضاً : (وعلى هذا القول تدل الأصول المعلومة من الكتاب والسنة من أن الله لا يعذِّب أحداً حتى يبعث إليه رسولاً).
قال تعالى : " وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا " سورة الإسراء

ملحوظة :
لو عُرِض على الأصمِّ الإسلام فى الدنيا بالإشارة أو الكتابة أو أى وسيلة كانت ، وأُمِر فيها باعتناقه، فرفض ومات على ذلك فقد أُقِيمَت عليه الحُجَّة ويخرج عن هؤلاء الذين يُمتحَنون يوم القيامة.

اعتراضات وشبهات على أنَّ هذه الفئة ستُمْتَحَن يوم القيامة ، والردُّ عليها :
1- قالوا : أنَّ الآخرة هى دار حساب وليست دارعمل ولا ابتلاء، فكيف يَختَبِر الله فيها القوم ؟
الجواب: دلَّت الأدلة الشرعية على أنَّ تكليف الله للخلق لا ينقطع ولا ينتهى إلا بعد دخول أهل الجنة الجنة، ودخول أهل النار النار. والدليل على ذلك :
قوله تعالى: "يوم يكشف عن ساق ويُدْعَوْن إلى السجود فلا يستطيعون" ، وهذا فى عَرَصَات القيامة.
سؤال الملكين للميِّت: (من ربك؟ ، ومن نبيك؟ ، ومادينك؟) ، وهذا فى البرزخ.
2- قالوا : كيف يُكلَّفون بدخول النار، وليس ذلك فى وسع المخلوقين ؟ ، وقد قال تعالى: " لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ".
الجواب : أنَّ ذلك ليس تكليفاً بما ليس فى الوسع، وإنما هو تكليف بما فيه مشقة شديدة ولكنه فى الوسع ، فهو كتكليف بنى إسرائيل بقتل أولادهم وأزواجهم وآبائهم الذين عبدوا العجل ، وكتكليف بنى إسرائيل بقتل أنفسهم توبة إلى الله ، وكتكليف المؤمنين إذا رأوا الدجال معه جنة ونار أن يبتعدوا عن الذى يرونه جنة ويدخلوا فى الذى يرونه ناراً.
3- قالوا : كيف يمتحنون يوم القيامة، وقد أَمَرَ اللهُ الخضرَ عليه السلام بقتل الغلام ، ولم يُترك لِيُمتَحَن يوم القيامة ؟
الجواب من وجهين :
الأول: أنَّ هذا الغلام كما ذكرت الآية بسورة الكهف كان أبواه مُؤمِنَيْن، أى أن الأصل أنه كان مسلماً من أبوَيْن مسلمَيْن، وعليه فهو ليس من أبناء المشركين الذين ماتوا قبل البلوغ، وعليه فلا يسرى عليه الحكم ولا يصِح الاستدلال به على أن الله لا يمتحن أبناء المشركين الذين ماتوا دون البلوغ فى عرصات القيامة.
الثانى : أن الله بعلمه الأزلى كان يعلم أنه لو عاش كان سيكفر ويُرهِق أبويه طغياناً وكفراً كما دلَّت الآية، لذا فهو مِن أهل النار سواء عاش أو قُتِل، وهذا كان سبب أمر الله لنبيِّه الخضر عليه السلام بقتله حتى لا يكون سبباً فى إفساد حياة أبوَيْه المؤمِنيْن.
وأما قول البعض بأنه مات طفلاً مسلماً دون البلوغ فيكون مع أطفال المسلمين فى الجنة ، فهذا قول لا يصح لأن الدليل القرآنى هو الذى ذَكَر أنه لو عاش كان سيكفر أو يفسق ويرهق أهله طغياناً وكفراً، وعليه فلا كلام بعد هذا الدليل الصريح.

الخلاصة من هذا المبحث فى حكم أطفال المشركين الذين ماتوا قبل البلوغ :
أن نقتدى بالنبى صلى الله عليه وسلم حين توقَّف فى حديثى ابن عباس وأبى هريرة بقوله : "الله أعلم بما كانوا عاملين". فيجب أن نتوقَّف فى هذا الأمر ولا نقول أنَّ مَن مات مِن أطفال المشركين دون البلوغ فى الجنة ولا نقول بأنه فى النار، وذلك لأن الأمر متوقِّف على نتيجة الامتحان الذى سيُمتَحَنه يوم القيامة فى العرصات كما دلَّت الأدلة السابقة. كما لا يصح أن نقول بأنه من أهل الأعراف لأنه لم يقل بذلك أحد من أهل العلم.
بل الصحيح أن نقول أمره وعلمه عند الله، وأنه سيمتحن يوم القيامة فإن أطاع الله فيما أمره به بدخول التى يراها ناراً نجح فى الاختبار وكان من أهل الجنة، وإن عصى الله فيما أمره به بدخول التى يراها ناراً رسب فى الاختبار وكان من أهل النار.
 

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,949
مجموع الإعجابات
1,976
النقاط
113
الباب الثالث - الفصل الأول - المبحث الخامس ( ما جاء فى اللَّو )

المبحث الخامس : ما جاء فى (اللَّو)

أولاً : الأحاديث التى جاءت فى النهى عن استعمال لفظة لو :
* عند مسلم من حديث أبى هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
" المؤمن القوى خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفى كل خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شىء فلا تقل: لو أنِّى فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدَّر الله وما شاء فعل، فإنَّ لو تفتح عمل الشيطان ".

ثانياً : الأحاديث الدالة على جواز استعمال لفظة لو :
* عند البخارى من حديث عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
" لو استقبلتُ من أمرى ما استدبرتُ ما سُقْت الهَدْى ولَحَللْت مع الناس حين حَلُّوا ". فى مقام الحج
* عند البخارى من حديث ابن عباس أنه ذَكَرَ المتلاعِنَيْن، فقال عبد الله بن شدَّاد: أهى التى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو كنتُ راجماً امرأة من غير بيِّنَة" ؟ ، قال ابن عباس: لا، تلك امرأة أُعْلِنَت.
وفى رواية: قال رجل لابن عباس فى المجلس: هى التى قال النبى صلى الله عليه وسلم: "لو رجمتُ أحداً غير بيِّنَة رجمت هذه" ، فقال ابن عباس: لا، تلك امرأة كانت تُظهِر فى الإسلام السوء.
* عند البخارى من حديث أبى هريرة أنهم لمَّا أبَوْا أن ينتهوا عن الوصال، واصل بهم النبى صلى الله عليه وسلم حتى رأوا الهلال ثم قال: "لوتأخرتم لزدتكم" كالمُنكِّل لهم.
* عند البخارى من حديث عبد الله بن زيد، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال:
" لولا الهجرة لكنت امرءاً من الأنصار، ولو سلك الناس وادياً أو شِعْبَاً لسلكت وادى الأنصار وشِعبَها ".

وجه التعارض بين الأحاديث :
أن الحديث الأول لأبى هريرة فيه نهى عن استعمال كلمة لو، أما الأحاديث الأخرى (لعائشة، وابن عباس، وأبى هريرة، وعبدالله بن زيد) فيها ما يدل على استعمال النبى صلى الله عليه وسلم لكلمة لو مما يدل على جوازها.

مسالك العلماء تجاه مبحث ما جاء فى اللَّو لإزالة التعارض الظاهرى :
الجمع : جمع العلماء بين كل الأحاديث السابقة، وقالوا الآتى :
تنقسم كلمة لو واستعمالاتها إلى قسمين :
القسم الأول: مَنهىٌّ عنه لكراهة التنزيه، وعليه يُحمَل أحاديث النهى.
القسم الثانى: جائز لا كراهة فيه، وعليه يُحمَل أحاديث الجواز.
وبهذا ينتهى الإشكال ويزول التعارض.
وهذا ما ذهب إليه القاضى عياض، وشيخ الإسلام ابن تيمية، والطبرى، وغيرهم من أهل العلم فى الأقوال التالية :
- القول الأول : ما ذهب إليه القاضى عياض وهو التفريق بين استعمال لو:
(أ) لِمَا مَضَى وانقضى وليس فى القدرة ولا فى الإمكان فعله، فهذا هو المنهى عنه ويُكرَه كراهة تنزيه، وعليه يُحمَل أحاديث النهى
(ب) فى الخبر عمَّا يُستَقبَل مما لا اعتراض فيه على قدر، فهذا جائز لا كراهة فيه، وعليه يُحمَل أحاديث الجواز.
- القول الثانى: ما ذهب إليه شيخ الإسلام مِن أنَّ كلمة لو تستعمل على وجهين:
(أ) على وجه الحزن على الماضى والجزع من المقدور، فهذا هو المنهى عنه ، وعليه يُحمَل أحاديث النهى.
كما فى قوله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَّوْ كَانُوا عِندَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قلوبهم وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ"
(ب) لبيان علم نافع أو لبيان محبة الخير وإرادته، فهذا جائز لا كراهة فيه، وعليه يُحمَل أحاديث الجواز.
مثل قوله تعالى : " لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا " بيان علم نافع
ومثل قول النبى عليه الصلاة والسلام عند أحمد والترمذى: " ... لو أن لى مالاً لعملتُ فيه بعمل فلان فهو بنيته فأجرهما سواء ...." بيان محبة الخير وإرادته.
- القول الثالث: ما ذهب إليه الطبرى من أنَّ :
(أ) النهى عن استخدام كلمة لو مخصوص بالجزم بالفعل الذى لم يقع.
(ب) أما جواز استخدام كلمة لو فيُحمَل على ما إذا كان قائله يوقِن فى قرارة نفسه بأنه لا يقع شىء إلا بمشيئة الله وإرادته.
مثال : إذا قال شخص عن شىء وقع (لو أنِّى لم أفعل كذا وكذا ما وقع الشىء).
فهو بقوله هذا يكون جازما متيقناً بأنه لو لم يفعل ما فعله ما وقع الشىء، غير مضمر فى نفسه مشيئة الله تعالى. فهذا منهى عنه.
أمَّا إن لم يكن جازماً بالفعل ، وعلَّق عدم وقوع الشىء على مشيئة الله تعالى لا على فِعلِه ، فهذا جائز لا حرج فيه.
 

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,949
مجموع الإعجابات
1,976
النقاط
113
الباب الثالث - الفصل الأول - المبحث السادس ( وقت كتابة الملَك ما قُدِّر للعبد فى بطن أمِّه )

المبحث السادس : وقت كتابة الملَك ما قُدِّر للعبد فى بطن أمِّه

أولاً : الأحاديث التى تفيد بأنَّ وقوع الكتابة يكون بعد الأربعين الثالثة (بعد المضغة) :
* فى الصحيحين من حديث ابن مسعود، قال حدَّثَنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق قال :
" إنَّ أحدكم يُجمَع خلقه فى بطن أمه أربعين يوماً، ثم يكون عَلَقَة مثل ذلك، ثم يكون مُضْغَة مثل ذلك، ثم يَبْعَثُ الله مَلَكَاً فيؤمر بأربع كلمات، ويُقال له: اكتب عملَه ورزقَه وأجَلَه وشقىّ أم سعيد ثم يُنْفَخ فيه الرُّوح "
* فى الصحيحين من حديث أنس بن مالك، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال :
"إنَّ الله عزّ وجلَّ وكَّلَ بالرحم مَلَكَاً يقول: يا ربِّ نُطفَة، يا ربِّ علقة، يا ربِّ مضغة، فإذا أراد الله أن يَقضِى خلقه قال: ذَكَرٌ أم أنثى؟ شقى أم سعيد؟ فما الرزق والأجل؟ فيُكتَب فى بطن أمِّه".

ثانياً: الأحاديث التى تفيد بأنَّ وقوع الكتابة يكون بعد الأربعين الأولى (بعد النطفة) :
* فى الصحيحين من حديث حذيفة بن أسيد يبلغ به النبى صلى الله عليه وسلم قال :
" يدخل الملك على النطفة بعدما تستقر فى الرحم بأربعين أو خمسة وأربعين ليلة فيقول: يا ربِّ أشقى أم سعيد؟ فيكتبان، فيقول: أى ربِّ ذكر أو أنثى؟ فيكتبان ويكتب عمله وأثره وأجله ورزقه ثم تطوى الصحف فلا يزاد فيها ولا ينقص".
* عند مسلم من حديث حذيفة بن أسيد قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :
"إذا مرَّ بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة، بعث الله إليها ملكاً فصوَّرها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظمها ثم قال: يا ربِّ أذكر أم أنثى ...." الحديث.
* وفى رواية :
" إن النطفة تقع فى الرحم أربعين ليلة ثم يتصوَّر عليها الملك... " الحديث

وجه التعارض بين الأحاديث :
الأحاديث الأولى (لابن مسعود، وأنس بن مالك) ذكّرّتْ أن وقت كتابة الملك ما قُدِّر للعبد (عمله ورزقه وأجله ومصيره شقى أم سعيد) يكون بعد مرحلة المضغة (الأربعين الثالثة، أى بعد 120 يوم).
أما حديث حذيفة بن أسيد برواياته فقد ذكّرّتْ أن وقت كتابة الملك ما قُدِّر للعبد يكون بعد مرحلة النطفة (الأربعين الأولى) ، أى بعد 40 يوم أو 45 يوم أو 42 يوم أو ما شابه كما ذكرت الروايات.
وعليه فيوجد تعارض ظاهرى بين الأحاديث فى تحديد وقت الكتابة.

مسالك العلماء تجاه مبحث وقت كتابة المَلَك لإزالة التعارض الظاهرى :
مسلك الجمع : جمع العلماء بين كل الأحاديث السابقة فى الأوجه التالية :
(1) أن الكتابة تقع مرتين :
الأولى : عَقِب الأربعين الأولى، أى بعد النطفة
الثانية :عَقِب الأربعين الثالثة ، أى بعد المضغة
وبهذا ينتهى الإشكال ويزول التعارض ، إلا أن هذا القول مرجوح.
(2) أن الكتابة تختلف باختلاف الأجِنَّة ، فبعضهم يُكتَب له ذلك بعد الأربعين الأولى ، وبعضهم بعد الأربعين الثالثة ، وهذا قول ابن رجب.
(3) أن الكتابة تكون بعد الأربعين الأولى كما فى حديث حذيفة ، أما حديث ابن مسعود فَذَكّر "ثم يبعث الله مَلَكَاً فيؤمر بأربع كلمات ...." معطوف على قوله "يُجمَع خلقه فى بطن أمه" ، وعليه يكون قوله "ثم يكون علقة مثل ذلك ...." معترضاً بين المعطوف والمعطوف عليه.
أى أن قوله : " ثم يكون علقة مثل ذلك ، ثم يكون مضغة مثل ذلك " جملة اعتراضية لا دخل لها بما قبلها ولا بعدها ، وإنما جاءت لذكر فائدة معينة، وهذا جائز فى كلام العرب.
مثال: جاء أحمد – أفضل طالب فى المدرسة – مع والده ، فجملة أفضل طالب فى المدرسة جملة اعتراضية.
(4) أن الكتابة تكون بعد الأربعين الثالثة كما فى حديث ابن مسعود وحديث أنس ، وهذا صريح بأنها عند تمام كونها مضغة ، أما حديث حذيفة فقد وضَّح أنها بعد الأربعين الأولى ولم يوقِّت فيها بالبعدية بل أطلقها، أى لم يذكر هل بعد الأربعين الأولى مباشرة أم بعدها بوقت أطول كأن تكون بعد الأربعين الثانية أو الثالثة. وعليه يكون وقت الكتابة مُطلَقَاً فى حديث حذيفة ، ومُقيَّداً فى حديث ابن مسعود (بعد الأربعين الثالثة) ، والقاعدة أنَّ المطلق يُحمَل على المُقيَّد.
وبهذا يزول الإشكال وينتهى التعارض ، وهذا القول أو الرأى (الرابع) هو أرجح الأقوال التى ذكرها العلماء فى الجمع بين الأحاديث ، وذهب إليه الكثير من أهل العلم كالإمام ابن القيم الذى قال فى هذا الرأى : (هذا وجه حسن جداً).
 

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,949
مجموع الإعجابات
1,976
النقاط
113
الباب الثالث - الفصل الثانى - المبحث الأول ( حُكْم التفضيل بين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام)

الباب الثالث : الإيمان بالقَدَر
الفصل الثانى : مسائل متعلِّقة بالنبوَّة
المبحث الأول : حكم التفضيل بين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام

أولاً : الأحاديث التى تفيد النهى عن التفضيل بين الأنبياء :
* فى الصحيحين من حديث أبى هريرة قال : بينما يهودى يعرض سلعته أُعْطِىَ بها شيئاً كرهه فقال: لا والذى اصطفى موسى على البشر، فسمعه رجل من الأنصار فقام فلطم وجهه وقال: تقول: والذى اصطفى موسى على البشر، والنبى صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا ؟ ، فذهب إليه فقال: أبا القاسم إنَّ لى ذمَّة وعهداً فما بال فلان لطم وجهى؟ ، فقال: "لِمَ لطمتَ وجهه؟" فذكره، فغضب النبى صلى الله عليه وسلم حتى رُؤِىَ فى وجهه ثم قال: "لا تفضلوا بين أنبياء الله، فإنه يُنفَخ فى الصور فيُصعَق مَن فى السماوات ومَن فى الأرض إلا مَن شاء الله ثم يُنفَخ فيه أخرى، فأكون أول مَن بُعِث، فإذا موسى آخِذٌ بالعرش فلا أدرى أحُوسِبَ بصعقته يوم الطور أم بُعِثَ قبلى، ولا أقول إنَّ أحداً أفضل من يونس بن مَتَّى".
صعقة موسى عليه السلام يوم الطور : هى الواردة فى قوله تعالى:
"فلمَّا تَجَلَّى ربُّه للجبل جَعَلَه دَكَّاً وخَرَّ موسى صَعِقَاً".
* وفى رواية بالصحيحين : " لا تُخِيِّرونى على موسى ".
* وفى الصحيحين من حديث أبى سعيد الخدرى – فذكر معنى القصة السابقة – فقال النبى صلى الله عليه وسلم : " لا تُخِيِّروا بين الأنبياء ".
* وفى الصحيحين من حديث أبى هريرة، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال :
" لا ينبغى لعبدٍ أن يقول : أنا خيرٌ من يُونُس بن مَتَّى ".
* وعند البخارى من حديث عبد الله بن مسعود، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال :
" لا يقولنَّ أحدكم : إنِّى خَيرٌ من يُونُس بن مَتَّى ".

ثانياً : الأحاديث التى تفيد جواز التفضيل بين الأنبياء :
* عند مسلم من حديث أبى هريرة، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال :
" فُضِّلْتُ على الأنبياء بستٍّ: أُعطِيتُ جوامعَ الكَلِم، ونُصِرتُ بالرعب، وأُحِلَّت لى الغنائم، وجُعِلَتْ لى الأرض طهوراً ومسجداً، وأُرسِلْتُ إلى الخلق كآفة، وخُتِم بى النبيُّون ".
* عند مسلم من حديث أبى هريرة، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال :
" أنا سيد وَلَد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع، وأول مشفع ".

وجه التعارض بين الأحاديث السابقة :
ذَكَرَت الأحاديث الأولى ما يفيد النهى عن التفضيل بين الأنبياء، أما الأحاديث الثانية فَذَكَرَت ما يفيد جواز التفضيل بين الأنبياء، فقد ذَكرَ النبى صلى الله عليه وسلم أنه خير الأنبياء والرسل بل خير البشر أجمعين.

أصل (معتقد أهل السنة والجماعة فى مسألة التفضيل بين الأنبياء) :
مما لا شك ولا ريب فيه أن التفاضل بين الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام أجمعين ثابت وموجود، كما دلَّت على ذلك الكثير من النصوص، إلا أنَّ هذا التفضيل يكون على العموم (بوجه عام) وليس على الخصوص.
قال تعالى: " تلك الرسل فضَّلْنا بعضهم على بعض منهم مَن كَلَّم الله ورفع بعضهم درجات …" الآية.
وقال تعالى: " ولقد فضَّلنا بعض النبيين على بعض وآتينا داود زبورا ".
وقد أجمع العلماء على أن أفضل الخلق هم الرسل والأنبياء، وأجمعوا أن الرسل أفضل من الأنبياء لتميزهم بالرسالة التى هى أفضل من النبوَّة، وأجمعوا أن أولى العزم هم أفضل الرسل، وأجمعوا أن أفضلهم جميعاً هو النبى محمد صلى الله عليه وسلم.

مسالك العلماء تجاه مبحث حكم التفضيل بين الأنبياء لإزالة التعارض الظاهرى :
مسلك الجمع : جمع العلماء بين كل الأحاديث السابقة ، وأجمعوا على ثبوت التفاضل بين الأنبياء والرسل ، وحملوا أحاديث النهى عن التفضيل بينهم على الأوجه أو الحالات التالية :
(1) إذا كان التفضيل يؤدى إلى توهم النقص فى المفضول أو الغض منه، أو كان على وجه الإزراء به.
(2) إذا كان التفضيل حال المجادلة والمخاصمة والتنازع والتشاجر لذلك.
(3) إذا كان التفضيل على وجه الحِمْيَة والعصبية وهوى النفس ومجرد الرأى لا بمقتضى الدليل.
(4) أنَّ نهى النبى صلى الله عليه وسلم عن التفضيل من باب التواضع والأدب وهضم النفس لأنه يعلم أنه أفضل الأنبياء والرسل.
(5) إذا كان التفضيل على وجه الخصوص، أى أنَّ فيه تعيين الفاضل على المفضول ، أما الصواب أن يكون التفضيل على وجه العموم ، فلا يُفضَّل أحدٌ من الرسل على أحد بعينه.
ولهذا قال النبى صلى الله عليه وسلم:
"لا ينبغى لعبدٍ أن يقول: أنا خيرٌ من يُونُس بن مَتَّى".
أمثلة : عيسى أفضل من موسى عليهما الصلاة والسلام ، أو محمد أفضل من إبراهيم عليهما الصلاة والسلام ، فهذا كله خطأ ومنهى عنه
أما الصواب أن نقول : الرسل خير من الأنبياء ، وأولى العزم أفضل الرسل ، والنبى محمد صلى الله عليه وسلم أفضل الأنبياء والرسل أجمعين.

 

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,949
مجموع الإعجابات
1,976
النقاط
113
الباب الثالث - الفصل الثانى - المبحث الثانى والأخير (عدد أجزاء النبوَّة التى منها الرؤيا فى المنام )

المبحث الثانى والأخير : عدد أجزاء النبوَّة التى منها الرؤيا فى المنام

أولاً: الأحاديث التى تفيد أن الرؤيا جزء من سبعين جزء من النبوة :
* عند مسلم من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
" الرؤيا الصالحة جزء من سبعين جزءاً من النبوَّة ".

ثانياً: الأحاديث التى تفيد أن الرؤيا جزء من ستة وأربعين جزء من النبوة :
* فى الصحيحين من حديث أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
" إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب، ورؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوَّة ".
* فى الصحيحين من حديث عبادة بن الصامت، أنَّ النبى صلى الله عليه وسلم :
" رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوَّة ".

ثالثاً: الأحاديث التى تفيد أن الرؤيا جزء من خمس وأربعين جزء من النبوة :
* عند مسلم من حديث أبى هريرة، أنَّ النبى صلى الله عليه وسلم :
"أَصْدَقُكُم رؤيا أَصْدَقُكُم حديثاً، ورؤيا المسلم جزء من خمس وأربعين جزءاً من النبوَّة".

توضيح لغوى :
يختلف لفظ الرؤية عن الرؤيا ، فكلاهما مصدر الفعل رَأَى ، ولكن :
الرؤية : هى إبصار الأشياء بالعين وإدراكها بحاسة البصر
ويقال شخص ذو رؤية أو ذو رؤية ثاقبة : أى صاحب رأى سديد
أما الرؤيا : فهى ما يراه النائم فى نومه ، وجمعها: رُؤَى

وجه التعارض بين الأحاديث السابقة :
اختلاف عدد أجزاء النبوة التى يكون منها الرؤيا فى المنام :
ففى بعضها أنها جزء من سبعين جزء، وفى بعضها أنها جزء من ستة وأربعين جزء، وفى بعضها أنها جزء من خمس وأربعين جزء.

مسالك العلماء تجاه مبحث عدد أجزاء النبوة التى منها الرؤيا فى المنام لإزالة التعارض الظاهرى :
مسلك الجمع :
جمع العلماء بين كل الروايات السابقة فى الأوجه التالية :
(1) أن الاختلاف فى العدد راجع إلى اختلاف حال الرائى
فرواية السبعين عامة فى كل رؤيا صادقة من كل مسلم ، ورواية الست وأربعين خاصة بالمؤمن الصالح ، وأما ما بين ذلك فهو بالنسبة لأحوال المؤمنين، لأنه كلما كان الإيمان أكثر والرؤيا صالحة كان عدد أجزاء النبوة أقل ، والعكس.
(2) أن الاختلاف فى العدد يكون على حسب حال الرؤيا
فالرؤيا الظاهرة الجليَّة تُحمَل على رواية الست وأربعين جزءا
والرؤيا المرموزة بعيدة المرام تُحمَل على رواية السبعين جزءا

* عند الترمذى من حديث أنس، أن النبى صلى الله عليه وسلم لما سُئِل عن المبشِّرات قال: " رؤيا المسلم وهى جزء من أجزاء النبوة ".
ذَكَر هذا الحديث أن الرؤيا جزء من أجزاء النبوة وهذا لا ريب فيه، ولكنه لم يذكر عدد الأجزاء فى هذه الرواية ، أى أن الحديث جاء مطلقاً غير مقيَّد بعدد، وهذا يدل على اختلاف العدد باختلاف حال الرائى وحال الرؤيا ، فكلما كان الرائى أكثر إيماناً أو كانت الرؤيا أكثر وضوحاً وجَلَاءً كان عدد أجزاء النبوَّة أقل فيُحمَل على 46 أو 45 جزء ، أما إذا كان الإيمان أقل أو الرؤيا مرموزة غير واضحة كان عدد أجزاء النبوة أكبر فيُحمَل على 70 جزء.

مسألة وجوابها :
ما دامت الرؤيا جزء من أجزاء النبوة، فهل يجب العمل بها والأخذ بمدلولها دون عَرْض ذلك على الشرع ؟
الجواب: أجمع أهل السنة والجماعة أن الرؤيا إذا كانت من الأنبياء فهى حق لا محالة ويُعمَل بها ، لأن رؤيا الأنبياء وحى من الله، فإذا نامت أعينهم لم تَنَم قلوبهم ، وعليه فهى حق ويجب أن يُعمَل بها ، لذلك أقدم الخليل إبراهيم عليه السلام على ذبح ابنه إسماعيل عليه السلام بالرؤيا. وكان مبتدأ الوحى لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم الرؤيا الصادقة ثم انتقل إلى وحى اليقظة.
أما إذا كانت الرؤيا من غير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فإنه يجب عرضها أولاً على الشرع فإن وافقته فبها ونعم ويُعمَل بها، وإن لم توافقه فلا يُعمَل بها ولا يَثْبُت بها شىء من الأحكام الشرعية ، لأن العصمة منتفية عنها، وغاية ما فيها أنها تبشير وتحذير، ويصلح الاستئناس بها إذا وافقت حُجَّة شرعية صحيحة.
تبشير: لأنه قد يفعل المرء من الأمور الصالحة الكثير فيرى رؤيا خير تُبشِّره.
تحذير: لأنه قد يفعل المرء من الأمور الطالحة الكثير فيرى رؤيا سوء تُحذِّره.
قال الإمام الشاطبى: (الرؤيا من غير الأنبياء لا يُحكَم بها شرعاً على حال إلا أن تُعرَض على ما فى أيدينا من الأحكام الشرعية، فإن سوَّغتها عُمِل بمقتضاها، وإلا وَجَب تركها والإعراض عنها، وإنما فائدتها البشارة والنذارة خاصة، وأما استفادة الأحكام فلا ).

مذهب الصوفية فى الرؤى :
خالف الصوفية إجماع أهل السنة والجماعة فى مسألة الرؤيا سابقة الذكر،
وذهبوا إلى تعظيم شأن الرؤيا المنامية أشد التعظيم، فجعلوها أصلاً عندهم فى الاستدلال ومصدراً من مصادر التلقِّى، بل قدَّموها على الكتاب والسنة خاصة عند التعارض، واعتمدوا عليها فى معرفة الأحكام الشرعية دون النظر إلى موافقة الشرع أو مخالفته بل إنهم ربما اعتمدوا عليها فى معرفة صحيح الأحاديث النبوية من ضعيفها، وهذا كله ضلال مبين.
ومن أمثلة ادعاءاتهم الضآلة فى مسألة الرؤى :
ما ادَّعاه ابن عربى الصوفى أنه تلقَّى كتاب فصوص الحكم من النبى صلى الله عليه وسلم فى المنام ، وأنه عليه الصلاة والسلام أَمَرَه أن يأخذه ويَخرُج به إلى الناس لينتفعوا به. وهو كتاب ملىء بالضَّلالات والتُرَّهَات والانحرافات كعقيدة الوحدة والاتحاد المخالِفة لعقيدة أهل السنة، وكإثباته لصحة إيمان فرعون وصحة عبادة قوم نوح عليه السلام وصحة عبادة بنى إسرائيل للعجل، إلى غير ذلك مما يخالف العقيدة الصحيحة.

أنواع الرؤيا من حيث مصدرها :
* فى الصحيحين من حديث أبى هريرة، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال :
"الرؤيا ثلاثة: رؤيا من الله، ورؤيا مِمَّا يُحدِّث به المرء نفسه، ورؤيا من الشيطان".
قال ابن القيِّم: ( والرؤيا كالكشف منها رحمانى ومنها نفسانى ومنها شيطانى ، ثم ذَكَرَ حديث: الرؤيا ثلاثة ).
والذى يحدِّد نوعها هو الشخص الرائى نفسه لأنه أدرى بحاله ونفسه، فقد يكون صاحب معصية معينة وبسببها رأى رؤيا تحذيرية ، أو قام بطاعة معينة فى يومه فرأى بعدها رؤيا صالحة فى فعله لهذه الطاعة فهى رؤيا تبشيرية ، وقد يرى رؤيا كلها سوء وشر فتكون من الشيطان فينصرف عنها ، وهكذا.
وعليه فكلٌ أَدرَى بحاله ونفسه ، وليس هناك ثمَّة داعى للذهاب إلى هؤلاء الذين يدَّعون تفسير الرؤى والأحلام وقصِّ الرؤى عليهم ، ثم الأخذ بما يقولونه والالتزام به حتى لو خالف الشرع والدين. فالرؤيا على كل حال ليست تشريع وليس فيها أمر ولا نهى من الله تعالى إلا إذا كانت من نبى أو رسول لأن رؤياهم وحى وحق، وإنما غايتها أنها رسائل تبشير أو تحذير، بل وكثير منها ما هو أضغاث أحلام وخرافات تعب ومرض، وعليه فلا يجب إعطاؤها كل هذا القدر من التعظيم والاهتمام والانشغال بها عما هو مأمور به.

سؤال: ما معنى أن الرؤيا جزء من أجزاء النبوة ؟
الجواب: الصواب أن نَكِل علمها إلى الله ، خاصة أنَّ عِلمَها ليس مما يعود بفائدة حقيقية على المسلم.
ولكن اجتهد فيها العلماء وقالوا بأن معناها أن الرؤيا شابهت النبوة وشاركتها فى الصلاح والإخبار عن أمر غيبى مُستقبَل، مع ملاحظة أن الرؤيا التى هى جزء من أجزاء النبوة هى رؤيا المسلم الصالح أو المؤمن، أما الكافر والكاذب والمخلِّط فرؤياهم كاذبة وليست من النبوة حتى وإن صَدَقَت فى بعض الأحيان.



انتهت الرسالة بفضل الله وعونه وكرمه
 

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,949
مجموع الإعجابات
1,976
النقاط
113
خلاصة مختصر رسالة أحاديث العقيدة التى يوهم ظاهرها بالتعارض

خلاصة مختصر رسالة أحاديث العقيدة التى يوهم ظاهرها بالتعارض

تم بحمد الله ومَنِّه وفضله وتوفيقه وإعانته الانتهاء من موضوع الرسالة، وفيما يلى مختصر لأهم نتائج مباحث الرسالة :

1- لا يمكن بحال من الأحوال أن يوجد تعارض حقيقى بين النصوص الصحيحة الصريحة التى لم يتعرض إحداها للنسخ، وإنما التعارض يكون ظاهرى أى فى نظر المجتهد وفهمه، وسرعان ما يزول بالبحث فى سبل أو مسالك درء التعارض.

2- مسالك دفع التعارض الظاهرى عند جمهور العلماء هى أربعة مسالك، وهى على الترتيب :
أ- الجمع (بالجمع بين النصوص كلها ومحاولة التوفيق بينها).
ب- النسخ (بالنظر إلى النصوص هل يوجد بينها نص ناسخ وآخر منسوخ) ،
ويتم اللجوء إليه إن تعذَّر الجمع بين النصوص.
ج- الترجيح (بترجيح أحد النصين على الآخر، فيُعمل بالراجح ويُترك المرجوح)،
ويتم اللجوء إليه إن تعذَّر الجمع بين النصوص ولم يكن هناك دليل على النسخ، وأنواع الترجيح تتجاوز المائة ذكرها الإمام الشوكانى فى كتابه إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول.
د- التوقُّف (بالتوقف عن العمل بأحد النصَّين حتى يتبين وجه الحق فيهما)، ويتم اللجوء إليه إذا تعذَر الجمع والنسخ والترجيح، ويكون توقفاً مؤقتاً لأن التوقف الأبدى يفضى إلى تعطيل الأحكام، فيتوقف المجتهد لإعادة النظر مرة أخرى أو يَرُد الأمر لِمَن هو أعلم منه.

3- العدوى موجودة بنص الأحاديث وبما هو موجود بالواقع ، والأحاديث التى وردت فى نفى العدوى إنما تنفى المعتقد الخاطىء الذى كان عند أهل الجاهلية وهو أن العدوى موجودة بذاتها والأمراض تعدى بطبعها ، والصواب هو أن العدوى موجودة ولكنها سبب قدَّره الله للمرض ولا يكون إلا بإذنه سبحانه وتعالى، إذا شاء انتقل المرض بالعدوى من مريض لصحيح ، وإذا شاء لم ينتقل.

4- الشؤم شومان : شؤم محرم ، وشؤم جائز
أما المحرَّم فهو ما كان عند أهل الجاهلية، ويكون قبل إقدامهم على الشىء أو بعده عند حصول أدنى ضرر منه، مع اعتقادهم فى المُتَطيَّر منه أنه مؤثر بذاته، وأنه سبب فى جلب النفع أو دفع الضُر.
وأما الجائز فهو الذى يكون بعد وقوع الضرر وتكرره، ويكون لصفة مذمومة موجودة فى الشىء المُتشائَم منه، مع الاعتقاد أن الضر والنفع بيد الله تعالى، وأن هذه الأشياء ليست مؤثرة بذاتها، وإنما شؤمها ما يقدِّره الله فيها من الشر، فتكرهها النفس البشرية لهذا السبب.
لا طيرة ولا تشاؤم إلا فى أربعة أمور (المرأة والدار والدابة والخادم) ، شريطة أن يكون شؤماً مباحاً بالشروط والضوابط سابقة الذكر وإلا فهو محرَّم كما ذكرت أحاديث النفى.

5- حكم الرقية يختلف باختلاف حال الرَّاقى والمَرْقِى والمَرْقِىّ به.
فتكون الرقية مشروعة ومباحة بشروط ، وتكون غير مشروعة ومنافية للتوكل بل قد تصل إلى حد الشرك والكفر إذا لم تتحقق تلك الشروط.
والشروط هى :
أ- عدم الاسترقاء، أى عدم طلب الرقية.
ب- عدم الاعتقاد بأنها هى وغيرها من الأدوية نافعة بذاتها دون أن يأذن الله ويشاء.
ج- أن تكون بما ورد من أدعية وأذكار مشروعة فى الكتاب والسنة، لا بغيرها من الأقوال الأعجمية وما شابهها.
د- أن تكون مع رضا كامل بقضاء الله وقدره والاعتقاد فيه سبحانه بأنه هو الشافى وليس هذه الرقى، فهى ليست نافعة إلا بإذنه تعالى.

6- الكى جائز فى أصله من: (قول وفعل النبى صلى الله عليه وسلم، ونسبة الدواء والتداوى إليه، وعموم الأدلة المبيحة للتداوى).
فيكون الكى جائزاً ومباحاً إذا دعت الحاجة إليه، ولم يكن هناك ثمة وسيلة أخرى للعلاج، مع اعتقاد أن الشفاء بيد الله وأنه مجرد سبب أو وسيلة للعلاج والشفاء بإذن الله.
وأما أحاديث النهى والكراهة فتُحمل على الآتى :
أ- كى الوقاية الذى كان يفعله العجم وأهل الجاهلية قبل حدوث الداء.
ب - أفضلية ترك الكى ثقة بالله وتوكلاً عليه.
ج - تعظيم أمره والظن بأنه يشفى على أى حال دون فضل الله وأمره وإذنه.
د - نهى التنزيه لما فيه من ألم شديد، ولأنه يشبه الحرق والتعذيب بالنار الذى نهى الله عنه.
هـ - فى علة أو مرض بعينه لا ينفعه الكى بل قد يزيده سوءً وخطراً.

7- اتفق أهل العلم فى جواز الحلف بالله تعالى، واتفقوا فى تحريم الحلف بغير الله فى الحالتين التاليتين :
(أ) إذا اعتقد الحالف فى المحلوف به تعظيماً مثل تعظيم الله، فهذا كفر ورِدَّة.
(ب) إذا كان المحلوف به مذموماً فى الشرع حتى لو لم يكن بغرض التعظيم (كالحلف باللات والعزى).
واختلفوا فى حكم الحلف بغير الله فى غير هاتين الحالتين - أى الحلف بغير الله بغير تعظيم للمحلوف به وأن يكون هذا المحلوف به غير مذموم به فى الشرع. وكان اختلافهم على قولين : التحريم والكراهة.
لكن الأرجح والأسدَّ هو أن الحلف بغير الله مُحرَّم فى جميع أحواله وليس مُحرَّماً فى بعضها ومكروهاً فى البعض، لأنه شرك بالله تعالى ولثبوت حكم النسخ له ، فقد نسخت أحاديث التحريم الأحاديث التى يُحمَل ظاهرها على الكراهة. فكل الأحاديث التى وردت وظاهرها الجواز بالحلف بغير الله، فهى منسوخة أو ضعيفة.
8- * يَحرُم إطلاق لفظ الرَّب على غير الله تعالى إلا فى حالتين :
الأولى: بالإضافة إلى ما لا تعبد عليه كالجماد والحيوان.
الثانية: بالإطلاق على سبيل الوصف والإخبار، لا الدعاء والتسمية.
* كراهة وليس حرمة إطلاق لفظ المولى على غير الله تعالى خاصة أن لها معانى كثيرة فى اللغة.
* حرمة إطلاق لفظ عبدى وأمتى من مالكهما لنفسه لأنها تحمل التعظيم والكِبْر، أمَّا مِن غيره له فجائز (عبد فلان، أمة فلان).
* كراهة الجمع بين الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فى ضمير واحد (هما).
وكل ما سبق من تحريم وكراهة تحقيقاً للتوحيد الخالص لله تعالى.

9- لا خلاف فى وقوع الشرك والكفر وعبادة غير الله تعالى، بما دلَّت عليه الأدلة، وبما هو موجود فى دنيا الناس، أما حديث يأس الشيطان بأن يعبده المصلون فى جزيرة العرب، فقد تم توجيهه فى أجوبة ثلاثة هى :
أ- يأس الشيطان من اجتماع الكل على الكفر.
ب- ما وقع فى نفسه هو من اليأس.
ج- يأسه من وقوع الصحابة فى الكفر والشرك.

10- رجَّح أهل العلم قول أنَّ (كلتا يَدَى الله تعالى يمين) على القول (يمين وشمال) ، وردُّوا على الروايتين :
أ- رواية (يطوى الأرض بشماله) على أنها شاذة تفرَّد بها الراوى عمر بن حمزة، وهو ضعيف ويُخطِىء كما قال عنه أهل العلم.
ب- رواية الإمام أحمد من حديث أبى الدرداء على أن ضمير الهاء فى كلمة يساره أو كَفِّه اليسرى يعود إلى آدم عليه السلام وليس إلى الله تعالى.

وصفة اليد من صفات الذات الإلاهية الخبرية التى لا تنفك عن الذات، ولا يُتَصوَّر الذات بدونها، فنُثبِت لله هذه الصفة دون الكلام عن كيفيتها ولا يجوز تأويلها بالقدرة والنعمة، فأجمع أهل السنة أن لله يدين وأن احدى اليدين يمين، والأخرى رجَّحوا أنها يمين، فكلتا يديه يمين، لكن لا يلزم من هذا تساوى اليدين فى درجة الفضل، بل اليد اليمنى أفضل من الأخرى وهى التى يكون عندها المقسطين على منابر من نور يوم القيامة.

11- صفة الرحمة صفة ثابتة لله تعالى بالكتاب والسنة والإجماع والعقل، وهى كباقى صفات الله تعالى صفة أَزَليَّة بأزليَّة الله تعالى ملازمة له غير مخلوقة ، ولكنها تنقسم إلى نوعين :
الأول: رحمة مضافة إلى الله إضافة الصفة إلى الموصوف، وهذه بلا شك صفة لله تعالى.
الثانى: رحمة مضافة إلى الله إضافة المفعول إلى الفاعل والمخلوق إلى خالقه، وهذه الرحمة ليست صفة لله تعالى وإنما هى أثر من آثار رحمته التى هى صفته الذاتية.

12- جاء فى الكتاب والسنة وإجماع أهل العلم ثبوت قرب الله تعالى ومعيَّته لخلقه، مع اعتقاد أن ذلك لا ينافى علوَّه وفوقيَّته
فالله سبحانه وتعالى فوق كل عباده مستوٍ على عرشه بذاته (معتقد صفة العلو والفوقيَّة).
ومعهم بإثبات صفة المعيَّة بنوعيها: (العامة لكل المخلوقات بالعلم والإحاطة والقدرة والسلطان ، والخاصة لأنبيائه ورسله وأوليائه بالإعانة والنصرة والتأييد)، وهذه المعيَّة لا تُوجِب حلولاً ولا اختلاطاً ولا تُنافِى عُلُو الله تعالى وفوقيَّته، فهى معناها العلم والإحاطة وليس معناها المعيَّة بالذات ، أى أن الله معنا بعلمه وإحاطته وليس معنا بذاته وحلوله (معتقد صفة المعيَّة).
وقريبٌ من خلقه بإثبات صفة القرب والدنو بنوعيها: (العام وهو قربه بعلمه وقدرته المتضمِّن علمه بكل شىء وقدرته على كل شىء ، والخاص وهو قربه بنفسه لمن شاء من عباده بقربه لهم أو تقريبهم إليه دون أن ندرى عن كيفية ذلك شىء)، وهذا القرب لا ينافى عُلُو الله تعالى وفوقيَّته ، فهو قريب فى علوه، عالٍ فى قربه. (معتقد صفة القرب).
إذاً فالله سبحانه وتعالى عالٍ فوق كل شىء، ليس فوقه شىء، مع كل المخلوقات بعلمه وقدرته وسلطانه، قريبٌ من كل المخلوقات بعلمه بكل شىء وقدرته على كل شىء، مع عباده الصالحين المقرَّبين إليه بإعانته ونصرته وتأييده وقربه لهم وتقريبهم إليه دون أن ندرى عن كيفية ذلك شىء، قريب فى علوه عالٍ فى قربه.

13- المعتمد والراجح عند أهل العلم فى مسألة رؤية النبى صلى الله عليه وسلم لله تعالى فى حادثة المعراج، أنه تمَّت الرؤية فى المعراج ولكن بالقلب (البصيرة) وليس العين (البصر)، فهى رؤية خُلِقَت فى قلب النبى صلى الله عليه وسلم كما تُخلَق الرؤية بالعين، وهى رؤية قلبية وليست العلم بالقلب، لأن عِلْم النبى صلى الله عليه وسلم بالله تعالى لم ينقطع لحظة قبل المعراج ولا أثنائه ولا بعده.
أما عن رؤية الله تعالى عياناً بالأبصار، فقد أجمع أهل العلم على الآتى :
أ- استحالة أن يرى بشريٌّ - مهما كان قدره حتى الأنبياء والرسل – اللهَ تعالى فى الدنيا ببصره، ومن ادَّعى أنه رأى ربَّه فى الدنيا فهو زنديق.
ب- استحالة أن يرى بشرىُّ اللهَ تعالى فى المنام (الرؤيا) عدا النبى محمد صلى الله عليه وسلم فقد رآه ذات يوم قبل الفجر فى منامه فى أحسن صورة.
ج- إمكانية أن يراه جميع البشر (مؤمنهم وكافرهم) يوم القيامة عند العَرْض والحساب، لكن شتَّان بين رؤية المؤمن لربِّه المحب له، ورؤية الكافر لربِّه الغاضب عليه، فالأولى رؤية فضل وإنعام، والثانية رؤية تعذيب وامتهان.
د- ثبوت رؤية أهل الجنَّة لله سبحانه وتعالى والنظر إلى وجهه الكريم إنعاماً لهم. فهذه الرؤية هى أفضل نعيم لهم فى الجنة.
هـ- عدم ورود أدلة شرعية من الكتاب أوالسنة لا بالإثبات ولا بالنفى على رؤية الملائكة أو الجن لله تعالى ، وعليه فالواجب أن نسكت عنها ولا نتكلم فيها، فهى من الغيبيات التى لا يُتَكلَّم فيها إلا بدليل من الكتاب أو السنة.

14- أجمع أهل العلم بأن الإسلام يهدم كل ما كان قبله لمن أَسْلَم وحَسُن إسلامه ظاهراً وباطناً، أما مَن أساء بعد إسلامه فإنه يُعاقب كالتالى :
أ- إذا أساء بالارتداد أو النفاق، فإنه يعاقب على كل ذنوبه قبل إسلامه وبعده.
ب- إذا أساء بإصراره على فِعْل ذنوبٍ دون الكفر كان يفعلها قبل إسلامه ولم يتب عليها بعد إسلامه فإنه :
ب1- إما يُعاقَب عليها فى فترة بعد الإسلام فقط، وتكفَّر عنه ولا يحاسب عليها فى فترة قبل الإسلام. وهذا قول الطحاوى وبعض الحنابلة، وابن بطاَّل،والقرطبى، والنووى.
ب2- و إما يُعاقب عليها فى الفترتين قبل الإسلام وبعد الإسلام إلا إذا تاب منها قبل موته. وهذا قول الإمام أحمد وبعض أصحابه، وابن أبى العِزّ، وابن تيمية، وابن حَزْم، وابن رَجَب. وهذا هو القول الأرجح والأسدّ عند أهل العلم.

15- القول الصحيح عند أهل العلم فى أحاديث الوعد والوعيد المتعلِّقة بالآخرة (الوعد بدخول الجنة، والوعيد من دخول النار) هو وجوب إطلاقها كما جاءت وحملها على ظاهرها، واعتقاد أن الأعمال التى ترتَّب عليها الوعد أو الوعيد سبب وموجِب لتحققه بوجه عام على إطلاقه، لكن لا يُحكَم بتحققه على مُعيَّن حتى تتوفَّر فيه الشروط وتنتفى عنه الموانع التى حدَّدها أهل العلم.
وأما أحاديث الوعيد المتعلِّقة بأحكام الدنيا من تكفيرٍ أو نفىِ إيمانٍ أو براءةٍ أو لعنٍ لمرتكبى الكبائر، والوعيد بدخول النار وعدم دخول الجنة فى الآخرة فقد وجهَّها العلماء كالتالى :
أ- أحاديث إطلاق الكفر على مرتكب الكبائر، المراد منها :
الكفر الأصغر غير المُخرِج من الملَّة، أو هو الكفر اللغوى(كفر النعمة والإحسان).
ب- أحاديث نفى الإيمان عن مرتكب الكبائر، المراد منها :
نفى كمال الإيمان وليس نفى أصل الإيمان.
ج- أحاديث البراءة من مرتكب الكبائر، المراد من لفظة (ليس منا) أى ليس من المطيعين لنا المقتدين بنا المحافظين على شرائعنا المستحقين لدخول الجنة بلا عقاب.
د- أحاديث عدم دخول الجنة لمرتكبى الكبائر، المراد منها أعلى الجنان، أو عدم دخولها مباشرة ، بل يُحبَس أولاً للمحاسبة أو لدخول النار ليُعذَّب بقدر ذنوبه. أى أنها تنفى دخول الجنة المطلق الذى لا يكون معه عذاب.
هـ - أحاديث دخول النار لمرتكبى الكبائر، المراد منها دخولها مع عدم الخلود فيها ما دام مات صاحبها على التوحيد غير كافر كفر أكبر أو مشرك شرك أكبر ، أو قد يُعْفَى عنه برحمة الله ومنِّه وفضله فلا يدخلها.
و- أحاديث اللَّعْن لمرتكبى بعض الكبائر
تُحمَل على إطلاقها وعمومها، فيُلعَن فاعلوا هذه الكبائر، ولكن لا تُخصَّص أو تُقيَّد على شخص بعينه، وذلك من قاعدة (لعْن المُطْلَق لا يلزم منه لعْن المعيَّن).
فاللعن أيضاً من الأمور التى تستوجب استيفاء الشروط وانتفاء الموانع ، فقد يفعل المرء فِعْلاً يستوجب اللعن (كالتبرُّج والإحداث وغيره) بجهل أو بتأويل أو بإكراه وخلافه.

16- جمع العلماء بين الأحاديث التى وردت فى مكان سدرة المنتهى، بالقول بأنَّ أصل الشجرة فى السماء السادسة ومعظمها كأغصانها وفروعها فى السماء السابعة.

17- رجَّح أهل العلم أن ابن صياد ليس هو المسيح الدجَّال الذى يخرج آخر الزمان ويقتله عيسى بن مريم عليه السلام، وإنما هو دجال من الدجاجلة، وُلِد زمن النبى صلى الله عليه وسلم وكان من يهود المدينة، توفى بالمدينة وقيل أنه فقد يوم الحرَّة 63 هـ.

18- جمع أهل العلم بين الأحاديث التى وردت فى ذِكْر الدخان (علامة من علامات الساعة) ، وقالوا بأنه دخانان :
أحدهما : ما أصاب قريش عندما دعا عليهم النبى صلى الله عليه وسلم، كما جاء فى حديث مسروق، من كلام عبد الله ابن مسعود وتأكيده على أنه حدث، وإنكاره على مَن قال غير ذلك.
ثانيهما : يكون من علامات الساعة الكبرى وقرب قيامها، فهو لم يحدث بعد وهو ما جاء فى حديث حذيفة بن أسيد ، وحديث أبى هريرة.

19- أقرَّ أهل العلم على أنَّ ما ورد مِن أحاديث فى تعذيب الميِّت ببكاء أهله عليه، يتم حملها على أشخاص وحالات مختلفة، مع الاعتقاد الجازم بأن الأصل أن الله لا تعالى لا يعذِّب أحداً بذنب غيره، وهذه الحالات كالآتى :
( إذا وصَّى الميتُ أهلَه بالبكاء والنياحة عليه، أو كان يعلم عنهم ذلك ولم يوصهم بعدم الفعل، أو كانت مِن طريقته وسنته، أو نيح بالقبائح والمساوىء )
فلا شكَّ أنها كلها أسباب يستحق عليها العذاب، فإن عُذِّب بها أو ببعضها فيكون هذا من فعله وبسببه ويستحقَّه، أما إن لم يتلبَّس بشىء من ذلك كان عذابه هو ألمه وتأذِّيه بما يقع من أهله من هذه المحرَّمات والمخالفات. أما إن كان كافراً غير مسلم فإنه يزيد عذاباً على عذابه بنياحة أهله عليه.
والتعذيب يكون للميت – أيَّاً كان مما سبق – فى قبره بعد دفنه.

20- ثبت عند أهل العلم أن النساء من بنى آدم هنَّ أكثر أهل النار، وأنهن أقل من الرجال فى الجنة، وثبت أنَّ لكل رجل فى الجنة زوجتان أو أكثر من الحور العين - كلٌ على قدر منزلته ودرجته فى الجنة – وعليه فإذا انضم عدد نساء الحور العين إلى عدد نساء بنى آدم، فيكون مجموع النساء فى الجنة أكثر من الرجال على هذا النحو.

21- أقرَّ العلماء بأن عُمْر الإنسان محدَّد ومقدَّر، وأن صلته لرحمه سبب فى زيادة عمره زيادة حقيقية فعلية، وذلك بأنَّ الله تعالى قدَّر السبب والمسبَّب، فقدَّر أن هذا يزيد عمره بسبب صلة رحمه، ولو لم يصل رحمه لَمَا زاد عمره، وقدَّر أن ذاك لا يزيد عمره بسبب قطع رحمه، وكل ذلك مكتوبٌ مسبقاً فى اللوح المحفوظ كتابة لا تتغيَّر ولا تتبدَّل لعلم الله الأزلىّ بأنه سيصِل رحمه أو لن يصلها، أما كتابة الملائكة فى الصحف التى معها فهذه تتغيَّر وتتبدَّل وتزيد وتنقص بحسب أعمال العبد وأفعاله، لتطابق فى النهاية بعد موت العبد ما هو مكتوب سلفاً فى اللوح المحفوظ.

22- أقر العلماء بأن كتابة الشقاء والسعادة على الإنسان قبل أن يولد حقٌ لا مِرْيَة فيه، ولكن ليس في ذلك ما ينافى كون المولود وُلِد على فطرة الإسلام، لأن المراد بكتابة الشقاوة والسعادة إنما هو باعتبار المآل والخاتمة وهذا لا يمنع مِن أن يكون قبل ذلك مولوداً على الإسلام.
وعلى هذا فمَن كُتِبَ سعيداً فإنه يظل على فطرته التى ولد عليها ويموت عليها، ومَن كُتِب شقياً فإنه لا بد أن يصير إلى ما فى علم الله فيعرض له ما يُغيِّر فطرته.

23- يشهد أهل السنة ويعتقدون أن الخير والشر والنفع والضُر بقضاء الله وقدره، وكلها أمور لا مردَّ لها ولا محيص ولا محيد عنها، ولا يُصيب المرء إلا ما كتبه له ربُّه، فالله تعالى هو مقدِّر كل شىء الخير والشر على حدٍ سواء، أما قول النبى صلى الله عليه وسلم "والشرُّ ليس إليك" فمعناه :
الشرُّ لا يُتقرَّب به إليك، والشرُّ لا يضاف إليك على انفراده، والشرُّ لا يصعد إليك، والشرُّ المحض المطلق فهذا لا يُنْسَب أبداً إلى الله أما الشرُّ الجزئى الذى فيه خير وفيه شر عن حكمة يعلمها سبحانه فهذا يُنسَب إلى الله تعالى.
وقال أهل العلم بأنَّ إرادة الله نوعان :
(أ) إرادة كونية : وهى مرادفة للمشيئة (إرادة قَدَريَّة).
(ب) إرادة شرعية : وهى مختصة بما يحبه الله ويرضاه لجميع عباده.
وأن الله تعالى يريد لجميع خلقه الخير (إرادة شرعية)، فبيَّن لهم طريق الحق والخير، وطريق الباطل والشر، وترك لهم حرية الاختيار، فمنهم من يختار طريق الحق والخير فيسير فيه بإرادة الله الكونية، ومنهم من يختار طريق الباطل والشر فيسير فيه بإرادة الله الكونية ، فلا يخرج شىء أبداً خيراً كان أم شراً عن إرادة الله الكونية القَدَريَّة ، وإنْ كان الله لا يريد لعباده إلا الخير بإرادته الشرعية الدينية.

24- المعتمد والصواب عند أهل العلم هو التوقف فى حكم أطفال المشركين الذين ماتوا قبل أن يبلغوا الحُلُم، فلا نقول أنَّ مَن مات مِن أطفال المشركين دون البلوغ فى الجنة، ولا نقول بأنه فى النار، وذلك لأن الأمر متوقِّف على نتيجة الامتحان الذى سيُمتَحَنه يوم القيامة فى العرصات كما دلَّت الكثير من الأدلة الشرعية. كما لا يصح أن نقول بأنه من أهل الأعراف لأنه لم يقل بذلك أحد من أهل العلم، ولم ترد أدلة على ذلك.
بل الصحيح أن نقول أمره وعلمه عند الله، وأنه سيُمتَحَن يوم القيامة فإن أطاع الله فيما أمره به بدخول التى يراها ناراً نجح فى الاختبار وكان من أهل الجنة، وإن عصى الله فيما أمره به بدخول التى يراها ناراً رسب فى الاختبار وكان من أهل النار. فقد وردت أحاديث وروايات كثيرة تحدَّثت عن خمس فئات (الأصمُّ، الأحمق، الهَرِم، أهل الفترة، المولود) تأتى يوم القيامة تحاجج الله بأنها لم تُرسَل إليها الدعوة بعبادة الله، فيمتحنهم الله حينها وهو أعلم بما سيفعلوه، بأنْ يرفع لهم ناراً ويأمرهم أن يدخلوها، فمن أطاعه ودخلها كانت برداً وسلاماً عليه ونجح فى الامتحان وكان من أهل الجنة، ومن عصاه ولم يدخلها رسب فى الامتحان وكان من أهل النار.

25- قال العلماء أن لفظة لو واستعمالاتها تنقسم إلى قسمين :
القسم الأول: مَنهىٌّ عنه لكراهة التنزيه، وعليه يُحمَل أحاديث النهى عن استخدام لفظة لو. ويكون ذلك إذا استخدمت فى الأمور التى مَضَت وانقضت وليس فى القدرة ولا فى الإمكان فعلها، وكذلك إذا استخدمت من باب الحزن على الماضى والجزع من المقدور.
القسم الثانى: جائز لا كراهة فيه، وعليه يُحمَل أحاديث جواز استخدام لفظة لو. ويكون ذلك إذا استخدمت فى الخبر عمَّا يُستَقبَل مما لا اعتراض فيه على قدر، وكذلك إذا استخدمت فى بيان علم نافع أو لبيان محبة الخير وإرادته.

26- جمع العلماء بين كل الأحاديث الواردة فى مسألة وقت كتابة الملَك ما قُدِّر للعبد فى بطن أمِّه ، وقالوا بأن الكتابة تكون بعد الأربعين الثالثة للجنين فى بطن أمه عند تمام كونه مضغة، كما فى حديث ابن مسعود وحديث أنس ، أما حديث حذيفة الذى وضَّح أن الكتابة تكون بعد الأربعين الأولى فإنه لم يوقِّت فيها بالبعدية بل أطلقها، أى لم يذكر هل بعد الأربعين الأولى مباشرة أم بعدها بوقت أطول كأن تكون بعد الأربعين الثانية أو الثالثة. وعليه يكون وقت الكتابة مُطلَقَاً فى حديث حذيفة ، ومُقيَّداً فى حديث ابن مسعود (بعد الأربعين الثالثة) ، والقاعدة أنَّ المطلق يُحمَل على المُقيَّد.

27- أجمع أهل العلم بأن التفاضل بين الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام ثابت وموجود، كما دلَّ على ذلك الكثير من نصوص القرآن والسنة، إلا أنَّ هذا التفضيل يكون على العموم (بوجه عام) وليس على الخصوص (بوجه خاص).
والعموم (الصواب) أنَّ : الرسل خير من الأنبياء ، وأولى العزم هم أفضل الرسل ، والنبى محمد صلى الله عليه وسلم أفضل الأنبياء والرسل أجمعين.
أما الخصوص (الخطأ) : تعيين الفاضل على المفضول ، أى تفضيل أحَدٌ من الرسل على أحد بعينه، فهذا لا يجوز قوله لأنه أمر غيبى لا يصح القطع به بمجرد الرأى أو الاجتهاد بل لا بد فيه من دليل شرعى من الكتاب أو السنة.

28- أقر أهل العلم بأن الرؤيا بالمنام جزء من أجزاء النبوة، أما عدد أجزاء النبوة التى تكون منها الرؤيا فإنه يختلف باختلاف حال الرائى، أوحال الرؤيا ذاتها، فكلما كان الرائى أكثر إيماناً أو كانت الرؤيا أكثر وضوحاً وجَلَاءً كان عدد أجزاء النبوَّة أقل فيُحمَل على 46 أو 45 جزء، أما إذا كان الإيمان أقل أو الرؤيا مرموزة غير واضحة كان عدد أجزاء النبوة أكبر فيُحمَل على 70 جزء.

هذا والله تعالى أعلى وأعلم ، وصلَّى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
 

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,949
مجموع الإعجابات
1,976
النقاط
113
تم بحمد الله الانتهاء من مراجعة جميع المشاركات بالموضوع، وتصحيح بعض الأخطاء اللغوية الناشئة عند الكتابة، وأرجو من الإخوة الأعضاء تنبيهى إذا كان هناك أى خطأ لغوى فى أى مشاركة لم أنتبه إليه فى حرف أو تشكيل أو كلمة أو ما شابه، لأقوم بتصحيحه.
ونبدأ من الغد بإذن الله موضوعاً آخر عن رسالة أخرى لنفس الشيخ الدكتور سليمان الدبيخى عنوانها (أحاديث العقيدة المتوهَّم إشكالها فى الصحيحين).
والله ولى التوفيق.
 
أعلى