مختصر رسالة أحاديث العقيدة فى الصحيحين التى يوهم ظاهرها بالتعارض

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,949
مجموع الإعجابات
1,976
النقاط
113
إخوانى الكرام أعضاء ومشرفى وإدارى ملتقى المهندسين العرب
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أقدم لكم فى هذا الموضوع - بإذن الله - مختصراً لرسالة عنوانها (أحاديث العقيدة التى يوهم ظاهرها بالتعارض) ، والذى أرجو ألا يكون بالطويل الممل ولا القصير المخل ، ومن أراد الاستزادة فعليه بكتب العلم الشرعية فى هذه المسألة أو ليرجع إلى الرسالة فهى متاحة على شبكة الانترنت.
هذه الرسالة هى رسالة ماجستير للشيخ سليمان بن محمد الدبيخى – دكتور محاضر بكلية المعلمين بمدينة حائل (بالمملكة العربية السعودية). وفى الواقع هى رسالة طيبة ماتعة تفيد كل مسلم ومسلمة بصفة عامة ، وكل طالب وطالبة علم بصفة خاصة. وسوف أورد هذا المختصر تباعاً فى المشاركات التالية بالموضوع ، لذا أرجو المتابعة معى حتى نهاية الموضوع إن شاء الله.
أسأل الله أن يوفقنا جميعاً لما يحبه ويرضاه ، وأن يعلمنا ما ينفعنا وينفعنا بما علمنا ويزدنا علماً.
 

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,949
مجموع الإعجابات
1,976
النقاط
113
محتوى الرسالة

محتوى الرسالة
تتكون الرسالة من تمهيد وثلاثة أبواب كالتالى :

التمهيد : ويحوى البنود التالية
تعريف التعارض الظاهرى أو مختلف الحديث
شروط التعارض - أنواع التعارض – أسباب وقوع التعارض
مسالك العلماء عند وجود التعارض
أشهر الكتب المؤلفة فى مختلف الحديث

الباب الأول : الإيمان بالله تعالى ، ويتكون من ثلاثة فصول
الفصل الأول : ما يتعلق بتوحيد الألوهية (يتكون من 7 مباحث)
الأول : العدوى
الثانى : الطيرة
الثالث : الرُّقَى
الرابع : الكَى
الخامس: الحلف بغير الله تعالى
السادس : ما جاء فى بعض الألفاظ الموهمة للشرك فى الربوبية
السابع : ما جاء فى قوله صلى الله عليه وسلم "إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون فى جزيرة العرب"
الفصل الثانى : ما يتعلق بتوحيد الأسماء والصفات (يتكون من 4 مباحث)
الأول : ما جاء فى قوله صلى الله عليه وسلم " كلتا يديه يمين "
الثانى : ما جاء فى صفة الرحمة لله عزَّ وجلَّ
الثالث : ما جاء فى صفة العلو لله وفوقيته
الرابع : رؤية النبى صلى الله عليه وسلم لربه عزَّ وجلّ
الفصل الثالث : مسائل تتعلق بالإيمان (يتكون من 3 مباحث)
الأول : ما جاء فى مؤاخذة من أساء فى الإسلام بعمله فى الجاهلية والإسلام
الثانى : أحاديث الوعد والوعيد
الثالث : مكان سدرة المنتهى

الباب الثانى : الإيمان باليوم الآخر ، ويتكون من فصلين
الفصل الأول : أشراط الساعة (يتكون من مبحثين)
الأول : ما جاء فى ابن صياد هل هو المسيح الدجال أم غيره
الثانى : ما جاء فى الدخان هل مضى أم لم يأت بعد
الفصل الثانى : مسائل تتعلق باليوم الآخر (يتكون من مبحثين)
الأول : ما جاء فى تعذيب الميت ببكاء أهله عليه
الثانى : ما جاء فى قلة النساء وكثرتهن فى الجنة


الباب الثالث : الإيمان بالقدر ، ويتكون من فصلين
الفصل الأول : القدر (يتكون من 6 مباحث)
الأول : زيادة العمر بصلة الرحم
الثانى : الشقى من شقى فى بطن أمه
الثالث : والشر ليس إليك
الرابع : حكم أولاد المشركين فى الآخرة
الخامس : ما جاء فى اللَّو
السادس : وقت كتابة الملك ما قدر للعبد فى بطن أمه
الفصل الثانى : مسائل تتعلق بالنبوة (يتكون من مبحثين)
الأول : حكم التفضيل بين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام
الثانى : عدد أجزاء النبوة التى منها الرؤيا

 

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,949
مجموع الإعجابات
1,976
النقاط
113
التمهيد

تعريف التعارض (مختلف الحديث) :
هو تقابل حديثين نبويين على وجه يمنع كل منهما مقتضى الآخر تقابلاً ظاهراً
أى يدل كل حديث منهما على نفى ما يدل عليه الآخر.
والمراد بلفظ تقابلاً ظاهراً : أن التعارض بين الأحاديث يكون فى الظاهر لا فى الحقيقة والواقع ، فهو تعارض يتبادر إلى ذهن المجتهد وليس له وجود حقيقى.
وتعريف مختلف الحديث هو نفس تعريف التعارض ، فهما لفظان لمسمَّى واحد ، فالأصوليون استخدموا لفظ التعارض ، والمحدثون استخدموا لفظ مختلف الحديث.

الشروط الواجب توافرها (مجتمعة) فى الحديثين حتى يتحقق فيهما معنى التعارض :
الأول : أن يكون الحديث من النوع المقبول ، أى تصح نسبته إلى النبى صلى الله عليه وسلم.
الثانى : أن يَرِد حديث آخر (مقبول أيضاً) معارض له فى المعنى الظاهرى.
الثالث : أن يكون الحديث المعارض صالحاً للاحتجاج به ولو لم يكن فى رتبة معارضه صحة وحسناً.
كأن يكون الحديث الأول صحيح ، ويكون الحديث الثانى حسنه الألبانى مثلاً (أى فى رتبة أقل منه) ، فلا تهم رتبة التحسين والتصحيح هنا المهم أن يكون الحديثان صحت نسبتهما إلى النبى صلى الله عليه وسلم.

أنواع التعارض الظاهرى فى الشريعة (لا يخرج عن ثلاثة أنواع) :
1- التعارض بين نصين (نصين من كتاب الله ، نصين من الأحاديث ، نص من الكتاب ونص من الأحاديث).
2- التعارض بين نص وأصل من أصول الشريعة.
3- التعارض بين نص وبين صريح المعقول والواقع.
وهذه الأنواع كلها تمثل تعارض من جهة الظاهر أو الناظر فقط ، وأما فى الحقيقة لا يوجد تعارض البتة.

كلام السلف فى هذه المسألة
قال الإمام الشافعى : ( لا يصح عن النبى صلى الله عليه وسلم أبداً حديثان صحيحان متضادان ينفى أحدهما ما يثبته الآخر من غير جهة الخصوص والعموم والإجمال والتفسير إلا على وجه النسخ وإن لم يجده ).
قال الإمام ابن خزيمة : ( لا أعرف أنه روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثان بإسنادين صحيحين متضادين ، فمن كان عنده فليأتِ به حتى أؤلف بينهما ).

الأدلة الشرعية على عدم وجود التعارض فى الحقيقة بين النصوص :

أ- قال تعالى : " وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحى يوحى ".
وجه الاستدلال من الآية : ما كان وحياً من الله فهو منزَّه من الاختلاف والتناقض ، لقوله تعالى " ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيرا "ً.
ب- بطلان وجود التعارض بدلالة اللوازم.
فمن لوازم القول بوجود التعارض ما يأتى :
* التكليف بما لا يطاق ، ووجه ذلك أن الشارع أمر المكلف بفعل شىء ونهاه عن فعل الشىء ذاته.
* وصف الشارع بالجهل ، لأن وجود التعارض يدل على أن الشريعة متناقضة.
فإذا بطل اللازم بطل الملزوم ، وعليه فلا يوجد تعارض حقيقى بين النصوص.

أسباب التعارض الظاهرى (مختلف الحديث) :

الأول : أن يكون أحد الحديثين ليس من كلام النبى صلى الله عليه وسلم.
الثانى : أن يخبر النبى صلى الله عليه وسلم عن شىء فيأتى أحد الرواة بالخبر كاملاً ويأتى آخر بالخبر مختصراً ويأتى ثالث ببعض معناه دون بعض.
الثالث : قد يحدِّث الصحابى عن النبى صلى الله عليه وسلم بِذِكر الجواب دون السؤال الذى بمعرفته يزول الإشكال.
الرابع : أن يكون أحد الحديثين ناسخاً للآخر.
الخامس : أن يكون التعارض نشأ من فهم السامع لنص كلام الشارع.
السادس : الجهل بسعة لسان العرب ، فإن العرب تسمى الشىء الواحد بالأسماء الكثيرة ، وتسمى بالاسم الواحد المعانى الكثيرة.

مسالك العلماء عند وجود التعارض الظاهرى :

الأول : الجمع بين الأدلة التى ظاهرها التعارض.
فيحاول المجتهد الجمع بينها لأن الأصل هو إعمال الأدلة الشرعية وليس إلغاءها ، فإن
تعذر الجمع بين الأدلة انتقل المجتهد إلى المسلك الثانى.
قال الشافعى (وكلما احتمل حديثان أن يُستعمَلا معاً استُعمِلا ولم يعطِّل واحد منهما الآخر)
الثانى : النسخ.
ويتم اللجوء إليه إن تعذَر الجمع بين الدليلين المتعارضين ظاهراً ، وكان الدليلان يقبلان النسخ ، فإنه يتم النظر فى التاريخ لمعرفة المتقدم من المتأخر ، فيكون المتأخر ناسخاً للمتقدم.
والنسخ لا يكون فى الأخبار إنما يكون فى الأوامر، سواء كانت الأخبار حدثت وانتهت مثل حادثة انشقاق القمر، أو حدثت وما زالت تحدث مثل طواف سبعين ألف ملك كل يوم بالبيت المعمور، أو لم تحدث بعد مثل خروج المسيح الدجال ونزول عيسى عليه السلام.
قال الشافعى (فإذا لم يحتمل الحديثان إلا الاختلاف كان أحدهما ناسخاً والآخر منسوخاً ، مثال ذلك الصلاة تجاه بيت المقدس وتجاه المسجد الحرام)
الثالث : الترجيح.
ويتم اللجوء إليه إن تعذر الجمع بين الدليلين المتعارضين ظاهراً ، ولم يكن هناك دليل على النسخ ، فيُعمل بالراجح ويُترك المرجوح. والعمل بالراجح وتَرك المرجوح محل إجماع بين أهل العلم ، وأنواع الترجيح تتجاوز المائة ذكرها الإمام الشوكانى فى كتابه إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول.
الرابع : التوقف.
إذا تعذَر الجمع والنسخ والترجيح فإنه يجب التوقف عن العمل بأحد النصَّين حتى يتبين وجه الحق فيهما. وهذا التوقف مؤقت لأن التوقف الأبدى يفضى إلى تعطيل الأحكام ، وعليه يتوقف المجتهد فى العمل لإعادة النظر مرة أخرى أو رد الأمر لمن هو أعلم منه.
قال الإمام الشاطبى ( أما ترك العمل بهما معاً مجتمعيْن أو متفرقيْن فهو التوقف عن القول بمقتضى أحدهما ، وهو الواجب إذا لم يقع ترجيح )
مجتمعيْن : أى بالجمع ، متفرقيْن : أى بالنسخ أو الترجيح.

أشهر الكتب المؤلفة فى مختلف الحديث (التعارض الظاهرى) :
1- كتاب اختلاف الحديث - للإمام الشافعى
2- كتاب تأويل مختلف الحديث - للإمام ابن قتيبة.
3- كتاب مشكل الآثار - للإمام الطحاوى.
4- كتاب تأويل الأحاديث المشكلة - للإمام أبى الحسن الطبرى.
5- كتاب مشكل الحديث وبيانه - للإمام ابن فورك.
6- كتاب كشف المشكل من حديث الصحيحين - للإمام ابن الجوزى.
 

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,949
مجموع الإعجابات
1,976
النقاط
113
الفصل الأول - المبحث الأول (العدوى)

الباب الأول : الإيمان بالله تعالى
الفصل الأول : ما يتعلق بتوحيد الألوهية
المبحث الأول : العَدْوَى
ورد فى العدوى نوعان من الأحاديث : نوع ينفيها ، ونوع يثبتها كما يلى :
الأحاديث النافية للعدوى :
فى الصحيحين من حديث أبى هريرة أن النبى صلى الله عليه وسلم قال :
" لا عدوى ولا صَفَر ولا هامَّة " ، فقال أعرابى: يا رسول الله، فما بال إبلى تكون فى الرمل كأنها الظِّباء فيأتى البعير الأجرب فيدخل بينها فيُجرِبها ؟ فقال : " فمن أعدى الأول ؟ "
عدوى : أن يُصاب سليم مثل صاحب الداء
صَفَر : هو شهر صفر الذى كان يتشاءم منه أهل الجاهلية
هامَّة : طائر من طيور الليل كان يتشاءم منه أهل الجاهلية وقيل هى البومة
وفى رواية لمسلم " لا عدوى ولا طيرة "
وفى رواية عن أبى هريرة " لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر "
وفى رواية عن أبى هريرة " لا عدوى ولا طيرة وأحب الفأل الصالح"
وفى رواية عن أبى هريرة " لا عدوى ولا هامة ولا نوء ولا صفر "
وفى رواية لابن عمرو " لا عدوى ولا طيرة ، والشؤم فى ثلاث: فى المرأة والدار والدآبة "
وفى رواية لأنس : " لا عدوى ولا طيرة ويعجبنى الفأل "، قالوا: وما الفأل،
قال: " كلمة طيبة "

وفى رواية لجابر " لا عدوى ولا طيرة ولا غول "
غول : أحد الغيلان ، وهو جنس من الجن والشياطين.

الأحاديث المثبتة للعدوى :
فى الصحيحين من حديث أبى هريرة أن النبى صلى الله عليه وسلم قال :
" لا يُورِدنَّ مُمرِض على مُصِح "
وفى رواية لأبى هريرة " .... وفِرَّ من المجذوم فرارك من الأسد "
الجذام : مرض يصيب الجسد (الأعصاب والجلد) يؤدى إلى قطع الأصابع
وفى رواية من حديث عمرو بن الشريد عن أبيه قال : كان فى وفد ثقيف رجل مجذوم ، فأرسل إليه النبى صلى الله عليه وسلم : " إنا قد بايعناك فارجع "
وفى رواية لأسامة بن زيد : " الطاعون رجسٌ أُرسِل على طائفة من بنى إسرائيل أو على مَن كان قَبلكم فإذا سمعتم به بأرض فلا تُقدموا عليه ، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تَخرجوا فراراً منه "

وجه التعارض :
يوجد تعارض ظاهرى بين نوعى الأحاديث التى تنفى العدوى والتى تثبتها.

مسالك العلماء تجاه مبحث العدوى وإزالة التعارض الظاهرى بين الأحاديث :
مسلك الجمع : ولهم فى الجمع طريقان هما :
الطريق الأول: قالوا لا فى قوله "لا عدوى" هى لا الناهية وليس النافية ، والمعنى : أى لا يُعدِى بعضكم بعضاً، أى لا تتعرضوا لذلك واتقوه واتقوا مكانه. واستأنسوا لهذا التأويل من قوله تعالى : " فلا رفث ولا فسوق ولا جدال فى الحج " أى لا ترفثوا ولا تفسقوا ولا تجادلوا فى الحج. وكذلك من قوله " لا ضرر ولا ضرار " ، وقوله " لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس " فكلها لا الناهية.
ولكن هذا التفسير بأنها لا الناهية يأتى عليه إشكال يعكر صفوه وهو أن الأعرابى فهم من عبارة : " لا عدوى " أنها للنفى وليس للنهى ، ومن أجل ذلك أتى بمعارض للنفى وهو أن الإبل تكون فى الرمل كأنها الظباء فيأتى البعير الأجرب فيجربها ، وبذلك الرد يكون الأعرابى قد أثبت وجود العدوى اعتراضاً على النفى فى "لا عدوى" ، أى أنه فهم أن لا هنا هى لا النافية وليست لا الناهية ، وأقره النبى صلى الله عليه وسلم على ذلك الفهم بدليل قوله " فمن أعدى الأول ؟ " ، تماماً كما أقر عمر بن الخطاب فى فهمه أن الموتى لا يسمعون عند قليب بدر بعد غزوة بدر، ولكنَّ سماع قتلى المشركين له فى هذه الحادثة كان حالة خاصة بهم وليس على العموم.
وعليه لزم البحث عن مسلك أو طريق آخر من طرق الجمع لإزالة التعارض.
الطريق الثانى: قالوا أن لا فى قوله "لا عدوى" هى لا النافية، وأرد الحديث بها نفى ما يعتقده أهل الجاهلية بأن هذه الأمراض تُعدى بطبعها دون تقدير الله تعالى ، ويؤيد هذا المسلك قوله " فمن أعدى الأول ؟ " حيث يشير إلى أن الجَمَل الأول جَرُب بقضاء الله وقدره وكذلك الثانى والثالث إلى قيام الساعة.
ويؤيد هذا المسلك (الطريق) من مسالك الجمع ما ثبت عند الترمذى من حديث ابن مسعود " لا يُعدى شىء شيئاً " ، فيُحمَل على ما كانوا يظنون بأن المرض بذاته يعدى، أى لا يعدى شىء بذاته شيئاً.
وقوله " وفرَّ من المجذوم فرارك من الأسد " ، وقوله "لا يوردنَّ ممرض على مصح" فيه بيان أن العدوى لها سبب من الأسباب التى خلقها الله وقدَّر حصول المرض لمن تعرض لها. وعليه فاختلاط الصحيح بالمريض سبب لنقل المرض بتقدير المولى عز وجلّ ، وقد يختلف هذا السبب بتقدير المولى سبحانه، فقد يختلط الصحيح بالمريض ولا يمرض الصحيح.

الخلاصة :
العدوى موجودة بنص الأحاديث وبما هو موجود بالواقع ، والأحاديث التى وردت فى نفى العدوى إنما تنفى المعتقد الخاطىء الذى كان عند أهل الجاهلية وهو أن العدوى موجودة بذاتها والأمراض تعدى بطبعها ، والصواب هو أن العدوى موجودة ولكنها سبب قدَّره الله للمرض ولا يكون إلا بإذنه سبحانه وتعالى، إذا شاء انتقل المرض بالعدوى من مريض لصحيح ، وإذا شاء لم ينتقل. وبهذا يزول التعارض.



 

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,949
مجموع الإعجابات
1,976
النقاط
113
الباب الأول - الفصل الأول - المبحث الثانى (الطِيَرة)

المبحث الثانى : الطِيَرَة
الطِيَرَة (بكسر الطاء وفتح الياء والراء) : التشاؤم بالشىء
قال النووى: (كانوا يتطيَّرون بالسوانح والبوارح فيُنفِّرون الظِّباء والطيور، فإن أخذت ذات اليمين تُسمَّى سانحة ويَتبرَّكون بها فيمضوا فى سفرهم وحوائجهم، وإن أخذت ذات الشمال تسمَّى بارحة فيتشاءمون بها ويصدوا عن حوائجهم).
الفأل شرعاً : هو الكلمة الحسنة فقط، فإن ترتَّب عليه إقدام أو إحجام فهو طِيَرة وليس بفأل.

ورد فى الطِيَرة نوعان من الأحاديث : نوع ينفيها ، ونوع يثبتها كما يلى :
الأحاديث النافية للطِيَرة :
فى الصحيحين من حديث أبى هريرة أن النبى صلى الله عليه وسلم قال :
" لا طيرة وخيرها الفأل " قالوا: وما الفأل يا رسول الله ؟ قال: " الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم "
وفى رواية لأنس: " لا عدوى ولا طيرة ويعجبنى الفأل " ، قالوا: وما الفأل ،
قال: " كلمة طيبة "

وفى رواية لمسلم من حديث معاوية بن الحَكَم السُلَمىّ قال:
ومنَّا رجال يتطيَّرون ، فقال النبى صلى الله عليه وسلم : " ذاك شىء يجدونه فى صدورهم فلا يصُدَنَّهم "
قال ابن القيم : (فأخبَرَ أنَّ تأذِّيه وتشاؤمه إنما هو فى نفسه وعقيدته لا فى المتطيَّر به ، فوهمه وخوفه وإشراكه هو الذى يُطيِّره ويصدَّه لا ما رآه وسمعه ، فأوضح لأمته الأمر وبيَّن لهم فساد الطيرة )


الأحاديث المثبتة للطِيَرة والشؤم :
فى الصحيحين من حديث ابن عمر ، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال :
" والشؤم فى ثلاث : فى المرأة والدار والدابَّة "
وفى رواية لمسلم : " إن يكن من الشؤم شىءٌ حق ففى الفَرَس والمرأة والدار "
وفى رواية لمسلم من حديث سهل بن سعد أن النبى صلى الله عليه وسلم قال :
" إن كان فى شىء ففى المرأة والفَرَس والمسكن "
وفى رواية لمسلم من حديث جابر، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال :
" إن كان فى شىء فى الرَّبْع والخادم والفَرَس " – الرَّبْع : الدار أو المسكن

وجه التعارض :
دلَّت الأحاديث كلها أو بمجموعها على وجود تعارض ظاهرى بينها ، فبعضها ينفى مطلقاً الطيرة ، وبعضها يثبتها فى أربعة أمور: ( المرأة والدار والفرس والخادم ).

حكم الطِيَرة فى الشرع :
الطيرة أو التشاؤم محرَّم فى شرع الله ولا يجوز.
عند الترمذى وأحمد من حديث ابن مسعود أن النبى صلى الله عليه وسلم قال :
" الطيرة شرك، الطيرة شرك – ثلاثاً- ثم قال ابن مسعود: وما منَّا إلاَّ، ولكنَّ الله يُذهِبه بالتوكل".
والمعنى: وما منا إلا من يخطر له من جهة الطيرة شىء ما، لتعوُّد النفوس بها، فحذف المستثنى كراهة أن يتلفظ به.
قال الخطابى: (معناه إلا من قد يعتريه الطيرة ويسبق إلى قلبه الكراهة فيه، فحُذِف اختصاراً للكلام واعتماداً على فهم السامع).
واتفق أهل العلم على أحاديث نفى الطيرة والأخذ بها وحملها على ظاهرها وهو النفى والتحريم ، أى أن نفى الطيرة تكون لذاتها، وإنما الطيرة تأتى من وهم الشخص لنفسه. أما الخلاف فقد وقع فى الأحاديث التى تثبت الطيرة والشؤم.

موقف السيد عائشة من الأحاديث المثبتة للطيرة :
عند الإمام أحمد من حديث أبى حسان الأعرج قال : دخل رجلان من بنى عامر على عائشة فأخبراها أن أبا هريرة يحدِّث عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال :
"الطِّيَرَةُ مِنَ الدَّارِ وَالْمَرْأَةِ وَالْفَرَسِ" ، فَغَضِبَتْ فَطَارَتْ شِقَّةٌ مِنْهَا فِي السَّمَاءِ وَشِقَّةٌ فِي الْأَرْضِ، وَقَالَت: وَالَّذِي أَنْزَلَ الْفُرْقَانَ عَلَى مُحَمَّدٍ مَا قَالَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قَطُّ ، إِنَّمَا قَالَ: " كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَتَطَيَّرُونَ مِنْ ذَلِكَ "
قال الإمام ابن الجوزى: (والخبر رواه جماعة ثقات فلا يُعتمَد على ردِّها)
قال الحافظ ابن حجر: (ولا معنى لإنكار ذلك على أبى هريرة مع موافقة مَن ذكرنا من الصحابة له فى ذلك)
قال ابن القيم: (والمقصود أن عائشة رضى الله عنها ردَّت هذا الحديث وأنكرته وخطَّاتْ قائله، ولكن قولها هذا مرجوح ولها اجتهاد فى رد بعض الأحاديث الصحيحة خالفها فيه غيرها من الصحابة)
وقد رَوَى حديث (الشؤم فى ثلاث) صحابة أجلاء هم (عبد الله بن عمر ، سهل بن سعد ، جابر بن عبد الله) ، وعليه فالصحيح أن هذه الأحاديث وردت عن النبى صلى الله عليه وسلم ولا يُلتفَت لرد السيدة عائشة - رضى الله عنها - لها.

مسالك العلماء تجاه مبحث الطيرة فى إزالة التعارض الظاهرى :
مسلك الجمع : جمع أهل العلم بين الأحاديث كلها على النحو التالى :
دلَّت الأدلة على أن الشؤم شؤمان : الأول محرَّم وهو ما ورد فى أحاديث النفى، والثانى مباح بشروط وضوابط والا انتقل إلى التحريم وهو ما ورد فى أحاديث الإثبات.
الشؤم المحرم : ما كان يعتقده أهل الجاهلية فيما يتطيرون به وهو قسمان
القسم الأول: أن يكون قبل إقدامهم على الشىء
القسم الثانى: أن يكون بعد الإقدام على الشىء عند حصول أقل ضرر منه
وكانوا يعتقدون فى المتطيَّر به أنه مؤثر بذاته فى جلب النفع والضر، وهذا الاعتقاد يشمل نوعى الشرك الأكبر والأصغر.
فيكون أكبراً: إذا اعتُقِد أن المتطيّر به سبب مؤثر بذاته مستقل بالنفع والضر بعيداً عن مشيئة الله وقدرته.
ويكون أصغراً: إذا اعتُقِد أن المتطيَّر به سبب والمسبِّب هو الله ، لأنه جعل ما ليس بسبب سبباً.
الشؤم المباح : ما يجده الإنسان فى نفسه من الكراهية لهذه الأشياء عند حصول الضرر منها أو فيها. ولا يكون إلا بعد وقوع الضرر وتكرره من الشىء المتشاءم منه، فإذا تضرَّر الإنسان من شىء أُبيح له تركه ، بل قد يجب لِما يؤدى له من خلل فى الاعتقاد.
روى الإمام أبو داود من حديث أنس قال: قال رجل: يا رسول الله إنا كنا فى دار كثيرٌ فيها عددنا وكثيرٌ فيها أموالنا، فتحوَّلْنا إلى دار أخرى فقلَّ فيها عددنا وقلَّت فيها أموالنا، فقال النبى صلى الله عليه وسلم : "ذروها ذميمة"
أمرهم النبى صلى الله عليه وسلم بالتحول عن الدار لا لأجل أنها سبب لذلك ، ولكن ليزول ما فى أنفسهم من الكراهة، وإبطالاً لما وقع فى نفوسهم من أن المكروه أصابهم بسبب سكنى الدار، فإذا تحولوا عنها سقطت مادة ذلك الوهم وزال ما خامرهم من الشبهة.
وقد جعل الله فى غرائز الناس كراهة ما أصابهم من سوء فى شىءٍ ما وإن كان لا سبب له فى ذلك، وكذلك جعل الله فى غرائز الناس حب ما أصابهم من خيرٍ فيه وإن كان لا سبب له فى ذلك أيضاً.
وهذا كان هو المقصود من قول ابن مسعود (وما منِّا إلا ، ولكنَّ الله يُذهبه بالتوكل).
ومن الشؤم المباح: التشاؤم من الشىء لصفة مذمومة موجودة فيه مثل: ضيق الدار، سوء الجيران، فساد الدابة، سوء خلق المرأة، سوء خلق الخادم.
أما إن كان التشاؤم لصفة مذمومة خارجة عن الشىء نفسه فهذا محرَّم، مثل تشاؤم الرجل من المرأة لسوء خلق أهلها.
ومن الشؤم المباح: أن الأثر المترتب على التشاؤم من الأشياء هو تركها ومفارقتها مع الاعتقاد أن الله هو الخالق الفعال لما يريد، بيده النفع والضر، وأن هذه الأشياء ليس بذاتها تأثير، وإنما شؤمها ويمنها ما يقدره الله من الشر والخير.
أما الفأل: فقد ذهب جمع من أهل العلم أنه من الطيرة ولكنه مستثنى من حكمها (الحرمة) بل هو مباح أو مستحب، والدليل: "لا طيرة ويعجبنى الفأل"
وذهب آخرون من أهل العلم أنه ليس من الطيرة لقول النبى صلى الله عليه وسلم:
"لا عدوى ولا طيرة ويعجبنى الفأل"
وعلى كلا القولين فإن الفأل محمود وليس مذموم بالشروط الآتية :
1- ألا يُعتمَد عليه، ولكن ينشرح الصدر له.
2- ألا يكون مُرتَّباً له ولا مقصوداً بل يقع من الإنسان وهو ليس له على بال، فإذا كان على قصد منه فهو من الطيرة المنهى عنها.

الخلاصة :
الجمع بين الأحاديث المنفية والمثبتة للطيرة، باعتبار أنه لا طيرة ولا تشاؤم إلا فى الأمور الأربعة (المرأة والدار والدابة والخادم) ، شريطة أن يكون شؤماً مباحاً بالشروط والضوابط سابقة الذكر وإلا فهو محرَّم كما ذكرت أحاديث النفى.
أى أنه يكون بسبب الأسباب الكامنة فى الغرائز المثيرة له لا بسبب الأشياء ذاتها، أو أنه يكون بسبب صفة مذمومة فى الأشياء مع اعتقاد أنها لا تضر بذاتها بل كَرِهتْها النفس البشرية لأنها ذميمة، ومع الاعتقاد التام بأن الله هو من بيده النفع والضر بقدرته ومشيئته.
 

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,949
مجموع الإعجابات
1,976
النقاط
113
الباب الأول - الفصل الأول - المبحث الثالث (الرُّقَى)

المبحث الثالث : الرٌّقى
الرّقَى: جمع رُقْيَة
تقول: استرقيْتُه فرَقَانِى رُقيَة ، أى طلبت منه أن يرْقِيَنى فَرَقَانى رُقْيَة.
والرُقيَة: هى كل ما جعله الله سبباً ليُستعاذ به من الشرور والمكروهات والهوام لأن فيها التجاءً واعتصاماً بالله تعالى، وهى بهذا ليست خاصة بالمريض فقط وإنما تشمل الصحيح أيضاً.
ورد فى الرُّقى نوعان من الأحاديث : نوع يفيد جواز الرقى ومشروعيتها ، ونوع يُفهم منه كراهتها ومنافاتها للتوكل ، كما يلى :

الأحاديث التى يفهم منها أن الرقى مكروهة وتنافى التوكل على الله :
* فى الصحيحين من حديث ان عباس قال: خرج علينا النبى صلى الله عليه وسلم يوماً فقال:
"عُرِضَت علىَّ الأمم فجعل يمر النبى ومعه الرجل، والنبى ومعه الرجلان، والنبى ومعه الرهط، والنبى وليس معه أحد، ورأيت سواداً كثيراً سدَّ الأفق فرجوت أن يكون أمتى، فقيل: هذا موسى وقومه، ثم قيل لى انظر، فرأيت سواداً كثيراً يسد الأفق، فقيل لى: انظر هكذا وهكذا، فرأيت سواداً كثيراً سد الأفق، فقيل: هؤلاء أمتك، ومع هؤلاء سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب" فتفرَّق الناس ولم يبيّن لهم، فتذاكر أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم فقالوا: أما نحن فوُلِدْنَا فى الشرك، ولكنَّا آمنَّا بالله ورسوله، ولكن هؤلاء هم أبناؤنا. فبلغ النبى صلى الله عليه وسلم فقال: "هم الذين لا يتطيَّرون ولا يَسْتَرْقون ولا يَكْتَوون وعلى ربهم يتوكلون" فقام عكاشة بن محصن فقال : أمِنْهُم أنا يا رسول الله ؟ قال: "نعم" ، فقام آخر فقال: أمنهم أنا؟ فقال: "سبقك بها عُكَّاشة".
ووجه الدلالة من هذا الحديث أنه يُكِرِّه الرقية ويعدها منافية للتوكل على الله.
وهناك فائدة من قوله "سبقك بها عُكَّاشة" وفيها قال أهل العلم الآتى:
قال النووى: (إن النبى صلى الله عليه وسلم عَلِم بالوحى أنه يُجَاب فى عكاشة ولا يجاب فى الآخر).
قال القرطبى: (لم يكن عند الثانى من الأحوال ما كان عند عكاشة، فلذلك لم يُجَب، إذ لو أجابه لجاز أن يطلب ذلك كل من كان حاضراً فيتسلسل فسدَّ الباب). وقول القرطبى هذا هو أولى الأقوال وأحق من قول الذى قال أنه كان منافقاً وذلك لوجهين :
1- أن الأصل فى الصحابة الإيمان وعدم النفاق فلا يثبت غير ذلك إلا بدليل صحيح.
2- قلَّ أن يَصْدُر مثل هذا السؤال إلا عن قصد صحيح ويقين فكيف يصدر ذلك عن منافق ؟
* ثبت عند الترمذى بسند صحيح من حديث المغيرة بن شعبة عن أبيه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: " من اكتوى أو استرقى فقد برىء من التوكل ".

الأحاديث التى تفيد جواز الرُّقَى ومشروعيتها :
ويمكن تقسيمها إلى الأقسام التالية :
1- أحاديث تحث على الرُّقَى للوقاية من المرض قبل وقوعه. (أحاديث قولية)
2- أحاديث تحث على الرُّقَى بعد وقوع المرض لرفعه وإزالته.(أحاديث قولية)
3- أحاديث تبيِّن رقية النبى صلى الله عليه وسلم لنفسه.(أحاديث فعلية فى رقية الإنسان لنفسه)
4- أحاديث تبيِّن رقية النبى صلى الله عليه وسلم لغيره.(أحاديث فعلية فى رقية الإنسان لغيره)
5- أحاديث تبيِّن رقية جبريل عليه السلام للنبى صلى الله عليه وسلم.(أحاديث فعلية)

- أحاديث قولية تحث على الرُّقَى للوقاية من المرض قبل وقوعه :
* فى الصحيحين من حديث ابن مسعود، قال النبى صلى الله عليه وسلم :
"من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة فى ليلة كفتاه"
* عند مسلم من حديث أبى هريرة أن رجلاً جاء النبى صلى الله عليه وسلم فقال:
يا رسول الله، ما لقيت من عقرب لدغتنى البارحة ، فقال له النبى صلى الله عليه وسلم "أما لو قلت حين أمسيت أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم تضرك"

- أحاديث قولية تحث على الرُّقَى بعد وقوع المرض لرفعه وإزالته :
* فى الصحيحين من حديث أم سلمة أن النبى صلى الله عليه وسلم رأى فى بيتها جارية فى وجهها سفعة، فقال: "استرقوا لها فإن بها النظرة"
السفعة: تغير لون جزء من الوجه عن باقى الوجه، ومنه حديث سفعاء الخدين.
النظرة: العين أو الحسد.
* فى الصحيحين من حديث عائشة قالت :
أمرنى رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أمَرَ أن يُستَرقى من العين.
* عند مسلم من حديث بُرَيْدة بن حصيب أن النبى صلى الله عليه وسلم قال :
" لا رقية إلا من عين أو حُمَة "
الحُمَة: بتخفيف الميم وفتحها هى لدغة الحية أو العقرب أو النملة
والحديث ليس المراد منه تخصيص الرقية من العين والحمة فقط، بل معناه أنه لا رقية أشفع وأنفع من رقية العين والحمة.
* عند مسلم من حديث جابر، رخَّص النبى صلى الله عليه وسلم لآل حزم فى رقية الحية، وقال لأسماء بنت عُمَيْس : " ما لى أرى أجسام بنى أخى ضارعة تصيبهم الحاجة؟ "، قالت: لا ولكن العين تُسرع إليهم، قال:"ارقيهم" قالت: فعَرَضْتُ عليه، فقال: "ارقيهم".
بنى أخى: أبناء جعفر بن أبى طالب
ضارعة: نحيلة ضعيفة ، الحاجة: الفقر والعوَز
* فى الصحيحين من حديث أبى سعيد قال: انطلق نفر من أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم فى سَفرة سافروها حتى نزلوا على حى من أحياء العرب فاستضافوهم فأبوا أن يُضيِّفوهم ، فلُدِغ سيد ذلك الحى فسَعَوْا له بكل شىء، لا ينفعه شىء. فقال بعضهم: لو أتيتم هؤلاء الرهط الذين نزلوا لعلَّه أن يكون عند بعضهم شىء، فأتوهم فقالوا: يا أيها الرهط إن سيدنا لُدِغ وسعينا له بكل شىء لا ينفعه، فهل عند أحد منكم من شىء؟ فقال بعضهم: نعم والله إنى لأرقى، ولكن والله لقد استضفناكم فلم تضيفونا، فما أنا براقٍ لكم حتى تجعلوا لنا جُعْلاً، فصالحوهم على قطيع من الغنم، فانطلق يتفل عليه ويقرأ "الحمد لله رب العالمين" ، فكأنما نشط من عِقال، فانطلق يمشى وما به قَلَبَة(مرض وعلة)، قال: فأوفوهم جُعْلَهم الذى صالحوهم عليه. فقال بعضهم: اقسموا، فقال الذى رَقَى: لا تفعلوا حتى نأتى النبى صلى الله عليه وسلم فنذكر له الذى كان فننظر ما يأمرنا، فقدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا له، فقال: "وما يدريك أنها رقية" ثم قال: "قد أصبتم، اقسموا واضربوا لى معكم سهماً" فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال العلماء: قوله "وما يدريك أنها رقية" فيه تصريح بأنها رقية فيستحب أن يُقرأ بها على اللديغ والمريض وسائر أصحاب الأسقام والعاهات.
* عند مسلم من حديث أنس قال :
رخَّص رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الرقية من العين والحمة والنملة.
النملة : قروح تخرج من الجنب
* عند مسلم من حديث عوف بن مالك الأشجعى قال:
كنا نرقى فى الجاهلية فقلنا: يا رسول الله كيف ترى فى ذلك ؟ فقال: "اعرضوا علىَّ رقاكم لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك".
* عند مسلم من حديث عثمان بن أبى العاص الثقفى أنه شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعاً يجده فى جسده منذ أسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : "ضع يدك على الذى تألم من جسدك وقل: باسم الله ثلاثاً، وقل سبع مرات: أعوذ بالله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر"

- أحاديث فعلية تبين رقية النبى صلى الله عليه وسلم لنفسه :
* روى البخارى من حديث عائشة أن النبى صلى الله عليه وسلم كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه ثم نفث فيهما فقرأ فيهما "قل هو الله أحد" و"قل أعوذ برب الفلق" و"قل أعوذ برب الناس" ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده يبدأ بهما على رأسه وما أقبل من جسده، يفعل ذلك ثلاث مرات.
* فى الصحيحين من حديث عائشة قالت :
إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوِّذات وينفث، فلمَّا اشتدَّ وجعه كنت أقرأ عليه وأمسح بيده رجاء بركتها.

- أحاديث فعلية تبين رقية النبى صلى الله عليه وسلم لغيره :
* فى الصحيحين من حديث عائشة قالت :
إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتكى الإنسان الشىء منه أو كانت به قرحة أو جرح، قال النبى صلى الله عليه وسلم بإصبعه هكذا –ووضع سفيان سبَّابته بالأرض ثم رفعها – "باسم الله تربة أرضنا بريقة بعضنا ليشفى به سقيمنا بإذن ربنا"
* فى الصحيحين من حديث عائشة :
أن النبى صلى الله عليه وسلم كان إذا أَتَى مريضاً أو أُتِى به قال: "أذهِب البأس ربَّ الناس واشفِ انت الشافى لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقماً"
* فى رواية لمسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يَرقِى بهذه الرقية:
" أذهب البأس رب الناس بيدك الشفاء لا كاشف له إلا أنت ".


- أحاديث فعلية تبيِّن رقية جبريل عليه السلام للنبى صلى الله عليه وسلم :
* عند مسلم من حديث أبى سعيد أن جبريل أتى النبى صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد اشتكيت؟ فقال: نعم، قال(جبريل): (باسم الله أرقيك من كل شىء يؤذيك، من شر كل نفس أو عينِ حاسد، الله يشفيك، باسم الله أرقيك).
* عند مسلم من حديث عائشة قالت: كان إذا اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم رَقَاه جبريل قال: (باسم الله يبْرِيك، ومن كل داء يشفيك، ومن شر حاسد إذا حسد، وشر كل ذى عين).

وجه التعارض بين نصوص الرٌّقَى :
فى حديث ابن عباس - عن السبعين ألف الذين لا يتطيرون ولا يسترقون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون – دلالة أن الرُّقَى وما ذُكِر معها (التطير والاكتواء) تنافى التوكل على الله، حيث جعلها فى مقابل التوكل، وأن هؤلاء السبعين ألف لا يفعلون هذه الأمور لتوكلهم على الله.
وكذلك فى حديث المغيرة بن شعبة أنَّ من اكتوى أو استرقى فقد برىء من التوكل.
أما الأحاديث الأخرى فإنها تحث على الرُقَى قولاً وفعلاً للنفس وللغير، وفيها بيان واضح بأن الرقية الشرعية ثابتة فى السنة القولية والفعلية والتقريرية.
وعليه ينشأ تعارض ظاهرى بين نوعى النصوص يجب إزالته.

مسالك العلماء تجاه مبحث الرقية فى إزالة التعارض الظاهرى :
مسلك الجمع : جمع أهل العلم بين الأحاديث كلها على النحو التالى :
(1) هناك فرق بين فِعْل الرقية وبين طلبها
ففِعْل الرقية دون طلبها - سواء بالنفس أو الغير- فضل وإحسان، وعليه يُحمَل الأحاديث التى تفيد جواز الرقى ومشروعيتها.
أما طلب الرقية (الاسترقاء) فمكروه وقادح فى التوكل، وعليه يُحمَل الأحاديث التى تفيد كراهة الرقى ومنافاتها للتوكل.
(2) الرقى جائزة غير مكروهة ولا تقدح فى التوكل لسنة النبى صلى الله عليه وسلم القولية والفعلية، ويُرَد على حديث السبعين ألف بأجوبة منها :
أ- ما قاله الطبرى والمازرى: (يُحمَل ما فى الحديث على قوم يعتقدون أن الأدوية نافعة بطباعها كما يقول بعض الطبائعيين، لا أنهم يفوضون الأمر لله سبحانه وحده).
ب- ما قاله المازرى: (ويُنفَى عنها بالكلام الأعجمى وما لا يُعرَف معناه لجواز أن يكون فيه كفر أو إشراك).
ج- ما قاله ابن قتيبة: (الرقى يُكرَه منها ما كان بغير اللسان العربى وبغير أسماء الله تعالى وذِكرِه وكلامه فى كتبه، وأن يُعتقَد أنها نافعة لا محالة، وإياها أراد بقوله: "ما توكَّلَ من استرقى" ولا يُكرَه ما كان من التعوُّذ بالقرآن وبأسماء الله عزَّ وجلّ).
د- ما قاله الخطَّابى: (فأما قوله "هم الذين لا يسترقون" فليس فى ثنائه على هؤلاء ما يُبطِل جواز الرقية التى قد أباحها، ووجه ذلك أن يكون تركها من ناحية التوكل على الله والرضا بما يقضيه من قضاء وينزله من بلاء ، وهذا من أرفع درجات المؤمنين المتحققين بالإيمان، وقد ذهب هذا المذهب من صالحى السلف: أبوالدرداء وغيره من الصحابة).

شبهة والرد عليها :
ورد فى بعض الروايات لحديث السبعين ألف (رواية سعيد بن منصور) لفظة (هم الذين لا يَرْقُون).
قال شيخ الإسلام فى هذه الرواية : ( وهوغَلَط من الراوى، فإن رقياهم لغيرهم ولأنفسهم حسنة، وكان النبى صلى الله عليه وسلم يرقى نفسه وغيره، ولم يكن يسترقى).
وقال الألبانى فيها: (شاذة تفرَّد بها شيخُ مسلم - سعيد بن منصور).
إذاً الصحيح هو لفظة (لا يسترقون) أى لا يطلبون الرقية، وليس لا يرقون، وعليه طلب المرء الرقية من الغير يدل على أنه مستعطى ملتفت إلى غير الله بقلبه.
ويدل على ذلك ما رواه أحمد بسند حسن من حديث أبى هريرة، قال: جاءت امرأة إلى النبى صلى الله عليه وسلم بها لَمَم، فقالت: يا رسول الله ادعُ الله أن يشفينى، قال: "إن شئتِ دعوتُ الله أن يشفيك، وإن شئتِ صبرت ِولا حساب عليك"، قالت: بل أصبر ولا حساب علىَّ.
فأرشدها النبى صلى الله عليه وسلم إلى الأفضل وهو ترك الاسترقاء، ولعلَّه قد علم من حالها قوة صبرها واحتمالها حيث أنه لم يقل هذا القول لكل من طلب منه الرقية.

الخلاصة :
يتم الجمع بين الأحاديث كلها، فالرقية تكون مشروعة ومباحة بالشروط سابقة الذكر، وتكون غير مشروعة ومنافية للتوكل إذا لم تتحقق تلك الشروط. وعليه يزول التعارض ولا إشكال.
والشروط هى:
1- عدم الاسترقاء، أى عدم طلب الرقية.
2- عدم الاعتقاد بأنها هى وغيرها من الأدوية نافعة بذاتها دون أن يأذن الله ويشاء.
3- أن تكون بما ورد من أدعية وأذكار مشروعة فى الكتاب والسنة، لا بغيرها من الأقوال الأعجمية وما شابهها.
4- أن تكون مع رضا كامل بقضاء الله وقدره والاعتقاد فيه سبحانه بأنه هو الشافى وليس هذه الرقى، فهى ليست نافعة إلا بإذنه تعالى.

فائدة فى الرقية الشرعية المباحة
(شروطها ، وملخص للأدعية والأذكار الواردة فيها) :


أولاً : شروطها :

1- أن تكون بكلام الله تعالى وبأسمائه وصفاته.
2- أن تكون باللسان العربى (اللغة العربية).
3- أن يعتقد صاحبها أنها لا تؤثر بذاتها بل بمشيئة الله تعالى، فقد أخطأ مَن ظنَّ أنها نافعة لا محالة.
4- ألا تكون من عرَّاف أو كاهن أو ساحر حتى لو رَقَى بالشروط السابقة.
5- ألا تكون بهيئة محرَّمة وألا يشوبها مخالفات شرعية (مثل أن يختلى الرجل بالمرأة الأجنبية ، أو يضع يده عليها ، أو ينظر إليها وتنظر إليه، أو تُظهِر المرأة شيئاً من عورتها بزعم أنه العضو الذى سيتم رقيته ويجب كشفه، أو يستخدم الراقى أساليب محرَّمة تشبه أساليب الدجالين والجهَّال .... إلى آخره من المخالفات).
ملحوظة :
فِعل الرقية أو العلاج بالرقية ليس من أمور الضرورات التى تبيح المحظورات والمخالفات، لأنه محض طلب دعاء من الله تعالى، وهذا يجيده أى مسلم أو مسلمة، وعليه فلا داعى أبداً جلب أحد من غير محارم المرأة لرقيتها والدعاء لها، وإنما مَن يرقيها يكون أحد محارمها من أهل التقوى أو امرأة مثلها. وهذا بعكس التداوى بالعلاج الحسِّى من أدوية وعمليات جراحية التى هى من الضرورات التى تبيح المحظورات.

ثانياً : ملخص أدعية وأذكار الرقى المذكورة بالأحاديث السابقة :
1- أدعية رُقيَة الإنسان لنفسه وقاية من المرض :
* أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق. (فى المساء)
* آخر آيتين من سورة البقرة. (كل ليلة)
* الإخلاص والمعوذتين ثلاث مرات (عند النوم)
بجمع الكفين ثم النفث فيهما والقراءة فيهما، ثم المسح بهما ما استطاع من الجسد بعد الانتهاء من القراءة كل مرة ، وذلك ثلاث مرات.

2- أدعية رُقيَة الانسان لنفسه بعد وقوع المرض :
* وضع اليد على موضع الألم ، وقول (باسم الله - ثلاثاً)، وقول (أعوذ بالله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر – سبع مرات).
* القراءة على النفس بالمعوذات والنفث.

3- أدعية رُقيَة الإنسان لغيره :
* أَذْهِب البأس رب الناس ، واشف أنت الشافى لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقماً.
* أَذْهِب البأس رب الناس بيدك الشفاء ، لا كاشف له إلا أنت.
* باسم الله أرقيك من كل شىء يوذيك، من شر كل نفس أو عين حاسد، الله يشفيك، باسم الله أرقيك.
* باسم الله يبريك، ومن كل داء يشفيك، ومن شر حاسد إذا حسد، وشر كل ذى عين.
 

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,949
مجموع الإعجابات
1,976
النقاط
113
المبحث الرابع : الكَىْ
ورد فى أمر الكى أربعة أنواع أو أقسام من الأحاديث :
الأول : يفيد مشروعية فِعْلِه.
الثانى : يفيد عدم محبة فعله.
الثالث : فى الثناء على تَرْكِه.
الرابع : يفيد النهى عنه.

أولاً: الأحاديث التى وردت فى جواز أو مشروعية فِعْل الكَى:
* روى مسلم من حديث جابر قال: ( رُمِىَ سعذ بن معاذ فى أكحله، قال(جابر): فحسمه النبى صلى الله عليه وسلم بيده فى مشقص ثم ورمت فحسمه الثانية ).
الأكحل: عِرْق فى وسط الذراع ، حسمه: كواه بالنار ليقطع الدم عنه
المِشْقَص: نصل السهم إذا كان طويلاً غير عريض، فإن كان عريضاً يسمَّى المِعْبَلة.
* روى مسلم من حديث جابر قال: (بَعَث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أُبَىّ بن كعب طبيباً فقطع منه عرقاً ثم كواه عليه).
وفى رواية أخرى لجابر قال: (رُمِىَ أبى يوم الأحزاب على أكحله فكواه رسول الله صلى الله عليه وسلم).
* روى البخارى من حديث أنس بن مالك قال:
(كُويتُ من ذات الجنب ورسول الله صلى الله عليه وسلم حى).
ذات الجنب : دمامل كبيرة تظهر فى باطن الجنب وتنفجر للداخل.

ثانياً : الأحاديث التى وردت فى عدم محبَّة النبى صلى الله عليه وسلم فِعْل الكَى:
* فى الصحيحين من حديث جابر قال: سمعت النبى صلى الله عليه وسلم يقول:
"إن كان فى شىء من أدويتكم – أو يكون فى شىء من أدويتكم – خيرٌ فَفِى شَرْطَة مِحْجَم أو شربة عسل أو لذعةٍ بنار توافق الداء، وما أحب أن أكتوى"

ثالثاً : الأحاديث التى وردت فى الثناء على تَرْك فِعْل الكَى:
* ما جاء فى حديث السبعين ألف (لابن عباس) سابق الذِكْر فى مبحث الرقية، وفيه: "الذين لا يتطيرون ولا يسترقون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون"
والشاهد : " ولا يكتوون ".
* فى صحيح مسلم من حديث عمران بن حصين قال :
(وقد كان يُسَلَّمُ علىَّ حتى اكتويتُ فَتُرِكْت، ثم تَرَكْتُ الكى فعاد).
والذى كان يُسلِّم على عمران هم الملائكة، وهذه كرامة له عندما كان يصبر على مرضه قبل أن يكتوى، فلما اكتوى تركوا التسليم عليه، فلما ترك الكى عادوا إلى التسليم عليه.

رابعاً : الأحاديث التى وردت فى النهى عن فِعْل الكَى:
* روى البخارى من حديث ابن عباس، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال :
" الشفاء فى ثلاثة: فى شرطة محجم، أو شربة عسل، أو كَيَّةٍ بنار، وأنا أنهى أمَّتى عن الكى ".

وجه التعارض بين أحاديث الكى :
عدم اتفاق هذه النصوص على حُكمٍ واحد فى فِعْل الكى، فمنها ما أجازه، ومنها ما كرَّهه، ومنها ما استحبَّ تركه، ومنها ما حرَّمه ونهى عنه.

مسالك العلماء تجاه مبحث الكى فى إزالة التعارض الظاهرى :
مسلك الجمع : اتفقت كلمة العلماء إلى إمكانية الجمع بين هذه النصوص كلها، وقالوا بجواز الكى فى أصله، وذلك لقول وفِعْل النبى صلى الله عليه وسلم فى الأحاديث سابقة الذكر بالقسم الأول. ونسبة الكى إلى الدواء من الداء كما فى حديث جابر بالقسم الثانى من أحاديث الكى، كما استدلوا بعموم الأدلة المبيحة للتداوى من قول النبى صلى الله عليه وسلم : " لكل داء دواء فإذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله عزَّ وجلَّ " رواه مسلم ، وقوله عليه الصلاة والسلام: " ما أَنزَلَ الله داءً إلا أنزَلَ له شفاء " رواه البخارى.
أما أحاديث الكراهة والنهى فقد حملوها على الآتى :
- قال المناوى: (الكى لا يُترَك مطلقاً ولا يُستعمَل مطلقاً، بل عند تعينه طريقاً للشفاء وعدم قيام غيره مقامه، مع مصاحبة اعتقاد أن الشفاء بإذن الله تعالى والتوكل عليه)
- قال ابن قتيبة: (والكى جنسان: أحدهما كى الصحيح لئلا يعتلّ كما يفعل كثير من أمم العجم فإنهم يكوون ولدانهم وشبانهم من غير علة بهم.... وهذا هو الأمر الذى أبطله رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما الجنس الآخر: فكى الجرح إذا نَغِل وإذا سال دمه فلم ينقطع، وكى العضو إذا قُطِع..... وهذا هو الكى الذى قال فيه النبى صلى الله عليه وسلم: "إن فيه الشفاء").
نَغِل الجرح : فسد الجرح.
- قال ابن عبد البر: (فمن ترك الكى ثقة بالله وتوكلاً عليه كان أفضل، لأن هذه منزلة يقينٍ صحيح وتلك منزلة رخصة وإباحة).
أى أن الكى مباح، وأما أحاديث النهى فتُحمَل على أفضلية تركه ثقة بالله.
- ذهب الخطَّابى إلى أن الكى داخل فى جملة العلاج والتداوى المأذون به شرعاً، وأما أحاديث النهى فتُحمَل على الآتى:
* أن الناس كانوا يعظِّمون أمره ويرون أنه يحسم الداء لا محالة ويبرئه، فنهاهم الشرع عن ذلك وأباح لهم استعماله على معنى التوكل على الله وطلب شفائه.
* أن يُفعَل احترازاً من الداء قبل وقوع الضرورة ونزول البليَّة.
* أن يكون النهى فى عِلَّة بعينها لا ينفع فيها الكى، أو يزيدها سوءً وخطراً.
- ذهب المناوى إلى أن النهى عن الكى نهى تنزيه حيث أمكن الاستغناء عنه بغيره من أساليب العلاج لأنه يشبه التعذيب بعذاب الله بالنار، وقد نهى الله عن الإحراق والتعذيب بالنار، وأيضاً لِما فيه من الألم الذى ربما يزيد عن ألم المرض ذاته.
* ذهب ابن القيم وابن حجر إلى أن أحاديث الكى تضمنت أربعة أنواع هى:
1- فعله ونسبة الشفاء به ، فيدل على مشروعية فعله.
2- عدم محبته له، ولا يدل هذا على منعه.
3- الثناء على تركه، ولا يدل هذا على منعه ولكن يدل على أن تركه أولى وأفضل.
4- النهى عنه، وذلك فى النوع الذى لا يُحتاج إليه (الوقاية من المرض) ، أو أنه نهى على سبيل الكراهة.

حُكم جواز الكى (شروطه) :
1- إذا دعت إليه الحاجة، ولا يمكن الاستغناء عنه بغيره.
2- الاعتقاد أن الشفاء بيد الله تعالى، وأن الكى مجرد سبب فقط.
حُكم كراهة الكى :
إذا استُعمِل مع إمكان الاستغناء عنه بغيره من الأدوية، أو إذا استعمل قبل نزول البلاء والمرض من باب الوقاية وحفظ الصحة، فهذا يُكرَه لِمَا فيه من ضعف التوكل على الله.
حُكم تحريم الكى :
إذا اعتُقِد نسبة الشفاء إلى الكى ونسيان المسبِّب الحقيقى وهو الله تعالى ، وهذه القاعدة عامة تكون فى أى علاج أو دواء وليس الكى فقط.

وبذلك فإنه على الحكم الأول(الجواز) تُحمَل أحاديث الفعل،
وعلى الحكم الثانى(الكراهة) تُحمَل أحاديث عدم المحبة والثناء على الترك،
وعلى الحكم الثالث(التحريم) تُحمَل أحاديث النهى.

الخلاصة :
يتم الجمع بين أحاديث الكى، فالكى جائز فى أصله من: (قول وفعل النبى صلى الله عليه وسلم، ونسبة الدواء والتداوى إليه، وعموم الأدلة المبيحة للتداوى).
وأما أحاديث النهى والكراهة فتُحمل على الآتى:
- كى الوقاية الذى كان يفعله العجم وأهل الجاهلية قبل حدوث الداء.
- أفضلية ترك الكى ثقة بالله وتوكلاً عليه.
- تعظيم أمره والظن بأنه يشفى على أى حال دون فضل الله وأمره وإذنه.
- نهى التنزيه لما فيه من ألم شديد، ولأنه يشبه الحرق والتعذيب بالنار الذى نهى الله عنه.
- فى عِلَّة أو مرض بعينه لا ينفعه الكى بل قد يزيده سوءً وخطراً.
 

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,949
مجموع الإعجابات
1,976
النقاط
113
الباب الأول - الفصل الأول - المبحث الخامس (ما جاء فى الحَلِف بغير الله تعالى)

المبحث الخامس : ما جاء فى الحَلِف بغير الله تعالىْ
ورد فى هذا المسألة (الحلف بغير الله) نوعان من الأحاديث :
الأول : أحاديث تنهى صراحة عن الحلف بغير الله.
الثانى : أحاديث ظاهرها أن النبى صلى الله عليه وسلم حلف بغير الله.

أولاً: الأحاديث التى تنهى عن الحلف بغير الله تعالى :
* روى البخارى من حديث عمر بن الخطاب أنه قال: قال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم" قال عمر: فوالله ما حلفت بها منذ سمعت النبى صلى الله عليه وسلم ذاكراً ولا آثراً.
ملحوظة: عبارة "ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم" خرجت مخرج الغالب فلا مفهوم لها، أى أن النهى ليس عن الحلف بالآباء فقط بل بالأمهات والأجداد والإخوة والأبناء وخلافه.
* فى الصحيحين من حديث ابن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أدرك عمر بن الخطاب وهو يسير فى ركب يحلف بأبيه، فقال: "ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفاً فليحلف بالله أو فليصمت".
* فى الصحيحين من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
"مَن كان حالفاً فلا يحلف إلا بالله" ، وكانت قريش تحلف بآبائها فقال: "لا تحلفوا بآبائكم".
* روى مسلم من حديث عبدالرحمن بن سمرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا تحلفوا بالطواغى ولا بآبائكم ".
* فى الصحيحين من حديث أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
" مَن حلف منكم فقال فى حلفه: باللات والعُزَّى، فليقل: لا لإله إلا الله، ومَن قال لصاحبه: تعال أقامرك، فليتصدَّق ".

ثانياً: الأحاديث التى ظاهرها أن النبى صلى الله عليه وسلم حلف بغير الله تعالى :
* روى مسلم من حديث أبى هريرة قال: جاء رجل إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أى الصدقة أعظم أجراً ؟ فقال: " أما وأبيك لَتُنبَّأنَّه، أن تَصدَّق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر وتأمل البقاء ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: لفلان كذا ولفلان كذا وقد كان لفلان ".
* روى مسلم من حديث طلحة بن عبيد الله قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل نجد ثائر الرأس نسمع دَوىَّ صوته ولا نفقه ما يقول حتى دنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإذا هو يسأل عن الإسلام، فقال: " خمس صلوات فى اليوم والليلة " ، فقال: هل علىَّ غيرهن ؟ قال: "لا إلا أن تطوَّع، وصيام شهر رمضان" فقال: هلى علىَّ غيره ؟ قال: "لا إلا أن تطوَّع"وذَكَر له الزكاة، فقال: هلى علىَّ غيرها؟ قال: "لا إلا أن تطوَّع" ، قال: فأدبر الرجل وهو يقول: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص منه، فقال: "أفلح وأبيه إن صَدَق، أو دخل الجنة وأبيه إن صَدَق".

وجه التعارض بين أحاديث الحلف بغير الله :
بعض هذه الأحاديث فيها نهى صريح عن الحلف بغير الله، وبعضها ظاهرها أن النبى صلى الله عليه وسلم قد حلف بغير الله، كما فى قوله : "أفلح وأبيه إن صَدَق" ممَّا قد يُفهَم منه جواز الحلف بغير الله.

مسالك العلماء تجاه مبحث الحلف بغير الله فى إزالة التعارض الظاهرى :
اتخذ أهل العلم فى هذه المسألة مسلكين:النسخ والجمع ، إلا أن مسلك النسخ هو الأرجح والأسَدّ ، كما سيلى ذكره.

مسلك النسخ :
ذَهَب جَمعٌ من أهل العلم أن الأحاديث التى ظاهرها الحلف بغير الله قد نُسِخت بأحاديث النهى عن الحلف بغير الله.
قال ابن عبد البر: (وهذه لفظة إن صحَّت فهى منسوخة).
قال ابن قُدَامة: (ثم لو ثبت – يعنى حديث أفلح وأبيه- فالظاهر أن النهى بعده).
والأدلة على النسخ ما يلى :
* روى أحمد بسند صحيح من حديث قُتَيْلَة بنت صَيْفىّ قالت: أتى يهودى إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقال: إنكم تُندِّدون وإنكم تُشرِكون، تقولون: ما شاء الله وشئت، وتقولون: والكعبة. فأمَرَهم النبى صلى الله عليه وسلم إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: وربِّ الكعبة، ويقولوا: ما شاء الله ثم شئت.
تُنَدِّدون : تجعلون لله نداً بقولكم ما شاء الله وشئت.
تُشرِكون : تجعلون لله شريكاً بقولكم والكعبة.
قال شُرَّاح الحديث : ما رَجَع النبى صلى الله عليه وسلم عن هذه الأقوال من أجل كلام اليهودى وتوجيهه، بل لأن الوحى نزل عليه بعد كلام اليهودى وبَيَّن له الحُكْم.
قال الطحاوى فى مُشكَل الآثار: (فكان فى هذا الحديث ذِكْر سبب النهى من رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحلف بغير الله تعالى، وكان فى ذلك ما قد دلَّ على أن المتأخِّر هو النهى عن الحلف بغير الله لا الإباحة).
* قول عمر بن الخطاب فى حديث البخارى سابق الذكر :
(فوالله ما حلفت بها منذ سمعت النبى صلى الله عليه وسلم ذاكراً ولا آثراً).
مما يدل على أن آخِر الأمرين من النبى صلى الله عليه وسلم هو النهى لا الإباحة.
* كان من عادة العرب الحلف بالآباء كما جاء فى رواية ابن عمر سابقة الذكر (وكانت قريش تحلف بآبائها)، فالأصل عندهم هو الحلف بالآباء، وقد جاء قول النبى صلى الله عليه وسلم: "أفلح وأبيه" ، وقوله: "أما وأبيك لَتُنبَّأنَّه" مُبقِياً لهذا الأصل، وجاء نهيه ناقلاً عن هذا الأصل وليس مبقياً له،
وهناك قاعدة عند أهل العلم: (الناقل مِن الأصل مُقدَّم على المبقىّ عليه) ، لأن الناقل فيه إثبات حُكم جديد ففيه زيادة ليست موجودة فى الخبر المبقى، وغاية ما يفيده الخبر المبقى التأكيد والتقرير أما الخبر الناقل يفيد التأسيس، والتأسيس أَوْلَى من التأكيد.

خلاصة النسخ :
إذاً الخلاصة من مسلك النسخ أن الأحاديث التى ظاهرها جواز الحلف بغير الله نُسِخَت بأحاديث النهى.

مسلك الجَمْع :
جَمَع بعض أهل العلم بين كل الأحاديث السابقة (الناهية عن الحلف بغير الله، والتى تفيد جوازه)، وأجمعوا على تحريم الحلف بغير الله ، أما الأحاديث التى ظاهرها يفيد جوازه حملوها على الآتى :
1- أن هذا القول (الحلف بغير الله) كان يجرى على ألسنتهم كثيراً دون قصد الحلف ، أما قَصْد الحلف به فمنهىّ عنه.
2- أن هذه الأقوال قالها النبى صلى الله عليه وسلم من باب التأكيد لا من باب القَسَم، وهذا فى لغة العرب.
3- أن هذه الأقوال لم تكن من باب التعظيم أو جعل لله نِدَّاً ، أما إن كانت تعظيماً أو تنديداً فهذا منهىّ عنه.
4ِ- أن ذلك خاص بالشارع الحكيم دون غيره، مثل قَسَمِ الله بالشمس "والشمس وضحاها" ، وبالسماء"والسماء والطارق" ، والنجم"والنجم إذا هوى" .... إلى غير ذلك ، وعليه فيُقسم به النبى صلى الله عليه وسلم دون أُمَّتِه.
5- أن قول النبى صلى الله عليه وسلم "وأبيه" تصحيف من بعض الرواة ،
وأنَّ الأصل (والله).


اختلاف أهل العلم فى الحلف بغير الله :
*اتفق أهل العلم فى جواز الحلف بالله تعالى، واتفقوا فى تحريم الحلف بغير الله فى الحالتين التاليتين :
(1) إذا اعتقد الحالف فى المحلوف به تعظيماً مثل تعظيم الله، فهذا كفر ورِدَّة.
(2) إذا كان المحلوف به مذموماً فى الشرع (كالحلف باللات والعزى).
*واختلف أهل العلم فى حكم الحلف بغير الله فى غير هاتين الحالتين - أى الحلف بغير الله بغير تعظيم للمحلوف به وأن يكون هذا المحلوف به غير مذموم به فى الشرع. وكان اختلافهم على قولين : التحريم والكراهة.
أما أصحاب الكراهة فقد حملوا أحاديث النهى على أنه نهى الكراهة والتنزيه مستدلين على ذلك بأحاديث الحلف بغير الله (وأبيه، وأبيك) ، وبقَسَم الله تعالى فى كتابه بالمخلوقات (الشمس، القمر، السماء، النجم، الرياح، الخيل).
أما أصحاب التحريم فقد حملوا أحاديث النهى على أنه نهى التحريم لأن :
أ- القاعدة الأصولية أنَّ: (الأصل فى النهى هو التحريم ما لم يصرفه صارف عن التحريم إلى الكراهة)، وعند التحقيق لا يوجد صارف ينزله للكراهة.
ب- وردت أحاديث أخرى تصف الحلف بغير الله أنه شرك وكفر، ومِن ثمَّ فإن النهى فى كل حالاته يجب أن يكون للتحريم لأن الشرك والكفر محرَّمان لا مكروهان. أما الأحاديث التى فيها (وأبيه ، وأبيك) التى استدل بها أهل الكراهة على أن النهى للكراهة، فقد حملها أهل التحريم على النسخ كما سبق ذكره.
ومِن هذه الأحاديث التى تصف الحلف بغير الله أنه شرك، فاستدلوا بها على التحريم :
- روى الترمذى بسند حسن من حديث ابن عمر أنه سمع رجلاً يقول: لا والكعبة، فقال ابن عمر: لا يُحلَف بغير الله فإنى سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "مَن حلف بغير الله فقد كَفرَ أو أَشرَك".
- روى الطبرانى بسند صحيح من حديث ابن مسعود قال : (لأن أحلف بالله كاذباً أحبَّ إلىَّ أن أحلف بغيره وأنا صادق).
قال شيخ الإسلام مُعلِّقاً: (وذلك لأن الحلف بغير الله شرك، والشرك أعظم من الكذب).

الخلاصة فى حُكْم الحَلِف بغير الله :
وعليه فإن الأرجح والأسدَّ هو أن الحلف بغير الله مُحرَّم فى جميع أحواله وليس مُحرَّماً فى بعضها ومكروهاً فى البعض، لأنه شرك بالله تعالى ولثبوت حكم النسخ له ، فقد نسخت أحاديث التحريم الأحاديث التى يُحمَل ظاهرها على الكراهة.
 

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,949
مجموع الإعجابات
1,976
النقاط
113
الباب الأول - الفصل الأول - المبحث السادس (ما جاء فى بعض الألفاظ المُوهِمَة للتشريك فى الرُّبُوبيّة)

المبحث السادس : ما جاء فى بعض الألفاظ المُوهِمَة للتشريك فى الرُّبوبِيَّة
ورد فى الصحيحين النَّهْى عن خمسة ألفاظ هى :
1- إطلاق لفظ (الرَّب) على السيِّد.
2- إطلاق لفظ (المَوْلَى) على السيِّد.
3- قول السيِّد لمملوكه (عَبْدِى).
4- قول السيِّد لمملوكته (أَمَتِى).
5- الجمع بين الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم فى ضمير واحد (هما).
كما ورد فى الصحيحين أيضاً ما ظاهره يفيد جواز إطلاق هذه الألفاظ الخمسة.

أولاً: الأحاديث التى تنهى عن قول هذه الألفاظ :
* فى الصحيحين من حديث أبى هريرة أن النبى صلى الله عليه وسلم قال:
"لا يَقُل أحدكم: (أَطْعِم ربَّك، وضِّىء ربَّك، اسقِ ربَّك) ، ولْيَقُل: (سيدى مولاى) ، ولا يَقُل أحدكم: (عَبدِى أَمَتِى) ، ولْيَقُل: (فتاىَ وفتاتى وغلامى)".
* وفى رواية لمسلم : "ولا يقولنَّ أحدكم عبدى فكلكم عبيد الله، ولكن ليقل: فتاى، ولا يقل العبد: رَبِّى، ولكن ليقل: سيِّدى".
* وفى رواية لمسلم: "لا يقولن أحدكم عَبدى وأمَتِى، كلكم عبيد الله، وكل نسائكم إماء الله، ولكن ليقل: غلامى وجاريتى وفتاى وفتاتى".
* وفى رواية لمسلم: "ولا يقل العبد لسيده مولاى، فإن مولاكم الله عزَّ وجلَّ".
* عند مسلم من حديث عَدِىّ بن حاتم، أنَّ رجلاً خطب عند النبى صلى الله عليه وسلم فقال: من يُطِع الله ورسوله فقد رشد ومن يَعصِهما فقد غوى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "بئس الخطيب أنت، قل: ومن يَعصِ الله ورسوله"

ثانياً: الأدلة التى ظاهرها يُجِيز بإطلاق هذه الألفاظ :
* الآية 42 من سورة يوسف، قول يوسف عليه السلام: "اذكرنى عند رَبِّك".
* الآية 31 من سورة النور، قوله تعالى: "والصالحين من عبادكم وإمائكم".
* فى الصحيحين من حديث أبى هريرة فى أشراط الساعة، قول النبى صلى الله عليه وسلم : "إذا وَلَدَت الأمَة ربَّها" ، وفى رواية "إذا وَلَدَت الأَمَة رَبَّتها".
* فى الصحيحين من حديث زيد بن خالد، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عندما سُئِل عن ضآلِّة الإبل: "مالك ولها، معها سقاؤها وحذاؤها ترد الماء وتأكل الشجر حتى يلقاها ربُّها".
* فى الصحيحين من حديث ابن عمر، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال :
"العبد إذا نَصَح سيَّدَه وأحسن عبادة ربِّه كان له أجْرِه مرَّتين"
* فى الصحيحين من حديث أنس، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال :
" ثلاثٌ مَن كُنَّ فيه وَجَد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحبَّ إليه مِمَّا سواهما، وأن يُحِب المرء لا يحبّه إلا لله، وأن يَكْرَه أن يعود فى الكفر كما يكره أن يُقذَف فى النار".

وجه التعارض بين الأحاديث :
جاءت بعض الأحاديث فى النهى عن قول الخمسة ألفاظ سابقة الذِّكر، وجاءت أدلة أخرى من القرآن والسنة ظاهرها يفيد جواز إطلاق هذه الألفاظ.

مسالك العلماء تجاه مبحث ما جاء فى بعض الألفاظ المُوهِمَة للتشريك لإزالة التعارض الظاهرى :
مسلك الجمع :
اتخذ العلماء مسلك الجمع لجميع الأدلة السابقة كالتالى :

أولاً : فيما يتعلَّق بلفظ (الرَّب) :-
الأصل أنه لا يجوز إطلاق لفظ الرَّب على غير الله تعالى، فالنهى الوارد للتحريم وليس هناك صارف يصرفه إلى الكراهة، وعليه فإنَّ النصوص التى ظاهرها الجواز يُرَدُّ عليها كالتالى :
* قول يوسف عليه السلام "اذكرنى عند ربِّك" ، هذا كان جائزاً فى شرعهم أما فى شرعنا فلا يجوز، وهذا كثير. فهناك الكثير من الأمور التى كانت جائزة فى شرع مَن قَبلنا مِن الأنبياء وحُرِّمت فى شريعة محمد صلى الله عليه وسلم ، وهناك الكثير من الأمور التى كانت مُحرَّمة فى شرعهم وأُحِلَّت فى شريعة محمد صلى الله عليه وسلم ، مثل سجود التحيَّة والذى كان جائزاً فى شرع يوسف عليه السلام ومُحرَّم فى شريعة الإسلام، ومِثْل الغنائم التى كانت محرّمة فى الشرائع السابقة وأُحِلَّت فى شريعة الإسلام.
* يجوز إطلاق لفظ الرَّب فى حالتين :
(1) أن يُضَاف إلى ما لا تَعبُّد عليه من الجمادات والحيوانات.
مثل: (ربُّ البيت ، ربُّ الإبل ، ربُّ المصنع) فكلها ليست من المُكَلَّفين وليس عليها عبادة.
(2) أن يكون إطلاقها على سبيل الوصف والإخبار عن الغير، لا على سبيل الدعاء والتسمية.
وعلى الحالة الأولى يُحمَل قوله عليه الصلاة والسلام: "حتى يلقاها رَبُّها" عن الإبل.
وعلى الحالة الثانية يُحمَل قوله عليه الصلاة والسلام: "حتى تلد الأَمَةُ ربَّتَها" فهى للوصف.

ثانياً : فيما يتعلَّق بلفظ (مولاى) :-
يُحمَل النهى على الكراهة أو على خِلاف الأَوْلَى وليس على التحريم لوجود النص الذى صرفه عن التحريم إلى الكراهة فى قوله عليه الصلاة والسلام : "وليقل : سيدى مولاى" فى حديث أبى هريرة سابق الذِّكر.
كما أنه يمكن من وجه قوى ترجيح الجواز بقول لفظ (مولاى)، ووجه الجواز أن لفظ المَوْلَى له معانى كثيرة عند العرب فيأتى بمعنى (الناصر، الملك، السيِّد، المُنعِم، المُعْتِق، ابن العم، الحَليف).

ثالثاً : فيما يتعلق بلفظَىْ (العَبْد ، الأَمَة) :-
النهى الوارد يتوجَّه إلى مَن يَمْلُك فتى أو فتاة فلا يقول لهما (عبدى، أمتى) فيُكرَه ذلك لأنه مظنَّة الاستطالة والتعاظم، وأما استعمال هذين اللفظين لغير المالك للتعريف أو الإخبار أو الوصف فلا بأس به، كأن يقول رجل عن فِتْيان وفَتَيَات غيره (عبد فلان، أمة فلان) من باب الإخبار عنهما أو التعريف بهما.
وعلى هذا يُحمَل قول الله تعالى: " والصالحين من عبادكم وإمائكم".
وقول النبى صلى الله عليه وسلم: "العبد إذا نصح سيَّده...." الحديث.

رابعاً : فيما يتعلَّق بالجمع بين الله ورسوله فى ضمير واحد:-
قول الخطيب: (ومَن يعصهما) يُحمَل على الكراهة لأن هذا الجمع يوهم التسوية بين الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ، فأمَرَه النبى صلى الله عليه وسلم بالعطف تعظيماً لله تعالى وتأدُّباً معه.
أمَّا قوله عليه الصلاة والسلام: "مِمَّا سواهما" فإنه للإيماء إلى أن المُعتَبر والمقبول هو قبول المجموع المركَّب من المحبتين لا كل واحدة منهما ، فإنها وحدها لاغية إذا لم ترتبط بالأخرى، فَمَن يَدَّعى حب الله مثلاً ولا يحب رسوله صلى الله عليه وسلم فلا ينفعه ذلك بشىء.
وعليه فإن الألفاظ السابقة (الرَّب، المَوْلَى، العَبْد، الأَمَة، والجمع بين الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فى ضمير واحد) إن كانت تُطلَق لغة فإنما جاء النهى تحقيقاً للتوحيد وحماية لجنابه وسدَّاً لذرائع الشرك.
قاعدة هامة :
الحكم العام إذا كان تخصيص بعضه باللفظ خروجاً عن الجميل فلا يجوز أن يُخَصَّ هذا البعض بهذا اللفظ، ولا يجوز إطلاقه عليه.
مثال: الله ربُّ كل شىء (عام لا يخرج شىء منها).
أما قول: الله ربُّ الكلاب والحمير واللصوص (خاص عن العام وفيه خروج عن الجميل ، لذا فإنه لا يجوز قوله وإنْ كان حقَّاً).

خلاصة الجمع :
* حُرمَة إطلاق لفظ الرب على غير الله تعالى إلا فى حالتين (بالإضافة إلى ما لا تَعبُّد عليه كالجماد والحيوان، بالإطلاق على سبيل الوصف والإخبار لا الدعاء والتسمية).
* كراهة وليس حرمة إطلاق لفظ المولى على غير الله تعالى خاصةً أنَّ لها معانى كثيرة فى اللغة.
* حرمة إطلاق لفظ عبدى وأمتى من مالكِهِما لنفسه لأنها تحمل التعظيم والكِبْر، أمَّا مِن غيره له فجائز (عبد فلان، أمة فلان).
* كراهة الجمع بين الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فى ضمير واحد (هما).
وكل ما سبق من تحريم وكراهة تحقيقاً للتوحيد الخالص لله تعالى.
 

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,949
مجموع الإعجابات
1,976
النقاط
113
الباب الأول - الفصل الأول - المبحث السابع(ما جاء فى إياس الشيطان من أن يعبده المصلون فى جزيرة العرب)

المبحث السابع : ما جاء فى قول النبى صلى الله عليه وسلم
" إن الشيطان قد أَيِس أن يَعبُده المصلُّون فى جزيرة العرب "


أولاً : الأحاديث التى وردت فى إياس الشيطان أن يُعبَد :
فى مسلم من حديث جابر، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال :
"إن الشيطان قد أَيِسَ أنْ يَعْبُده المُصلُّون فى جزيرة العرب، ولكن فى التحريش بينهم".
أيِسَ: يئس وقنط ، التحريش: الإيقاع بينهم فى الخلاف والفُرْقَة

ثانياً: الأحاديث التى وردت وتدل على وقوع الشرك والكفر وعبادة غير الله :
*
فى الصحيحين من حديث أبى هريرة، أنَّ النبى صلى الله عليه وسلم قال :
" لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس على ذى الخلصة ".
السَّاعة: المراد بها يوم القيامة
تضطرب: تَهْتزّ ، تتحرك بغير انتظام وتَضْرِب بعضها بعضاً
أَلَيَات: بِفَتح الهَمْزة وليس كَسْرِها ، جَمْع أَلْية: وهى العَجِيزة وما ركبها من شحم ولحم أى مؤخرة الإنسان
دَوْس: اسم قبيلة بجزيرة العرب ، وإليها ينتسب الصحابى أبوهريرة راوى الحديث
ذى الخلصة: اسم صَنَم كان يعبده أهل دوس فى الجاهلية ، واسمه ذو الخَلَصَة بِفَتْح الخاء أو ذو الخُلَصَة بِضَمِّ الخاء.
والمعنى: لا تقوم القيامة حتى يحدث هذا الأمر فهو سابق لها، وهو أن تضرب أليات نساء قبيلة دوس بعضها بعضاً وهُنَّ يعبُدنَ ذا الخلصة ، وهو كما ذَكَر الحديث صنم كانوا يعبدونه فى الجاهلية.

*فى مسلم من حديث عائشة، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال :
" لا يذهب الليل والنهار حتى تُعبَد اللات والعُزَّى ".

وجه التعارض بين الأحاديث :
أن هناك أحاديث أخبرت بأن الشيطان قد أيس من وقوع الشرك والكفر وعبادة غير الله تعالى، وأحاديث أخبرت بوقوع الشرك والكفر وعبادة الأوثان.

مسالك العلماء تجاه مبحث إن الشيطان قد أيس لإزالة التعارض الظاهرى :
مسلك الجمع : جَمَع أهل العلم بين الأحاديث السابقة كلها مع اعتبار ما يلى :
لا خلاف بين العلماء أنَّ حديثا أبى هريرة وعائشة من باب الإخبار، وعليه فلا خلاف بينهم فى وقوعهما كما أخبر المعصوم عليه الصلاة والسلام.
أما حديث جابر عن الشيطان ويأسه فقد وجَّهوه بالجمع بينه وبين حديثَىْ أبى هريرة وعائشة من خلال المحاور الثلاثة التالية :
الأول : أنَّ الشيطان قد أيس أن يجتمع كلهم على الكفر، أما أن يقع بعضهم فى الكفر أو الشرك فهذا واقع.
الثانى : أن الحديث أخبَرَ عمَّا وقع فى نفس الشيطان من اليأس عندما رأى الفتوح ودخول الناس فى دين الله أفواجاً، ولا يَلزَم من ظنِّه هذا عدم وقوع الشرك وعبادة ما سوى الله، لأن الأمر يقع على خلاف ما ظنَّه إبليس، ويؤيِّد هذا القول أن النبى صلى الله عليه وسلم نَسَب الإياس إلى إبليس فقال: "أَيِسَ" ، ولم يقُل(أُيِسَ)، والشيطان غير معصوم من الخطأ.
الثالث : أن الشيطان قد أيس من الصحابة، أى أن هذا الحديث خاص فى الصحابة فقط وليس كل الأمة حتى قيام الساعة، أى أن الشيطان قد أيس أن يُعبَد فى جزيرة العرب مِن قِبَل الصحابة، فهم أنزه وأجلُّ من أن يقعوا فى الشرك رضى الله عنهم جميعاً، أما باقى الأمة فلا يخصَّها الحديث فقد يقع بعض أبنائها فى عبادة الشيطان وهذا واقع.
ولا يخفى على أحد ما نراه فى واقعنا من عبادة الأصنام والنار والبقر وما يحدث عند القبور من شركيات.
قال ابن باز: (والأجوبة الثلاثة صحيحة إلا فى آخر الزمان حين يذهب كل المؤمنين).
أى حين تأتى الريح اللينة التى تقبض أرواح كل من فى قلبه ذرة إيمان فلا يبقى إلا شِرَار الناس من الكافرين والمشركين عليهم تقوم الساعة.

إذاً الخلاصة من الجمع :
أنه تم الجمع بين كل الأحاديث السابقة بحيث أنه لا خلاف فى وقوع الشرك والكفر وعبادة غير الله تعالى، أما حديث يأس الشيطان فقد تم توجيهه فى الأجوبة الثلاثة سابقة الذِّكْر (يأسه من اجتماع الكل على الكفر ، ما وقع فى نفسه هو من اليأس ، يأسه من وقوع الصحابة فى الكفر والشرك).
 

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,949
مجموع الإعجابات
1,976
النقاط
113
الباب الأول - الفصل الثانى - المبحث الأول (ما جاء فى قوله: كلتا يديه يمين)

الباب الأول : الإيمان بالله تعالى
الفصل الثانى : ما يتعلق بتوحيد الأسماء والصفات
المبحث الأول : ما جاء فى قوله صلى الله عليه وسلم "كلتا يديه يمين"

أولاً : الأحاديث التى وصفت أن كلتا يَدَى الله تعالى يمين :
عند مسلم من حديث عبد الله بن عَمْرو، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
" إنَّ المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن عزَّ وجلّ، وكلتا يديه يمين، الذين يَعْدِلون فى حُكمِهم وأهليهم وما وُلُّوا ".

ثانياً : الأحاديث التى وصفت احدى يَدَى الله تعالى بالشمال :
عند مسلم من حديث عبد الله بن عُمَر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
" يطوى الله عزَّ وجلّ السماوات يوم القيامة ثم يأخذهنَّ بيده اليمنى ثم يقول : أنا الملك أين الجبّاَرون؟ أين المتكبِّرون؟ ، ثم يطوى الأرضَيْن بشماله ثم يقول: أنا الملك أين الجبّاَرون؟ أين المتكبِّرون؟ ".

وجه التعارض بين الحديثين :
كلا النوعين أثبت أن لله يَديْن، ولكن الحديث الأول أثبت أن كلتا يديه يمين، أما الثانى فأثبت أن لله يد يمين ويد شمال، وهذا هو وجه التعارض.

معتقد أهل السنة والجماعة فى صفة اليد :
هى من صفات الذات الخبرية التى لا تنفك عن الذات ولا يُتَصوَّر الذات بدونها، فنُثبِت لله هذه الصفة دون الكلام عن كيفيتها، ولا يجوز تأويلها بالقدرة والنعمة.
وأجمَعَ أهل السنة أنَّ لله يدين، وأن احدى اليدين يمين، أما الاختلاف ففى اليد الأخرى هل هى شمال أم يمين ؟ ، والأدلة كثيرة على ذلك منها :
* قال تعالى " بل يداه مبسوطتان "
* قال تعالى "وما قدروا الله حقَّ قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه".
* فى الصحيحين من حديث أبى هريرة، أنَّ النبى صلى الله عليه وسلم قال :
" يقبض الله الأرض ويطوى السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض؟ "
* فى الصحيحين من حديث أبى هريرة، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال :
" إنَّ يَمِين الله مَلْأَى لا يَغِيضُها نَفقَة، سحَّاءُ الَّليل والنَّهار، أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَنْقُصْ مَا فِي يَمِينِهِ ، وَعَرْشُهُ عَلَى المَاءِ ، وَبِيَدِهِ الأُخْرَى الفَيْضُ - أَوِ القَبْضُ - يَرْفَعُ وَيَخْفِضُ ".
قال شيخ الإسلام فى شرح الحديث :
(فبيَّن صلى الله عليه وسلم أنَّ الفضل بيد الله اليمنى، والعدل بيده الأخرى، ومعلوم أنه مع أن كلتا يديه يمين فالفضل أعلى من العدل، وهو سبحانه كل رحمة منه فضل وكل نقمة منه عدل، ورحمته أفضل من نقمته، ولهذا كان المقسطون على منابر من نورعن يمين الرحمن، ولم يكونوا عن يده الأخرى، وجَعْلهم على يمين الرحمن تفضيلٌ لهم كما فضَّل فى القرآن أهل اليمين وأهل الميمنة على أصحاب الشمال وأصحاب المشئمة، وإنْ كانوا إنَّما عذَبهم بعدله).
وقال شيخ الإسلام أيضاً :
(ولا يَلزَم من قوله صلى الله عليه وسلم "كلتا يديه يمين" تساويهما فى الفضل، فإنَّ اليد اليمنى أفضل من اليد الأخرى، وإلا لَمَا كان للمقسطين مَزَيَّة فى كونهم عن يمين الرحمن).
وقال شيخ الإسلام أيضاً :
(والنصوص والآثار فى تفضيل كلام الله، بل وتفضيل بعض صفاته على بعض متعدِّدَة، وقول القائل:(صفات الله كلها فاضلة فى غاية التمام والكمال ليس فيها نقص) كلام صحيح، ولكن توهمه أنه إذا كان بعضها أفضل من بعض كان المفضول معيباً منقوصاً خطأٌ منه، فإن النصوص تدل على أن بعض أسمائه أفضل من بعض، ولهذا يُقال: دعا الله باسمه الأعظم، وتدل على أن بعض صفاته أفضل من بعض، وبعض أفعاله أفضل من بعض).

مسالك العلماء تجاه مبحث كلتا يديه يمين لإزالة التعارض الظاهرى :
مسلك الترجيح : جَمَع أهل العلم بين الأحاديث الواردة فى هذه المسألة وقاموا بترجيح وصف اليدين باليمين على الوصف الآخر (يمين وشمال)، وردُّوا على الأدلة التى استدلَّ بها مَن أَثبتَ وصف اليد الشمال لله تعالى بأنها أدلة لا تَنْهَض لأنْ تكون حُجَّة فى ذلك ، ونذكر هذه الأدلة والرَّد عليها فى الآتى :
1- استدلوا برواية عُمَر بن حمزة والتى فيها: "يَطْوِى الأرض بشماله" على وصف اليد الشمال لله تعالى.
وقام أهل العلم بالردِّ على ذلك بأنَّ رواية "يطوى الأرض بشماله" رواية شاذة تفرَّد بها عُمَر بن حمزة عن سالم، وعمر بن حمزة ضعيف.
قال فيه الإمام أحمد: (أحاديثه مناكير)، وقال فيه النسائى وابن حجر: (ضعيف) ، وقال فيه ابن حبَّان: (كان مِمَّن يُخطِىء).
ويدل على شذوذ رواية عمر بن حمزة، أن الإمام مسلم روى هذا الحديث برواية عبيد الله بن مِقسَم عن عبد الله بن عمر أنه قال: رأيت رسول
الله صلى الله عليه وسلم على المنبر وهو يقول : "يأخذ الجبَّار عزّ وجلّ سماواته وأراضيه بيديه...".
فلم يصف الحديث إحداها بالشمال.
2- ما رواه الإمام أحمد من حديث أبى الدرداء، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "خَلَقَ الله عزَّ وجلّ آدم حين خلقه فضرب كَتِفَه اليمنى فأخرج ذريته سوداء كأنَّهم الحمَم، فقال للذى فى يمينه: إلى الجنَّة ولا أُبَالى، وقال للذى فى يساره: إلى النار ولا أُبَالِى".
وفى رواية أخرى للإمام أحمد: " خَلَقَ الله عزَّ وجلّ آدم حين خلقه فضرب كَتِفَه اليمنى فأخرج ذرية بيضاء كأنَّهم الذَرَ، وضرب كتفه اليسرى فأخرج ذرية سوداء كأنهم الحمم، فقال للذى فى يمينه: إلى الجنَّة ولا أُبَالى، وقال للذى فى كفِّه اليسرى: إلى النار ولا أُبَالِى"
فمن الروايتين استدلوا على وصف اليد الشمال لله تعالى.
وقام أهل العلم بالردِّ على ذلك بأنَّ ضمير (الهاء) فى كلمة يساره وفى كلمة كفه اليسرى يعود إلى آدم عليه السلام وليس إلى الله تعالى، وعليه فلا يَصِح أن يُستدل منه أن احدى يدى الله تعالى شمال.
وعليه فالمعتمد والذى عليه العمل أن كلتا يدى الله تعالى يمين، ولا يلزم من هذا تساوى اليدين فى درجة الفضل بل اليد اليمنى أفضل من الأخرى.

خلاصة الترجيح :
رجَّح أهل العلم القول الأول (أنَّ كلتا يَدَى الله تعالى يمين) على القول الآخر (يمين وشمال) ، وردُّوا على الروايتين: رواية (يطوى الأرض بشماله) على أنها شاذة تفرَّد بها عمر بن حمزة وهو ضعيف ويُخطِىء كما قال عنه أهل العلم ، ورواية الإمام أحمد من حديث أبى الدرداء على أن ضمير الهاء فى كلمة يساره أو كَفِّه اليسرى يعود إلى آدم عليه السلام وليس إلى الله تعالى.

خلاصة المعتقد الصحيح الراجح لأهل السنة والجماعة فى صفة اليد لله تعالى :
صفة اليد من صفات الذات الإلاهية الخبرية التى لا تنفك عن الذات، ولا يُتَصوَّر الذات بدونها، فنُثبِت لله هذه الصفة دون الكلام عن كيفيتها ولا يجوز تأويلها بالقدرة والنعمة، وأجمع أهل السنة أن لله يدين وأن احدى اليدين يمين، والأخرى رجَّحوا أنها يمين، فكلتا يديه يمين، لكن لا يلزم من هذا تساوى اليدين فى درجة الفضل، بل اليد اليمنى أفضل من الأخرى وهى التى يكون عندها المقسطين على منابر من نور يوم القيامة.
 

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,949
مجموع الإعجابات
1,976
النقاط
113
الباب الأول - الفصل الثانى - المبحث الثانى (ما جاء فى قوله: كلتا يديه يمين)

المبحث الثانى : ما جاء فى صفة الرحمة لله عزَّ وجلّ
أولاً : الأحاديث التى وردت فى صفة الرحمة أنها مخلوقة :
*فى الصحيحين من حديث أبى هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
" إن الله خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة، فأمسك عنده تسعاً وتسعين رحمة، وأرسل فى خلقه كلهم رحمة واحدة "
وفى رواية: "جعل الله الرحمة فى مائة جزء فأمسك عنده تسعة وتسعين جزءاً وأنزل جزءاً واحداً، فمِن ذلك الجزء يتراحم الخلق، حتى ترفع الفرس حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه ".
* عند مسلم من حديث سلمان الفارسى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
"إن الله خلق يوم خلق السماوات والأرض مائة رحمة، كل رحمة طباق ما بين السماء والأرض، فجعل منها فى الأرض رحمة فبها تعطف الوالدة على ولدها والوحش والطير بعضها على بعض فإذا كان يوم القيامة أكملها بهذه الرحمة".
وفى رواية: "إن لله مائة رحمة فمنها رحمة بها يتراحم الخلق بينهم، وتسعة وتسعون ليوم القيامة".


ثانياً : الأحاديث التى وردت فى صفة الرحمة أنها صفة ملازمة لله تعالى ليست مخلوقة:
*فى الصحيحين من حديث أبى هريرة أن النبى صلى الله عليه وسلم قال :
"لمَّا قضى الله الخلق كتب فى كتابه فهو عنده فوق العرش: إنَّ رحمتى غلبت غضبى".
*فى الصحيحين من حديث أبى بكر الصديق أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: علِّمْنى دعاء أدعو به فى صلاتى، قال: "قل اللهم إنى ظلمت نفسى ظلماً كثيراً ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لى مغفرة من عندك وارحمنى إنك أنت الغفورالرحيم".
* فى الصحيحين من حديث عمر بن الخطاب قال: قَدِم على النبى صلى الله عليه وسلم سَبْى، فإذا امرأة من السَّبْى قد تحلُبُ ثديها تسقى، إذا وجَدَتْ صبياً فى السبى أخذته فألصقته ببطنها وأرضعته، فقال لنا النبى صلى الله عليه وسلم : " أترون هذه طارحة ولدها فى النار؟" قلنا: لا، وهى تقدر على أن لا تطرحه، فقال: "الله أرحم بعباده من هذه بولدها".
* وفى القرآن آيات كثيرة تمدح الله تعالى بصفة الرحمة، منها ما هو باسمه الرحمن فى أكثر من 160 مرة، ومنها ما هو باسمه الرحيم فى أكثر من 200 مرة، ومنها ما جمعهما للتأكيد 116 مرة، ومنها بصفة الرحمة.

وجه التعارض بين الأحاديث :
هناك أحاديث ذكرت بأن الرحمة صفة ملازمة لله تعالى غير مخلوقة ، وهناك أحاديث يُفهَم منها أن صفة الرحمة لله صفة مخلوقة.

معتقد أهل السنة والجماعة فى صفة الرحمة :
صفة الرحمة صفة ثابتة لله تعالى بالكتاب والسنة والإجماع والعقل، والأدلة من الكتاب والسنة على ثبوت صفة الرحمة لله كثيرة كما ذكر بالأحاديث السابقة وغيرها.
أما الإجماع فهو منعقد على إثبات هذه الصفة لله تعالى.
وأما من ناحية العقل، فإن ظهور آثار هذه الصفة من الإحسان إلى الخلق والإنعام عليهم ودفْع النقم والأذى عنهم لا يُعَد ولا يُحصَى، يشهد به الكافر قبل المؤمن.
ومعلوم أن صفات الله تعالى صفات أزليَّة ملازمة لله تعالى غير مخلوقة.


مسالك العلماء تجاه مبحث صفة الرحمة لإزالة التعارض الظاهرى :
مسلك الجمع : جَمَع أهل العلم بين كل الأحاديث السابقة كالتالى :
أولاً : الرحمة المضافة إلى الله نوعان :
(1) النوع الأول: مضافة إليه إضافة صفة إلى الموصوف.
كما فى قوله تعالى : "ورحمتى وَسِعَت كل شىء"
وكما فى قوله تعالى : "ربَّنا وَسِعْتَ كل شىء رحمة وعلماً"
فهذه الرحمة صفة ذاتية لازمة لله تعالى بالنظر إلى أصلها، وهى صفة فعلية بالنظر إلى أفراداها وآحادها لأن الله تعالى يرحم بها من يشاء من عباده، وكل صفة تتعلق بالمشيئة فهى صفة فعلية وكلها صفات قائمة به سبحانه.
(2) النوع الثانى: مضافة إليه إضافة مفعول إلى فاعله ومخلوق إلى خالقه، وهذه الرحمة ليست صفة لله تعالى وإنما هى أثر من آثار رحمته التى هى صفته الذاتية.
كما فى قوله تعالى : "وهو الذى أرسل الرياح بُشْراً بين يَدَى رحمته".
وكما فى قوله تعالى: "ولئن أذقنا الإنسان مِنَّا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليئوس كفور".
ومن قوله صلى الله عليه وسلم : "إن الله خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة..."
ومن قوله صلى الله عليه وسلم عند مسلم من حديث أبى سعيد الخدرى : "احْتَجَّتِ الجنَّة والنَّار، فقالت النار: فِىَّ الجبَّارون والمتكبِّرون، وقالت الجَنَّة: فِىَّ ضعفاء الناس ومساكينهم، فقضى الله بينهما: إنَّكِ الجنة رحمتى أرحم بك مَن أشاء، وإنَّكِ النار عذابى أعذب بك مَن أشاء، ولِكلَيْكُما علىَّ مِلْؤها".
والجنة مخلوقة فعندما يقول عنها "الجنة رحمتى" أى أنها رحمة مخلوقة.
ثانياً : لفظة خَلَقَ المذكورة فى أحاديث خلق الرحمة بمعنى قدَّر، وهذا هو مذهب الإمام القرطبى.

خلاصة مسلك الجمع :
صفة الرحمة صفة ثابتة لله تعالى بالكتاب والسنة والإجماع والعقل، وهى كباقى صفات الله تعالى صفة أَزَليَّة بأزليَّة الله تعالى ملازمة له غير مخلوقة، ولكنها تنقسم إلى نوعين: الأول: رحمة مضافة إلى الله إضافة الصفة إلى الموصوف، وهى صفة ذاتية فعلية من صفات الله تعالى.
والثانى: رحمة مضافة إلى الله إضافة المفعول إلى الفاعل والمخلوق إلى خالقه، إلا أن هذه الرحمة ليست صفة لله تعالى وإنما هى أثر من آثار رحمته التى هى صفته الذاتية. وبهذا ينتهى الإشكال ويزول التعارض الظاهرى.
 

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,949
مجموع الإعجابات
1,976
النقاط
113
الباب الأول - الفصل الثانى - المبحث الثالث (ما جاء فى صفة عُلوِّ الله وفَوْقيَّتِه)

المبحث الثالث : ما جاء فى صفة عُلُو الله وفَوْقيَّتِه
مع ورود نصوص مَعَيَّتِه وقُربِه مِن عباده


أولاً : الأحاديث التى تُبيِّن عُلُو الله تعالى وفَوقيَّتِه :
* فى البخارى من حديث عائشة قالت : لمَّا مرض النبى صلى الله عليه وسلم المرض الذى مات فيه جعل يقول: "فى الرفيق الأعلى".
وهذا لفظ يتناول جميع مراتب العلو ذاتاً وقهراً، وفيه تصريح بالعلو المطلق.
* عند مسلم من حديث معاوية بن الحكم السُّلَمِى، أنَّ النبى صلى الله عليه وسلم سأل الجارية: "أين الله؟"، قالت: فى السماء، قال: "من أنا؟"، قالت: رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: "أَعتِقْها فإنها مؤمنة".
و يستفاد من هذا الحديث الآتى :
1- يدل الحديث على جواز أن يُسأل أين الله ؟ ، ومن قال غير ذلك فقد أخطأ خطأً كبيراً، لأن من سأل هو النبى صلى الله عليه وسلم فكيف لا يكون جائزاً.
2- " فى السماء" المذكورة فى الحديث لا تعنى أن الله داخل السماء تعالى عن ذلك سبحانه، فكل ما فوق الإنسان يُسمَّى سماء، أما سبحانه فهو فوق كل شىء.
3- لا يليق أبداً بمُكلَّف كُلِّف بعبادة الله وخُلِق من أجلها ألاَّ يعرف أين الله تعالى.
* عند مسلم من حديث أبى هريرة، أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يقول قبل النوم :
"اللهم أنت الأول فليس قبلك شىء، وأنت الآخر فليس بعدك شىء، وأنت الظاهر فليس فوقك شىء، وأنت الباطن فليس دونك شىء". وفيه تصريح بالفوقيَّة.
* فى الصحيحين من حديث أبى سعيد الخدرى، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال :
" ألا تأْمَنُونِى ؟ وأنا أمين مَن فى السماء يأتينى خبر السماء صباحاً ومساءً".
* فى الصحيحين من حديث أبى هريرة، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال :
"يَنْزِلُ رَبُّنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثُلُث الليل الأخير يقول: مَن يدعونى فأستجيب له؟ من يسألنى فأعطيه؟ من يستغفرنى فأغفر له؟"
وفيه تصريح بنزوله تعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا، ومن المعلوم أن النزول لا يكون إلا من علو إلى سِفَل.
* فى الصحيحين من حديث أبى هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
" يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون فى صلاة الفجر وصلاة العصر ثم يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم وهو أعلم بهم: كيف تركتم عبادى ؟ فيقولون: تركناهم وهم يُصلُّون وأتيناهم وهم يُصلُّون "
ومن المعلوم أن العروج أو الصعود لا يكون إلا مِن أسفل إلى أعلى.
* فى الصحيحين من حديث أبى هريرة، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال:
" مَن تصدَّق بعدل تمرة من كسبٍ طيب ولا يصعد إلى الله إلا الطيب، فإن الله يتقبَّلها بيمينه ثم يرَبِّيها لصاحبها كما يربِّى أحدكم فَلُوَّه حتى تكون مثل الجبل ".
الفلُوّ : ولد الفرس. ومن المعلوم أن الصعود لا يكون إلا من أسفل إلى أعلى.

ثانياً : الأحاديث التى تُبيِّن مَعيَّة الله تعالى لخلقه :
*فى الصحيحين من حديث أبى موسى الأشعرى، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال لهم:
"ارْبَعُوا على أنفسكم، إنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائباً إنكم تدْعُون سميعاً قريباً وهو معكم".

اربعوا: ارفقوا بأنفسكم واخفضوا أصواتكم ، فقد كانوا فى سفر وكلما دخلوا وادياً رفعوا أصواتهم بالتهليل والتكبير.
* الآية الرابعة من سورة الحديد : " وهو معكم أين ما كنتم ".

ثالثاً : الأحاديث التى تُبيِّن قُرْب الله تعالى ودُنُوّه من عباده :
* حديث أبى موسى الأشعرى سابق الذِّكْر، وفيه : "إنكم تدعون سميعاً قريباً".
وفى رواية لمسلم : "والذى تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلة أحدكم".
* عند مسلم من حديث أبى هريرة، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال :
"أقرب ما يكون العبد من ربِّه وهو ساجد فأكثروا من الدعاء".
* عند مسلم من حديث عائشة، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال :
"ما مِن يوم أكثر مِن أنْ يَعتِق الله فيه عبداً من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهى بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء"

وجه التعارض بين أنواع الأحاديث الثلاثة السابقة :
اشتملت بعض النصوص السابقة وغيرها على أن الله تعالى بذاته فى العلو والفوقيَّة، عالٍ على جميع المخلوقات وفوقها، فوق السماء ليس فوقه شىء، وينزل إلى السماء الدنيا فى الثلث الأخير من كل ليلة نزولاً يليق بكماله وجلاله ليس كمثله شىء، ويصعد إليه الملائكة وأعمال العباد.
واشتملت بعض النصوص الأخرى أنه سبحانه وتعالى مع خلقه وقريب منهم.
فكيف يكون فوقٌ وفى نفس الوقت قريبٌ من خَلقِه ومعهم ؟

مسالك العلماء تجاه مبحث علو الله وفوقيته لإزالة التعارض الظاهرى :
مسلك الجمع : جَمَع أهل العلم بين كل الأحاديث السابقة وبيَّنوا المعتقد الصحيح فى هذه المسألة لإزالة الإشكال والتعارض ، والبيان كالتالى :

معتقد أهل السنة والجماعة فى صفة العلو :
نقل شيخ الإسلام عن بعض أكابر أصحاب الشافعى قول الشافعى: ( فى القرآن ألف دليل أو أَزْيَد تدل على أن الله تعالى عالٍ على الخلق وفوق عباده)
فكيف يُقال أن الله موجود بذاته فى كل مكان بما فيها أماكن الفسوق وغيرها، والأسوأ من هذا أن البعض (الجهمية) قد نفى عنه المكان فقالوا لا هو داخل العالم ولا خارجه وليس فوق ولا تحت، وهم بذلك يصفون الله بالعَدَم، مع أنه سبحانه هو العلىُّ الأعلى الذى قال عن نفسه : "الرحمن على العرش استوى" ومن المعلوم أن العرش هو أعلى المخلوقات، وفوق العرش الرحمن سبحانه وتعالى، وفوق الرحمن لا يوجد شىء - "أنت الظاهر ليس فوقك شىء".
ذُكِرَ أنَّ أحد العلماء مِن أهل السنة دَخَل على المأمون، فقال له : أيها الأمير إنَّ هؤلاء القوم قد ضيَّعوا إلاهك فالتمس لك إلاهاً سواه ، قال المأمون: كيف ؟ فردَّ عليه قائلاً : قالوا أن الله ليس داخل العالم ولا خارجه ولا فوق ولا تحت، وهذا الوصف لا يكون إلا فى العَدَم.

- ومن هذه الأدلة فى القرآن على علو الله وفوقيّته :
* "وهو العلى العظيم" وفى هذه الآية تصريح بالعلو المطلق الذى يشمل جميع مراتب العلو (علو الذات والقدر والشرف).
* "يخافون ربهم من فوقهم" وفى هذه الآية تصريح بالفوقيَّة.
* " تعرج الملائكة والروح إليه " وفى هذه الآية تصريح بالعروج إليه.
* " إليه يصعد الكلم الطيب " وفى هذه الآية تصريح بالصعود إليه.

- وأما أدلة السنة على علو الله وفوقيته كثيرة ، منها الأحاديث التى ذكرناها أول المبحث بالبخارى ومسلم.

- وأما أدلة الإجماع على علو الله وفوقيته :
* قال اسحاق بن راهويه: (إجماع أهل السنة أنه فوق العرش استوى ويَعلَم كل شىء أسفل الأرض السابعة ...).
* قال عثمان بن سعيد الدَّارِمِىّ : (قد اتفقت الكلمة من المسلمين والكافرين أن الله فى السماء).
* قال أبو عمرالطلمنكى : (أجمع المسلمون من أهل السنة على أن الله استوى على عرشه بذاته) ، وقال أيضاً : (أجمع أهل السنة على أن الله على العرش على حقيقته لا على المجاز).
* قال ابن بطَّة : (وأجمع المسلمون من الصحابة والتابعين وجميع أهل العلم من المؤمنين أن الله تبارك وتعالى على عرشه فوق سماواته بائن من خلقه، وعلمه محيط بجميع خلقه).
* قال شيخ الإسلام : (وقد دَخَل فيما ذكرناه من الإيمان بالله: الإيمان بما أخبر الله به فى كتابه وتواتر عن رسوله صلى الله عليه وسلم وأجمع عليه سلف الأمة مِن أنه سبحانه فوق سماواته على عرشه علِىُّ علَى خلقه).

- وأما أدلة العقل على علو الله وفوقيته ، فَمِن وجهين :
الأول: أنَّ العلو صفة كمال، والله تعالى متصف بكل كمال. وعليه يجب أن يكون العلو من صفاته.
الثانى: إن لم يكن سبحانه وتعالى عالياً ، فليس هناك إلا احتمالين: إما أن يكون مساوياً، وإما أن يكون بأسفل ، ويلزم من هذا أن يكون هناك أشياء أعلى من الله أو مساوية له ، وهذا يستلزم النقص، والله منزَّه من كل نقص.

- وأما دليل الفطرة على علو الله وفوقيته :
أنَّ كل إنسان فطرته تهتدى إلى علو الله وفوقيته. فكل مَن قال: يا الله أو دعا الله، يجد أن فطرته وعينه ورأسه ترتفع دائماً إلى فوق ولا تلتفت إلى أى اتجاه آخر لا يمنة ولا يسرة ولا أسفل. ومَن لم تهتدى فطرته إلى ذلك فهو منكوس الفطرة خَرَج عن طور الآدميَّة.
ذُكِرَ أنَّ أبا جعفر الهمذانى حَضَر مجلس الأستاذ أبى المعالى الجوينى وهو يتكلم فى نفى صفة العلو ويقول: (كان الله ولا عرش وهو الآن على ما كان)، فقال الشيخ أبو جعفر: (أخبِرْنا يا أستاذ عن هذه الضرورة التى نجدها فى قلوبنا، فإنه ما قال عارف قط يا الله إلا وجد فى قلبه ضرورة تطلب العلو لا يلتفت يمنة ويسرة، فكيف ندفع هذه الضرورة عن أنفسنا؟) ، فلَطَم أبو المعالى على رأسه ونَزَل وقال: (حَيَّرَنى الهمذانى، حَيَّرَنى الهمذانى). قِيلَ أن الجوينى بعد هذا الموقف رَجَع عن ضلاله (الاعتزال) وعاد إلى أهل السنة والجماعة.

معتقد أهل السنة والجماعة فى صفة المَعيَّة :
دلّت الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة على ثبوت صفة المعيَّة لله تعالى.
- أما أدلة الكتاب على صفة المعيَّة لله :
قال تعالى : " وهو معكم أينما كنتم " سورة الحديد
قال تعالى : " ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا " سورة المجادلة
قال تعالى : "إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا" سورة التوبة
قال تعالى : " إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون " سورة النحل
- أما أدلة السنة على صفة المعيَّة لله : حديث أبى موسى الأشعرى سابق الذِّكر
"ارْبَعُوا على أنفسكم، إنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائباً إنكم تدْعُون سميعاً قريباً وهو معكم".
وعليه فقد أجمع العلماء من أهل السنة والجماعة على ثبوت صفة المعيَّة لله، وقالوا بأنَّ هذه المعيَّة لا تُوجِب حلولاً ولا اختلاطاً ولا تُنافِى عُلُو الله تعالى وفوقيَّته، لأن المعيَّة معناها العلم والإحاطة وليس معناها المعيَّة بالذات ، أى أن الله معنا بعلمه وإحاطته وليس معنا بذاته وحلوله.
وتنقسم المعيَّة عند أهل السنة والجماعة إلى قسمين:
(1) معيَّة عامة : مع كل المخلوقات بالعلم والإحاطة والقدرة والسلطان.
كما فى قوله تعالى : " وهو معكم أينما كنتم ".
(2) معيَّة خاصة : لأنبيائه ورسله وأوليائه بالإعانة والتأييد والنصرة.
كما فى قوله تعالى : "إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا"
وفى قوله تعالى : " إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون "
قال شيخ الإسلام: (لفظ المعيَّة فى اللغة وإن اقتضى المجامعة والمصاحبة والمقارنة، فهو إذا كان مع العباد لم ينافِ ذلك علوه على عرشه، ويكون حكم معيَّته فى كل موطن بِحَسَبِه، فمع الخلق كلهم بالعلم والقدرة والسلطان، ويخص بعضهم بالإعانة والنصر والتأييد).

معتقد أهل السنة والجماعة فى صفة القُرْب :
دلّت الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة على ثبوت صفة القُرْب لله تعالى.
- أما أدلة الكتاب على صفة قُرْب الله تعالى مِن عباده :
" وإذا سألك عبادى عنى فإنى قريب أُجِيب دعوة الدَّاعِ إذا دعانِ" سورة البقرة
- أما أدلة السنة على صفة قُرْب الله تعالى مِن عباده :
* حديث أبى موسى سابق الذِّكر والذى فيه " إنكم تدْعُون سميعاً قريباً ".
* فى الحديث القدسى "... وإن تقرَّب إلىَّ شبراً تقرَّبتُ إليه ذراعاً، وإن تقرَّب إلىَّ ذراعاً تقرَّبتُ إليه باعاً ..." الحديث.

وعليه فإن معتقد أهل السنة والجماعة ثبوت صفة القُرْب لله تعالى، فالله قريب من عباده، ولكنَّ هذا القرب لا ينافى علو الله تعالى عن عباده وفوقيته، بل هو كما أجمع السلف (قريب فى علوه، عالٍ فى قربه). فهو قريب من خلقه قُربَاً يليق بجلاله وعظيم كماله، فهو يَقرُب بنفسه ولا يُدْرَى عن كيفية ذلك شىء من غير تحريف ولا تعطيل ولا تمثيل ولا تكييف. وقربه هذا لا ينافى علوه وفوقيته، فهو ليس كمثله شىء وهو السميع البصير.
قال ابن القيم : (وإن عسر على فهمك اجتماع الأمرين فإنه يوضِّح ذلك معرفة إحاطة الرَّب وسعته وأنه أكبر من كل شىء وأن السماوات السبع والأرضين فى يده كخردلة فى كف العبد، وأنه يقبض سماواته السبع بيده والأرضين باليد الأخرى ثم يَهُزُّهُنَّ، فَمَنْ هذا شأنه كيف يعسر عليه الدنو مِمَّن يريد الدنو منه وهو على عرشه؟ ، وهو يوجب لك فهم اسمه الظاهر والباطن، وتعلم أن التفسير الذى فسَّر رسول الله صلى الله عليه وسلم به هذين الاسمين هو تفسير الحق المطابق لكونه بكل شىء محيط وكونه فوق كل شىء).

وينقسم القُرْب عند أهل السنة والجماعة إلى قسمين:
(1) قرب عام : قربه بعلمه وقدرته، فيتضمّن علمه بكل شىء وقدرته على كل شىء.
(2) قرب خاص : قربه بنفسه لمن شاء من عباده، فيتضمَّن دنوه وقربه ممَّن شاء مِن عباده وتقريبه لمن يشاء منهم ولا ندرى عن كيفية ذلك شىء.

قال الإمام الدَّارِمىّ: (مَن آمن بأن االله فوق عرشه فوق سماواته، عَلِم يقيناً أنَّ رأس الجبل أقرب إلى الله من أسفله، وأن السماء السابعة أقرب إلى عرش الله تعالى من السادسة، والسادسة أقرب إليه من الخامسة ثم كذلك إلى الأرض. وقُرْب الله إلى جميع خلقه أقصاهم وأدناهم واحد لا يبعد عنه شىء مِن خَلْقِه، وبعض الخلق أقرب من بعض على نحو ما فسَّرنا من السماوات والأرض، وكذلك قرب الملائكة من الله، فحملة العرش أقرب إليه مِن جميع الملائكة الذين فى السماوات، والعرش أقرب إليه من السماء السابعة، وقرب الله إلى جميع ذلك واحد، هذا معقول مفهوم إلا عند مَن لا يؤمن أن فوق العرش إلاهاً).
قال شيخ الإسلام : (ولا يَلزَم من جواز القرب عليه أن يكون كل موضع ذُكِر فيه قربه يُراد به قربه بنفسه، بل يبقى هذا من الأمور الجائزة ويُنظَر فى النص الوارد، فإن دلَّ على هذا حُمِل عليه، وإن دلَّ على هذا حُمِلَ عليه).
وقال شيخ الإسلام أيضاً : (قربه الذى هو من لوازم ذاته مثل العلم والقدرة، فلا ريب أنه قريب بعلمه وقدرته وتدبيره من جميع خلقه، لم يزل بهم عالِمَاً ولم يزل عليهم قادراً. هذا مذهب جميع أهل السنة وعامة الطوائف إلا من يُنكِر عِلمَه القديم من القدَريَّة والرَّافضة ونحوهم، أو يُنكِر قدرته على الشىء قبل كونه من الرافضة والمعتزلة وغيرهم).
وقال أيضاً بتصرُّف : ( فقُرْب الله من عبده المؤمن بالإجابة، أو أنه يَقرُب من عبده بنفسه ولا ندرى عن الكيفية، أو أنه يَقرُب من عبده بتقريب عبده إليه، ولا يلزم من ذلك أن يتحرَّك الله بذاته إليه، وعليه فيكون القرب هنا من صفات الله عزَّ وجلّ الفعلية الاختيارية، وإذا فسَّرنا القرب بمعنى قربه بعلمه وإحاطته وقدرته فلا شك أنه يشمل جميع العباد مؤمنهم وكافرهم، ويكون القرب بهذا المعنى صفة ذاتية لازمة لله تعالى).

خلاصة مسلك الجمع فى إزالة التعارض بين أحاديث العلو والمعيَّة والقرب :
يتم الجمع بين كل الأحاديث سابقة الذكر فى هذا المبحث فى الآتى :
أنَّ الله سبحانه وتعالى فوق كل عباده مستوٍ على عرشه بذاته (معتقد صفة العلو والفوقيَّة).
ومعهم بإثبات صفة المعيَّة بنوعيها: (العامة لكل المخلوقات بالعلم والإحاطة والقدرة والسلطان ، والخاصة لأنبيائه ورسله وأوليائه بالإعانة والنصرة والتأييد)، وهذه المعيَّة لا تُوجِب حلولاً ولا اختلاطاً ولا تُنافِى عُلُو الله تعالى وفوقيَّته، فهى معناها العلم والإحاطة وليس معناها المعيَّة بالذات ، أى أن الله معنا بعلمه وإحاطته وليس معنا بذاته وحلوله (معتقد صفة المعيَّة).
وقريبٌ من خلقه بإثبات صفة القرب والدنو بنوعيها: (العام وهو قربه بعلمه وقدرته المتضمِّن علمه بكل شىء وقدرته على كل شىء ، والخاص وهو قربه بنفسه لمن شاء من عباده بقربه لهم أو تقريبهم إليه دون أن ندرى عن كيفية ذلك شىء)، وهذا القرب لا ينافى عُلُو الله تعالى وفوقيَّته ، فهو قريب فى علوه، عالٍ فى قربه. (معتقد صفة القرب).
إذاً فالله سبحانه وتعالى عالٍ فوق كل شىء، ليس فوقه شىء، مع كل المخلوقات بعلمه وقدرته وسلطانه، قريبٌ من كل المخلوقات بعلمه بكل شىء وقدرته على كل شىء، مع عباده الصالحين المقرَّبين إليه بإعانته ونصرته وتأييده وقربه لهم وتقريبهم إليه دون أن ندرى عن كيفية ذلك شىء، قريب فى علوه عالٍ فى قربه.

شبهات حول معتقد أهل السنة والجماعة فى صفات العُلُو والمَعَيَّة والقُرْب ، والرد عليها من أهل السنة :
(1) الشبهة الأولى :
قال الحلوليَّة مِن الجهمية وغلاة الصوفية والفلاسفة بأن الله حالُّ فى جميع خلقه وأنه موجود بذاته فى كل مكان، و استدلّوا على هذا القول الباطل بقوله تعالى :
"... ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا...." الآية 7 من المجادلة.
وبقوله تعالى فى سورة الحديد : " وهو معكم أينما كنتم ".
فظنُّوا أن المعيَّة هنا هى معيَّة الذات وبالتالى فإنه موجود بذاته فى مكان.
والرد على هذه الشبهة فى النقاط التالية كما يلى :
أ- أجمع أهل السنة والجماعة أن المعيَّة المذكورة هنا فى الآيات هى معيَّة العلم وليس معيَّة الذات، وإذا وُجِد الإجماع فلا عبرة بقول أىِّ أحدٍ كائناً مَن كان، وقد نقل هذا الإجماع أكثر من إمام مثل: (إسحاق بن راهويه، ابن أبى شيبة، الآجُرِّى، ابن بطَّة، ابن عبد البرّ، ابن تيمية، الطلمنكى، وغيرهم).
قال ابن أبى شيبة: (ففَسَّرت العلماء قوله: "وهو معكم" يعنى علمه).
قال الطلمنكى: (وأجمَعَ المسلمون مِن أهل السنة على أنَّ معنى قوله: "وهو معكم أين ما كنتم" ونحو ذلك من القرآن: أنَّ ذلك عِلْمه، وأن الله فوق السماوات بذاته مستوٍ على عرشه كيف شاء).
قال ابن عبد البَرّ: (وأما احتجاجهم بقوله عزَّ وجلّ: "... ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم.."الآية، فلا حُجَّة لهم فى ظاهر هذه الآية لأن علماء الصحابة والتابعين الذين حملت عنهم التأويل فى القرآن قالوا فى تأويل هذه الآية: هو على العرش وعلمه فى كل مكان، وما خالفهم فى ذلك أحدٌ يُحتَجَّ بقوله).
وكما قال أحد السلف : (وليس كل خلافٍ معتبر، إلا خلاف له حظ من النظر).
ب- سياق الآية 7 من المجادلة يدل على أنه أراد بالمعيَّة العِلْم، لأنه افتتح الآية بالعلم وختمها بالعلم، فقد قال تعالى فيها :
" أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ "
ج- لفظ المعيَّة فى اللغة العربية والقرآن ليس فيه شىء يُراد به الاختلاط (اختلاط احدى الذاتين بالأخرى).
قال تعالى : "اتقوا الله وكونوا مع الصادقين"
وقال تعالى : " إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين"
فالآيات لا تعنى أنه يلزم أن يكون الاختلاط مع الصادقين والمؤمنين بالذات.
د- لفظ المعيَّة جاء فى كتاب الله عاماً وجاء خاصاً، فلو كان المراد أنه بذاته مع كل شىء لكان التعميم يناقض التخصيص.
فقد قال تعالى: " وهو معكم أينما كنتم " - عام فى الخلق كلهم.
وقال تعالى: " إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا " - خاص فى النبى صلى الله عليه وسلم وأبى بكر الصديق.
وقال تعالى: "إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون" - خاص فى المتقين والمحسنين.
فلو كان الله مع كل شىء بذاته، فما فائدة أن يذكر أنه مع النبى صلى الله عليه وسلم وأبى بكر والمتقين والمحسنين وغيرهم من الخواص ؟ وبالتالى يكون التخصيص ليس له معنى إذا كانت المعيَّة بمعنى الذاتية والحلول.

(2) الشبهة الثانية :
استدل الحُلوليَّة مِن الجهمية وغلاة الصوفية والفلاسفة على قولهم الباطل بأن الله فى كل مكان بذاته، مِن الآية : "وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ" الآية 84 من سورة الزخرف.
والرد على هذه الشبهة كما يلى :
أجمع المفسِّرون من أهل السنة والجماعة أنَّ معنى الآية هو أنه سبحانه هو المعبود فى السماء والمعبود فى الأرض ، ولا يعنى هذا أنه موجود بذاته فيهما معاً ، ومثال ذلك أنْ يُقال فلان حاكم مكة والمدينة، فإنَّ هذا لا يعنى أنه موجود فيهما معاً، وإنما هو موجود فى إحداهما وربما لا يكون وقت الحديث موجوداً فى أيِّهما بل فى مكان آخر.
قال قتادة فى معنى هذه الآية: (هو الذى يُعبَد فى السماء ويُعبَد فى الأرض).
قال الآجُرِّى فى معنى الآية: (أنه جلَّ ذِكرُه إله مَن فى السماوات وإله مَن فى الأرض، إله يُعبَد فى السماوات وإله يُعبَد فى الأرض، هكذا فسَّره العلماء).
قال ابن قتيبة: (وأما قوله "وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ" فليس فى ذلك ما يدل على الحلول بهما، وإنما أراد به: أنه إله السماء وإله مَن فيها، وإله الأرض وإله مَن فيها ، ومثل هذا الكلام قولك: هو بخراسان أمير وبمصر أمير، فالإمارة تجتمع له فيهما، وهو حالٌّ باحداها أو بغيرهما، وهذا واضح لا يخفى).

(3) الشبهة الثالثة :
استدل الحُلوليَّة مِن الجهمية وغلاة الصوفية والفلاسفة على قولهم الباطل بأن الله فى كل مكان بذاته، مِن الآية : "وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُون" الآية 3 من سورة الأنعام.
والرد على هذه الشبهة كما يلى :
أجمع المفسِّرون من أهل السنة والجماعة أن الآية ليس معناها أنَّ الله تعالى فى كل مكان بذاته، ولكن معناها كما أشار ابن كثير فى تفسيره، وابن بطة فى كتابه المختار من الإبانة : أنه هو الله المدعو المعبود فى السماوات وفى الأرض، أى يعبده ويوحده ويقر له بالإلهية مَن فى السماوات والأرض.
وهناك معنى آخر: ("وهو الله فى السماوات" أى بذاته ونقف عندها، ثم بعدها "وفى الأرض يعلم سرَّكم جهركم ويعلم ما تكسبون" جملة استئنافية تعنى أى بعلمه).

(4) الشبهة الرابعة :
استدل الحُلوليَّة مِن الجهمية وغلاة الصوفية والفلاسفة على قولهم الباطل بأن الله قريب بذاته وموجود فى كل مكان بذاته، مِن الآيات :
" ونحن أقرب إليه من حبل الوريد "َ آخر الآية 16 من سورة ق
" ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون " الآية 85 من سورة الواقعة
فقالوا أن معنى القرب فى هاتين الآيتين هو قرب الله بذاته تعالى، فهو قريب من حبل الوريد، وفى هذا دليل على أنه فى كل مكان بذاته.
والرد على هذه الشبهة فى النقاط التالية كما يلى :
أ- الإجماع منعقد على بطلان الحلول والاتحاد وأنهما منفيان عن الله تعالى.
قال شيخ الإسلام: (وأما أن تكون ذات الرَّب فى قلب كل أحدٍ كافر أو مؤمن فهذا باطل لم يَقُله أحد من سلف الأمة ولا نطق به كتاب ولا سنة بل الكتاب والسنة وإجماع السلف مع العقل يناقض ذلك).
ب- الذين يقولون أن الله قريب من كل شىء بذاته وموجود فى كل مكان بذاته، لا يخصُّون بذلك شيئاً دون شىء ولا يمكن أن يُقال أنَّ الله قريب من الميت دون أهله، ولا أنه قريب من حبل الوريد دون سائر الأعضاء.
فكيف يصِحّ هذا الكلام على أصلهم وهو عندهم فى جميع بدن الإنسان؟
أى كيف يكون قريب من حبل الوريد على وجه الخصوص دون سائر البدن مع أنهم (الحلولية) يقرُّون بأنه حالٌّ فى جميع البدن وقريب من جميع البدن بذاته ؟ ، وكيف يكون قريب من الميت على وجه الخصوص دون أهله الذين يقفون بجواره مع أنهم (الحلولية) يقرُّون بأنه قريب من جميع الخلق بذاته.
فكيف يقول الله تعالى: "ونحن أقرب إليه منكم" إذا كان معه ومعهم على وجه واحد ؟ وهل يكون أقرب إلى نفسه من نفسه ؟
ج- سياق الآيتين ( 16 بسورة ق ، 85 بسورة الواقعة ) يدل على أن المراد بهما الملائكة، وهذا هو كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيِّم ،
فقد قال تعالى :
" وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيد (16) إذ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (17) مَا يَلْفِظُ من
قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيد (18) " سورة ق
فقيَّد سبحانه القرب بهذا الزمان ، وهو زمان تلقِّى المتلقيين قعيد عن اليمين وقعيد عن الشمال وهما الملكان الحافظان الموكَّلان بالكتابة، فلو كان المراد قرب ذات الرَّب، لم يختص ذلك بهذه الحال ولم يكن لذِكْر القعيدين والرقيب والعتيد معنى مناسب.
وكذلك قوله تعالى فى الآية الأخرى :
" فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (83) وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ (84) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لَّا تُبْصِرُونَ (85) ". سورة الواقعة
فلو أراد قرب ذاته لم يخص ذلك بهذه الحال.
د- قوله تعالى : "ولكن لا تبصرون" ، إنما يُقال هذا فيمن يجوز أن يُرى فى بعض الأحوال ولكن نحن لا نبصره، أى يمكن رؤيته فى بعض الأحوال ولا يمكن رؤيته فى البعض الآخر، وهذا بالطبع لا يكون فى ذات الله التى لا يراها البشر ولا الملائكة ولا أى أحد من خلقه. إنما يكون فى الملائكة التى يمكن أن تُرى فى بعض الأحوال كما تمثَّل جبريل عليه السلام فى شخص ورآه الصحابة، وكما رأته جميع الأنبياء والرسل إلى آخره، ولكن لا نبصرهم نحن فى هذه الحال (وقت خروج روح الميت).

وعليه فمعتقد أهل السنة والجماعة والذى عليه الإجماع والعمل هو بطلان الحلول والاتحاد وأنهما منفيان عن الله تعالى، فالله لا يكون بذاته أبداً فى كل مكان، إنما هو سبحانه فوق كل عباده مستوٍ على عرشه بذاته، عالٍ فوق كل شىء، ليس فوقه شىء، مع كل المخلوقات بعلمه وقدرته وسلطانه، قريبٌ من كل المخلوقات بعلمه بكل شىء وقدرته على كل شىء. هذا هو المعتقد الصحيح الذى يجب اعتقاده حتى يَعظُم الربُّ فى قلوب العباد.

 

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,949
مجموع الإعجابات
1,976
النقاط
113
الباب الأول - الفصل الثانى - المبحث الرابع (ما جاء فى رؤية النبى لربِّه عزَّ وجلَّ)

المبحث الرابع : ما جاء فى رؤية النبى صلى الله عليه وسلم لربِّه عزَّ وجلّ
وهذا المبحث يتكلَّم عن رؤية النبى محمد صلى الله عليه وسلم فى المعراج لربِّه سبحانه وتعالى. وقد ورد فيه نوعان من الأحاديث: (أحاديث تُثبِت الرؤية، وأحاديث تنفى الرؤية).

معتقد أهل السنة والجماعة فى مسألة رؤية الله تعالى :
1- الإجماع منعقد أنه يستحيل لبشرٍ مهما كان - حتى مِن أنبياء الله ورسله - أن يرى الله فى الدنيا عياناً بالأبصار ، ومَن ادَّعى أنه رأى ربَّه فى الدنيا فهو زنديق.
2- الإجماع منعقد أنه يستحيل أن يرى أحدٌ من البشر اللهَ فى المنام (الرؤيا) ، عدا النبى محمد صلى الله عليه وسلم فقد رآه فى المنام ، حيث رآه ذات يوم قبل الفجر فى منامه فى أحسن صورة، ثم استيقظ وصلَّى الفجر بالصحابة ثم أخبرهم.
3- أما فى الآخرة فالإجماع منعقد أنَّ أهل الجنَّة سيرون الله سبحانه وتعالى إنعاماً لهم. قال تعالى: "للذين أحسنوا الحسنى وزيادة" ، والحسنى هى الجنَّة والزيادة هى النظر إلى وجهه الكريم، وهى أفضل نعيم لهم فى الجنة.
كما أنه يمكن أن يراه جميع البشر (مؤمنهم وكافرهم) يوم القيامة عند العَرْض والحساب، لكن شتَّان بين رؤية المؤمن لربِّه المحب له، ورؤية الكافر لربِّه الغاضب عليه، فالأولى رؤية فضل وإنعام، والثانية رؤية تعذيب وامتهان.
4- أما فى حادثة المعراج، فهذا ما كان فيه الاختلاف بين أهل العلم، والذى هو محور الحديث فى هذا المبحث. وخلاصة المعتقد فيه هو أنه تمَّت الرؤية فى المعراج ولكن بالقلب (البصيرة وليس البصر)، فهى رؤية خُلِقَت فى قلب النبى صلى الله عليه وسلم كما تُخلَق الرؤية بالعين، وهى رؤية قلبية وليست العلم بالقلب، فعِلْم النبى صلى الله عليه وسلم بالله تعالى لم ينقطع لحظة قبل المعراج ولا أثنائه ولا بعده.
5- رؤية الملائكة أو الجن لله تعالى لم تَرِد فيها أدلة شرعية من الكتاب والسنة لا بالإثبات ولا بالنفى، وعليه فالواجب أن نسكت عنها ولا نتكلم فيها فهى من الغيبيات التى لا يُتَكلَّم فيها إلا بدليل من الكتاب أو السنة.

أولاً : الأحاديث التى تدل على عدم الرؤية (تنفى الرؤية) :
* فى الصحيحين من حديث مسروق بن الأجدع قال : كنتُ متِّكئاً عند عائشة فقالت: (يا أبا عائشة ثلاث مَن تكلَّم بواحدة منهن فقد أَعْظَمَ على الله الفِرْيَة)، قلت: ما هنَّ؟ ، قالت: (مَن زَعَمَ أن محمداً رأى ربَّه فقد أَعْظَمَ على الله الفرية)، قال: وكنتُ متكئاً فجلست، فقلت: يا أم المؤمنين أَنْظِرينى ولا تَعْجَلِينى، ألم يقل الله عزَّ وجلّ: "ولقد رآه بالأفق المبين" ، "ولقد رآه نزلة أخرى" ، فقالت: (أنا أول هذه الأمة سأل عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "إنما هو جبريل لم أره على صورته التى خُلِق عليها غير هاتين المرَّتين رأيته منهبطاً من السماء سادَّاً عِظَم خلقه ما بين السماء إلى الأرض" فقالت: (أوَ لمْ تسمع أن الله يقول: "لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير"، أوَ لمْ تسمع أن الله يقول: "وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً أو من ورائى حجاب أو يرسل رسولاً فيوحى بإذنه ما يشاء إنه على حكيم") ، قالت: (ومَن زَعَمَ أن رسول الله كتم شيئاً من كتاب الله فقد أَعْظَمَ على الله الفِرْيَة .....) الحديث.
ملحوظة : مسروق بن الأجدع من كبار التابعين ، وكان يكنَّى بأبى عائشة ، وسُمِّى مسروقاً لأنه سُرِق وهو صغير ثم وُجِد.
*وفى رواية قال مسروق: قلت لعائشة: فأين قوله "ثم دنا فتدلى - فكان قاب قوسين أو أدنى" ، قالت: (ذاك جبريل كان يأتيه فى صورة الرجل وإنما أتاه فى هذه المرة فى صورته التى هى صورته فسدَّ الأفق).
*عند مسلم من حديث أبى ذر الغفارى قال: سألتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم :
هل رأيتَ ربَّك ؟ ، قال: "نور أنَّى أراه؟". وفى رواية أخرى: "رأيتُ نوراً".

* عند مسلم من حديث أبى هريرة أنه قال فى قوله تعالى "ولقد رآه نزلة أخرى" ، رأى جبريل.
* فى الصحيحين أنَّ أبا إسحاق الشيبانى قال: سألتُ زر بن حبيش عن قول الله تعالى: "فكان قاب قوسين أو أدنى - فأوحى إلى عبده ما أوحى" ، قال: حدَّثنا ابن مسعود أنه رأى جبريل له ستمائة جناح.

ثانياً : الأحاديث التى تدل على الرؤية (تُثبِت الرؤية) :
* فى الصحيحين من حديث ابن عباس أنه قال فى قوله تعالى: "ما كذب الفؤاد ما رأى" ، "ولقد رآه نزلة أخرى".
قال: رآه بفؤاده مرتين. وفى رواية قال: رآه بقلبه.
وطبعاً كلام ابن عباس هذا ليس من قِبَل رأيه أو اجتهاده ، إنما هو مرفوع عن النبى صلى الله عليه وسلم ، لأنه لا رأى ولا اجتهاد فى الأخبار والغيبيات.

وجه التعارض بين الأحاديث السابقة :
وردت أحاديث عن أربعة من الصحابة (أم المؤمنين عائشة، أبى ذر الغفارى، أبى هريرة، عبد الله بن مسعود) تنفى رؤية النبى صلى الله عليه وسلم لربِّه عزَّ وجلّ فى حادثة المعراج ، وحملوا الرؤية المذكورة فى آيات سورة النجم على رؤيته لجبريل عليه السلام فى صورته الحقيقية.
كما ورد حديث ابن عباس والذى أثبت الرؤية يوم المعراج بالقلب.

فائدة :
أخطأ البعض خطأ فادحاً عندما زعم أن الصحابة اختلفت فى العقيدة بدليل اختلافهم فى مسألة الرؤية بالمعراج. وهذا خطأ شديد وقول لا يصِح ويترتَّب عليه مفاسد عظيمة، فلم يختلف الصحابة أبداً فى المعتقد لا فى هذه المسألة ولا فى غيرها ، ولكن أحاديث المعراج الواردة فى السنة تنقسم إلى قسمين :
1- نصوص صحيحة غير صريحة.
2- نصوص صريحة غير صحيحة.
وعليه فكان الاختلاف فى المسألة على ثلاثة أوجه :
الوجه الأول: إثبات الرؤية مطلقة غير مقيَّدة ببصر أو فؤاد.
الوجه الثانى: إثبات الرؤية مقيَّدة بالفؤاد أو القلب.
الوجه الثالث: نفى الرؤية مطلقة لا ببصر ولا فؤاد.


مسالك العلماء تجاه مبحث رؤية النبى صلى الله عليه وسلم بالمعراج لإزالة التعارض الظاهرى:
مسلك الجمع : جَمَع العلماء بين كل الأحاديث السابقة ، وحملوا الأحاديث التى نفت الرؤية على أنها رؤية العين أو البصر ، وحملوا الأحاديث التى أثبتت الرؤية على أنها رؤية القلب أو الفؤاد. وعليه فالمعتمد والراجح عند أهل العلم أنه تمَّت الرؤية فى المعراج ولكن بالقلب (البصيرة) وليس العين (البصر)، فهى رؤية خُلِقَت فى قلب النبى صلى الله عليه وسلم كما تُخلَق الرؤية بالعين، وهى رؤية قلبية وليست العلم بالقلب. وبهذا يزول التعارض وينتهى الإشكال.
قال ابن تيمية فى مجموع الفتاوى: (والألفاظ الثابتة عن ابن عباس هى مطلقة أو مقيدة بالفؤاد .....، ولم يَثبُت عن ابن عباس لفظ صريح بأنه رآه بعينه).
قال ابن حجر فى فتح البارى: (الجمع بين إثبات ابن عباس ونفى عائشة بأنْ يُحمَل نفيها على رؤية البصر وإثباته على رؤية القلب).
 

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,949
مجموع الإعجابات
1,976
النقاط
113
الباب الأول - الفصل الثالث - المبحث الأول (ما جاء فى مؤاخذة من أساء فى الإسلام بعمله)

الباب الأول : الإيمان بالله تعالى
الفصل الثالث : مسائل تتعلَّق بالإيمان
المبحث الأول : ما جاء فى مؤاخذة مَن أساء فى الإسلام بعمله فى الجاهلية والإسلام

الأحاديث التى يُوهِم ظاهرها بالتعارض :
الحديث الأول :
عند مسلم من حديث عمرو بن العاص الطويل عند موته، وفيه أنه قال :
".. فَلَمَّا جَعَلَ اللَّهُ الْإِسْلَامَ فِي قَلْبِي أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ: ابْسُطْ يَمِينَكَ فَلْأُبَايِعْكَ، فَبَسَطَ يَمِينَهُ، قَالَ: فَقَبَضْتُ يَدِي، قَالَ: مَا لَكَ يَا عَمْرُو؟ قَالَ: قُلْتُ: أَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِطَ، قَالَ: تَشْتَرِطُ بِمَاذَا؟ قُلْتُ: أَنْ يُغْفَرَ لِي، قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ؟ وَأَنَّ الْهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهَا؟ وَأَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ؟ ..."
الحديث.

الحديث الثانى :
فى الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود أنه قال: قال رجلٌ: يا رسول الله أنؤاخذ بما عملنا فى الجاهلية ؟ قال: " مَن أحسنَ فى الإسلام لم يُؤاخَذ بما عَمِل فى الجاهلية ومن أساء فى الإسلام أخِذَ بالأول والآخر ".
وفى رواية لمسلم: "ومَن أساء أُخِذَ بعمله فى الجاهلية والإسلام".

وجه التعارض :
أن الحديث الأول يفيد أن المرء إذا أسلم يُغفَر له بإسلامه ما سلف فى جاهليته، لأن الإسلام يهدم ما كان قبله.
والحديث الثانى يفيد أن المرء إذا أسلم ثم أساء فى إسلامه فإنه يُعاقَب فى حال إسلامه وحال جاهليته.
أى أن الحديثين متفقان فيمن أسلم وأحسن فى إسلامه، أما التعارض الظاهرى بينهما فيمن أسلم وأساء فى إسلامه.

معتقد أهل السنة والجماعة فى المسألة :
أجمع أهل العلم أنَّ من أسلم ظاهراً وباطناً غُفِر له الكُفْر الذى تاب منه بالإسلام، مع تماما الاعتبار بأنَّ الباطن لا يعلمه إلا الله. ومَن أسلم ظاهراً وأبطن الكفر والنفاق فإنه لا يغفر شىء من ذنوبه بإظهاره الإسلام لأنه منافق.

مسالك العلماء تجاه مبحث مؤاخذة مَن أساء فى الإسلام لإزالة التعارض الظاهرى :
مسلك الجمع : جَمَع أهل العلم بين الحديثين السابقين فى الأقوال الثلاثة التالية:

القول الأول: إذا دخل المرء الإسلام وأسلم ظاهراً وباطناً يُغفَر له كل ما سبق منه فى الجاهلية من كُفْر وذنوب حتى لو أصرَّ عليها أو على بعضها بعد إسلامه، كأنْ يكون معتاداً على الرِّبا فيُسلِم ثم يُصِر على الرِّبا، فيُحاسب على هذه الذنوب التى أصرَّ عليها ولكن عن الفترة التى بعد إسلامه فقط، أما التى قبل إسلامه فيُغفَر له إياها على إطلاقها.
وأمَّا الإساءة الواردة فى حديث ابن مسعود فتُحمَل على الكفر سواء كان ذلك بأن يرتدَّ عن الإسلام الذى دخل فيه أو بكونه دخل الإسلام ظاهراً وهو يبطن الكفر (منافق).
وهذا هو قول الإمام الطحاوى، وبعض الحنابلة كابن حامد والقاضى أبى يعلى، ورجَّحه ابن بطاَّل والقرطبى والنووى.
مثال :
- رجلٌ أسلَمَ ظاهراً وباطناً وحسن إسلامه، ولكنه أصرَّ على ذنب كان يفعله قبل إسلامه كالنميمة، فإن الله يَغفِر له كفره وذنوبه كلها التى كانت قبل إسلامه بما فيها النميمة، ويحاسبه على النميمة التى فعلها بعد إسلامه.
- رجلٌ أسلم ظاهراً وأبطن الكفر، لا يُغفَر له أىٍ من ذنوبه ويُحاسَب عليها كلها ما كانت قبل إسلامه الظاهرى وما كانت بعده.
- رجلٌ أسلَمَ ظاهراً وباطناً، ولكنه ارتدَّ ومات على الرِدَّة فإنه يُحاسب على كل ذنوبه ما كانت قبل إسلامه، وما كانت بعد إسلامه حتى ارتداداه، وما كانت بعد ارتداده حتى مماته.

القول الثانى: الإسلام يُكفِّر ما كان قبله من الكفر ولواحقه من الذنوب دون الكفر التى اجتنبها المسلم بإسلامه، أما الذنوب التى فعلها فى الجاهلية وأصرَّ عليها بعد الإسلام فإنه يؤاخذ بها فى الفترتين، لأنه بإصراره عليها لم يكن تائباً منها فلا تُكفَّر عنه بدون التوبة منها، وعلى هذا القول فإن الإساءة الواردة فى حديث ابن مسعود يُراد بها الإصرار على الذنوب التى كان يفعلها فى الجاهلية.
وهذا هو قول الإمام أحمد وبعض أصحابه كأبى عبد العزيز بن جعفر وغيره، ورجَّحه شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن أبى العِزّ، وابن حَزْم، وابن رَجَب.

القول الثالث: الإسلام يُكفِّر ما كان قبله لِمَن أسلَمَ ظاهراً وباطناً حتى لو أصرَّ على بعض الذنوب دون الكفر ممَّا كان يفعله قبل إسلامه، فيُعاقَب عليها فى الفترة التى فعلها بعد الإسلام، أما الفترة التى كانت قبل إسلامه فلا يُعاقَب عليها ولكن يُعيَّر بها ويُبَكَّت عليها يوم الدين ، كأن يُقال له : أليس قد فعلتَ كيت وكيت وأنت كافر، فهلاَّ منعك إسلامك من معاودة مثله بعد ما أسلمت ؟
وبهذا فإن القول الثالث يُشبه القول الأول فى عدم المعاقبة على الذنب فترة ما قبل الإسلام إلا أنه أضاف بمؤاخذة التعيير والتبكيت واللوم ، وهذا هو قول الإمام الخطَّابى الذى ذَهبَ إلى حَمْل المؤاخذة بالعمل فى الجاهلية على التعيير والتبكيت دون المعاقبة.
قال الحافظ ابن حَجَر فى الفتح: (وحاصله أنه أوَّلَ المؤاخذة فى الأول بالتبكيت وفى الآخر بالعقوبة). أى أنَّه أوّلَ المؤاخذة فى فترة ما قبل الإسلام بالتبكيت وفى فترة ما بعد الإسلام بالعقوبة.

وأرجح هذه الأقوال الثلاثة، كما أشار بعض أهل العلم هى القول الأول والثانى أما الثالث فبعيد جداً لأن حديث المؤاخذة صريح ولم يَذكُر أنَّ المؤاخذة تكون فى فترة ما قبل الإسلام بصورة وما بعده بصورة أخرى.
وأرجحهما هو القول الثانى.

ملخص الجمع :
يتم الجمع بين أحاديث المؤاخذة وعدم المؤاخذة بأن الإسلام يهدم كل ما كان قبله لمن أسلم وحسن إسلامه ظاهراً وباطناً، أما مَن أساء بعد إسلامه فإنه يُعاقب كالتالى :
1- أساء بالارتداد أو النفاق فإنه يعاقب على كل ذنوبه قبل إسلامه وبعده.
2- أساء بإصراره على فِعْل ذنوبٍ دون الكفر كان يفعلها قبل إسلامه ولم يتب عليها بعد إسلامه فإنه :
أ- إما يُعاقَب عليها فى الفترة بعد الإسلام فقط، وتكفَّر عنه ولا يحاسب عليها فى الفترة قبل الإسلام. وهذا قول الطحاوى وبعض الحنابلة، وابن بطَّال، والقرطبى، والنووى.
وهذا قول مرجوح.
ب- و إما يُعاقب عليها فى الفترتين قبل الإسلام وبعد الإسلام إلا إذا تاب منها قبل موته. وهذا قول الإمام أحمد وبعض أصحابه ، وابن أبى العِزّ ، وابن تيمية ، وابن حَزْم ، وابن رَجَب. وهذا هو القول الراجح، والله أعلم.
ج- وإما يُعاقَب عليها فى الفترة بعد الإسلام فقط، وتكفَّر عنه ولا يحاسب عليها فى الفترة قبل الإسلام، ولكنَّه يُعيَّر بها ويُبَكَّت عليها يوم الدين. وهذا قول الإمام الخطَّابى. وهذا قول مرجوح بل أبعد عن الصواب.
 

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,949
مجموع الإعجابات
1,976
النقاط
113
الباب الأول - الفصل الثالث - المبحث الثانى (ما جاء فى أحاديث الوعد والوعيد)

المبحث الثانى : ما جاء فى أحاديث الوَعْد والوَعِيد
وأحاديث الوعد والوعيد من الأحاديث التى وقع فيها الكثير من الفرق الضآلة وأهل البدع وأخطأوا فى فهمها خطأً جمَّاً مثل المرجئة والخوارج والمعتزلة. أما المرجئة ومَن سار على دربهم فقد ركنوا إلى أحاديث الوعد وأخذوا بها على إطلاقها دون أحاديث الوعيد، فصاروا إلى أن الإيمان قول بدون عمل ، وأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص.
وأما المعتزلة والخوارج ومَن سار على نهجهم فقد ركنوا إلى أحاديث الوعيد وأخذوا بها على إطلاقها وعمَّمُوها تعميماً باطلاً فصاروا يكفِّرون بأى ذنب وأى معصية ، فضلُّوا جميعا عن المعتقد الصحيح – معتقد أهل السنة والجماعة الذين أخذوا بأحاديث الوعد والوعيد معاً وفهموها على مرادها.

أولاً أحاديث الوَعْد : ويمكن تقسيمها لنوعين :
النوع الأول : التى فيها أنَّ مَن فعل كذا أو قال كذا دخل الجنَّة
* عند مسلم من حديث جابر قال: أتى النبىَّ صلى الله عليه وسلم رجلٌ فقال: يا رسول الله ما الموجبتان ؟ فقال: " مَن مات لا يُشرك بالله شيئاً دخل الجنة، ومن مات يشرك بالله شيئاً دخل النار".
* فى الصحيحين من حديث أبى ذر قال: أتيتُ النبى صلى الله عليه وسلم وعليه ثوب أبيض وهو نائم ثم أتيته وقد استيقظ فقال : " ما من عبد قال: لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة" قلتُ: وإنْ زَنَى وإنْ سَرَق ؟ ، قال: "وإنْ زَنَى وإنْ سَرَق" ، قلتُ: وإنْ زَنَى وإنْ سَرَق ؟ ، قال: "وإنْ زَنَى وإنْ سَرَق"، قلتُ: وإنْ زَنَى وإنْ سَرَق؟ ، قال: "وإنْ زَنَى وإنْ سَرَق على رغم أنف أبى ذر".
* عند مسلم من حديث عثمان، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
" مَن مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنَّة ".
* عند الشيخين من حديث أبى موسى، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
" مَن صلَّى البردين دخل الجنَّة ".

النوع الثانى : التى فيها أنَّ مَن فعل كذا أو قال كذا لم يدخل النار
* عند الشيخين من حديث عتبان بن مالك، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
"فإن الله قد حرَّم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغى بذلك وجه الله".
* عند مسلم من حديث ابن مسعود، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
" لا يدخل النارَ أحدٌ فى قلبه مثقال حبَّةِ خردلٍ منْ إيمان "
* عند البخارى من حديث أبى عبس عبد الرحمن بن جبر قال سمعت النبى صلى الله عليه وسلم يقول : " مَنِ اغبرَّت قدماه فى سبيل الله حرَّمه الله على النَّار ".
* عند الشيخين من حديث أنس بن مالك، أنَّ النبى صلى الله عليه وسلم قال :
" ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صدقاً من قلبه إلا حرَّمه الله على النار ".

ثانياً أحاديث الوَعِيد : ويمكن تقسيمها إلى ستة أنواع :
النوع الأول : التى فيها لفظ إطلاق الكفر على بعض الكبائر :
* عند الشيخين من حديث ابن مسعود، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال :
" سِبَاب المسلم فسوق وقتاله كفر ".
* عند الشيخين من حديث جرير، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال :
" لا ترجعوا بعدى كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض".
* عند الشيخين من حديث أبى ذر، أنه سمع النبى صلى الله عليه وسلم يقول :
" ليس مِن رجلٍ ادَّعى لغير أبيه – وهو يعلمه – إلا كَفَر ".

النوع الثانى : التى فيها نفى الإيمان عمَّن ارتكب بعض الكبائر :
* عند الشيخين من حديث أبى هريرة، أنَّ النبى صلى الله عليه وسلم قال :
" لا يزنى الزانى حين يزنى وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نُهبَة يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن ".
* عند البخارى من حديث شريح، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال :
" والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن"، قيل: ومَن يا رسول الله ؟ ،
قال: "الذى لا يأمَن جارُهُ بوائِقَه"
.

النوع الثالث : التى فيها براءة النبى صلى الله عليه وسلم مِمَّن ارتكب بعض الكبائر :
* عند الشيخين من حديث ابن عمر، أنَّ النبى صلى الله عليه وسلم قال :
" مَن حمل علينا السلاح فليس منَّا ".
* عند الشيخين من حديث ابن مسعود، أنَّ النبى صلى الله عليه وسلم قال :
" ليس منَّا مَن ضرَبَ الخدود وشقَّ الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية ".
* عند مسلم من حديث أبى هريرة، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال :
" مَنْ غشَّ فليس مِنِّى ".

النوع الرابع : التى فيها نفى دخول الجنة لِمَن ارتكب بعض الكبائر :
* عند الشيخين من حديث حذيفة قال : سمعت النبى صلى الله عليه وسلم يقول :
" لا يدخل الجنَّة قتَّات ".
* عند الشيخين من حديث جُبَيْر بن مُطعَم، أنه سمع النبى صلى الله عليه وسلم يقول :
" لا يدخل الجنَّة قاطع ".
* عند مسلم من حديث ابن مسعود، أنَّ النبى صلى الله عليه وسلم قال :
" لا يدخل الجنَّة من كان فى قلبه مثقال ذرة من كِبْر ".

النوع الخامس : التى فيها دخول النار لِمَن ارتكب بعض الكبائر :
* عند مسلم من حديث أبى أمامة، أنَّ النبى صلى الله عليه وسلم قال :
" مَن اقتطع حقَّ امرىء مسلم بيمينه فقد أوجَبَ الله له النار وحرَّم عليه الجنَّة"،
فقال رجلُ: وإن كان شيئاً يسيراً يا رسول الله ؟ ، قال: "وإنْ قضيباً مِن أراك"
.
* عند الشيخين من حديث على بن أبى طالب، أنَّ النبى صلى الله عليه وسلم قال :
" لا تكذبوا علىَّ ، فإنَّه من كذب علىَّ فليلج النار ".
* عند مسلم من حديث ابن عباس، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال:
"كل مصوِّر فى النار يُجْعَل له بكل صورة صوَّرَها نَفَسْاً فتعذِبه فى جهنَّم".

النوع السادس : التى فيها لَعْن مَنْ ارتكب بعض الكبائر :
* عند الشيخين من حديث أسماء بنت أبى بكر، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال:
" لعَنَ الله الواصلة والموصولة ".
* عند مسلم من حديث جابر قال: لَعَنَ رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديْه، وقال : "هم سواء".
* عند البخارى من حديث على بن أبى طالب أنه قال: ما عندنا شىء إلا كتاب الله وهذه الصحيفة عن النبى صلى الله عليه وسلم قال : " المدينة حَرَم ما بين عائر إلى كذا، مَن أحدَثَ فيها حدثاً أو آوى محدثاً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يُقبَل منه صرفٌ ولا عدل، وقال: ذِمَّة المسلمين واحدة فمن أخفر مسلماً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يُقبَل منه صرفٌ ولا عدل، ومَن تولَّى قوماً بغير إذن مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يُقبَل منه صرفٌ ولا عدل".

وجه التعارض بين أحاديث الوعد والوعيد :
أحاديث الوعد تبيِّن أن الفاسق الملِّى صاحب الذنوب والكبائر عدا الشرك موعود بدخول الجنَّة والنجاة من النار ما دام أنه ينطق بالشهادتين ومعه أصل الإيمان.
أما أحاديث الوعيد فتبيِّن أنه مُتوَعَّد بدخول النار والحرمان من الجنة وفى بعضها نفى الإيمان والبراءة منه بل وإطلاق الكفر عليه عند ارتكابه لبعض الكبائر.

إجماعان لشيخ الإسلام الإمام ابن تيمية :
ا- الإجماع منعقد على دخول قومٌ من أهل القبلة النار ثم يخرجون منها إلى الجنَّة ، كما دلَّت أحاديث الشفاعة.
قال ابن تيمية: (وأمَّا مَن جزم بأنه لا يدخل النار أحدٌ مِن أهل القبلة فهذا قولٌ لا نعرفه قولاً لأحد) أى لأحدٍ من أهل السنة.
2- الإجماع منعقد على أنه لا يدخل الجنة مشرك شركاً أكبر.

مسالك العلماء تجاه أحاديث الوعد :
مسلك الجمع بحصر المسألة فى مسلكين :
(1) حمل أحاديث الوعد على ظاهرها وإطلاقها كما جاءت مع العلم أنها مقيدة بأحاديث أخرى (سيتم ذِكر بعضها) ، إذ أنه لا بد لحصول الموعود بدخول الجنة والنجاة من النار توافر الشروط وانتفاء الموانع، وبالتالى فإن الأعمال المذكورة فى أحاديث الوعد مِن قول (لا إله إلا الله، وصلاة البردين وغيرها) سبب لدخول الجنة والنجاة من النار، والسبب كما هو معلوم لا يلزم من تحققه تحقق المسبَّب بل لا بد من توفر الشروط وانتفاء الموانع، وهذا عملٌ بأحاديث الوعد.
بعض الأحاديث المقيِّدة لأحاديث الوعد المطلقة :
* عند مسلم من حديث أبى هريرة، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال له :
" اذهب بنَعْلىَّ هاتين فمن لقيت من وراء هذا الحائط يشهد ألا إله إلا الله مستيقناً بها قلبه فبشِّره بالجنَّة ".
* عند مسلم من حديث جابر، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال :
" من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنَّة ".
* عند أحمد من حديث معاذ، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال :
" من شهد أن لا إله إلا الله مخلصاً من قلبه أو يقيناً من قلبه لم يدخل النار أو دخل الجنة " ، وفى رواية: " دخل الجنة ولم تمسَّه النار ".
وعليه فمِن المقيِّدات التى قيَّدت أحاديث الوعد (قول لا إله إلا الله مع التيقُّن والإيمان القلبى ، وعدم الشرك بنوعيه الأصغر والأكبر، والإخلاص واليقين القلبى).
(2) تأويل أحاديث الوعد وعدم حملها على ظاهرها، ومن التأويلات ما يلى:
أ- المراد بتحريمه على النار أى تحريم خلوده فيها ، لا أصل دخوله فيها.
أى من الممكن أن يدخل النار ولكن لا يُخلَّد فيها.
ب- المراد عدم دخوله النار فى الدرك الأسفل التى هى موضع الكفار، ولكن يمكن دخوله فى الدرك الأعلى من النار التى يدخلها خلق كثير من عصاة الموحدين بذنوبهم ثم يخرجون بشفاعة الشافعين وبرحمة أرحم الراحمين.

توجيهات أهل العلم لأحاديث الوعيد (قواعد وإجماعات) :
* أجمع أهل السنة والجماعة على عدم كفر مرتكب الكبيرة وعدم خروجه من الإسلام ما لم يكن مُستحِلاً لها.
* أجمع أهل السنة على أنه لا يخلد فى النار أحد من أهل التوحيد وإن ارتكب بعض الكبائر.
* أجمع أهل السنة على أن مقترف الذنب مستحق للوعيد المترتِّب على ذلك الذَّنب.
* أجمع أهل السنة على أن مرتكب الكبيرة إن مات ولم يتب فأمره إلى الله تعالى إن شاء عذَبه ثم أدخله الجنَّة، وإن شاء أدخله الجنة ابتداء دون عذاب.
* أجمع أهل السنة على أن لعْن المُطْلَق لا يلزم منه لعْن المعيَّن.

مسالك العلماء تجاه أحاديث الوعيد :
سلك العلماء تجاه هذه الأحاديث مسلكين : الجمع ، والتوقف.
أولاً : مسلك الجمع ، كما يلى :
(1) بحَمْلها على إطلاقها وظاهرها مع العلم بأنها مقيَّدة باستيفاء الشروط وانتفاء الموانع من أحاديث أخرى، فتلك الأمور المذكورة فى أحاديث الوعيد مِن (عدم دخول الجنة، دخول النار، نفى الإيمان، إطلاق الكفر، اللعن، البراءة) لأصحابها ناشئة عن الذنب الذى ذُكِر معها فى الحديث إلا أن الذنب سبب لتحقق هذه العقوبة، والسبب كما معلوم لا يلزم من تحققه تحقق المسبب، إذ لا بد من استيفاء الشروط وانتفاء الموانع.
(2) أنها تكون فى حق المُستَحِل لهذه المعاصى إذا كان عالِمَاً بالتحريم غير متأول تأويلاً سائغاً.
(3) أن المراد بها المبالغة فى الزَّجر والترهيب والتغليظ والتحذير من الوقوع فى هذه المعاصى.
(4) أنها تمثِّل وعيد وليس وعد، والله تعالى يجوز عليه أن يُخلِف أحاديث الوعيد ولا يجوز عليه أن يُخلِف أحاديث الوعد ، فهكذا فرض على نفسه سبحانه. وفى هذا رحمة كبيرة منه، فإخلاف الوعيد عفو وهبة وكرم وإحسان، وتحقيق الوعد كذلك عفو وكرم وإحسان.

وأحاديث إطلاق الكفر على مرتكب الكبائر
المراد منها الكفر الأصغر غير المُخرِج من الملَّة، أو هو الكفر اللغوى(كفر النعمة والإحسان).
وأحاديث نفى الإيمان عن مرتكب الكبائر
المراد منها نفى كمال الإيمان وليس نفى أصل الإيمان.
وأحاديث البراءة من مرتكب الكبائر
المراد من لفظة "ليس منا" أى ليس من المطيعين لنا المقتدين بنا المحافظين على شرائعنا المستحقين لدخول الجنة بلا عقاب.
وأحاديث عدم دخول الجنة لمرتكبى الكبائر
المراد منها أعلى الجنان، أو عدم دخولها مباشرة ، بل يُحبَس أولاً للمحاسبة أو لدخول النار أولاً ليُعذَّب بقدر ذنوبه. أى أنها تنفى دخول الجنة المطلق الذى لا يكون معه عذاب.
أحاديث دخول النار لمرتكبى الكبائر
المراد منها دخولها مع عدم الخلود فيها ما دام مات صاحبها على التوحيد غير كافر كفر أكبر أو مشرك شرك أكبر ، أو قد يُعْفَى عنه برحمة الله ومنِّه وفضله فلا يدخلها.
أحاديث اللَّعْن لمرتكبى بعض الكبائر
تُحمَل على إطلاقها وعمومها، فيُلعَن فاعلوا هذه الكبائر، ولكن لا تُخصَّص أو تُقيَّد على شخص بعينه، وذلك من قاعدة (لعْن المُطْلَق لا يلزم منه لعْن المعيَّن).
فاللعن أيضاً من الأمور التى تستوجب استيفاء الشروط وانتفاء الموانع ، فقد يفعل المرء فِعْلاً يستوجب اللعن (كالتبرُّج والإحداث وغيره) بجهل أو بتأويل أو بإكراه وخلافه.
فعلى سبيل المثال حديث أنس الذى يفيد لعن العشرة أشخاص المتعاملين مع الخمر (بائعها وشاربها وعاصرها ومعتصرها ....) ، يُحمَل على إطلاقه دون تقييده على أحد بعينه.
وعليه فالقاعدة تقول بأنه (لا يجوز لَعْن أحد بعينه من أهل الإسلام حتى لو كان يفعل فِعْلاً فى الشرع يستوجب اللعن، كما لا يجوز الإقرار بدخول أحد بعينه من أهل الإسلام النار حتى لو كان يفعل فِعْلاً فى الشرع يستوجب دخول النار)

ثانياً : مسلك التَّوقُّف ، كما يلى :
بعض أهل العلم كالإمام أحمد توقفوا عند هذه الأحاديث وقالوا الله أعلم بمرادها.

فائدة :
الأسباب التى ذكرها العلماء فى إسقاط العقوبة من ذنب وتمنع من إنفاذ الوعيد:
1- التوحيد
2- التوبة
3- الاستغفار
4- الحسنات الماحية
5- دعاء المؤمنين للمذنب وصلاتهم الجنازة عليه
6- ما يُعْمَل للمذنب بعد موته من أعمال البر (كالصدقات والدعاء له ونحوها)
7- شفاعة النبى صلى الله عليه وسلم وغيره فى أهل الذنوب يوم القيامة
8- المصائب الدنيوية التى يكفِّر الله بها الخطايا والذنوب
9- ما يحصل فى القبر من الفتنة والروعة والعذاب ، فإنه مِمَّا يكفِّر الذنوب
10- أهوال يوم القيامة وكرباتها وشدائدها، فإنها مِمَّا تكفِّر الذنوب
11- رحمة الله وعفوه ومغفرته من غير شفاعة.
 

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,949
مجموع الإعجابات
1,976
النقاط
113
الباب الأول - الفصل الثالث - المبحث الثالث (ما جاء فى مكان سِدْرَة المُنْتَهى)

المبحث الثالث : ما جاء فى مكان سِدْرَة المُنْتَهى
السِّدْر : شجر النبق.
سِدْرَة المُنْتَهَى : شجرة فى أقصى الجنة، والمنتهى أى إليه ينتهى علم الأولين والآخرين ولا يتعدَّاها أحد.

الأحاديث التى يوهم ظاهرها التعارض :
الحديث الأول :
فى الصحيحين من حديث مالك بن صعصعة، وهو من أحاديث المعراج، ومحل الشاهد منه هو قول النبى صلى الله عليه وسلم :
" .... فأتينا السماء السابعة، قيل: مَن هذا ؟ قيل جبريل، قيل: مَن معك ؟ ، قيل : محمد ، قيل : وقد أُرسِل إليه مرحباً به ونعم المجىء جاء، فأتيت على إبراهيم فسلَّمت عليه فقال: مرحباً بك من ابن ونبىّ، فرُفِع لى البيت المعمور، فسألت جبريل فقال: هذا البيت المعمور يصلى فيه كل يوم سبعون ألف ملك إذا خرجوا لم يعودوا إليه آخر ما عليهم، ورُفِعَت لى سدرة المنتهى .... " الحديث.
الحديث الثانى :
عند مسلم، من حديث أنس بن مالك ، وهو من أحاديث المعراج ، ومحل الشاهد منه هو قول النبى صلى الله عليه وسلم :
" .... ثم عُرِج بنا إلى السماء السابعة فاستفتح جبريل فقيل: مَن هذا ؟ قال: جبريل. قيل: ومَن معك؟ قال: محمد صلى الله عليه وسلم.، قيل: وقد بُعِث إليه؟، قال: قد بُعِث إليه، ففتح لنا فإذا أنا بإبراهيم عليه السلام مسنداً ظهره إلى البيت المعمور وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه، ثم ذهب بى إلى سدرة المنتهى ... "
الحديث الثالث :
عند مسلم، من حديث عبد الله بن مسعود قال :
" لمَّا أُسْرِىَ برسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى به إلى سدرة المنتهى وهى فى السماء السادسة، إليها ينتهى ما يُعرَج به من الأرض فيُقبَض منها، وإليها ينتهى ما يُهبَط به من فوقها فيُقبَض منها".

وجه التعارض بين هذه الأحاديث :
الحديث الأول والثانى (لمالك بن صعصعة، وأنس بن مالك) يفيدان أنَّ سدرة المنتهى فى السماء السابعة أو فوقها، أما حديث ابن مسعود يفيد أنها فى السماء السادسة.
قال القرطبى: (هذا تعارض لا شك فيه).

مسالك العلماء تجاه مبحث مكان سدرة المنتهى لإزالة التعارض الظاهرى :
أولاً مسلك الجمع : قال بعض العلماء بأنَّ أصل الشجرة فى السماء السادسة ومعظمها كأغصانها وفروعها فى السماء السابعة، وهذا ما ذَهَب إليه النووى وابن حجر. وبهذا ينتهى الإشكال ويزول التعارض.
قال النووى: (ويمكن أن يُجمَع بينهما فيكون أصلها فى السادسة، ومعظمها فى السابعة فقد عُلِم أنَّها فى نهايةٍ من العِظَم).
قال ابن حجر: (ولا يعارض قوله ( قول ابن مسعود) : أنها فى السادسة مِمَّا دلَّت عليه بقية الأخبار أنه وصل إليها بعد أن دخل السماء السابعة لأنه يُحمَل على أن أصلها فى السماء السادسة وأغصانها وفروعها فى السابعة، وليس فى السادسة منها إلا أصل ساقها).
ثانياً مسلك الترجيح : رجَّح بعض العلماء كَوْن سدرة المنتهى فى السماء السابعة عن كونها فى السادسة، وهذا ما ذهب إليه ابن العربى والقاضى عياض والقرطبى، واستدلوا على ترجيحهم هذا بما يلى :
1- قالوا أنَّ رواة أحاديث كونها فى السابعة أكثر .
قال ابن العربى: (وفى الصحيح من الأحاديث أنها فى السابعة، ولا شك فيه فرواة ذلك أكثر).
2- قالوا أنَّ الأحاديث الدالَّة على أنها فى السابعة مرفوعة ، أما حديث ابن مسعود الدالّ على أنها فى السادسة موقوف عليه ، والمرفوع مُقدَّم على الموقوف.
3- قالوا أن كوْنَها فى السابعة هو الذى يقتضيه وصفها وتسميتها بالمنتهى.

فائدة فى وصف سدرة المنتهى :
روى البخارى من حديث مالك بن صعصعة الأنصارى الطويل عن حادثة المعراج، ومحل الشاهد فيه أنَّ النبى صلى الله عليه وسلم قال :
"... ورُفِعَت لي سِدرةُ المنتهى، فإذا نبقُها كأنه قلالُ هجرَ، وورقَها كأنه آذانُ الفيولِ، في أصلِها أربعةُ أنهارٍ: نهران باطنان، ونهران ظاهران، فسألتُ جبريلَ، فقال: أما الباطنان ففي الجنةِ، وأما الظاهران النيلُ والفراتُ ..." الحديث
القِلال : جمع قُلَّة، والقلَّة الواحدة بوزن 500 رطل بغدادى، والرطل: 5.206 كجم.
كما وردت أحاديث أخرى فيها وصف هذه الشجرة ، وملخص هذه الأوصاف:
شجرة ذات ظل ممدود وطعم لذيذ ورائحة ذكية.
والظل بمنزلة العمل، والطعم بمنزلة النية، والرائحة بمنزلة القول، فكانت كالإيمان الذى يستلزم القول والعمل والنيَّة.
 

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,949
مجموع الإعجابات
1,976
النقاط
113
الباب الثانى - الفصل الأول - المبحث الأول (ما جاء فى مابن صيَّاد هل هو الدجَّال أم غيره ؟)

الباب الثانى : الإيمان باليوم الآخر
الفصل الأول : أشراط الساعة
المبحث الأول : ما جاء فى ابن صياد هل هو المسيح الدجَّال أم غيره

أولاً : الأحاديث الواردة فى شأن المسيح الدجَّال :
* عند مسلم من حديث فاطمة بنت قيس (الطويل) ، وفيه أنه قالت :
( .... فلما انقضتْ عدَّتى سمعتُ نداء المنادى، منادي رسول الله صلى الله عليه و سلم ينادى: الصلاة جامعة، فخرجتُ إلى المسجد فصلَّيْتُ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكنتُ فى صفِّ النساء التى تلى ظهور القوم، فلمَّا قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاتَه، جلس على المنبر وهو يضحك، فقال: "لِيلْزَم كل إنسان مُصَلَّاه" ، ثم قال: "أتدرون لِمَ جمعتكم؟" ، قالوا: الله و رسوله أعلم ، قال: " إني و اللهِ ما جمعتكم لرغبة و لا لرهبة ، و لكن جمعتكم لأنَّ تميماً الداري كان رجلا نصرانياً ، فجاء فبايع و أسلم ، و حدَّثني حديثاً وافق الذي كنت أحدثكم عن مسيح الدجال ، حدَّثني أنه ركب في سفينة بحرية مع ثلاثين رجلاً من لخم و جذام، فلعب بهم الموج شهراً في البحر ثم أرفئوا إلى جزيرة في البحر حتى مغرب الشمس ، فجلسوا في أقرب السفينة فدخلوا الجزيرة ، فلقيتهم دابة أهلب كثير الشعر لا يدرون ما قبله من دبره من كثرة الشعر ، فقالوا ويلك ما أنت؟ فقالت أنا الجسَّاسَة ، قالوا وما الجساسة؟ ، قالت أيها القوم انطلقوا إلى هذا الرجل في الدير فإنه إلى خبركم بالأشواق ، قال لما سَمَّت لنا رجلاً فَرِقْنا منها أن تكون شيطانة ، قال فانطلقنا سِرَاعاً حتى دخلنا الدِّير، فإذا فيه أعظم إنسان رأيناه قط خلقاً و أشده وثاقاً ، مجموعة يداه إلى عنقه ما بين ركبتيه إلى كعبيه بالحديد ، قلنا ويلك ما أنت؟ ، قال قد قدرتم على خبري فأخبروني ما أنتم ؟ ، قالوا نحن أناس من العرب ركبنا في سفينة بحرية ، فصادفنا البحر حين اغتلم، فلعب بنا الموج شهراً ، ثم أرفأنا إلى جزيرتك هذه فجلسنا في أقربها ، فدخلنا الجزيرة فلقيتنا دابة أهلب كثير الشعر لا يدرى ما قبله من دبره مِن كثرة الشعر، فقلنا ويلك ما أنت؟ ، فقالت أنا الجساسة ، قلنا و ما الجساسة؟ ، قالت اعمدوا إلى هذا الرجل في الدير فإنه إلى خبركم بالأشواق ، فأقبلنا إليك سراعاً و فزعنا منها و لم نأمن أن تكون شيطانة ، فقال أخبروني عن نخل بيسان، قلنا عن أي شأنها تستخبر؟ ، قال أسألكم عن نخلها هل يثمر؟ ، قلنا له نعم ، قال أَمَا إنه يوشك أن لا تثمر ، قال أخبروني عن بحيرة الطَّبريَّة ، قلنا عن أي شأنها تستخبر؟ ، قال هل فيها ماء؟ ، قالوا هي كثيرة الماء ، قال أمَا إن ماءها يوشك أن يذهب ، قال أخبروني عن عين زُهَر، قالوا عن أي شأنها تستخبر؟ ، قال هل في العين ماء و هل يزرع أهلها بماء العين؟ ، قلنا له نعم هي كثيرة الماء و أهلها يزرعون من مائها ، قال أخبروني عن نَبيِّ الأميِّين ما فعل؟، قالوا قد خرج مِن مكة و نزل يثرب ، قال أقاتله العرب؟ قلنا نعم ، قال كيف صنع بهم؟ ، فأخبرناه أنه قد ظهر على مَن يليه مِن العرب و أطاعوه ، قال لهم قد كان ذلك ، قلنا نعم ، قال أمَا إن ذاك خير لهم أن يُطِيعوه ، و إنِّي مخبركم عني ، إني أنا المسيح، و إني أوشك أن يُؤذَن لي في الخروج فأَخرُج فأسير في الأرض ، فلا أدع قرية إلا هبطتها في أربعين ليلة غير مكة و طيبة، فهما محرَّمَتان عليَّ كلتاهما ، كلما أردت أن أدخل واحدة أو واحداً منهما استقبلني مَلَكٌ بيده السيف صلتاً يَصُدَّني عنها ، و إنَّ على كل نَقْب منها ملائكة يحرسونها ، قالت (أى فاطمة بنت قيس): قال رسول الله صلى الله عليه وسلم و طعن بمخصرته في المنبر: " هذه طيبة هذه طيبة هذه طيبة " يعني المدينة ، " ألا هل كنت حدثتكم ذلك؟ " ، فقال الناس نعم ، " فإنه أعجبني حديث تميم أنَّه وافق الذي كنت أحدِّثكم عنه و عن المدينة و مكة ، ألا إنه في بحر الشأم أو بحر اليمن ، لا بل مِن قِبَل المشرق ما هو ، مِن قِبَل المشرق ما هو ، مِن قِبَل المشرق ما هو" ، و أومأ بيده إلى المشرق، قالت: فحفظتُ هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم).

ثانياً : الأحاديث الواردة فى شأن ابن صيَّاد :
* فى الصحيحين من حديث محمد بن المنكدر قال: رأيت جابر بن عبد الله يحلِف بالله أن ابن صيَّاد الدجَّال، قلتُ: تَحلِف بالله ؟ ، قال: إنِّى سمعتُ عمر يحلف على ذلك عند النبى صلى الله عليه وسلم فلم ينكره النبى صلى الله عليه وسلم.
* فى الصحيحين من حديث ابن عمر، أنَّ عمر انطلق مع النبى صلى الله عليه وسلم فى رهط من قِبَل ابن صيَّاد حتى وجدوه يلعب مع الصبيان عند أُطُم بنى مغالة، وقد قارب ابن صيَّاد الحُلُم، فلم يشعر حتى ضرب النبى صلى الله عليه وسلم بيده، ثم قال لابن صيَّاد: " أتَشْهَد أنى رسول الله ؟ " فنظر إليه ابن صياد فقال: أشهد أنَّك رسول الأميِّين، فقال ابن صيَّاد للنبى صلى الله عليه وسلم: أتَشْهَد أنى رسول الله ؟، فرفضه وقال: "آمنتُ بالله ورسوله" ، فقال له: " ماذا ترى؟ " ، قال ابن صيَّاد، يأتينى صادق وكاذب، فقال له النبى صلى الله عليه وسلم: "خلط عليك الأمر" ثم قال له: "إنِّى قد خبَّات لك خبيئاً" فقال ابن صياد: هو الدُّخ، فقال: "اخسأ فلن تعدو قدرك"، قال عمر: دعنى يا رسول الله أضرب عنقه، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: " إنْ يِكُنْه فلن تسلَّط عليه، وإنْ لم يكُنْه فلا خير لك فى قتله ".
أُطُم : حِصْن ، بنو مغالة : حى من قضاعة
الدُّخ : يقصد الدخان (سورة الدخان) ولكنه قالها ناقصة على طريقة الكهنة
لن تعدو قَدْرك: أي قَدْر مِثلك من الكُهَّان الذين يحفظون من إلقاء شياطينهم ما يحفظونه مختلطاً صدقه بكذبه.

* عند مسلم من حديث أبى سعيد قال: لقيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبوبكر وعمر فى بعض طرق المدينة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أتشهد أنى رسول الله؟ " ، فقال هو: أتشهد أنى رسول الله ؟ ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "آمنتُ بالله وملائكته وكتبه، ما ترى؟ " ، قال: أرى عرشاً على الماء،
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ترى عرش إبليس على البحر، وما ترى؟"،
قال: أرى صادقين وكاذباً أو كاذبين وصادقاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" لُبِّس عليه دعوه "
.
* عند مسلم من حديث أبى سعيد الخدرى قال: صحبتُ ابن صائد إلى مكة، فقال لى: أما قد لقيتَ مِن الناس يزعمون أنى الدجَّال، ألستَ سمعتَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إنه لا يُولَد له" قال: قلتُ بلى، فقال: فقد وُلِدَ لى، أو ليس سمعتَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يدخل المدينة ولا مكة"، قلتُ: بلى، قال: فقد ولدتُ فى المدينة وهذا أنا أريد مكة، قال: ثم قال لى فى آخر قوله: أما والله إنى لأعلم مولده ومكانه وأين هو، قال: فلبَّسنِى. (أى جعلنى ألتبس بأمره وأشك فيه).
* وفى رواية: أما والله إنى لأعلم الآن حيث هو وأعرف أباه وأمه، قال: وقيل له: أيسرُّ أنَّك ذاك الرجل؟ فقال : لو عُرِض علىَّ ما كرهت.
* عن نافع قال: لقى ابن عمر ابن صائد فى بعض طرق المدينة، فقال له قولاً أغضبه فانتفخ حتى ملأ السكة فدخل ابن عمر على حفصة وقد بلغها فقالت: رحمِكَ الله ما أردتَ من ابن صائد، أما علمتَ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنما يَخْرُج من غَضْبِة يغضبها".

وجه التعارض بين هذه الأحاديث :
لمَّا كان ابن صياد فيه أمارات المسيح الدجال اشتبه أمره على بعض الصحابة ومَن بَعدَهُم ، بالإضافة إلى كوْن النبى صلى الله عليه وسلم تردَّد فى شأنه أول الأمر حتى أن عمر حلف عنده أن ابن صياد هو الدجَّال فلم يُنكِر عليه، وهذا يدل على شدَّة اشتباه أمره هل هو الدجَّال أم لا. فى حِين أنَّ الحديث الذى روته فاطمة بنت قيس (حديث الجساسة) يدل على أن الدجال محبوس فى دير منذ زمن بعيد ومقيد تقييداً عظيماً ، وعليه فهو شخص آخر غير ابن صيَّاد.
قال الخطَّابى: (وقد اختلف الناس فى ابن صيَّاد اختلافاً شديداً وأُشكِل أمره حتى قيل فيه كل قول).
قال القرطبى: ( وعلى الجملة فأمره كله مُشكَل وهو فتنة ومحنة).
قال النووى: (قال العلماء: وقصته مشكَلَة وأمره مشتَبَه فى أنه هل هو المسيح الدجال المشهور أم غيره ؟).
قال ابن حجر: (ولشدة التباس الأمر فى ذلك سلك البخارى مسلك الترجيح، فاقتصر على حديث جابر عن عمر فى ابن صياد، ولم يخرج حديث فاطمة بنت قيس فى قصة تميم).

مسالك العلماء تجاه مبحث ما جاء فى ابن صياد لإزالة التعارض الظاهرى :
مسلك الترجيح :

(1) ذهب فريق إلى أن ابن صياد هو المسيح الدجال، وعلى رأسهم (عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن مسعود، وجابر بن عبد الله، وأبى ذر الغفارى) ، وتبعهم فى ذلك القرطبى والنووى والشوكانى.
وأدلتهم فى ذلك:
أ- ما تقدَّم من الأحاديث السابقة فى أخبار ابن صياد.
ب- حَلِف عمر بن الخطاب بحضرة النبى صلى الله عليه وسلم، وعدم إنكاره عليه.
ج- حَلِف بعض الصحابة بعد عمر على أن ابن صياد هو الدجَّال، مثل (جابر، ابن عمر، ابن مسعود، أبى ذر).
وأجاب هذا الفريق عن تردد النبى عليه الصلاة والسلام فى أمر ابن صياد بجوابين :
الأول: أن التردد كان قبل أن يُعلِمه الله تعالى بأنه هو الدجال فلمَّا أعلمه لم ينكر على عمر.
الثانى: أن العرب قد تُخرِج الكلام مخرج الشك وإن لم يكن فى الخبر شك، فيكون ذلك من تلطُّف النبى صلى الله عليه وسلم بعمر فى صرفه عن قتله.

(2) ذهب فريق ثانى إلى أن ابن صياد ليس هو المسيح الدجال، وإنما هو دجال من الدجاجلة، وأن المسيح الدجال هو الوارد فى حديث الجساسة، وإلى هذا ذهب جمهور أهل العلم (كالبيهقى، ابن الأثير، ابن تيمية، ابن كثير، وغيرهم).
وأدلتهم فى ذلك الآتى:
أ- حديث الجساسة وهو عمدتهم الذى تمسَّكوا به.
ب- الإخبار بصفات الدجال فى أحاديث كثيرة، وهى لا تنطبق على ابن صياد مثل: (خِلقَتِه، لا يُولَد له أبناء، لا يدخل مكة ولا المدينة).
وأجاب أصحاب هذا القول عن تردد النبى صلى الله عليه وسلم فى أمر ابن صياد بأنه كان متوقِّفاً قى أمره حتى تبيَّن له أنَّه ليس الدجَّال كما فى قصة تميم الدارى.
قال ابن تيمية: ( وتوقف النبى صلى الله عليه وسلم فى أمره حتى تبين له فيما بعد أنه ليس هو الدجال).
والراجح أن هذا القول الثانى هو الأصوب ، بأن ابن صيَّاد ليس هو المسيح الدجَّال وإنما هو دجال من الدجاجلة.

التعريف بابن صياد :
اسمه عبد الله بن صياد، وقيل صاف هو اسمه الأصلى ، ولما أسلم سمِّى عبد الله ، ويقال له ابن صياد، وابن صائد، وابن الصائد.
وُلِد زمن النبى صلى الله عليه وسلم، قيل أن أباه كان من اليهود ولعلَّ الصواب أنه من يهود المدينة، توفى بالمدينة وقيل أنه فقد يوم الحرَّة 63 هـ.
من أولاده عمارة بن عبد الله بن صيَّاد، من خيار المسلمين وسادات التابعين، رَوَى عنه أنس بن مالك والضَّحاك وغيرهم، قال فيه ابن معين والنسائى : ثقة.

فائدة من حديث ابن عمر سابق الذِّكر :
لماذا لم يأذَن النبى صلى الله عليه وسلم للفاروق عمر بقتل ابن صياد ؟
أجاب أهل العلم على هذا السؤال من وجْهَين وجِيهَين هما :
الأول: أن هذه الحادثة جَرَت أيام مهادنة اليهود وحلفائهم، وذلك أنه لمَّا قدم النبى صلى الله عليه وسلم المدينة كتب بينه وبينهم كتاب صلح، وكان ابن صياد فى جملة القوم.
والدليل على ذلك ما رواه الإمام أحمد من حديث جابر، ومحل الشاهد منه عندما استأذن عمرُ النبىَّ صلى الله عليه وسلم فى قتله ، فأجابه بقوله: "إنْ يكن هو فلست صاحبه إنما صاحبه عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام، وإن لا يكن هو فليس لك أن تقتل رجلاً من أهل العهد".
الثانى: أنه حين جرت هذه الحادثة، كان ابن صياد صبيَّاً ، ولا حُكْمَ لقول الصبى، فقد ذَكَرَ الحديث أنهم لمَّا قَدِمُوا عليه كان يلعب مع الصبيان وقد قارب الحُلُم، أى ما زال صبياً.
 

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,949
مجموع الإعجابات
1,976
النقاط
113
الباب الثانى - الفصل الأول - المبحث الثانى (ما جاء فى الدُّخَان هل مضى أم لم يأتِِ بعد ؟)

المبحث الثانى : ما جاء فى الدُّخَان هل مَضَى أم لَمْ يَأتِِ بعد ؟

أولاً : الأحاديث التى تفيد أن الدخان لم يأتِ بعد :
* عند مسلم من حديث حذيفة بن أسيد الغفارى قال:
اطَّلع النبى صلى الله عليه وسلم علينا ونحن نتذاكر، فقال: "ما تذاكرون؟" قالوا: نذكر الساعة، قال: "إنها لن تقوم حتى ترون قبلها عشر آيات"، فذَكَرَ الدخان والدجال والدآبة وطلوع الشمس من مغربها ونزول عيسى بن مريم عليه السلام ويأجوج ومأجوج وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب، وآخِر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم.
* عند مسلم من حديث أبى هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
" بادروا بالأعمال ستَّاً: طلوع الشمس من مغربها أو الدخان أو الدجال أو الدابة أو خاصة أحدكم أو أمر العامة ".
خاصة أحدكم: الموت ، أمر العامة: القيامة

ثانياً : الأحاديث التى تفيد أن الدخان قد مضى :
* فى الصحيحين من حديث مسروق قال:
قال عبد الله(ابن مسعود): (خَمْسٌ قد مَضيْنَ: الدخان والقمر والروم والبطشة واللِّزام).
القمر: انشقاق القمر ، الرُّوم : ظهور الروم على فارس
البطشة: يوم بدر، من قوله تعالى : "يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون "
اللِّزام: هو ما وقع لكفار قريش يوم بدر من القتل والأسر، من قوله تعالى: " فقد كذبتم فسوف يكون لِزَاماً ".
* فى الصحيحين من حديث مسروق قال: كنَّا عند عبد الله (ابن مسعود) جلوساً وهو مضطجع بيننا فأتاه رجلٌ فقال: يا أبا عبد الرحمن إن قاصَّاً عند أبواب كِندَة يقص ويزعم أنَّ آية الدخان تجىء فتأخذ بأنفاس الكفار ويأخذ المؤمنين منه كهيئة الزُّكام، فقال عبد الله – وجلس وهو غضبان - : يا أيها الناس اتقوا الله، مَن عَلِم منكم شيئاً فليقل بما يعلم، ومَن لم يَعلَمْ فليقل: الله أعلم، فإنه أعلم لأحدِكم أنْ يقول لِمَا لا يعلم: الله أعلم، فإن الله عزَّ وجلّ قال لنبيِّه صلى الله عليه وسلم: "قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلِّفين"، إنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلم لمَّا رأى من الناس إدباراً فقال: "اللهم سبع كسبع يوسف"، فأخذتهم سَنَة حصَّت كل شىء حتى أكلوا الجلود والميتة من الجوع، وينظر إلى السماء أحدُهُم فيرى كهيئة الدخان، فأتاه أبو سفيان فقال: (يا محمد إنك جئت تأمر بطاعة الله وصلة الرَّحِم ، وإنَّ قومك قد هلكوا فادْعُ الله لهم) ، قال الله عزَّ وجلَّ: "فارتقب يوم تأتى السماء بدخان مبين يغشى الناس هذا عذاب أليم" إلى قوله: "إنكم عائدون"، قال: أفيُكشَف عذاب الآخرة : "يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون" فالبطشة يوم بدر، وقد مضت آية الدخان والبطشة واللِّزام وآية الروم.

وجه التعارض بين الأحاديث :
حديثا حذيفة وأبى هريرة يدلَّان على أن الدخان من علامات الساعة وأماراتها ولم يحدث بعد، وحديث مسروق المَرْوَىّ عن عبد الله بن مسعود يدل على أنَّ الدخان قد مضى وانتهى وهو ما حصل لقريش من الجهد والجوع عندما دعا عليهم النبى عليه الصلاة والسلام حتى أصبح أحدهم ينظر إلى السماء فيرى كهيئة الدخان.

مسالك العلماء تجاه مبحث ما جاء فى الدخان لإزالة التعارض الظاهرى :
الجمع : بحمل ما جاء فى النصوص السابقة وغيرها على أنهما دخانان.
أحدهما : ما أصاب قريش عندما دعا عليهم النبى صلى الله عليه وسلم، كما جاء فى حديث مسروق من كلام ابن مسعود وتأكيده على أنه حدث، وإنكاره على مَن قال غير ذلك.
ثانيهما : يكون من علامات الساعة، فهو لم يحدث بعد كما جاء فى حديث حذيفة بن أسيد ، وأبى هريرة.
وقد ذهب إلى ذلك الرأى: الطحاوى، وأبو الخطاب بن دحية، والطَّبرى، والنووى.
قال النووى: (ويحتمل أنهما دخانان للجمع بين هذه الآثار).
قال الطبرى: (وبعد فإنه غير منكر أن يكون أحلَّ بالكفار الذين توعَّدَهم بهذا الوعيد ما توعدهم، ويكون محلاً فيما يستأنف بعد بآخرين دخاناً على ما جاءت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم).
أما قوله تعالى: "فارتقب يوم تأتى السماء بدخان مبين يغشى الناس هذا عذاب أليم" ، فيحتمل أن يكون على ظاهره وعليه فيكون هو الدخان الذى يسبق قيام الساعة أى لم يحدث بعد.
ويحتمل أن يؤول إلى أنه الدخان الذى حدث لكفار قريش أيام النبى صلي الله عليه وسلم.
 

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,949
مجموع الإعجابات
1,976
النقاط
113
الباب الثانى - الفصل الثانى - المبحث الأول (ما جاء فى تعذيب الميِّت ببكاء أهله عليه)

الباب الثانى : الإيمان باليوم الآخر
الفصل الثانى : مسائل تتعلَّق باليوم الآخر
المبحث الأول : ما جاء فى تعذيب الميِّت ببكاء أهله عليه

أولاً : الأحاديث التى تفيد بأن الميت يعذَّب ببكاء أهله عليه :
* فى الصحيحين من حديث عمر بن الخطَّاب، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
" الميت يُعذَّب فى قبره بما نِيحَ عليه ".
* فى الصحيحين، أنه لما أصيب عمر جعل صهيب يقول: وا أخاه، فقال عمر: أما علمتَ أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: " إن الميِّت لَيُعذَّب ببكاء الحى ".
* فى رواية لمسلم، أن عمر لَمَّا طُعِنَ عّوَّلتْ عليه حفصة، فقال: يا حفصة أما سمعتِ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "المُعَوَّل عليه يُعذَّب".
* وفى الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
" إنَّ الميِّت ليُعذَّب ببكاء أهله "
* فى الصحيحين من حديث المغيرة بن شعبة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " مَنْ نِيحَ عليه يُعذَّب بما نيح عليه "
والعذاب إنما يكون فى القبر - كما فى حديث عمر الأول - لمن نيح عليه أو بكى أو صاح أهله أو بعضهم عليه.

ثانياً : الأحاديث التى تنفى أن الميت يعذَّب ببكاء أهله عليه :
* فى الصحيحين من حديث ابن عباس قال: لمَّا مات عمر ذَكَرْتُ ذلك لعائشة فقالت: (رحم الله عمر، والله ما حدَّث رسول الله صلى الله عليه وسلم إنَّ الله ليُعذِّب المؤمن ببكاء أهله عليه، ولكنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إنَّ الله ليزيد الكافر عذاباً ببكاء أهله عليه"، وقالت: حسبكم القرآن: "ولا تزر وازرة وزر أخرى").
قال ابن عباس عند ذلك: والله هو أضحك وأبكى.

* وفى رواية لمسلم، لمَّا بلغ عائشة قول عمر وابن عمر قالت: إنكم لتحدِّثونى عن غير كاذبَيْن ولا مكذِّبيْن ولكنَّ السمع يُخْطِىء.
* وفى الصحيحين أنه ذُكِرَ عند عائشة أن ابن عمر رَفَع إلى النبى صلى الله عليه وسلم:
" إن الميت ليعذّب فى قبره ببكاء أهله" ، فقالت: وهل ابن عمر رحمه الله ،
إنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنه ليعذَّب بخطيئته وذنبه وإن أهله ليبكون عليه الآن".

* وفى الصحيحين أنه ذُكِرَ لعائشة أن ابن عمر يقول: "إن الميت ليعذَّب ببكاء الحى، فقالت: يغفر الله لأبى عبد الرحمن أَمَا إنه لم يكذب ولكنه نسى أو أخطأ، إنما مرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على يهودية يُبْكَى عليها فقال: " إنهم ليبكون عليها وإنها لتعذَّب فى قبرها ".

وجه التعارض بين الأحاديث :
أن أحاديث عمر وابن عمر والمغيرة بن شعبة، تفيد بأن الميت يُعذَّب ببكاء أو نياحة أهله عليه وهو فى قبره.
أما أحاديث السيدة عائشة فإنها تنكر ذلك وتتهم الراوى بالخطأ أو النسيان لا الكذب، وتحمل التعذيب على الكافر أو حال بكاء أهل الميت عليه أى فى وقتها.

مسالك العلماء تجاه مبحث ما جاء فى تعذيب الميت ببكاء أهله عليه لإزالة التعارض :
مسلك الجمع : فقد جمع العلماء بين الأحاديث كلها على عدة مسالك هى :
(1) تُحمَل أحاديث التعذيب على مَن أوصى بأن يُبْكَى عليه ويُناح عليه بعد موته كما كان أهل الجاهلية يفعلون ، وبهذا فيعذب بذنبه لأنه هو المتسبِّب.
(2) تُحمَل أحاديث التعذيب على مَن أهمل نَهْى أهله عن ذلك مع علمه أنَّ لهم فى ذلك عادة، أو ظنَّ أنهم يمكن أن يفعلوا هذا، وبهذا يعذَّب بذنبه إذ أنه هو المتسبِّب فيه.
(3) تُحمَل على مَن كانت النياحة من سنَّته وطريقته.
(4) تُحمَل على مَن مُدِح فى نياحته بما هو قبيح مُحرَّم فى الشرع كفعل الجاهلية ، مثل: (يا مُرَمِّل النسوان، وميتِّم الولدان، ومخرب العمران، ...).
(5) أنَّ معنى التعذيب الوارد فى الأحاديث هو توبيخ الملائكة له بما يندبه أهله به.
(6) أنَّ معنى التعذيب الوارد فى الأحاديث هو تألُّم الميت وتأذِّيه بما يقع من أهله ورقَّتِه لهم وشفقته عليهم.
(7) تُحمَل على أنها خاصة بالكافر دون المؤمن، وهذا ما ذهبت إليه عائشة.
(8) تُحمَل على أنها تكون وقت النياحة وحين بكاء الأهل عليه.

خلاصة الجمع : أنَّه إذا وصَّى الميتُ أهلَه بالبكاء والنياحة عليه، أو كان يعلم عنهم ذلك ولم يوصهم بعدم الفعل، أو كانت مِن طريقته وسنته، أو نِيحَ بالقبائح والمساوىء ، فلا شكَّ أنها كلها أسباب يستحق عليها العذاب، فإن عُذِّب بها أو ببعضها فيكون هذا من فعله وبسببه ويستحقَّه، أما إن لم يتلبَّس بشىء من ذلك كان عذابه هو ألمه وتأذِّيه بما يقع من أهله من هذه المحرَّمات والمخالفات. أما إن كان كافراً غير مسلم فإنه يزيد عذاباً على عذابه بنياحة أهله عليه.
والتعذيب يكون للميت – أيَّاً كان مما سبق – فى قبره بعد دفنه.
 
أعلى