مختصر رسالة أحاديث العقيدة المتوهَّم إشكالها فى الصحيحين

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,949
مجموع الإعجابات
1,976
النقاط
113
لباب الثانى - المبحث الثالث ( ما جاء فى إرسال الشُهُب على الشياطين )

المبحث الثالث : ما جاء فى إرسال الشُهُب على الشياطين

أولاً : سياق الحديث أو الأحاديث المتوَّهم إشكالها :
* عند مسلم من حديث عبد الله بن عباس أنه قال :
أخبرنى رجلٌ من أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم من الأنصار أنهم بينما هم جلوس ليلة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، رُمِى بنجم فاستنار، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : "ماذا كنتم تقولون فى الجاهلية إذا رُمِىَ بمثل هذا ؟" ، قالوا: الله ورسوله أعلم، كنا نقول: وُلِد الليلة رجل عظيم ومات رجل عظيم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فإنها لا يُرمَى بها لموت أحد ولا لحياته، ولكن ربنا تبارك وتعالى اسمه إذا قضى أمراً سبَّح حملة العرش ثم سبَّح أهل السماء الذين يلونهم حتى يبلغ التسبيح أهل هذه السماء الدنيا، ثم قال الذين يلون حملة العرش لحملة العرش: ماذا قال ربكم ؟ ، فيخبرونهم ماذا قال، قال: فيستخبر بعض أهل السماوات بعضاً، حتى يبلغ الخبر هذه السماء الدنيا، فتخطف الجن السمع، فيَقذِفون إلى أوليائهم ويَرمُون به، فما جاؤوا على وجهه فهو حق، ولكنهم يقرفون فيه ويزيدون".
يقرفون : يخلطون فيه الكذب، من القرف : الخلط.
* فى الصحيحين من حديث ابن عباس أنه قال :
انطلق النبى صلى الله عليه وسلم فى طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، وأرسلت عليهم الشهب فرجعت الشياطين إلى قومهم فقالوا: ما لكم ؟ فقالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء وأرسلت علينا الشهب، قالوا: ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا شىء حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها، فانظروا ما هذا الذى حال بينكم وبين خبر السماء، فانصرف أولئك الذين توجهوا نحو تهامة إلى النبى صلى الله عليه وسلم وهو بنخلة عامدين إلى سوق عكاظ، وهو يصلى بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا له، فقالوا: هذا والله الذى حال بينكم وبين خبر السماء، فهنالك حين رجعوا إلى قومهم فقالوا: يا قومنا إنا سمعنا قرآناً عجباً يهدى إلى الرشد فآمنَّا به ولن نشرك بربنا أحداً، فأنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم : "قل أوحى إلىَّ" ، وإنما أوحى إليه قول الجن ".
نخلة : موضع بين مكة والطائف
سوق عكاظ : سوق شهير بالطائف

ثانياً : بيان وجه الإشكال :
استشكل أهل العلم هذين الحديثين من حيث أن ظاهرهما قد يُفهم منه التعارض، فالحديث الأول صريح فى أن الشهب قد كان يُرمَى بها فى الجاهلية، بينما الحديث الثانى يدل على أن الرمى بالشهب إنما كان بعد مبعث النبى صلى الله عليه وسلم ونزول القرآن.

ثالثاً : أقوال أهل العلم لإزالة هذا الإشكال
القول الأول (وهو القول الراجح وعليه أغلب الجمهور) :
أن الشهب كان يُرمَى بها فى الجاهلية، وقبل مبعث النبى صلى الله عليه وسلم، ولكن ليس على الدوام، فكانت تُرمَى فى وقت دون وقت ومن جانب دون جانب، فلما بُعِث النبى صلى الله عليه وسلم كثر ذلك وغُلِّظ وشُدِّد فى حراسة السماء فصاروا يُرمَون فى كل وقت ومن كل جانب. وإلى هذا القول ذهب (ابن عباس، الزهرى، ابن قتيبة، الطحاوى، ابن بطال، القرطبى، ابن تيمية، ابن كثير، ابن رجب، وغيرهم).
قال القرطبى : (وقد يمكن الجمع بينهما أن يقال: إن الذين قالوا: لم تكن الشياطين تُرمَى بالنجوم قبل مبعث النبى صلى الله عليه وسلم ثم رُمِيَت، أى لم تكن تُرمَى رمياً يقطعها عن السمع، ولكنها كانت تُرمَى وقتاً ولا تُرمَى وقتاً، وتُرمَى من جانب ولا تُرمَى من جانب، ولعلَّ الإشارة بقوله تعالى: "ويُقذَفُون مِن كل جانب دُحُورَاً ولهم عذاب وَاصِب" إلى هذا المعنى، وهو أنهم كانوا لا يقذفون إلا من بعض الجوانب فصاروا يُرمَون واصباً). واصباً : دائماً
قال ابن كثير فى تفسير سورة الجن : ( يُخبِر تعالى عن الجن حين بعث الله رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم وأنزل عليه القرآن، وكان من حفظه له أن السماء مُلئَت حرساً شديداً وحُفظَت من سائر أرجائها وطُردَت الشياطين عن مقاعدها التى كانت تقعد فيها قبل ذلك لئلا يسترقوا شيئاً من القرآن فيلقوه على ألسنة الكهنة فيلتبس الأمر ويختلط، ولا يُدرَى مَن الصادق، وهذا من لطف الله تعالى بخلقه ورحمته بعباده وحفظه لكتابه العزيز ....، وقد كانت الكواكب يُرمَى بها قبل ذلك ولكن ليس بكثير، بل فى الأحيان بعد الأحيان).
أدلة أصحاب القول الأول على قولهم :
(1) حديث ابن عباس المتقدِّم (موضوع المبحث).
(2) آيات سورة الجن، ومنها: "وأنَّا كنَّا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شِهابَاً رَصَدَاً" ، فقد أخبرت الجن أنها كانت لها مقاعد فى السماء تسترق منها السمع قبل مبعث النبى صلى الله عليه وسلم، ومن يستمع الآن أى بعد المبعث يجد له شهاباً رصداً، فقد شُدِّد الأمر وغُلِّظ بعد البعثة حفظاً للنبوة والقرآن والرسالة كما تقدَّم شرحه.
(3) الرَّمى بالشهب مذكور فى شعر أهل الجاهلية، مما يدل على وجوده قبل البعثة. مثل قول الشاعر أوس بن حجر :
فانقضَّ كالدرىء يتبعه *******
************نقعٌ يثور تخالُه طُنُباً

القول الثانى (لابن الجوزى) :
أنه لم يُرمَ بالشهب إلا قبيل مولد النبى صلى الله عليه وسلم ثم استمر ذلك وكثر حتى بُعِث، فكان ذلك كالتأسيس لأمره والتفخيم لشأنه ، وهذا القول قريب من القول الأول إلا أنه حدَّد بداية الرمى بالشهب بالوقت قبيل مولد النبى صلى الله عليه وسلم (تدخل فى أيام الجاهلية)، أما قبل ذلك فلا.

القول الثالث (لابن حجر ) :
يحتمل أن يكون المراد بقول النبى صلى الله عليه وسلم " رُمِى بها فى الجاهلية " : أى جاهلية المخاطبين بالحديث وهم الأنصار، فلا يلزم من ذلك أن يكون الرمى قبل المبعث لأن جاهلية الأنصار استمرت حتى السنة الثالثة عشر من البعثة، فهم لم يدخلوا الإسلام إلا بعد المبعث بثلاث عشرة سنة.

الخلاصة :
القول الأول هو أرجح الأقوال بأن الشهب كان يُرمَى بها الجن والشياطين فى الجاهلية قبل مبعث الرسالة، ولكن ليس على الدوام، وفى وقت دون وقت ومن جانب دون جانب، ثم كثرت وغُلِّظَت بعد الرسالة فصارت فى كل وقت ومن كل جانب. فهذا ما دلَّت عليه الأدلة، أما باقى الأقوال فهى مرجوحة وتفتقر إلى الدليل.
 

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,949
مجموع الإعجابات
1,976
النقاط
113
الباب الثانى - المبحث الرابع ( إنى أبرأ إلى الله أن يكون لى منكم خليل )

المبحث الرابع : إنى أبرأ إلى الله أن يكون لى منكم خليل

أولاً : سياق الحديث أو الأحاديث المتوَّهم إشكالها :
* عند مسلم من حديث جندب بن عبد الله البجلى قال : سمعت النبى صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس وهو يقول: "إنى أبرأ إلى الله أن يكون لى منكم خليل، فإن الله تعالى قد اتخذنى خليلاً، كما اتخذ إبراهيم خليلاً، ولو كنت متِّخذاً من أمتى خليلاً لاتَّخذت أبا بكر خليلاً".
* وفى الصحيحين من حديث أبى سعيد الخدرى، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال :
" لو كنت متِّخذاً من أمتى خليلاً لاتَّخذت أبا بكر، ولكن أخوة الإسلام ومودَّته".
* عند مسلم من حديث عبد الله بن مسعود، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال :
" لو كنت متِّخذاً خليلاً لاتَّخذت أبا بكر خليلاً، ولكنه أخى وصاحبى، وقد اتَّخذ الله عزَّ وجلّ صاحبكم خليلاً ".
* فى الصحيحين من حديث أبى هريرة قال :
أوصانى خليلى بثلاث: صيام ثلاثة أيام من كل شهر وركعتى الضحى وأن أوتر قل أن أنام.
* عند مسلم من حديث أبى ذر قال :
إن خليلى أوصانى : أن أسمع وأطيع وإن كان عبداً مُجدَّع الأطراف.

ثانياً : بيان وجه الإشكال :
أن جميع الأحاديث الواردة ما عدا الحديثين الأخيرين تنفى أن يكون للنبى صلى الله عليه وسلم من أمته خليل، وفى المقابل نجد فى الحديثين الأخيرين لأبى هريرة وأبى ذر يقولان: أوصانى خليلى، إن خليلى أوصانى، وفى هذا تعارض ظاهرى بين الأحاديث.

معنى الخُلَّة :
* فى اللغة: الخُلَّة والخُلالة والخَلالة والخِلالة كلها بمعنى : الصداقة والمودَّة
خالَّه وخالَلَه : صَادَقَه
الخليل : المحب الذى ليس فى محبَّته خَلَل
* قال النحَّاس (أبو جعفر النحوى) فى قوله تعالى "واتَّخَذَ الله إبراهيم خليلاً" :
(الذى عليه أصحاب الحديث : أنه المحب المنقطع إلى الله الذى ليس فى انقطاعه اختلال).
وهذا بالنسبة لإبراهيم عليه السلام، أما الخُلَّة من جانب الله تعالى فهى صفة فعلية ثابتة له جلَّ وعلا كما يليق بجلاله وعظمته، دلَّت عليها الأدلة الشرعية من الكتاب (كالآية السابقة) ، والسنة (كالأحاديث المتقدمة).
* والخُلَّة أخص من مطلق المحبة، فهى أعلى مراتبها وأكمل درجاتها، لذا فإن الخُلَّة من الله تعالى لم تحصل إلا للخليلين إبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام، وأما محبته تعالى فهى لعموم المؤمنين.
وعليه لا يلزم من نفى الخُلَّة نفى المحبة، فقد نفى النبى صلى الله عليه وسلم عن أبى بكر الخُلَّة وأثبت له المحبة والمودة فى قوله "ولكن أخوة الإسلام ومودَّته"، وكذلك يحب الله تعالى أنبياءه ورسله أجمعين ولم يخص بالخلة غير محمد وإبراهيم عليهما الصلاة والسلام.

ثالثاً : أقوال أهل العلم لإزالة هذا الإشكال
القول الأول (وهو القول الراجح) :
أنه لا تعارض بين هذه النصوص لأن المنفى فيها غير المثبت، فالنبى صلى الله عليه وسلم نفى خُلَّته لغير الله تعالى، لكنه لم يمنع غيره أن يتخذه خليلاً - كما فعل أبو هريرة وأبو ذر رضى الله عنهما.
قال ابن حجر : (وقول أبى هريرة هذا لا يعارضه ما تقدَّم من قوله صلى الله عليه وسلم "لو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر" لأن الممتنع أن يتخذ هو صلى الله عليه وسلم غيره خليلاً، لا العكس، ولا يقال إن المخاللة لا تتم حتى تكون من الجانبين، لأنَّا نقول: إنما نظر الصحابى إلى أحد الجانبين فأطلق ذلك أو لعلَّه أراد مجرد الصحبة أو المحبة).

القول الثانى (وهو قول مرجوح) :
ليس لأحد أن يقول عن النبى صلى الله عليه وسلم: (إنه خليلى) بدليل الأحاديث الأولى التى نفى فيها النبى صلى الله عليه وسلم مُخالَّته لأحد غير الله.
وقد أنكر أصحاب هذا القول على أبى هريرة وغيره من الصحابة قولهم (سمعت خليلى، وأوصانى خليلى، وما شابهها).

ولكن القول الأول هو الراجح والأسد، وقد ردَّ القرطبى والمعلَّمى على إنكار أصحاب القول الثانى على أبى هريرة وغيره من الصحابة.
قال القرطبى : (قد عاب بعض الطاعنيين على أبى هريرة قوله (خليلى) فى النبى صلى الله عليه وسلم بُناءً على أن النبى صلى الله عليه وسلم لم يتخذه ولا أحداً من الخلق خليلاً، وهذا إنما وقع فيه قائله ظنَّاً أن خليل بمعنى مخالل، من المخاللة التى لا تكون إلا من اثنين، وليس الأمر كذلك، فإن خليلاً مثل حبيب، لا يلزم فيه من المفاعلة شىء، إذ قد يُحَبُّ الكاره).
قال المعلَّمى : (النبى صلى الله عليه وسلم خليل كل مؤمن، وإن لم يكن أحدٌ من الخلق خليلاً له، لقوله: "لو كنت متَّخِذاً خليلاً غير ربى لاتخذت أبا بكر"، والخليل كالحبيب، فكما أنه لا يلزم من كون إنسان حبيبك أن تكون حبيبه، فكذلك الخليل، والخُلَّة أعظم من المحبة، فلا يلزم من نفى الخلَّة نفى المحبة).
 

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,949
مجموع الإعجابات
1,976
النقاط
113
الباب الثانى - المبحث الخامس ( حديث شريك فى الإسراء )

المبحث الخامس : حديث شريك فى الإسراء

أولاً : سياق الحديث أو الأحاديث المتوَّهم إشكالها :
جاء حديث الإسراء من عدة طرق عن أنس رضى الله عنه، فجاء من طريق (ثابت البنانى، والزهرى، وقتادة، وشريك) أربعة روايات.
وقد تفرَّد شريك فى روايته بأشياء لم يذكرها غيره من باقى الرواة.
والنصوص الأربعة مذكورة بالرسالة فى الصفحات (من 482 : 495) لمن أراد الاطلاع عليها، ولن نذكرها كاملة لطولها الشديد، وإنما سنذكر الشاهد من رواية شريك والذى تفرَّد به عن باقى الروايات، والرد عليها من أهل العلم.

ثانياً : بيان وجه الإشكال :
فى رواية شريك عدة أقوال مخالفة أو مشكَلَة لباقى الروايات (حوالى 12 قول مُشكَل)، مما يوحى بوجود تعارض ظاهرى بين الأحاديث (روايات حديث أنس).

ثالثاً : أقوال أهل العلم لإزالة هذا الإشكال
ذكر أهل العلم الأقوال التى تفرَّدت بها رواية شريك عن باقى الروايات، وقاموا بالردِّ عليها كالتالى :
(1) قول شريك فى روايته : " ليلة أُسْرِى برسول الله صلى الله عليه وسلم من مسجد الكعبة، أنه جاءه ثلاثة نفر قبل أن يُوحَى إليه ".
والإشكال هو: يُفهَم من هذا القول أن حادثة الإسراء والمعراج وقعت قبل البعثة، وهو خطأ ظاهر.
والردُّ عليه: أن هذا خطأ ظاهر، وقد أجمع العلماء على أن فرض الصلاة كان ليلة الإسراء، فكيف يكون ذلك إذا كان الإسراء قبل أن يُوحَى إليه.
قال القاضى عياض: (هو غلط لم يُوافَق عليه).
(2) قول شريك فى روايته : " وهو نائم فى المسجد الحرام .... واستيقظ وهو فى مسجد الحرام ".
والإشكال هو: بهذا القول ونحوه تعلَّق من قال بأن الإسراء والمعراج قد وقعا مناماً لا فى اليقظة، ولا شك أن هذا خطأ، وكذلك من قال أن الإسراء كان بالروح فقط وليس الروح والجسد.
والردُّ عليه: هذه اللفظة تفرَّد بها شريك فى روايته، كما أخبر ابن رجب. والمعتقد فى الإسراء والمعراج أنه معجزة أكرم الله بها نبيه صلى الله عليه وسلم، وكان مرة واحدة بعد البعثة بالروح والجسد يقظة لا مناماً.
والأدلة على ذلك كثيرة، منها :
* قوله تعالى فى سورة الإسراء :
" سبحان الذى أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ..." الآية. ووجه الاستدلال منها أن التسبيح يكون عند الأمور العظيمة والآيات الباهرة مما يدل على أن الإسراء كان فى اليقظة بالروح والجسد معاً، لأنه لو كان مناماً أو بالروح فقط لم يكن فيه كبير أمر ولم يكن مستعظَمَاً لأن أى إنسان يمكنه أن يرى فى منامه أكثر من هذا.
وأيضاً قوله "بعبده" يستدل منه أن الإسراء كان فى اليقظة بالروح والجسد معاً، لأن لفظة العبد عبارة عن الروح والجسد، فالإنسان اسم لمجموع الجسد والروح، فهذا هو مطلق اللفظ، ومن قيَّده بالروح فقط يلزمه الدليل.
ولو جاز استبعاد صعود البشر إلى السماوات لجاز استبعاد نزول الملائكة وصعودها.
* أحاديث الإسراء كلها ظاهرها يدل دلالة واضحة على أنه كان بالروح والجسد يقظة لا مناماً، ففيها ذكر الصعود والنزول والكلام والصلاة وغير ذلك.
أما من قال - محاولاً الجمع بين الروايات والآراء – بأن الإسراء والمعراج وقع مرتين (مرة يقظة، ومرة مناماً)، فقد أخطأ فى تعدده هذا، لأنه قد وقع مرة واحدة كما أجمع جمهور العلماء، ويا عجباً لمن قال بتعدد الحادثة كيف ساغ لهم أن يظنوا أنه فى كل مرة من المرتين تُفرَض على النبى صلى الله عليه وسلم الصلاة خمسين مرة، ثم يتردد بين ربه وبين موسى عليه السلام ليسأل الله التخفيف حتى تصير خمس صلوات بأجر خمسين صلاة، ثم يقول : "أمضيتُ فريضتى وخفَّفْتُ عن عبادى"، ثم يعيدها فى المرة الثانية إلى خمسين ثم يحطها عشراً عشراً.
(3) قول شريك فى روايته : " فشقَّ جبريل ما بين نحره إلى لبته حتى فرغ من صدره وجوفه فغسله من ماء زمزم بيده حتى أنقى جوفه ".
والإشكال هو: إنكار البعض وقوع حادثة شق الصدر ليلة الإسراء والمعراج، وعدُّوا هذا من أغلاط شريك بالرواية، وقالوا إنما وقعت الحادثة وهو صغير بديار بنى سعد (ديار مرضعته حليمة السعدية).
والردُّ عليه: هذا الإنكار غير صحيح، وقد ثبت أن حادثة شق الصدر وقعت مرتين وليست واحدة، وشريك لم يُخطىء أو يتفرَّد بهذا، إنما وافق قتادة عن أنس، والزهرى عن أنس فى روايتهما.
قال القرطبى تعليقاً على حديث أنس فى مسألة شَقِّ الصدر :
(هذا الشَقُّ هو خلاف الشَقِّ المذكور فى حديث أبى ذر ومالك بن صعصعة بدليل اختلاف الزمانين والمكانين والحالين.
أما الزمانان : فالأول فى صغره، والثانى فى كبره.
وأما المكانان : فالأول كان ببعض جهات مكة عند مرضعته (ديار بنى سعد)، والثانى عند البيت (البيت الحرام).
وأما الحالان : فالأول نزع من قلبه ما كان يضرُّه وغُسِل وهو إشارة إلى عصمته ، والثانى غُسِل ومُلِىء حكمة وإيماناً وهو إشارة إلى التهيؤ إلى مشاهدته ما شاء الله أن يشهده.
ولا يلتفت إلى قول من قال أن ذلك كان مرة واحدة فى صغره، وأخذ يُغلِّط بعض الرواة الذين رووا أحد الخبرين، فإن الغلط به أليق، والوهم منه أقرب، فإن رواة الحديثين أئمة مشاهير حُفَّاظ، ولا إحالة فى شىء مما ذكروه، ولا معارضة بينهما ولا تناقض، فصحَّ ما قلناه، وبهذا قال جماعة من العلماء) أ.هـ. القرطبى.
(4) قول شريك فى روايته : " وهو ثم أتيت بطست من ذهب فيه تور من ذهب محشواً إيماناً وحكمة، فحشا به صدره ولغاديده ".
والإشكال هو: ذكر التور فى رواية شريك مع الطست فى حين أن الروايات الأخرى لم تذكر التور مع الطست، بل ذكرت الطست فقط.
والردُّ عليه: أنَّ ذكر التور ليس فيه مخالفة وإنما هو من قبيل زيادة الثقة، والله أعلم.
قال الحافظ ابن حجر: (هذا يقتضى أنه غير الطست، وأنه كان داخل الطست .. فإن كانت هذه الزيادة محفوظة، احتمل أن يكون أحدهما فيه ماء زمزم والآخر هو المحشو بالإيمان، واحتمل أن يكون التور ظرف الماء وغيره، والطست لما يُصَب فيه عند الغسل صيانة له عن التبدُّد فى الأرض، وجرياً له على العادة فى الطست وما يوضع فيه الماء).
(5) قول شريك فى روايته : " فإذا هو فى السماء الدنيا بنهرين يطردان، فقال: ما هذان النهران يا جبريل ؟ قال : هذا النيل والفرات عُنصُرُهُما ".
والإشكال هو: مخالفته لما فى الروايات الأخرى من كون النيل والفرات فى السماء السابعة وأنهما من تحت سدرة المنتهى.
والردُّ عليه: أنَّ هذين النهرين ومعهما نهران آخران فى السماء السابعة نابعان من السدرة.
قال الحافظ ابن حجر: (ظاهر هذا يخالف حديث مالك بن صعصعة، فإن فيه بعد ذكر سدرة المنتهى "فإذا فى أصلها أربعة أنهار" ويجمع بأن أصل نبعهما من تحت سدرة المنتهى، ومقرهما فى السماء الدنيا ومنها ينزلان إلى الأرض).
(6) قول شريك فى روايته : " نهر الكوثر فى السماء الدنيا ".
والإشكال هو: أن المشهور الثابت أن نهر الكوثر فى الجنة وليس فى السماء الدنيا.
والردُّ عليه: أنَّ هذا القول من الأخطاء المعدودة فى الحديث على شريك بن عبد الله، فقد ثبت بالأدلة الشرعية من أن نهر الكوثر فى الجنة.
والدليل فيما رواه الترمذى وابن ماجة وأحمد، من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الكوثر نهر فى الجنة ".
(7) قول شريك فى روايته : " كل سماء فيها أنبياء قد سمَّاهم فوعيت منهم إدريس فى الثانية، وهارون فى الرابعة، وآخر فى الخامسة لم أحفظ اسمه، وإبراهيم فى السادسة، وموسى فى السابعة بتفضيل كلام الله".
والإشكال هو: أن هذا مخالف لسائر الروايات فى تحديد مكان الأنبياء.
والردُّ عليه: ملاحظة أنَّ قول "قد سمَّاهم فوعيت منهم ...، وآخر فى الخامسة لم أحفظ اسمه" هذا كله من قول شريك وليس قول النبى عليه الصلاة والسلام. والصحيح فى ترتيب مكان الأنبياء عليهم السلام ما جاء فى رواية قتادة عن أنس بأن : (فى الأولى آدم عليه السلام، والثانية يحيى وعيسى عليهما السلام، والثالثة يوسف عليه السلام، والرابعة إدريس عليه السلام، والخامسة هارون عليه السلام، والسادسة موسى عليه السلام، والسابعة إبراهيم عليه السلام).
(8) قول شريك فى روايته : " ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله حتى جاء سدرة المنتهى ".
والإشكال هو: سدرة المنتهى على كلامه فوق السماء السابعة.
والردُّ عليه: أنَّ هذا مخالف لما ثبت بالأدلة الشرعية أنها فى السابعة وعند البعض فى السادسة.
قال ابن حجر: (لعلَّ فى السياق تقديماً وتأخيراً، وكان ذكر سدرة المنتهى قبل، ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله.....، ويحتمل أن يكون المراد بما تضمنته هذه الرواية من العلو البالغ لسدرة المنتهى: صفة أعلاها وما تقدم صفة أصلها).
(9) قول شريك فى روايته : " ودنا الجبار ربُّ العزة فتدلَّى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى ".
والإشكال هو: ذكر شريك فى روايته صفة الدنو والتدلِّى لله تعالى.
والردُّ عليه: برغم استنكار البعض (كالخطابى، ابن حزم، ابن رجب) لهذا القول إلا أنه لم ينكره البعض (كابن القيم، ابن خزيمة، ابن أبى العز)، بل أثبتوا صفة الدنو والتدلِّى لله تعالى على ما يليق بجلاله وعظمته من غير تحريف ولا تعطيل ولا تمثيل ولا تأويل شأن سائر الصفات المتصف بها جلَّ شأنه.
قال ابن القيم: (فأما الدنو والتدلى الذى فى حديث الإسراء، فذلك صريح فى أنه دنو الرب تبارك وتعالى وتدلِّيه).
وجدير بالتنبيه أن الدنو والتدلِّى المذكور فى رواية شريك يختلف عن الدنو والتدلِّى الوارد فى الآية 8 من سورة النجم "ثم دنا فتدلى" ، فالمراد من الآية هو جبريل عليه السلام، أى أن جبريل عليه السلام هو الذى دنا وتدلَّى، كما قالت عائشة وابن مسعود، أما المراد فى الحديث هو دنو الله تعالى وتدلِّيه عزَّ وجلّ.
وعلى هذا فمعتقد أهل السنة والجماعة هو إثبات صفة الدنو والتدلى لله تعالى على ما يليق بجلاله وكماله وعظمته. وبهذا يزول الإشكال.
(10) قول شريك فى روايته : " فعلا به إلى الجبار فقال وهو مكانه: يا ربِّ خفِّف عنَّا فإن أمتى لا تستطيع هذا".
والإشكال هو: لفظة (وهو مكانه)، فالمكان لا يضاف إلى الله تعالى.
والردُّ عليه: لا وجه لاستشكال هذه اللفظة، لأن هاء الضمير فى اللفظة عائد إلى النبى عليه الصلاة والسلام وليس إلى الله تعالى، أى أن جبريل علا بالنبى صلى الله عليه وسلم إلى مكانه الذى أوحى الله إليه قبل نزوله إلى موسى عليه السلام ليسأل الله التخفيف عن أمته فى عدد الصلوات المفروضة عليهم.
وجدير بالذكر أن المعتقد هو عدم إطلاق لفظ المكان على الله وإضافته إليه لعدم ورود أى نص شرعى به.
قالمعتقد أن نثبت ما أثبته الله لنفسه، وننفى ما نفاه الله عن نفسه، ونسكت عما سكت النص عنه، ولا نعتبر هذه الرواية نصاً فى هذا الأمر (صفة المكان)، لاختلافها عن باقى الروايات فى عدة اختلافات، وبالتالى لا يوجد ما يدعمها، لذا فتم حمل المعنى على النبى عليه الصلاة والسلام، وليس الله.
(11) قول شريك فى روايته : " فوضع عنه عشر صلوات ثم رجع إلى موسى فاحتبسه، فلم يزل يردده موسى إلى ربه حتى صارت إلى خمس صلوات ".
والإشكال هو: أنَّ رواية شريك ذكرت التخفيف للصلوات أثناء المراجعة أنه كان عشراً عشراً، وباقى الروايات ذكرت أنه كان خمساً خمساً.
والردُّ عليه: الحق أنَّ شريكاً لم يتفرَّد فى روايته بهذا الأمر، بل ذكره أيضاً قتادة عن أنس. وقد رجَّح ابن الجوزى هذه الرواية كون التخفيف عشراً عشراً لاتفاق البخارى ومسلم عليها من حديث أنس عن مالك بن صعصعة ، أما ابن حجر فقد رجَّح رواية ثابت الكنانى فى كون التخفيف خمساً خمساً.
(12) قول شريك فى روايته : " فلم يزل يردده موسى إلى ربه حتى صارت إلى خمس صلوات، ثم احتبسه موسى عند الخمس، فقال: يا محمد، والله لقد راودت بنى إسرائيل قومى على أدنى من هذا فضعفوا فتركوه.....، فارجع فليخفف عنك ربك، كل ذلك يلتفت النبى صلى الله عليه وسلم إلى جبريل ليشير عليه، ولا يكره ذلك جبريل، فرفعه عند الخامسة فقال: يا رب إن أمتى ضعفاء أجسادهم وقلوبهم وأسماعهم وأبصارهم وأبدانهم فخفِّف عنَّا".
والإشكال هو: تفرُّد رواية شريك عن باقى الروايات برجوع النبى عليه الصلاة والسلام إلى طلب التخفيف فى عدد الصلوات بعد أن صارت خمساً.
والردُّ عليه: أنَّ هذا مما انفردت به رواية شريك، لأن المحفوظ والمعلوم كما فى الروايات الأخرى أن النبى عليه الصلاة والسلام امتنع عن الرجوع بعد أن استقر فرض الصلاة على خمس صلوات، وقال لموسى عليه السلام عندما حثَّه على الرجوع بعد الخمس: "قد رجعت إلى ربى حتى استحييت منه".
قال الداودى : (هذا الرجوع الأخير ليس بثابت).
قال قوَّام السنة الأصبهانى : (الصحيح أنه لم يرجع بعد ذلك).

سؤال وجوابه :
كيف التقى النبى صلى الله عليه وسلم بالأنبياء فى حادثة المعراج وكَلَّمَهم وسَلَّم عليهم ، وهم أموات فى البرزخ ؟
الجواب : نؤمن بذلك ونُقِرُّ به لأنه من باب الأخبار التى يلزمها التصديق ووجوب الاعتقاد، ولا نتعدَّى النص فى البحث عن الكيفية، فالله على كل شىء قدير، وهذا أسلم وأنقى لقلب العبد.
 

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,949
مجموع الإعجابات
1,976
النقاط
113
الباب الثانى - المبحث السادس ( لطْمُ موسى عليه السلام لِمَلَك الموت )

المبحث السادس : لطْمُ موسى عليه السلام لِمَلَك الموت

أولاً : سياق الحديث أو الأحاديث المتوَّهم إشكالها :
جاء من طريقين : (طريق همام بن منبه، طريق طاووس) عن أبى هريرة ، والطريقين بنفس العبارات تقريباً ونفس المعنى ليس بينهما أى خلاف، لذا نذكر رواية واحدة منهما.
* رواية همام بن منبه فى الصحيحين، عن أبى هريرة مرفوعاً، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :
" جاء ملك الموت إلى موسى عليه السلام، فقال له : أجب ربك، قال: فلطم موسى عليه السلام عين ملك الموت ففقأها، قال : فرجع الملك إلى الله تعالى فقال: إنك أرسلتنى إلى عبدٍ لك لا يريد الموت وقد فقأ عينى، قال: فردَّ الله إليه عينه، وقال: ارجع إلى عبدى فقل: الحياة تريد، فإن كنت تريد الحياة فضع يدك على متن ثور فما توارت يدك من شعرة فإنك تعيش بها سنة، قال: ثم مَهْ ؟ قال: ثم تموت، قال: فالآن من قريب، ربِّ أمتنى من الأرض المقدسة رَميَةً بِحَجَر. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والله لو أنى عنده لأريتكم قبره إلى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر".
مَتْن ثور: ظَهْر ثور ، ثمَّ مَهْ : ثمَّ ماذا
الكثيب : ما اجتمع من الرمل وارتفع
رَمْيَةً بِحَجَر: أدننى إلى الأرض المقدسة حتى يكون بينى وبينها قدر رمية حجر.

ثانياً : بيان وجه الإشكال :
(1) أن موسى عليه السلام قد لطم ملك الموت، إذ كيف يجوز أن يفعل نبى الله هذا الصنيع بملك من ملائكة الله، جاءه بأمر من الله، فيستعصى عليه ولا يأتمر له ؟
(2) كيف يخالف الملَك أمر ربه فيعود إليه دون أن ينفذ أمره بقبض روح موسى عليه السلام ؟

ثالثاً : أقوال أهل العلم لإزالة هذا الإشكال
ذكر أهل العلم أن هذا الحديث صحيح ورد فى الصحيحين البخارى ومسلم، ولا ثمَّة غبار على هذا، رداً على من أنكر الحديث وشكَّك فى صحته، فهذا الحديث ثابت عند أهل العلم.
قال الإمام أحمد : (كل هذا صحيح).
قال اسحاق بن راهويه : (هذا صحيح ولا يدفعه إلا مبتدع أو ضعيف الرأى).
وقد سلك أهل العلم فى هذا الحديث عدة مسالك (أقوال) لإزالة ما به من إشكال، أرجحها وأصحها وأسدَّها هو القول الأول.

القول الأول (الراجح والصحيح) :
* أن ملك الموت قد أتى موسى عليهما السلام فى صورة بشرية ولم يعرفه موسى عليه السلام، فلطمه لأنه رآه آدمياً قد دخل داره بغير إذنه يريد نفسه (قتله)، فدافع عن نفسه مدافعة أدَّت إلى فقء عين ملك الموت، وقد أباح الشارع فقء عين الناظر فى دار المسلم بغير إذنه.
فى صحيح مسلم من حديث أبى هريرة، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال :
" مَن اطَّلَع فى بيت قوم بغير إذنهم فقد حلَّ لهم أن يفقؤوا عينه ".
* ومجىء الملك على صورة البشر وعدم معرفة موسى عليه السلام إيَّاه له نظائر، فقد جاءت الملائكة إلى إبراهيم وإلى لوط عليهما السلام فى صورة بشر دون أن يعرفوهم.
* ولمَّا رجع الملك إلى ربه وأخبره بما كان من موسى عليه السلام فيه، أمره الله ثانياً بأمر آخر (أمر اختبار وابتلاء) وهو أن يُمرِّر موسى عليه السلام يده على ظهر ثور، فيتيح له الله أن يعيش عدد من السنوات يكافىء عدد شعر الثور الذى ستمر يده عليه، فلما علم موسى عليه السلام أنه ملك الموت وأنه جاءه بالرسالة من عند الله، طابت نفسه بالموت، ولم يستمهل، بل قال : فالآن من قريب ، وعليه لو كان عرف موسى عليه السلام فى المرة الأولى أنَّ مَن جاءه هو ملك الموت ليقبض روحه بأمر من الله، لفعل ما فعله فى المرة الثانية من إذعانه للأمر وعدم لطم ملك الموت.
* وعليه فَفِعْل موسى عليه السلام بمدافعة الملك وفقء عينه أمر مباح له ولا حرج عليه فيه، لأنه لم يكن يعلم أول مرة أنه ملك الموت، وقد نجح فى الابتلاء والاختبار (الحياة تريد ؟) ، فاختار الموت والقرب إلى الله ولم يختر الحياة.
* أما عن الإشكال الثانى والذى يخص رجوع ملك الموت فى المرة الأولى دون أن يقبض روح موسى عليه السلام، فإن أهل العلم ردُّوا على ذلك بأن أجل موسى عليه السلام لم يكن قد حضر فى المرة الأولى، فلم يُبعَث إليه ملك الموت فيها لكى يقبض روحه، وإنما بُعِث له اختباراً وابتلاءً وليس أمراً يريد الله إمضاءه، وإنما هو كأمره خليله إبراهيم عليه السلام بذبح ابنه إسماعيل عليه السلام ابتلاء وامتحاناً، ولذا رجع الملك فى المرة الأولى دون أن يقبض روحه لأنه لم يكن أجله قد حان بعد، أما فى المرة الثانية فكان الأمر بقبض روح موسى عليه السلام فذهب ونفَّذ، فإنه من المعلوم بأن أجل العباد إذا جاء فإنهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون، ولا تُقبَض روح عبد حتى يستوفى أجله كاملاً.
أدلة أصحاب القول الأول على قولهم :
(1) سياق الحديث يدل على أن موسى عليه السلام حين لطم الملك لم يكن يعرفه، ولما جاءه فى المرة الثانية وعرف أنه ملك الموت ومرسلٌ مِن عند الله لقبض روحه، أذعن وأطاع ولم يفعل كما فعله فى المرة الأولى.
(2) ثبت فى الكتاب والسنة بأن الملائكة قد تتمثَّل فى صور بشر أو غيرها مما أقدرهم الله عليها، فيراهم بعض الأنبياء فلا يعرفونهم ، كما حدث فى قصة إبراهيم عليه السلام مع أضيافه الملائكة، وكذلك لوط عليه السلام مع نفس الأضياف.
(3) صحَّ فى السنة جواز فقء عين الناظر فى دارٍ بغير إذن صاحبها، كما ورد فى حديث أبى هريرة سابق الذكر.
فما المانع أن يكون ذلك أيضاً فى شريعة موسى عليه السلام، لا سيِّما أنه لم يُلَم على هذا الفعل علماً بأن الأنبياء لا يُقرَّوْن على خطأ، فمن المعلوم أنه لو أخطأ نبى من الأنبياء فى اجتهاده فى مسألةٍ - لم يُوحَ إليه فيها - بما عنده من علم مسبق لشرع الله، ينزل له الوحى ويخبره بخطئه، أما إن اجتهد وأصاب سكت الله عنه ولم ينزل إليه وحياً.

القول الثانى (قول غير صحيح جانَبَه الصواب) :
أنَّ ملك الموت فى المرة الأولى قد تصوَّر لموسى عليه السلام صورة تمثيل وتخييل، ولم يأته حقيقة، وقد لطمه وأذهب عينه التى هى تمثيل وتخييل لا حقيقة، ثم أعاده الله إلى خلقته الحقيقية فى المرة الثانية لقبض روحه.
وهذا القول غير صحيح لأنه يستلزم أن كل صور الملائكة التى رآها الأنبياء كانت تمثيلاً وتخييلاً لا حقيقة لها، وهذا باطل، فقد ثبت بالأدلة الشرعية أن النبى محمد عليه الصلاة والسلام رأى جبريل عليه السلام على صورته التى خلق عليها، سادَّاً عِظَم خَلْقِه ما بين السماء إلى الأرض.
وأيضاً هذا القول غير صحيح لأنه لم يزل الإشكال، لأنه إذا كان موسى عليه السلام قد علم أنّه مَلَك وأن هذا تخييل و صورة له، فلماذا لطمه وقابله هذه المقابلة، وهذا مما لا يليق بنبى.

القول الثالث (قول محتمل لكنه يفتقر إلى الدليل) :
أنَّ موسى عليه السلام قد أُذِن له بهذا الفعل (اللطمة وفقء عين الملك) ابتلاء وامتحاناً لملك الموت. وهذا القول محتمل لكنه يحتاج إلى دليل شرعى يؤيده لأنه غيب، وعليه يُترَك ولا يُؤخَذ به.

القول الرابع (قول غير صحيح جانَبَه الصواب) :
أنَّ المراد بالكلام هو أنَّ موسى عليه السلام ناظر ملك الموت وحاجَّه فغلبه فى الحجة ولم يفقأ عينه على وجه الحقيقة، فقوله فقأ عينه المقصود بها أى أبطل حجته. وهذا القول مخالف لظاهر الحديث وما يقتضيه سياقه وإخراج الألفاظ عن معناها. فقد ورد فى الحديث أن ملك الموت رجع إلى ربه، فردَّ عليه عينه التى فُقِأت، ولا يكون هذا إلا فى عين فُقِأت على وجه الحقيقة.

القول الخامس (قول مستبعد غير صحيح) :
أنَّ موسى عليه السلام لطم ملك الموت وهو يعرفه، وفعل ذلك لأن ملك الموت جاء لقبض روحه دون أن يُخيِّره أولاً، وكان من عِلْم موسى عليه السلام أن الأنبياء لا تُقبَض أرواحهم حتى تُخَيَّر أولاً.
وهذا القول غير صحيح، لأنه من المستبعد جداً أن يقوم موسى عليه السلام كليم الله بلطم ملك الموت وهو يعرف أنه ملك مرسل من عند الله لتنفيذ أمر الله، فهذا منزَّه عن الأنبياء، كما أنه قول لا يزيل الإشكال لأن الله تعالى أخبر عن الملائكة فى كتابه العظيم أنهم : "لا يعصون الله ما أَمَرَهم ويفعلون ما يُؤمَرُون" سورة التحريم ، فكيف خالف ملك الموت أمر الله ولم يُخيِّر موسى عليه السلام قبل قبض روحه ؟

خلاصة الأقوال فى إزالة الإشكال :
القول الأول هو المعتمد والراجح والصحيح، فالمعتقد أن الحديث صحيح وثابت، وأنَّ موسى عليه السلام قد فقأ عين ملك الموت بالفعل لأنه جاءه فى المرة الأولى فى صورة بشر ولم يعلمه موسى أو يعرفه، ففقأ عينه ظنَّاً منه أنه جاءه فى داره ينظر فيها دون إذن ويريد قتله ، وأنَّ ملك الموت جاء فى المرة الثانية بعد أن ردَّ الله عينه مخيِّراً موسى عليه السلام بابتلاء من عند الله بأن يعيش أو يموت، فاختار موسى عليه السلام الموت، فقبض الملك روحه فى المرة الثانية التى كانت فيها الأمر بالموت من الله تعالى والتى وافقت انتهاء أجله، وليس الأولى التى وافقت دنو أجله وليس انتهائه فعلياً.
 

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,949
مجموع الإعجابات
1,976
النقاط
113
الباب الثانى - المبحث السابع ( اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشى )

المبحث السابع : اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشى

أولاً : سياق الحديث أو الأحاديث المتوَّهم إشكالها :

* عند البخارى من حديث أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
" اسمعوا وأطيعوا وإن استُعْمِل عليكم عبد حبشى كأنَّ رأسه زبيبة".
* فى الصحيحين من حديث أبى ذر، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال لأبى ذر :
" اسمع وأَطِع ولو لحبشى كأن رأسه زبيبة ".
* وفى لفظ عند مسلم، قال أبو ذر :
إن خليلى أوصانى أن أسمع وأطيع وإن كان عبداً مُجَدَّع الأطراف.
كأنَّ رأسه زبيبة : كناية عن صغر الرأس، وذلك معروف عند أهل الحبشة، وقيل كناية عن سواده، وقيل كناية عن قصر شعر رأسه وتفلفله.
مُجَدَّع الأطراف : مقطوع الأطراف
والمراد اسمعوا وأطيعوا أمر الحاكم، وإن كان دنىء النسب حتى لو كان عبداً أسوداً مقطوع الأطراف من أخسِّ العبيد.
* فى الصحيحين من حديث ابن عمر، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال :
" لا يزال هذا الأمر فى قريش ما بقى منهم اثنان ".
* فى الصحيحين من حديث أبى هريرة، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال :
" الناس تبع لقريش فى هذا الشأن : مسلمهم تبع لمسلمهم، وكافرهم تبع لكافرهم ".
* عند مسلم من حديث جابر بن عبد الله، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال :
" الناس تبع لقريش فى الخير والشر ".
* عند البخارى من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص (وكان فى مجلس فيه معاوية بن أبى سفيان وغيره) ، والشاهد منه هو قول معاوية : فإنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن هذا الأمر فى قريش، لا يعاديهم أحدٌ إلا كبَّه الله على وجهه، ما أقاموا الدِّين ".
قال ابن حجر فى عبارة "ما بقى منهم اثنان" : (ليس المراد حقيقة العدد وإنما المراد به انتفاء الأمر أن يكون فى غير قريش).

ثانياً : بيان وجه الإشكال :
يُفهم من الأحاديث الأولى (لأنس وأبى ذر) وما كان على نهجها جواز إمامة غير القرشى للمسلمين حتى ولو كان عبداً حبشياً
أما الأحاديث الثانية (لابن عمر، وأبى هريرة، وجابر، وعبد الله بن عمرو) تبيِّن وتؤكد أن الإمام يجب أن يكون من قريش، وألا ينازَع فى هذا.
كما أنه قد أجمع أهل العلم أن الإمام يشترط فيه أن يكون حراً ولا يجوز أن يكون عبداً، لأنه من الأصل لا ولاية له على نفسه فكيف تكون له الولاية على غيره ؟

ثالثاً : أقوال أهل العلم لإزالة هذا الإشكال
ذكر أهل العلم فى إزالة هذا الإشكال عدة أقوال كالتالى :

القول الأول (محتمل) :
المراد أن الإمام الأعظم (الحاكم) إذا استَعمَل العبد على إمارة بلد مثلاً وَجَبَت طاعته، وليس فيها أن يكون العبد الحبشى هو الإمام الأعظم.
قال ابن الجوزى فى حديث أنس: (اعلم أن هذا إنما هو فى العمال والأمراء دون الأئمة والخلفاء، فإن الخلافة لقريش لا مدخل فيها للحبشة، لقوله عليه الصلاة والسلام: "لا يزال هذا الأمر فى قريش"، وإنما للأئمة تولية من يرون، فتجب طاعة ولاتهم).

القول الثانى (محتمل) :
أن هذا من باب ضرب المثل للمبالغة فى الأمر بالطاعة، وإن كان لا يُتَصوَّر شرعاً أن يلى العبد الخلافة والحكم، وقد يُضرَب المثل بما لا يقع فى الوجود، كقوله عليه الصلاة والسلام عند ابن حبان من حديث أبى ذر : " من بنى لله مسجداً ولو كَمَفْحَص قطاة، بنى الله له بيتاً فى الجنة " ، فإن قدر مَفْحَص القطاة لا يصلح لبناء مسجد.
قال الشنقيطى فى هذا القول : (ويشبه هذا الوجه قوله تعالى: "قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين" على أحد التفسيرات).

القول الثالث (محتمل) :
أن المراد بذلك العبد المتغَلِّب لا المختار، فإنه فى هذه الحالة تجب طاعته بالمعروف - وإن كان عبداً حبشياً – درءاً للفتنة.

القول الرابع (غير محتمل) :
أن إطلاق لفظ العبد فى الأحاديث المتقدمة باعتبار اتصافه بذلك سابقاً وأنه يكون حراً وقت التولية، تماماً كإطلاق لفظ اليتيم على البالغ باعتبار اتصافه به سابقاً وهو صغير، كما فى قوله تعالى : " وآتوا اليتامى أموالهم ".

ترجيح الأقوال السابقة :
جميع الأقوال السابقة عدا القول الرابع محتمل أن يكون صحيحاً لرد الإشكال، لذا فكلها محتملة (الأول والثانى والثالث).
قال ابن حجر فى هذه الأقوال : (هذا كله إنما هو فيما يكون بطريق الاختيار، وأما لو تغلَّب عبد حقيقة بطريق الشوكة، فإن طاعته تجب إخماداً للفتنة ما لم يأمر بمعصية).
قال النووى : (وتُتَصوَّر إمارة العبد إذا ولَّاه بعض الأئمة، أو إذا تغلَّب على البلاد بشوكته وأتباعه، ولا يجوز ابتداء عقد الولاية له مع الاختيار، بل شرطها الحرية).

الخلاصة من الأقوال لإزالة الإشكال (وهو معتقد أهل السنة والجماعة) :
لا إشكال بين الأحاديث المتقدمة (إطاعة العبد الحبشى، اشتراط تولى القرشى الإمارة)، لأن المراد منها بإجماع الأمة هو الآتى :
(1) اشتراط القرشى فى الإمامة العظمى (الخلافة) ولكن بشرط إقامته للدين واستقامته على أمر الله وأمر رسوله عليه الصلاة والسلام، فهو ليس أمراً على الإطلاق، بل مقيد بذلك الشرط.
(2) اشتراط الحرية وعدم العبودية فى الإمامة العظمى، لأن العبد مملوك لسيده فلا ولاية له على نفسه فى أى أمر إلا بعد استئذان سيده، فكيف يكون له ولاية على غيره ؟
وهذه الشروط (القرشى، والحرية) تكون فى حالة الاختيار، أى أنه لا يحل الاستخلاف أو اختيار أهل الحل والعقد إلا لمن تحققت فيه هذه الشروط ،
ويخرج من هذا ثلاثة أمور عليها يُحَل الإشكال هى :
أ- تولية غير القرشى سواء كان حراً أو عبداً على إمارة من الإمارات وليس على الخلافة كلها (الإمامة العظمى) بإذن الإمام أو الحاكم الأعظم (الخليفة)، فهذا يُطاع طاعةً لولى الأمر الذى ولَّاه.
ب- وصول غير القرشى سواء كان حراً أو عبداً إلى سُدَّة الحكم (الإمامة العظمى) بالغلبة والشوكة وليس بالاختيار ، فهذا يُطاع كولى أمر درءاً للفتنة وتجنباً لسفك الدماء.
ج- تولية غير القرشى الحر وليس العبد الإمامة العظمى بالاختيار لعدم توفر القرشى المستقيم على أمر الله وأمر رسوله المقيم للشرع، فهذا أيضاً يُطاع كولى أمر لعدم توفر القرشى المستقيم.

فائدة فى حديث تولِّى رجل من قحطان :
فى الصحيحين من حديث أبى هريرة، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال :
" لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان يسوق الناس بعصاه ".
هذا الحديث وحديث ابن عمرو المتقدِّم لا يعارضان كوْن الإمامة فى قريش
(1) لأنهما اشتملا على خبر للنبى عليه الصلاة والسلام سيقع آخر الزمان، وهذا لا يعنى عدم استحقاق قريش للإمامة، وقد يكون ذلك عند ضعف قريش عن إقامة الدين حينئذ، لأن استحقاقهم للإمامة مقيَّد باستقامتهم وإقامتهم للدين كما بيَّنَّا مسبقاً.
(2) قد يكون خروج هذا القحطانى وملكه بطريق التغلب والقوة لا بطريق الاختيار، وربما دلَّ على هذا قوله فى الحديث "يسوق الناس بعصاه".
(3) أحاديث آخر الزمان كلها من باب الأخبار لا من باب الإقرار الشرعى، فأحاديث الدجال تخبر بأنه سيفعل كذا وكذا ولا تقرُّه على أفعاله هذه، كذلك أحاديث الساعة التى تخبر عن قلة العلم وانتشار الجهل وكثرة الهرج (القتل) وضياع الأمانة.... إلى غير ذلك من الأمور المنكرة شرعاً، فكلها من باب الإخبار لا من باب الموافقة والإقرار.
 

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,949
مجموع الإعجابات
1,976
النقاط
113
الباب الثالث - الفصل الأول - المبحث الأول ( لا تزال طائفة من أُمَّتى ظَاهِرِين )

الباب الثالث : الأحاديث المتوهَّم إشكالها فى باب أشراط الساعة والمعاد

الفصل الأول : الأحاديث المتوهَّم إشكالها فى أشراط الساعة

المبحث الأول : لا تزال طائفة من أُمَّتى ظَاهِرِين

أولاً : سياق الحديث أو الأحاديث المتوَّهم إشكالها :
* فى الصحيحين من حديث المغيرة بن شعبة، عن النبى صلى الله عليه وسلم :
" لا تزال طائفة من أمتى ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهو ظاهرون ".
* فى الصحيحين من حديث معاوية قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :
" لا يزال من أمتى أمة قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتيهم أمر الله وهم على ذلك ".
* عند مسلم من حديث جابر بن عبد الله، أنه سمع النبى صلى الله عليه وسلم يقول :
" لا تزال طائفة من أمتى يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة ".
* عند مسلم من حديث جابر بن سمرة، عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال :
" لن يبرح هذا الدين قائماً يقاتل عليه عصابة من المسلمين حتى تقوم الساعة ".
* عند مسلم من حديث سعد بن أبى وقاص قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يزال أهل الغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة ".
* فى الصحيحين من حديث ابن مسعود، عن النبى صلى الله عليه وسلم قال :
" لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق ".
* عند مسلم من حديث أنس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
" لا تقوم الساعة حتى لا يقال فى الأرض : الله الله ".
ملحوظة :
اختلف فى معنى أهل الغرب فقيل : أهل الشدة والجلد، وأهل الشام، أهل الدلو الكبيرة (العرب).

ثانياً : بيان وجه الإشكال :
يُفهم من الأحاديث الأولى (للمغيرة، معاوية، جابر، سعد) أنه سيبقى من يقوم بالحق فى الأمة إلى قيام الساعة ، بينما يُفهَم من الأحاديث الثانية (لابن مسعود وأنس) أنه لا يبقى عند قيام الساعة أحد من المؤمنين فضلاً عن القائمين بالحق.

ثالثاً : أقوال أهل العلم لإزالة هذا الإشكال
القول الأول (الراجح والصحيح) :

* أنَّ هذه الطائفة المذكورة بالأحاديث (القائمة على الحق والمستقيمة على الشرع) تستمر على هذه الصفة التى وُصِفت بها فى الأحاديث إلى أن يقبض الله أرواحهم بالريح اللينة التى تكون قرب قيام الساعة، ثم بعد ذلك يبقى شرار الخلق وعليهم تقوم الساعة.
وعلى هذا يكون المراد من قوله "حتى يأتيهم أمر الله" : أى هبوب تلك الريح اللينة التى لا تدع مؤمناً إلا قبضته.
ويكون المراد من قوله "إلى يوم القيامة" ، "حتى تقوم الساعة" : أى قربها وظهور أشراطها.
قال ابن حجر بعد ذكره لحديث أنس المتقدِّم : (والجمع بينه وبين حديث "لا تزال طائفة" حمل الغاية فى حديث "لا تزال طائفة" على وقت هبوب الريح الطيبة التى تقبض روح كل مؤمن ومسلم فلا يبقى إلا الشرار، فتهجم الساعة عليهم بغتة).
وأدلة أصحاب القول الأول على قولهم :
* عند مسلم من حديث أبى هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
" إن الله تعالى يبعث ريحاً من اليمن ألين من الحرير، فلا تدع أحداً فى قلبه مثقال حبة من إيمان إلا قبضته ".
* عند مسلم، عن عبد الرحمن بن شماسة المهرى قال : كنت عند مسلمة بن مخلد، وعنده عبد الله بن عمرو بن العاص، فقال عبد الله: (لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق، هم شر من أهل الجاهلية لا يدعون الله بشىء إلا ردَّه عليهم) ، فبينما هم على ذلك أقبل عقبة بن عامر، فقال له مسلمة: يا عقبة اسمع ما يقول عبد الله، فقال عقبة: هو أعلم، وأما أنا فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا تزال عصابة من أمتى يقاتلون على أمر الله قاهرين لعدوهم لا يضرهم من خالفهم حتى تأتيهم الساعة وهم على ذلك"، فقال عبد الله: (أجل، ثم يبعث الله ريحاً كريح المسك، مَسُّهَا مَسِّ الحرير فلا تترك نفساً فى قلبه مثقال حبة من الإيمان إلا قبضته، ثم يبقى شرار الناس عليهم تقوم الساعة).

القول الثانى (مرجوح ومردود عليه) :
* أنَّ الساعة كما أنها تقوم على الأشرار فهى تقوم أيضاً على الأخيار، ولكن تكون الأغلبية عند قيام الساعة من الأشرار. وهذا من قبيل العموم الذى يراد به الخصوص.

القول الثالث (مرجوح ومردود عليه) :
* أنّ هذه الأحاديث خرجت مخرج العموم والمراد بها الخصوص، أى أن شرار الخلق الذين تقوم عليهم الساعة يكونون بمواضع مخصوصة من الأرض، والطائفة التى تقاتل على الحق حتى تقوم الساعة يكونون بمواضع أخرى.

خلاصة الأقول لإزالة الإشكال :
أرجحها وأصحها هو القول الأول بأنَّ الطائفة القائمة على الحق والمستقيمة على الشرع المقاتلة فى سبيل نصرته، تستمر على هذه الصفات إلى أن يقبض الله أرواحهم بالريح اللينة التى تكون قرب قيام الساعة، ثم بعد ذلك يبقى شرار الخلق وعليهم تقوم الساعة ، وخير دليل على هذا حديث عبد الرحمن بن شماسة بصحيح مسلم المتقدِّم، فهو دليل قاطع يزيل الإشكال ويغنى عن النظر لأى قول آخر.
أما القول الثانى فيُرَد عليه بأن هذا العموم - الذى ذكره أصحاب القول الثانى – قد جاء ما يؤيده " لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق " ، فهذه الرواية تحصر قيام الساعة على الأشرار، لا أنها تخصهم فقط كما يرى أصحاب القول.
أما القول الثالث فيُرد عليه بمثل الرد على أصحاب القول الأول، بأنه لا حاجة إلى إخراج العموم عن مدلوله وجعله يخص موضع دون موضع خاصة مع ذكر حديث الريح اللينة، وحديث ابن شماسة، ورواية "لا تقوم الساعة حتى لا يقال فى الأرض: الله الله" ، فهذه الرواية ذكرت (الأرض) وهى لفظة عامة تشمل جميع الأرض، ولا يخص موضعاً منها دون موضع، والله أعلم.
 

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,949
مجموع الإعجابات
1,976
النقاط
113
الباب الثالث - الفصل الأول - المبحث الثانى ( إنَّ أول الآيات خروجاً طلوع الشمس )

المبحث الثانى : إنَّ أول الآيات خروجاً طلوع الشمس

أولاً : سياق الحديث أو الأحاديث المتوَّهم إشكالها :
* فى الصحيحين من حديث أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
" لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت من مغربها آمن الناس كلهم أجمعون فيومئذ لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت فى إيمانها خيراً ".
* عند مسلم من حديث عبد الله بن عمرو قال: حفظتُ من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثاً لم أنسَه بعد، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :
" إن أول الآيات خروجاً طلوع الشمس من مغربها وخروج الدآبة على الناس ضحى، وأيهما ما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على إثرها قريباً ".
* روى البخارى من حديث أنس، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال :
" أول أشراط الساعة نار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب "
* عند مسلم من حديث حذيفة بن أسيد الغفارى، والذى ذكر فيه النبى صلى الله عليه وسلم عشر آيات تقوم قبل قيام الساعة، والشاهد منه أنه قال فى آخرها :
" ..... وآخر ذلك نارٌ تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم ".

ثانياً : بيان وجه الإشكال :
(1) الإشكال الأول : من حديث عبد الله بن عمرو أن أول آيات (علامات) الساعة هى طلوع الشمس من مغربها أو خروج الدابة، وكذلك حديث أبى هريرة أنها طلوع الشمس ، بينما حديث أنس يذكر أن أول هذه العلامات هى نار تخرج من اليمن تحشر الناس من المشرق إلى المغرب.
(2) الإشكال الثانى : هو اختلاف ترتيب آية النار
ففى حديث أنس : أنها أول الآيات ، وفى حديث حذيفة : أنها آخر الآيات.

ثالثاً : أقوال أهل العلم لإزالة هذا الإشكال
القول الأول :

* أنَّ طلوع الشمس من مغربها أول الآيات الكائنة فى زمان ارتفاع التوبة، لأن ما قبل طلوع الشمس من مغربها التوبة فيه مقبولة.
وإلى هذا ذهب القرطبى حيث أشار إلى أن طلوع الشمس من مغربها هو أول تغير فى العالم العلوى الذى لم يُشَاهد فيه تغيير منذ خلقه الله تعالى.
ولكنها ليست أول العلامات العشر إذ يسبقها الدجال ونزول عيسى عليه السلام وغير ذلك.

القول الثانى :
* أنَّ طلوع الشمس من مغربها أول الآيات الدالة على قيام الساعة ووجودها، وليست أول الآيات الدالة على قرب القيامة (الساعة)، فالآيات نوعان :
إما أمارات دالة على قرب القيامة (كالدجال، نزول عيسى عليه السلام).
وإما أمارات دالة على قيام القيامة ووجودها (كطلوع الشمس وخروج النار).

القول الثالث :
* أنَّ طلوع الشمس من مغربها أول الآيات السماوية غير المألوفة.

القول الرابع (قول الحافظ ابن حجر) :
* أنَّ خروج الدجال هو أول الآيات العظام المؤذنة بتغير أحوال الأرض
وطلوع الشمس من مغربها أول الآيات العظام المؤذنة بتغير أحوال العالم العلوى، وخروج النار التى تخرج الناس أول الآيات المؤذنة بقيام الساعة.

وخلاصة الأقوال والترجيح بينها فى أمر طلوع الشمس من مغربها :
أن وصف طلوع الشمس من مغربها بالأولية فى الأحاديث، هذه الأولية ليست على إطلاقها، إنما وصفها بالأولية نسبى إضافى إلى آيات معينة مثل (أول آيات تغير العالم العلوى، أول الآيات الدالة على قيام الساعة ووجودها، أول الآيات السماوية غير المألوفة)، وذلك لأن بعد طلوعها من المغرب لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت فى إيمانها خيراً (كما دلت الأحاديث) ، ولازم هذا أن يكون نزول عيسى عليه السلام سابقاً لخروجها من المغرب، لأنه معلوم بالأدلة الشرعية أن الإيمان فى زمانه (عيسى) نافع ومقبول وباب التوبة مفتوح، ومعلوم بالأدلة النقلية والعقلية أن خروج الدجال سابق لنزول عيسى عليه السلام، وأن ظهور وهلاك يأجوج ومأجوج يكون أيضاً فى زمنه، فهذه الآيات كلها (الدجال، نزول عيسى، يأجوج ومأجوج) تسبق طلوع الشمس من مغربها.

تابع : أقوال أهل العلم فى هذا الإشكال (إشكال ترتيب آية النار)
روى الإمام أحمد بسند صحيح، والشاهد منه قول النبى صلى الله عليه وسلم :
" وأما أول شىء يحشر الناس فنارٌ تخرج .... ".
فدلَّت هذه الرواية على أن الأولية للنار أيضاً نسبية لا مطلقة، وعليه فالمراد من الأولية هى أول ما يحشر الناس ، وباعتبار الآخرين باعتبار ما ذكر معها من الآيات.
أى أن خروج النار هى أول شىء يحشر الناس إلى القيامة لذا هى أول الآيات المؤذنة بقيام الساعة، وهى آخر الآيات باعتبار الآيات التى ذكرت قبلها (كالدجال، نزول عيسى، يأجوج ومأجوج، طلوع الشمس، والدآبة، .... إلى آخره).
 

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,949
مجموع الإعجابات
1,976
النقاط
113
الباب الثالث - الفصل الأول - المبحث الثالث ( ما جاء فى طواف الدجال بالبيت )

المبحث الثالث : ما جاء فى طواف الدجال بالبيت

أولاً : سياق الحديث أو الأحاديث المتوَّهم إشكالها :
* فى الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر قال: ذَكَر النبى صلى الله عليه وسلم يوماً بين ظَهْرَى الناس المسيح الدجال فقال :
" إن الله ليس بأعور، ألا إن المسيح الدجال أعور العين اليمنى، كأن عينه عنبة طافية، وأَرانى الليلة عند الكعبة فى المنام، فإذا رَجُلٌ آدم كأحسن ما يُرَى مِن أُدْم الرجال تضرب لمَّتُه بين منكبيه، رَجِلُ الشعر يقطر رأسه ماءً واضعاً يديه على منكبى رجلين وهو يطوف بالبيت، فقلت: من هذا ؟ ، فقالوا: هذا المسيح بن مريم، ثم رأيتُ رجلاً وراءه جَعْداً قَطَطَاً أعور العين اليمنى كأشبه من رأيت بابن قطن واضعاً يديه على منكبى رجل يطوف بالبيت، فقلت: من هذا ؟ قالوا: المسيح الدجال ".
آدم : أسمر ، وذُكِرَ فى الأحاديث أن عيسى عليه السلام أحمر اللون ولكن فيه أدمة خفيفة (سُمْرة خفيفة)، أى أنه ليس بأحمر تماماً
تضرب لمَّتُه بين منكبيه : شعره ، أى أن شعره جاوز شحمة الأذنين وألمَّ بالمنكبين.
رَجِل الشعر : مسترسل الشعر ليس مُجَعَّد
جَعْدَاً قَطَطَاً : شعر مُجَعَّد زائد فى جعودته وتثنيه
ابن قَطَن : رجل من خزاعة هلك فى الجاهلية

ثانياً : بيان وجه الإشكال :
ذَكَر هذا الحديث أن الدجال يطوف بالبيت الحرام، وهذا يعنى دخوله مكة، وهذا ينافى ما ثبت بالأدلة الشرعية الكثيرة أن الدجال لا يدخل مكة ولا المدينة حيث يكون عليهما ملائكة تحرسهما وتمنعه من الدخول إلى أيهما.

ثالثاً : أقوال أهل العلم لإزالة هذا الإشكال
القول الأول (الراجح والأصح) :

أن طواف الدجال بالبيت إنما هو رؤيا منامية كما هو صريح الحديث، ورؤيا الأنبياء وإن كانت وحياً إلى أن فيها ما يقبل التعبير والتأويل، ولا يلزم وقوعها فى الخارج كما كانت فى الرؤيا، بل قد يكون فيها بعض التعبير والتأويل يخالف الظاهر منها.
والأدلة على صحة هذا القول ما يلى :
* فى الصحيحين من حديث ابن عمر، أنه سمع النبى صلى الله عليه وسلم يقول :
"بينما أنا نائم أُتِيتُ بقدح لبن فشربت حتى إنى لأرى الرىَّ يخرج فى أظفارى، ثم أعطيت فضلى عمر بن الخطاب"، قالوا: فما أوَّلْتَه يا رسول الله ؟ قال: "العلم".
* فى الصحيحين من حديث أبى سعيد الخدرى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" بينما أنا نائم رأيت الناس يُعْرَضون علىَّ وعليهم قُمُص، منها ما يبلغ الثدى، ومنها ما دون ذلك، وعُرِض علىَّ عمر بن الخطاب وعليه قميص يَجُرُّه"، قالوا: فما أوَّلْتَ ذلك يا رسول الله ؟ ، قال: "الدين".
فهذان الحديثان يدلان على أن رؤيا النبى عليه الصلاة والسلام لم تحدث فى الواقع بنفس التفاصيل كما كانت فى الرؤيا، ولكنها أُوّلَت إلى شىء آخر.ِ

القول الثانى (محتمل) :
أنَّ تحريم مكة والمدينة على الدجال إنما هو فى زمن فتنته وخروجه، لا فى الزمن السابق لذلك.

القول الثالث (مردود) :
ترجيح الرواية التى لم يُذكَر فيها طواف الدجال البيت الحرام، وهى رواية مالك عن نافع ابن عمر.
ولكن هذا القول مردود، لأن سكوت مالك ونافع فى هذه الرواية عن ذكر طواف الدجال بالبيت، لا يَرُدّ رواية ابن عمر والتى تفيد طوافه بالبيت.

خلاصة الأقوال فى إزالة الإشكال :
الراجح هو القول الأول بأن طواف الدجال بالبيت إنما هو رؤيا منامية كما هو صريح الحديث، لأنه معتمد على أصل من الأصول وهو أن رؤيا الأنبياء وإن كانت وحياً إلا أنه لا يلزم وقوعها فى الخارج تماماً كما كانت فى الرؤيا، بل قد يكون فيها ما يقبل التعبير والتأويل الذى يخالف الظاهر منها.
 

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,949
مجموع الإعجابات
1,976
النقاط
113
الباب الثالث - الفصل الأول - المبحث الرابع ( لا تقوم الساعة حتى .... يتقارب الزمان )

المبحث الرابع : لا تقوم الساعة حتى .... يتقارب الزمان

أولاً : سياق الحديث أو الأحاديث المتوَّهم إشكالها :
* فى الصحيحين من حديث أبى هريرة، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال :
"يتقارب الزمان، ويَنقُص العِلْم، ويُلقَى الشُح، وتَظْهَر الفِتَن، ويَكْثُر الهَرْج" ،
قالوا: يا رسول الله أيُّما هو ؟ قال: "القتل القتل".

* عند البخارى من حديث أبى هريرة قال: قال النبى صلى الله عليه وسلم :
" لا تقوم الساعة حتى يُقْبَض العِلْم، وتكثُر الزلازل، ويتقارب الزمان، وتَظْهَر الفِتَن، ويَكثُر الهَرْج وهو القتل القتل، حتى يكْثُر فيكم المال فيَفِيض ".

بيان وجه الإشكال :
استُشكِل تقارب الزمان الوارد فى هذا الحديث، لأن فيه إخبار عمَّا يخالف الواقع والسنة الجارية المعتادة والتكوين الذى قامت به الخليقة، فالزمان عبارة عن مجموعة من الأيام والأسابيع والشهور والسنين، وكلها أوقات محددة معلومة البداية والنهاية، وعلى هذا فكيف يمكن أن يُتَصوَّر تقارب الزمان ؟

ثالثاً : أقوال أهل العلم لإزالة هذا الإشكال
القول الأول (الراجح والأصح) :

حَمْل الحديث على ظاهره، فيكون المراد أن الزمان نفسه يتقارب حقيقة - لا مجازاً - بنقص أيامه ولياليه وقِصَر مدتها عما هو معتاد.
والأدلة على صحة هذا القول ما يلى :
(1) عند أحمد من حديث أبى هريرة، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال :
"لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان، فتكون السنة كالشهر، ويكون الشهر كالجمعة، وتكون الجمعة كاليوم، ويكون اليوم كالساعة، وتكون الساعة كاحتراق السَّعْفَة".
قال أهل العلم : هذا قصر حسِّى لا معنوى.
(2) عند مسلم من حديث النواس بن سمعان، أن النبى صلى الله عليه وسلم
ذَكّرَ الدجَّال، قال النواس: قلنا يا رسول الله، وما لبثه فى الأرض ؟ قال: "أربعون يوماً: يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم"، قلنا: يا رسول الله، فذلك اليوم الذى كسنة أتكفينا فيه صلاة يوم ؟ قال: "لا، اقدروا له قدره".
ووجه الاستدلال من هذا الحديث : أنه ذَكَرَ أن الأيام تطول حقيقة لا مجازاً، وعليه إذا كان الأمر كذلك، فما المانع من كون الأيام تقصر حقيقة فى حديث تقارب الزمان ؟ ، وذلك يوافق اختلال نظام العالم وقرب زوال الدنيا وحدوث خوارق تخالف العادة (كطلوع الشمس من مغربها، تكلم الدآبة، خوارق الدجال).
وطول الأيام فى حديث الدجال حقيقة لا مجازاً، من قوله: " وسائر أيامه كأيامكم" ، وكذلك من فهم الصحابة للحديث على أنه طول حقيقى ظاهرى غير مجازى وإقرار النبى عليه الصلاة والسلام لهم على فهمهم، حيث أنهم سألوه عن الصلاة فى هذا اليوم الذى يعادل سنة هل تكفيهم خمس صلوات فيه ؟ ، فأجابهم بأنه لا تكفيهم بل يقدروا لهذا اليوم قدره، أى يحسبوا الفترة المعتادة بين كل صلاة والتى تليها كما فى أيامهم العادية المعتادة، ويصلوا صلواتهم على أساس هذا الحساب.

القول الثانى (غريب مردود) :
المراد بتقارب الزمان : قربه من الساعة ويوم القيامة.

القول الثالث (مرجوح) :
المراد بتقارب الزمان : نزع البركة منه بحيث يصير الانتفاع من اليوم مثلاً بقدر الانتفاع من الساعة الواحدة ... وهكذا.

القول الرابع (مرجوح) :
المراد بتقارب الزمان : استقصار مدته لما يحصل من استلذاذ العيش، خاصة أيام المهدى وأيام سيدنا عيسى عليه السلام، حيث يعم السلام والأمن والعزة للدين فيُسْتَلَذ العيش عند ذلك وتُسْتَقْصَر مدته (معنوياً).

القول الخامس (مرجوح) :
المراد بتقارب الزمان : تقارب أحوال أهله فى قلة الدين، حتى لا يكون فيهم من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر لغلبة الفسوق وظهور أهله.

القول السادس (مرجوح) :
المراد بتقارب الزمان (كما هو حاصل فى هذا العصر): تقارب ما بين المدن والدول، وقِصَرزمن المسافة بينها بسبب وسائل المواصلات الحديثة والمتنوعة ووسائل الاتصالات الصوتية والمرئية.

خلاصة الأقوال لإزالة الإشكال :
القول الأول هو القول الراجح والأصح بأن الزمان نفسه يتقارب تقارباً حسياً حقيقياً وليس معنوياً (مجازاً)، وذلك بنقص وقِصَر أيامه ولياليه عمَّا هو معتاد، فتكون - كما ورد بالحديث - السنة كشهر، والشهر كجمعة (أسبوع) ، والجمعة (الأسبوع) كيوم، واليوم كساعة، والساعة كاحتراق السعفة (الخوصة).
* أما عن القول الثانى فهو قول غريب غير محتمل، لأنه وإنْ احتمله حديث "يتقارب الزمان ..."، فإنه لا يحتمله حديث "لا تقوم الساعة حتى يُقْبَض العِلْم، وتكثُر الزلازل، ويتقارب الزمان ... "، لأن المعنى حينئذ سيكون : لا تقوم الساعة حتى تتقارب الساعة، وهذا ليس فيه فائدة بل هو تحصيل حاصل فلم يقدِّم معنى جديد، وهذا لا يكون أبداً فى كلام خير البشر الذى أوتى جوامع الكلم.
* أما عن القولين الثالث والرابع الذى أوَّل كل منهما معنى تقارب الزمان (نزع البركة، استقصار الزمان باستلذاذ العيش)، فقد جعل التقارب معنوياً (مجازاً) لا حسياً (حقيقة)، وبذلك يكون قد ابتعد عن ظاهر الحديث الذى هو من الأَوْلَى اتخاذه طالما لم يترتب عليه معنى فاسد (قاعدة الأخذ بظاهر النصوص).
* وكذلك القولين الخامس والسادس الذى أوَّل كل منهما تقارب الزمان أنه يُحمَل على أهل الزمان وليس الزمان نفسه (تقارب أحوال أهله فى قلة الدين، تقارب أهله من الناحية الزمانية بسبب تقدم وسائل المواصلات والاتصالات الحديثة)، فقد ابتعد كلا القولين أيضاً عن ظاهر الحديث وعدم الأخذ به رغم أنه لم يترتب عليه معانى فاسدة غير مرادة ، وإنْ كان القول السادس له وجاهة أكثر من بقية الأقوال المرجوحة، وهو قول الشيوخ المعاصرين (كابن باز، حمود التويجرى، محمد رشيد رضا، وغيرهم).
 

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,949
مجموع الإعجابات
1,976
النقاط
113
الباب الثالث - الفصل الأول - المبحث الخامس ( إذا وَلَدَت الأَمَة رَبَّتَهَا )

المبحث الخامس : إذا وَلَدَت الأَمَة رَبَّتَهَا

أولاً : سياق الحديث أو الأحاديث المتوَّهم إشكالها :
* فى الصحيحين من حديث أبى هريرة قال: كان النبى صلى الله عليه وسلم بارزاً يوماً للناس، فأتاه جبريل، فذَكَر أنه سأله عن الإيمان والإسلام والإحسان، فأجابه النبى صلى الله عليه وسلم ثم قال: "متى الساعة ؟" ، قال : ما المسئول عنها بأعلم من السائل وسأخبرك عن أشراطها : إذا وَلَدَت الأَمَة رَبَّهَا، وإذا تطاول رعاة الإبِل البُهْم فى البُنْيَان ...." الحديث.
* وفى رواية للبخارى: "... إذا وَلَدَت الأَمَة رَبَّتَهَا ... ".
* وفى رواية لمسلم : ".... إذا وَلَدَت الأَمَة بَعْلَها.... ".
ربَّها = ربَّتَها = بَعْلَها = مالكها أو سيدها المُتَصرِّف فيها وفى شؤونها.


بيان وجه الإشكال :
استُشكِل معنى هذا الحديث مِن كَوْن كيف يُتَصوَّر أن تلد الأَمَة المملوكة ربَّها أو ربَّتها (مالكها وسيدها) ؟ أى كيف يُتَصوَّر أن تلد الأم ابناً أو بنتاً يملكها ويكون سيداً لها وهى جارية عنده أو عندها ؟

ثالثاً : أقوال أهل العلم لإزالة هذا الإشكال
القول الأول (الراجح والأصح) :

أن تكون الأَمَة مملوكة عند سيدها ثم تلد منه ولداً (أو بنتاً)، فيكون هذا الولد (أو البنت) لها بمنزلة ربَّها (أو ربَّتها)، لأنه ابن (أو بنت) سيدها، وهو كأبيه فى الحسب ويرثه بعد موته، وبالتالى تكون الأَمَة إرثاً لابنها (أو ابنتها) فيكون سيدها (سيدتها) ، وذلك لاتساع رقعة الإسلام ودخوله بلاد الكفر وكثرة السَّرَارِى (الإماء).
قال ابن رجب : (المراد بربَّتِها : سيدتها ومالكتها، وفى حديث أبى هريرة (ربَّها)، وهذا إشارة إلى فتح البلاد وكثرة جلب الرَّقِيق حتى تَكثُر السَّرَارِى ويَكثُر أولادهن، فتكون الأم رقيقةٌ لسيدها، وأولاده منها بمنزلته، فإنَّ وَلَد السيِّد بمنزلة السيِّد، فيصير وَلَدُ الأَمَة بمنزلة ربِّها وسيِّدها).

القول الثانى (مرجوح ومردود عليه) :
المراد الإخبار عن كثرة بيع أمهات الأولاد فى آخر الزمان، فربَّما اشترى الولد أُمَّه وهو لا يعلم، لكثرة تداول المُلَّاك لها فيكون حينئذ ابنها ربَّها وسيدها.

القول الثالث (مرجوح ومردود عليه) :
المراد كثرة العقوق فى الأولاد، فيعامل الولد أُمَّه (أو البنت أُمَّها) معاملة السيد لأَمَتِه من حيث الأمر والنهى والاستخدام والإهانة والسب إلى آخره.

خلاصة الأقوال لإزالة الإشكال :
القول الأول هو القول الراجح والأصح بأن يستولد السيد أمته ومملوكته فينجب منها ولداً (أو بنتاً)، فيكون هذا الولد (أو البنت) لها بمنزلة ربَّها (أو ربَّتها)، لأنه ابن (أو بنت) سيدها، وهو كأبيه فى الحسب ويرثه بعد موته، وبالتالى تكون الأَمَة إرثاً لابنها (أو ابنتها) فيكون سيدها (سيدتها) ، وذلك لاتساع رقعة الإسلام ودخوله بلاد الكفر وكثرة السَّرَارِى (الإماء).
* أما القول الثانى فُيَشكَل عليه أن المفهوم من ظاهر الحديث أن وَلَد الأَمَة يكون ربَّها وسيدها حال ولادتها له بل وقبل ذلك، وذلك من قوله "إذا وَلَدَت الأَمَة رَبَّهَا"، ولهذا استبعد الحافظ ابن رجب القول الثانى وهو احتمال أن يشترى الولد أمه بعدما يكبر وهو لا يعلم أنها أمه، فيكون حينئذ ربَّها.
* أما القول الثالث فهو تأويل بعيد عن ظاهر الحديث، ثم إن العقوق لا يختص بأولاد الإماء، فلا معنى لتخصيص أولاد الإماء بهذا الحديث دون أولاد الحرائر، لأن الحديث يقول (تلد الأمة ربها)، فإذا كان المقصود منه عقوق ابنها لها ومعاملتها كما يعاملها سيدها، فهو أيضاً موجود فى ابن الحرة التى يعقها ويعاملها معاملة سيئة كأنها جاريته.

اعتراض أو إشكال على أصحاب القول الأول والرد عليه :
وجَّه الحافظ ابن حجر اعتراضاً على القول الأول فقال عنه :
(لكنْ فى كونه المراد نَظَر، لأن استيلاء الإماء كان موجوداً حين المقالة، والاستيلاء على بلاد الشرك وسَبْى ذراريهم واتخاذهم سرارى وقع أكثره فى صدر الإسلام، وسياق الكلام يقتضى الإشارة إلى وقوع ما لم يقع مما سيقع قرب قيام الساعة).
والمعنى من اعتراض ابن حجر : أن الحديث يتكلم عن علامات الساعة والتى ستقع قرب قيام الساعة، ومسألة وجود الإماء وإنجابهن من أسيادهن أبناءً يكونوا أسيادهن فى المستقبل بعد موت آبائهم، كانت موجودة أثناء قول الحديث، وكان أكثرها فى صدر الإسلام مع الفتوحات الإسلامية فى عهد الخلافة الراشدة والأموية، وعليه فيكون هذا القول ليس هو المراد به ما ذَكِر بالحديث كعلامة من علامات قرب قيام الساعة.
والرد عليه : وقوع هذا الأمر فى صدر الإسلام أو حتى فى حياة النبى عليه الصلاة والسلام، لا يُخرِجه عن كونه علامة من علامات الساعة. فإن بداية العلامات متقدِّمة لا تخص آخر الزمان فقط، مثل بعثة النبى عليه الصلاة والسلام، فقد ورد فى الصحيحين من حديث أنس، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال :
"بُعِثتُ أنا والساعة كهاتين"، قال: وضَمَّ السبَّابة والوسطى.
وكذلك موته عليه الصلاة والسلام من أشراط الساعة، وقد أخبر عن عدد من أشراط الساعة فوقعت بعد موته بزمن يسير مثل : اقتتال فئتين عظيمتين دعوتهما واحدة مقتلة عظيمة، فقد عدَّ أهل العلم هذا الاقتتال هو ما حدث بين فئة على بن أبى طالب وفئة معاوية رضى الله عنهما فى موقعة صفين.
 

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,949
مجموع الإعجابات
1,976
النقاط
113
الباب الثالث - الفصل الثانى - المبحث الأول ( أحاديث الميزان فى بيان ما الذى يُوزَن )

الباب الثالث : الأحاديث المتوهَّم إشكالها فى باب أشراط الساعة والمعاد

الفصل الثانى : الأحاديث المتوهَّم إشكالها فى المَعَاد

المبحث الأول : أحاديث الميزان، فى بيان ما الذى يُوزَن

أولاً : سياق الحديث أو الأحاديث المتوَّهم إشكالها :
* فى الصحيحين من حديث أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
" كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان فى الميزان حبيبتان إلى الرحمن : سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم ".
* عند مسلم من حديث أبى مالك الأشعرى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
" الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان .... " الحديث.
* فى الصحيحين من حديث أبى هريرة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
" إنه لَيَأْتِى الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يَزِن عند الله جَنَاح بعوضة "، وقال : اقرؤوا إن شئتم : " فلا نُقِيمُ لَهُم يومَ القيامةِ وَزْنَاً ".

بيان وجه الإشكال :
يدل حديثا أبى هريرة (الأول) وأبى مالك على وزن الأعمال ، بينما يدل حديث أبى هريرة الثانى على وزن العامل ، وأيضاً جاء فى غير الصحيحين أحاديث تدل على وزن صحائف الأعمال. وعليه فالإشكال هنا فى بيان ما الذى يوزن فى ميزان العبد يوم القيامة : هل هى الأعمال أم العبد نفسه أم صحائف أعماله ؟
أصل (معتقد) أهل السنة والإجماع فى مسألة الميزان :
ثبوت الإيمان بالميزان يوم القيامة بالكتاب والسنة والإجماع، يُوزَن فيه الخير والشر، يحتوى على كِفَّتَيْن ولسان : كِفَّة لأعمال الخير، والأخرى لأعمال الشر، واللسان كالعمود الذى يُثبَّت على جانبى الكِفَّتَيْن. وهذا الميزان محسوس يراه الخلق يوم القيامة، وليس معنوياً كما يقول البعض بأنه يراد به العدل.
والأدلة على ذلك كثيرة (من الكتاب والسنة والإجماع)، منها :
* " ونَضَعُ المَوازينَ القَسْطَ ليومِ القيامةِ فلا تُظْلَم نَفْسٌ شيئاً " الأنبياء (47).
* "والوَزْنُ يومئذٍ الحقُّ فمن ثَقُلَت موازينُهُ فأولئك هم المُفْلِحون (8) ومَنْ خَفَّت موازينُهُ فأولئك الذين خَسِروا أَنْفُسَهُم بما كانوا بآياتِنَا يَظْلِمون (9)" الأعراف.
* روى الترمذى وأحمد وابن ماجة من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال :
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
"إِنَّ اللَّهَ سَيُخَلِّصُ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَنْشُرُ عَلَيْهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ سِجِلًّا، كُلُّ سِجِلٍّ مِثْلُ مَدِّ الْبَصَرِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَتُنْكِرُ مِنْ هَذَا شَيْئًا؟ أَظَلَمَكَ كَتَبَتِي الْحَافِظُونَ؟ فَيَقُولُ: لَا يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: أَفَلَكَ عُذْرٌ؟ فَيَقُولُ: لَا يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: بَلَى إِنَّ لَكَ عِنْدَنَا حَسَنَةً، فَإِنَّهُ لَا ظُلْمَ عَلَيْكَ الْيَوْمَ، فَتَخْرُجُ بِطَاقَةٌ فِيهَا: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَيَقُولُ: احْضُرْ وَزْنَكَ، فَيَقُولُ يَا رَبِّ مَا هَذِهِ الْبِطَاقَةُ، مَعَ هَذِهِ السِّجِلَّاتِ؟ فَقَالَ: إِنَّكَ لَا تُظْلَمُ، قَالَ: "فَتُوضَعُ السِّجِلَّاتُ فِي كَفَّةٍ، وَالْبِطَاقَةُ فِي كَفَّةٍ، فَطَاشَتْ السِّجِلَّاتُ، وَثَقُلَتْ الْبِطَاقَةُ فَلَا يَثْقُلُ مَعَ اسْمِ اللَّهِ شَيْءٌ ". وهذا الحديث معروف بحديث البطاقة.

ثالثاً : أقوال أهل العلم لإزالة هذا الإشكال

القول الأول (مرجوح) :

أنَّ الذى يُوزَن الأعمال نفسها.
قال ابن حجر: (والصحيح أن الأعمال هى التى توزن).
وأدلتهم على صحة هذا القول هى :
1- " ونَضَعُ المَوازينَ القَسْطَ ليومِ القيامةِ فلا تُظْلَم نَفْسٌ شيئاً وإنْ كان مِثْقَالَ حبةٍ مِن خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِها وكَفَى بنا حَاسِبِيِن " الأنبياء (47).
2- حديث أبى هريرة سابق الذكر " كلمتان خفيفتان .... ".
3- حديث أبى مالك الأشعرى سابق الذكر " الطهور شطر الإيمان ... ".

القول الثانى (مرجوح) :
أنَّ الذى يُوزَن العامل (صاحب العمل)، وقال بعضهم العامل مع عمله.
وأدلتهم على صحة هذا القول هى :
1- حديث أبى هريرة سابق الذكر " إنه لَيأتى الرجل العظيم السمين .... ".
2- حديث ابن مسعود عند الإمام أحمد والطبرانى، أنه كان يجتنى سِوَاكَاً من الأَرَاك، وكان دقيق الساقَيْن، فجَعَلَت الرِّيح تكْفؤه، فضحك القوم منه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ممَّ تضحكون ؟" قالوا: يا نبى الله، من دقة ساقّيْه، فقال: "والذى نفسى بيده لهما أثقل فى الميزان من أُحُد".

القول الثالث (مرجوح) :
أنَّ الذى يُوزَن صحائف الأعمال.
وعُمْدَة أدلة أصحاب هذا القول حديث البطاقة سابق الذكر.

القول الرابع (الراجح والأصح والجامع) :
أنَّ الجميع يُوزَن، فتوزن الأعمال والعامل وصحائف الأعمال.
لأنه بالنظر إلى النصوص السابقة كلها نجد أنه لا منافاة بينها، فالجميع يُوزَن، ولكن الاعتبار فى الثِقَل والخِفَّة بالعمل نفسه لا بذات العامل ولا بالصحيفة المكتوب فيها الأعمال، وهذا مقتضى الأدلة كلها.
قال ابن باز: (الجمع بين النصوص الواردة فى وزن الأعمال والعاملين والصحائف، أنه لا منافاة بينها فالجميع يُوزَن، ولكنَّ الاعتبار فى الثِقَل والخِفَّة يكون بالعمل نفسه لا بذات العامل ولا بالصحيفة).

الخلاصة فى الأقوال لإزالة الإشكال :
أنَّ كل قول من الأقوال الثلاثة الأُوَل نظرَ إلى نوع واحد من النصوص الواردة سابقة الذكر ثم قال بمدلوله.
والحق والصواب هو جمع كل النصوص والأخذ بما فيها لأنها لا تُنافِى بعضها البعض، وعليه فالأرجح والأصوب هو القول الرابع بأن الجميع يُوزَن (الأعمال والعامل نفسه وصحائف الأعمال للخلائق)، ولكنَّ الاعتبار فى الثِقَل والخِفَّة يكون بالعمل نفسه لا بذات العامل ولا بالصحيفة.
ولا ندرى مَن مِن الخلائق هو الذى سيُوزَن عمله، ومَن الذى سيُوزَن بذاته، ومَن الذى ستُوزَن صحيفته.
و لا ندرى أيضاً هل سيُوزَن لكل فرد نوع واحد من هذه الموزونات أم سيُوزَن له نوعان أم الثلاث ؟
فهذه كلها غيبيات لا يعلمها إلا الله ولم تذكرها النصوص الشرعية، وعليه "فلا تَقْفُ ما ليس لك به عِلْم".

اعتراض أو إشكال والرد عليه :
الإشكال: كيف تُوزَن الأعمال وهى أَعْرَاض، والوزن يكون للأجسام ؟
فالصلاة والزكاة وغيرها من الأعمال كلها أعراض (أمور معنوية) غير محسوسة ، فكيف يمكن جمعها ووزنها ؟
الجواب عليه : ذهب بعض أهل العلم استناداً على بعض الأدلة الشرعية أن الله تعالى يقلب بعض الأعراض يوم القيامة أجساماً ثم تُوزَن، أما عن كيفية تحويل الأعراض إلى أجسام فهذا أمر غيبى لا يعلمه إلا الله تعالى، نُقِر به دون سؤال عن الكيفية، و نؤمن بأن الله على كل شىء قدير.
قال الإمام ابن أبى العِزّ : (فلا يُلتَفَت إلى قول ملحد معاند يقول: الأعمال أعراض لا تقبل الوزن وإنما يقبل الوزنَ الأجسامُ ، فإن الله يَقْلِب الأعراض أجساماً).
قال ابن حجر نقلاً عن الطيبى: (والحق عند أهل السنة أن الأعمال حينئذٍ تُجَسَّد أو تُجعَل فى أجسام، فتصير أعمال الطائعين فى صورة حسنة، وأعمال المسيئين فى صورة قبيحة ثم توزن).
والأدلة على أن الله يقلب بعض الأعراض أجساماً يوم القيامة :
1- فى الصحيحين من حديث أبى سعيد الخدرى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يُؤتَى بالموت كهيئة كبش أَمْلَح، فينادِ منادٍ: يا أهل الجنة.... " الحديث.
والشاهد من الحديث أنَّ الموت عَرَض معنوى غير محسوس، ويأتى يوم القيامة على هيئة كبش أملح (جسم)، فيُذبَح فيعيش أهل الجنة فى خلود بلا موت، وأهل النار فى خلود بلا موت.
2- عند مسلم من حديث أبى أمامة الباهلى قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :
" اقرؤوا القرآن فإنه يأتى يوم القيامة شفيعاً لأصحابه، اقرؤوا الزَهْرَاوَيْن البقرة وسورة آل عمران، فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو كأنهما غيايتان أو كأنهما فرقان من طير صواف تُحَاجَّان عن أصحابهما، اقرؤوا سورة البقرة فإنَّ أَخْذَها بركة وتَرْكَها حسرة ولا تستطيعها البطلة ".
والشاهد من الحديث أن سورتى البقرة وآل عمران (وهما عَرَضَان معنويان) تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان أو فرقان من طير (أجسام مادية).
إذاً من الأدلة السابقة نستطيع القول بأنه يُحتمَل قلب بعض الأعراض المعنوية إلى أجسام مادية محسوسة يوم القيامة، لكن لا نستطيع القول بأن كل الأعراض تُقلَب أجساماً يوم القيامة لكى يمكن وزنها لعدم وجود دليل على ذلك، إنما الأدلة جاءت فى بعضها فقط مثل (الموت، وسورة البقرة وسورة آل عمران، وغير ذلك مما ورد فى النصوص الشرعية).
وعليه فوزن الأعمال يوم القيامة من أمور الغيب التى لا يعلم كيفيتها إلا الله.
 

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,949
مجموع الإعجابات
1,976
النقاط
113
الباب الثالث - الفصل الثانى - المبحث الثانى ( إنَّ أشدَّ الناس عذاباً يوم القيامة المُصَوِّرون )

المبحث الثانى : إنَّ أشدَّ الناس عذاباً يوم القيامة المُصَوِّرون

أولاً : سياق الحديث أو الأحاديث المتوَّهم إشكالها :
* فى الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود قال: سمعت النبى صلى الله عليه وسلم يقول : " إنَّ أشدَّ الناس عذاباً عند الله يوم القيامة المُصَوِّرون ".
وفى رواية لمسلم : " إنَّ مِنْ أشدِّ أهل النار يوم القيامة عذاباً المُصَوِّرون ".
* وفى الصحيحين من حديث عائشة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
" أشدُّ الناس عذاباً يوم القيامة الذين يُضَاهُون بخَلْق الله ".
يُضَاهُون : من المُضَاهَاة، وهى المُشَابَهَة.

بيان وجه الإشكال :
توضِّح هذه الأحاديث أن أشد الناس عذاباً يوم القيامة هم المُصوِّرون الذين يضاهون (يُشبِّهون) بخلق الله من التصوير ونحوه ، ومعلوم أن المسلم المذنب بأى ذنب لا يكون أشد عذاباً من الكافر لا سيِّما وقد قال تعالى : "أَدْخِلوا آل فرعون أشدَّ العذاب" سورة غافر (46).
قال ابن حجر : (وقد استُشكِل كون المصوِّر أشد الناس عذاباً مع قوله تعالى: "أَدْخِلوا آل فرعون أشدَّ العذاب" ، فإنه يقتضى أن يكون المصوِّر أشد عذاباً من آل فرعون).

ثالثاً : أقوال أهل العلم لإزالة هذا الإشكال

القول الأول :

أنَّ هذا الوعيد فيمن قصد مضاهاة خلق الله تعالى، لأن مَن كان هذا قصده فهو كافر، والكفار أشد الناس عذاباً يوم القيامة. وذلك بخلاف ما لو صوَّر بدون قصد المضاهاة فإنه لا يُكفَّر، لكنه اقترف كبيرة من الكبائر.

القول الثانى :
أنَّ هذا الوعيد فيمن صوَّر الصور لكى تُعبَد، كحال صانعى الأصنام. فمن فعل هذا فهو كافر، والكفار أشد الناس عذاباً.

القول الثالث :
حَمْل الحديث على رواية : " إنَّ مِنْ أشدِّ .. "، أى بإثبات لفظة (مِن)، فيكون المصوِّر من أشد الناس عذاباً وليس هو أشدهم، وكونه كذلك لا يمنع مشاركة غيره له فى ذلك، لأن هذا اللفظ لا يوجِب اختصاص المصوِّر بالوعيد المذكور.

القول الرابع (الأرجح والأصح) :
أنَّ الأشديَّة المذكورة بالأحاديث نسبية، يعنى أن المصوِّرين أشد الناس عذاباً بالنسبة للعصاة الذين لم تبلغ معصيتهم الكفر، لا بالنسبة لجميع الناس (وفيهم الكافرين).

الخلاصة فى الأقوال لإزالة الإشكال :
أنَّ القول الرابع هو الأرجح، فالأشديَّة المذكورة بالأحاديث نسبية وليست مطلقة، أى أن المصوِّرين أشد الناس عذاباً بالنسبة للعصاة الذين لم تبلغ معصيتهم الكفر، لا بالنسبة لجميع الناس ، أى أن أشد العصاة عذاباً هم المصوِّرون لأن النصوص تفسِّر بعضها بعضاً، وقد دلَّت النصوص على أن المذنب لا يكون أشد عذاباً من الكافر، وأن المعصية مهما عظمت فإنها لا تكون أعظم من الشرك والكفر.
قال تعالى : " إن الله لا يَغْفِر أن يُشرَك به ويَغْفِر ما دون ذلك لمن يشاء "
فهذه الآية ونظائرها تدل على أن سائر الذنوب دون الكفر والشرك والتى من جملتها التصوير تكون تحت المشيئة بخلاف الشرك والكفر، فإن الله تعالى لا يغفر الكفر والشرك، وقد يغفر ما دونهما من المعاصى ومنها التصوير.
* لكن مما لا شك فيه مما سبق من الروايات أن هذا الوعيد فى حق المصوِّر يدل على عِظَم هذه المعصية وأنها من كبائر الذنوب.
* أما باقى الأقوال فمرجوحة، فمنها ما يحمل الحديث على مَن قَصَد المضاهاة (القول الأول)، والصواب أن المضاهاة حاصلة بمجرد التصوير سواء قصدها أم لم يقصدها.
ومنها من يحمله على من صور الصور لكى تُعبَد (القول الثانى)، والصواب غير ذلك لأن كل من قصد صناعة شىء ليُعبَد من دون الله سواء صوَّر أم لا - حتى لو أتى بخشبة – فقد دخل فى التحريم.
ومنها من يحمله على رواية مِن أشد (القول الثالث)، والصواب أن ذلك لا يرفع الإشكال لأنه يقتضى مساواة المصور بالكافر المستكبر.

قاعدة :
الوعيد بصيغة " أشد الناس عذاباً " - فى أى نص من النصوص – إن جاء فى حق كافر فلا إشكال البتَّة، ويكون فيه دلالة على عِظَم كفر المذكور ، أما إن جاء فى حق عاصٍ بمعصية دون الشرك والكفر مثل (المصوِّر) فيكون أشد عذاباً من غيره من العصاة، ويكون ذلك دالَّاً على عِظَم المعصية المذكورة.
 

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,949
مجموع الإعجابات
1,976
النقاط
113
الباب الثالث - الفصل الثانى - المبحث الثالث ( طُوبَى له عصفور من عصافير الجنة )

المبحث الثالث : طُوبَى له عصفور من عصافير الجنة

أولاً : سياق الحديث أو الأحاديث المتوَّهم إشكالها :
* عند مسلم من حديث عائشة قالت: دُعِىَ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنازة صبى من الأنصار، فقلتُ: يا رسول الله، طُوبَى لهذا عصفور من عصافير الجنة لم يعمل السوء ولم يدركه، قال: "أوَ غير ذلك يا عائشة، إن الله خلق للجنة أهلاً، خلقهم لها وهم فى أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلاً، خلقهم لها وهم فى أصلاب آبائهم".
وفى رواية لمسلم، قالت عائشة : تُوفِّى صبىٌّ فقلتُ: طُوبَى له عصفور من عصافير الجنة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أوَ لا تَدْرين أن الله خلق الجنة وخلق النار، فخلق لهذه أهلاً ولهذه أهلاً ".

ملحوظة :
هناك مَن ضَعّف هذا الحديث وردَّه لأن في سنده طلحة بن يحيى ، لكن الصواب أنه حديث صحيح.

ثانياً : بيان وجه الإشكال :
استُشْكِل هذا الحديث لكون النبى عليه الصلاة والسلام أنكر على عائشة حكمها على ذلك الصبى بالجنة، وظاهر هذا الإنكار يخالف ما ذهب وأجمع عليه الجمهور بأن أطفال المؤمنين فى الجنة.

قاعدة :
ذهب جمهور أهل العلم إلى أن أطفال المؤمنين فى الجنة، أى أنَّ مَن مات مِن أطفال المسلمين قبل بلوغه الحُلُم دَخَل الجنة، بل أقرَّ بعضهم الإجماع على هذا ولم يخالف فيه إلا طائفة قليلة من أهل العلم قالوا بالتوقف.
أما أطفال غير المسلمين الذين ماتوا قبل بلوغهم الحلم فقد سبق الإشارة فى مبحث حكم أولاد المشركين فى الآخرة، بأنهم يُمتَحَنون يوم القيامة مِن قِبَل الله تعالى، فمَن أطاع الله نجح فى الامتحان وكان من أهل الجنة، ومَن عصاه رسب بالامتحان وكان من أهل النار .... راجع المبحث الرابع بالفصل الأول من الباب الثالث برسالة أحاديث العقيدة بالصحيحين التى يوهم ظاهرها بالتعارض.
قال الإمام أحمد: (ليس فيه خلافٌ أنهم فى الجنة).
قال النووى: ( أجمع مَن يُعتَدَّ به مِن علماء المسلمين على أنَّ مَن مات من أطفال المسلمين فهو من أهل الجنة).
واستدلوا على ذلك بأدلة كثيرة منها :
1- " وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ (21) " الطور.
2- " كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (38) إلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (39) " المدثر.
جاء عن على بن أبى طالب أن أصحاب اليمين هم أطفال المسلمين ،
وقال ابن عبد البر: (ولا مخالف له فى ذلك من الصحابة).
3- حديث سمرة بن جندب عند البخارى فى قصة رؤيا النبى عليه الصلاة والسلام، والشاهد منه أنه قال :
"..... وأما الرجل الطويل الذى فى الروضة فإنه إبراهيم عليه السلام، وأما الوِلْدَان الذين حوله فكل مولود مات على الفطرة ...".
4- جملة من الأحاديث الواردة فى فضل من يموت له ولد أو أكثر فيحتسبه، ومنها على سبيل المثال لا الحصر :
* فى الصحيحين من حديث أبى هريرة، عن النبى صلى الله عليه وسلم قال :
" لا يموت لمسلم ثلاثة من الولد فيلج النار إلا تَحِلَّة القسم ".
* فى الصحيحين من حديث أبى سعيد الخدرى، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال لنسوة من الأنصار :
"ما منكن امرأةٌ تقدم ثلاثة من ولدها إلا كان لها حجاباً من النار" فقالت امرأة: واثنين؟ ، فقال : "واثنين".
قال النووى: (هذه الأحاديث دليل على كون أطفال المسلمين فى الجنة).

ثالثاً : أقوال أهل العلم لإزالة هذا الإشكال

القول الأول (الراجح والصحيح) :

أنَّ النبى صلى الله عليه وسلم أنكر على عائشة لأنها قطعت لطفل معيِّن بالجنة دون أن يكون عندها على ذلك دليل قاطع، فأطفال المؤمنين وإن كان حكمهم من حيث الجملة أنهم فى الجنة، لكن لا يُشهَد لمعيَّن منهم بذلك لأنه غيب، والطفل المؤمن تبع لأبويه، فالقطع له بذلك قطع بإيمان أبويه، وهذا غيب ليس إليه سبيل.
قال ابن باز بعد ما قرَّر صحة حديث عائشة :
( المقصود من هذا منعها أن تشهد لأحد معين بالجنة أو النار، ولو كان طفلاً، لأن الطفل تابع لوالديه، وقد يكونان ليسا على الإسلام وإن أظهراه، فالإنسان قد يُظهِر الإسلام نفاقاً، ومن مات على الصغر وليس ولداً للمسلمين، وإنما لغيرهم من الكفار فإنه يمتحن يوم القيامة على الصحيح).

القول الثانى (مرجوح وليس عليه دليل) :
أنَّ النبى صلى الله عليه وسلم قال ذلك قبل أن يعلم أن أطفال المؤمنين فى الجنة .

القول الثالث :
وجوب التوقُّف فى الكلام عن هذا الأمر، ولهذا نهاها النبى صلى الله عليه وسلم.

الخلاصة فى الأقوال لإزالة الإشكال :
أنَّ الراجح والصحيح هو القول الأول بأنَّ الإنكار على عائشة لأنها قطعت لطفل بعينه فى الجنة دون أن يكون عندها دليل قاطع على ذلك.
أما القول الثانى فإنه ليس عليه دليل ، وأما القول الثالث فهو معارض لأصل من الأصول بأن أطفال المؤمنين فى الجنة كما تقدَّم ذكره بالأدلة الشرعية.
 

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,949
مجموع الإعجابات
1,976
النقاط
113
الباب الثالث - الفصل الثانى - المبحث الرابع ( وإنَّ ناساً مِن أصحابى يُؤخَذ بهم ذات الشِّمال )

المبحث الرابع : وإنَّ ناساً مِن أصحابى يُؤخَذ بهم ذات الشِّمال

أولاً : سياق الحديث أو الأحاديث المتوَّهم إشكالها :
* فى الصحيحين من حديث ابن عباس، عن النبى صلى الله عليه وسلم قال :
" إنكم محشورون حُفَاة عُرَاة غُرْلاً، ثم قرأ: "كَمَا بَدَأْنَا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُه وَعْداً علينا إنَّا كُنَّا فَاعِلين"، وأول مَن يُكسَى يوم القيامة إبراهيم، وإنَّ أُنَاساً مِن أصحابى يُؤخَذ بهم ذات الشمال، فأقول: أصحابى أصحابى، فيقول: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم، فأقول كما قال العبد الصالح: "وكُنْتُ علَيْهِم شَهِيدَاً ما دُمْتُ فِيهِمْ" إلى قوله "الحَكِيم" ".
* عند مسلم من حديث أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
"تَرِدُ علىَّ أُمَّتى الحوض، وأنا أذود الناس عنه كما يذود الرجل إبل الرجل عن إبله"، قالوا: يا نبى الله أتعرفنا؟ قال: " نعم، لكم سيما ليست لأحد غيركم، ترِدُون علىَّ غُرَّاً مُحَجَّلين مِن آثار الوضوء، ولَيُصَدَّنَّ عنى طائفة منكم فلا يَصِلون، فأقول: يا ربِّ هؤلاء مِن أصحابى، فيُجِيبَنى مَلَكٌ فيقول: وهل تدرى ما أحدثوا بعدك ؟ ".
* عند مسلم من حديث أبى هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى المقبرة فقال:
" السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، وَدَدْتُ أنَّا قد رَأيْنَا إخواننا "، قالوا: أوَ لَسْنَا إخوانك يا رسول الله ؟ قال: "أنتم أصحابى، وإخواننا الذين لم يأتوا بعد"، فقالوا : كيف تعرف مَن لم يأتِ بعد من أمتك يا رسول الله ؟ فقال: "أرأيتَ لو أنَّ رجلاً له خيلٌ غُرٌّ مُحَجَّلَة بين ظَهْرَى خيل دُهْم بُهْم، ألا يَعرِف خيله ؟" قالوا: بلى يا رسول الله، قال: "فإنهم يأتون غرَّاً محجلين من الوضوء، وأنا فرطهم على الحوض، ألا لَيُذَادَنَّ رجال عن حوضى كما يُذَاد البعير الضال، أناديهم ألا هَلُمَّ، فيُقال: إنهم قد بدَّلوا بعدك، فأٌقول: سُحقَاً سُحقَاً ".
* فى الصحيحين من حديث أنس، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال :
" لَيَرِدَنَّ علىَّ الحوضَ رجال مِمَّن صاحَبَنِى، حتى إذا رأيتهم ورُفِعوا إلىَّ اخْتُلِجُوا دونى، فلأَقُولَنَّ: أى ربِّ أُصَيْحَابى أُصَيْحَابى، فلَيُقَالَنَّ لى: إنك لا تدرى ما أحدثوا بعدك ".

معانى بعض كلمات الأحاديث :
غُرْلاً : جمع أَغْرَل، وهو الأقلف أى الذى لم يُخْتَن.
الحوض : حوض النبي صلى الله عليه و سلم
سيما : صفات أو علامات
غُرَّاً : بِيض الوجوه ، الغُرَّة: بياض الوجه
مُحَجَّلين : بِيض فى مواضع الوضوء من الأيدى والوجه والأقدام
دُهْم : جمع دُهْمَة، وهى السوداء ، يقال فَرَس أَدْهَم : أى فَرَس أسود
بُهْم : جمع بَهِيم، والفَرَس البَهِيم هو الفَرَس ذو اللون الخالص، أى الذى لا يَخلِط لونه شىءٌ بلون آخر
فَرَطُهُم على الحوض : سابقهم ومُتقدِّمهم إليه
لَيُذَادَنَّ : مِن الذَوْد، وهو الطَرْد
سُحْقَاً : بُعْدَاً

ثانياً : بيان وجه الإشكال :
محبة الصحابة وتوقيرهم والدعاء لهم والتحذير مِن سبِّهم والطعن فيهم أصل عظيم من أصول أهل السنة والجماعة، وقد تضافرت النصوص الشرعية من الكتاب والسنة على مدحهم والثناء عليهم وتزكيتهم والشهادة لهم بالجنة والإجماع على أنهم خير القرون.
وتشير هذه الأحاديث إلى ارتداد بعضهم على أعقابهم وتنحيتهم عن الشرب من حوض النبى صلى الله عليه وسلم.
هذا وقد احتج الروافض لعنهم الله بهذه الأحاديث على مذهبهم الباطل الفاسد فى تكفير مَن يريدوا مِن الصحابة الأطهار والنيل منهم.

ثالثاً : أقوال أهل العلم لإزالة هذا الإشكال

القول الأول (الأرجح والأصح):

أنَّ المراد بالرِدَّة فى هذه الأحاديث : الرِدَّة عن الإسلام
وعلى هذا يكون المراد بالمُذَادِين عن الحوض هم أهل الردة الذين قاتلهم أبو بكر رضى الله عنه، وكذلك مَن أظهر الإسلام فى عهد النبوة وهو من المنافقين فيجوز أن يُحشَر هؤلاء المرتدون والمنافقون بالغرة والتحجيل لكونهم من جملة الأمة، فيناديهم النبى عليه الصلاة والسلام من أجل السيما (الصفات) التى عليهم أو لمعرفته إياهم بأعيانهم وإن لم يكن لهم غرة وتحجيل، فيقال: إنهم قد بدَّلوا بعدك، أى لم يموتوا على ظاهر ما فارقتهم عليه من الإسلام، وليس فيهم أحد من مشاهير الصحابة وإنما أغلبهم من الأعراب وحديثى العهد بالإسلام.

القول الثانى (مُحتَمل) :
أنَّ المراد بالرِدَّة فى هذه الأحاديث : الرِدَّة عن الاستقامة، وذلك باقتراف السيئات وترك الواجبات والإحداث فى الدين.
وعلى هذا يكون المراد بالمُذَادِين عن الحوض هم أصحاب المعاصى والكبائر الذين ماتوا على التوحيد، وأصحاب البدع الذين لم يخرجوا ببدعتهم عن الإسلام (بدع غير مكفِّرة).
قال ابن عبد البر: (كل من أحدث فى الدين ولم يأذن به الله، فهو من المطرودين عن الحوض المُبعَدين عنه).

الخلاصة فى الأقوال لإزالة الإشكال :
*
القول الثانى محتمل لورود لفظ الإحداث فى بعض الروايات إلا أن دلالة الأحاديث على القول الأول أظهر وأقوى.
* القول الأول هو الأرجح والأصح بأن المراد بالردة فى الأحاديث هى الردة عن الإسلام، والمُذَادِين عن الحوض هم صنفان :
(1) مَن ارتدوا بعد موت النبى عليه الصلاة والسلام، والذين حاربهم أبو بكر.
(2) المنافقون على عهد النبوة وعهد الخلفاء الراشدين.
وهم نفرٌ قليل (بدليل قوله فى بعض الروايات أُصَيْحَابى فهى للتصغير)، وليس فيهم أحدٌ من الصحابة المشهود لهم بالصحبة الذين رسخت أقدامهم فى الإسلام، وإنما غالبهم من الأعراب وحديثى العهد فى الإسلام مِمَّن لم يستحكم الإيمان فى قلوبهم، وقد يكون منهم مَن لم يرَ النبى عليه الصلاة والسلام إلا مرة أو مرتين.
وأما معرفة النبى عليه الصلاة والسلام لهم ونداؤه عليهم :
(1) يُحتمَل أن يكون ذلك لأجل الغرة والتحجيل التى تكون عليهم ثم تُزَال عنهم كما هو الحال بالنسبة للمنافقين حين يُعطَوْن نوراً ثم يُطفَأ عنهم
فقد ورد فى صحيح مسلم من حديث جابر أنه قال : ويُعْطَى كل إنسان منهم منافق أو مؤمن نوراً ثم يتبعونه، وعلى جسر جهنم كلاليب وحسك تأخذ من شاء الله، ثم يُطفَأ نور المنافقين، ثم ينجو المؤمنون.
(2) ويُحتمَل أن يكون ذلك لأجل معرفته عليه الصلاة السلام بهم بأعيانهم دون أن يكون لهم غرة أو تحجيل فقد صحبوه فى حياته باعتبار ما كانوا عليه قبل ارتدادهم، ففى رواية: "أعرفهم ويعرفوننى".
(3) ويحتمل أن تكون المعرفة لمجموع الأمرين معاً : فيعرف الذين صحبوه بأعيانهم، ويعرف مَن أتى بعدهم مِن أمته بالغرة والتحجيل.

ضابط (تعريف) الصحابى :
هو مَن لَقِى النبى صلى الله عليه وسلم وآمن به ومات على ذلك، وإن أصابته ردَّة على قول صحيح لأهل العلم.
أما من لقيه وآمن به سواء ظاهراً أو باطناً، وارتد ولم يمت على الإسلام فهو ليس بصحابى ولا يُشهَد له بالصحبة، بل هو كافر مرتد مُخلَّد فى النار.

فائدة :
فى هذه الأحاديث ردٌّ على من يزعم أن النبى صلى الله عليه و سلم يعلم الغيب، فهى تدل صراحةً على أنه لا يعلم الغيب إلا بما أعلمه الله عن طريق الوحى ، فلو كان يعلم الغيب لعلم أن هؤلاء الذين قال عنهم أصحابى ارتدوا بعد مماته و أحدثوا فى دين الله ، فاستحقوا العقوبة.
 

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,949
مجموع الإعجابات
1,976
النقاط
113
الباب الثالث - الفصل الثانى - المبحث الخامس ( شفاعة النبى صلى الله عليه وسلم لعمِّه أبى طالب )

المبحث الخامس : شفاعة النبى صلى الله عليه وسلم لعمِّه أبى طالب


أولاً : سياق الحديث أو الأحاديث المتوَّهم إشكالها :
* فى الصحيحين من حديث أبى سعيد الخدرى أنه سمع النبى صلى الله عليه وسلم، وذُكِر عنده عمُّه فقال : "لعلَّه تنفعه شفاعتى يوم القيامة، فيُجعَل فى ضَحْضَاحٍ من النار يبلغ كعبيه يغلى منه دماغه".
* فى الصحيحين من حديث العباس أنه قال : يا رسول الله، هل نفَعْتَ أبا طالب بشىء فإنك كان يحوطك ويغضب لك ؟ قال: " نعم، هو فى ضَحْضَاحٍ من نار، لولا أنا لكان فى الدرك الأسفل من النار ".

ثانياً : بيان وجه الإشكال :
استُشكِل قول النبى عليه الصلاة والسلام "تنفعه شفاعتى" مع قول الله تعالى : " فما تنفعُهُم شفاعة الشافعين ". فقد أخبر الحديث أن شفاعته تنفع عمه مع أنه مات كافراً، وقد أخبر الله تعالى أن الكافرين لا تنفعهم شفاعة الشافعين.

ثالثاً : أقوال أهل العلم لإزالة هذا الإشكال

القول الأول (الراجح والصحيح):
أنَّ هذا خاص بأبى طالب فقط، ولذلك عدُّوه فى خصائص النبى صلى الله عليه وسلم وتطييباً لقلبه وإكرماً له، أما سائر الكفار فإن حسناتهم وخيراتهم لا تنفعهم شيئاً يوم القيامة بسبب كفرهم.
(فمن مات على الكفر لا ينتفع بأى شىء صالح عمله أو قاله فى الدنيا بل يجازى به فى الدنيا، وفى الآخرة يُخلَّد فى النار) أصل شرعى.

القول الثانى (مرجوح) :
أن هذا التخفيف ليس خاصاً فى أبى طالب، وإنما هو عام فى سائر الكفار، فجزاء خيراتهم وأعمالهم الصالحة فى الدنيا تخفيف العذاب عنهم، وعلى هذا تكون المنفعة المذكورة فى الحديث (تخفيف العذاب) غير المنفعة فى الآية (خروجهم من النار).


الخلاصة فى الأقوال لإزالة الإشكال :
* القول الأول هو الراجح والصحيح لأنه يوافق الأصول الشرعية عند أهل السنة والجماعة مِن أنَّ (مَن مات على الكفر لا ينتفع فى أخراه بأى عمل صالح عَمِلَه فى الدنيا، إنما يوفَّى جزاؤه فى الدنيا فقط، وأنه لا يُشفَع للكافرين قط يوم القيامة).
وعليه فهذا أمر خاص بأبى طالب فقط وهو من خصائص النبى عليه الصلاة والسلام إكراماً له هو وليس إكراماً لأبى طالب، ويؤكد هذا قوله : "لولا أنا" ، بالإضافة إلى أن هذا النفع الحاصل لأبى طالب ليس نفعاً كاملاً، فهو لم يخرج من النار على أي حال ولم يسقط العذاب عنه بالكلية وإنما خُفِّف فقط – إكراماً وتطييباً لقلب النبى عليه الصلاة والسلام فقد نصره أبو طالب وزاد عنه فى الدنيا – ومع هذا فإن أبا طالب لا يرى أن أحداً أشد عذاباً منه.

وبهذا يزول الإشكال ولا يوجد تعارض بين الحديث والآية، فالآية محكمة والحديث صريح قد خصص الآية، أى أن الحديث تخصيص للآية فى أبى طالب فقط .
 

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,949
مجموع الإعجابات
1,976
النقاط
113
الباب الثالث - الفصل الثانى - المبحث السادس والأخير ( ما جاء فى سماع الأموات )


المبحث السادس (الأخير) : ما جاء فى سماع الأموات

أولاً : سياق الحديث أو الأحاديث المتوَّهم إشكالها :
* عند البخارى من حديث ابن عمر قال : اطَّلع النبى صلى الله عليه وسلم على أهل القَلِيب فقال: " وجدتم ما وعد ربكم حقاً "، فقيل له : تدعوا أمواتاً ؟ فقال: "ما أنتم بأسمع منهم ولكن لا يجيبون".
* وفى رواية عند البخارى، قال النبى صلى الله عليه وسلم :
" إنهم الآن يسمعون ما أقول "، فذُكِر لعائشة فقالت: إنما قال النبى صلى الله عليه وسلم : "إنهم الآن ليعلمون أن الذى كنت أقول لهم هو الحق" ثم قرأتْ: "إنك لا تُسْمِع الموتى" حتى قرأتْ الآية.
*
فى الصحيحين عن عائشة أنه ذُكِر عندها أن ابن عمر رفع إلى النبى صلى الله عليه وسلم: "إن الميت ليُعَذَّب فى قبره ببكاء أهله عليه"، فقالت: وَهَلَ ابن عمر، إنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إنه ليُعَذَّب بخطيئته وذنبه، وإن أهله ليبكون عليه الآن " ، قالت: وذاك مثل قوله: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام على القليب وفيه قتلى بدر من المشركين، فقال لهم مثل ما قال: "إنهم ليسمعون ما أقول" ، إنما قال: "إنهم الآن ليعلمون أن ما كنت أقول لهم حق" ، ثم قرأتْ: "إنك لا تُسْمِع الموتى" ، "وما أنت بِمُسْمِعٍ مَن فى القبور".
* فى الصحيحين من حديث قتادة قال: ذكر لنا أنس بن مالك عن أبى طلحة: أن نبى الله صلى الله عليه وسلم أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلاً من صناديد قريش فَقُذِفوا فى طَوىٍّ من أطواء بدر خبيث مُخبَّث، وكان إذا ظهر على قوم أقام بالعرصة ثلاث ليال، فلما كان ببدر اليوم الثالث أمر براحلته فشُدَّ عليها رحلها، ثم مشى واتَّبعه أصحابه، وقالوا: ما نرى ينطلق إلا لبعض حاجته حتى قام على شَفِة الرَّكِىِّ، فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم : "يا فلان بن فلان، ويا فلان بن فلان، أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقاً ؟ " قال: فقال عمر: يا رسول الله ما تكلم من أجساد لا أرواح لها ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والذى نفس محمد بيده ما أنتم بأسمع لِمَا أقول منهم". قال قتادة: أحياهم الله حتى أسمعهم قوله توبيخاً وتصغيراً ونقمة وحسرة وندماً.
معانى بعض الكلمات ، ومناسبة الحديث :
قَلِيب : بئر ، جمعها: قُلُب وأَقْلِبَة
بأَسْمَع : أكثر سَمعَاً
وَهَلَ : سَهَا
طَوِّىَ : بئر طُوِيَت وبُنِيَت بالحجارة ، جمعها: أَطْواء
العَرَصَة : كل موضع واسع لا بناء فيه
شَفَة : حافة
الرَّكِىِّ : طرف البئر
بعد انتهاء غزوة بدر أمر النبى عليه الصلاة والسلام بإلقاء جَمْع مِن مشركى قريش - الذين ماتوا بالغزوة - فى قليب بدر، ثم وقف عند البئر وأخذ يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم ويسألهم عمَّا وجدوا بعد موتهم (أى من الهلاك والعذاب) ، وذلك توبيخاً لهم ، فسأله بعض الصحابة مندهشين هل ينادى أمواتاً ويكلمهم ويسألهم، فأجابهم بأن هؤلاء المشركين الموتى يسمعون جيداً ما يقوله لهم، تماماً كما يسمعه الصحابة الذين حوله، ولكنهم لا يستطيعون الإجابة.

ثانياً : بيان وجه الإشكال :
استُشكِل نداء النبى عليه الصلاة والسلام وسؤاله لقتلى قريش الذين أُلقُوا فى القليب، وقوله عنهم "إنهم ليسمعون ما أقول"، وقوله"ما أنتم بأسمع منهم ولكن لا يجيبون"، مع قول الله تعالى : "إنك لا تُسْمِع الموتى" ، وقوله "وما أنت بِمُسْمِعٍ مَن فى القبور". ولهذا اعترضت السيدة عائشة على لفظة "لَيَسمعون" وقالت: "لَيَعلمون".

ثالثاً : أقوال أهل العلم لإزالة هذا الإشكال

القول الأول (لكثير من المفسرين):

أنَّ أهل القليب سمعوا قول النبى عليه الصلاة والسلام كما هو صريح فى الأحاديث سابقة الذكر ، أما الآية "إنك لا تُسْمِع الموتى" فقد أجابوا عنها :
أى لا تُسمِع الكفار الذين أمات الله قلوبهم وكتب عليهم الشقاء، فختم على قلوبهم وسمعهم، وجعل على قلوبهم الأكنة وفى آذانهم الوقر وعلى أبصارهم الغشاوة، فلا يسمعون الحق استماع اهتداء وانتفاع.

القول الثانى (لابن تيمية، وابن القيم، وابن كثير):
أنَّ أهل القليب سمعوا قول النبى عليه الصلاة والسلام كما هو صريح فى الأحاديث سابقة الذكر ، أما الآية "إنك لا تُسْمِع الموتى" فقد أجابوا عنها :
المراد بالموتى فى الآية الذين ماتوا بالفعل، والمراد بالسماع خصوص السماع المعتاد الذى ينتفع صاحبه به، وأن هذا مثلٌ ضُرِب للكفار الذين يسمعون الصوت لكنهم لا يسمعونه سماع قبول بفقه واتباع، كما قال تعالى: "ومَثَلُ الذين كفروا كَمَثلِ الذى يَنعِقُ بما لا يَسْمَع إلا دُعاءً ونداء". فهكذا الموتى الذين ضرب بهم المثل لا يجب أن يُنفَى عنهم جميع أنواع السماع، كما لم يُنفَ ذلك عن الكفار، بل قد انتفى عنهم السماع المعتاد الذى ينتفعون به، وأما سماع آخر فلا.
وعليه فالأصل أن الأموات لا يسمعون وهذا الذى دلَّ عليه الكتاب والسنة، وأما ما ثبت أنهم يسمعون كما فى حديث القليب، وحديث إنه ليسمع قرع نعالكم، فهذا مستثنى من هذا الأصل ويكون من باب تخصيص العموم.

وعند الترجيح بين القولين (التفسيرين) للآية الكريمة :
* القول(التفسير)الأول : جَعَلَ الموتى هم الكفار، والسماع هو سماع الاهتداء والانتفاع، وله قرينة تشهد له وهى الآية : "إن تُسْمِع إلا مَن يُؤمِن بآياتنا فهم مُسْلِمون"
ووجه ذلك أنه حدث تقابل بين الإسماع المنفى فى الآية الأولى "إنك لا تُسْمِع الموتى" وبين الإسماع المثبت فى الآية الثانية "إن تُسْمِع إلا مَن يُؤمِن بآياتنا فهم مُسْلِمون " ، ففيه دليل واضح على أن المراد بالموتى هو الكفار الأحياء، والمراد بالموت هو الكفر والشقاء لا موت الجسد ومفارقة البدن.
فلو كان المراد بالموت فى الآية الأولى هو مفارقة الروح والبدن لَمَا قابل قوله تعالى فى الآية الثانية "مَن يُؤمِن بآياتنا" ، بل لقابله بما يناسبه كأن يقال مثلاً (إن تسمع إلا من لم يَمُت)، وهذا له نظائر فى القرآن مثل: "أوَ مَن كان مَيْتَاً فأحْيَيْنَاه وجعلنا له نُورَاً يمشى به " ، وقوله: " إنما يَسْتَجِيب الذين يَسْمعون ".
ولكن هذا التفسير (الأول) يَرِد عليه إشكالان هما :
الإشكال الأول :
قوله تعالى: "وما يستوى الأحياء ولا الأموات إن الله يُسْمِع مَن يشاء وما أنت بِمُسْمِعٍ مَن فى القبور" ، فهذا نص صريح فى أن السماع منفى عمَّن من القبور وليس الكفار الأحياء (التى ماتت قلوبهم).
الإشكال الثانى :
فَهْم الصحابة لقوله تعالى: "إنك لا تُسْمِع الموتى" بأنهم الموتى الذين فارقوا الحياة وليس الكفرة التى ماتت قلوبهم، وإقرار النبى عليه الصلاة والسلام لهم على هذا الفهم. ففى روايات الحديث قال عمر وغيره من الصحابة: " يا رسول الله ما تكلم من أجساد لا أرواح لها ؟ " ، وفى رواية: " وهل يسمعون ؟ " ، وفى رواية: "تدعو أمواتاً ؟" ، وفى رواية: "والله يقول: إنك لا تسمع الموتى".
ولم يُنكِر النبى عليه الصلاة والسلام هذا الفهم من الصحابة الذى كان مستقراً فى نفوسهم واعتقادهم أن الموتى لا يسمعون، إنما قال : "ما أنتم بأسمع لِمَا أقول منهم" ، وفى رواية: " ما أنتم بأسمع منهم ولكن لا يجيبون ".
وعلى هذا فالتفسير (القول) الأول غير سديد ولا يزيل الإشكال.

* القول (التفسير) الثانى : جَعَلَ الموتى هو الموتى الحقيقيون الذين فارقت أرواحهم أجسادهم، والسماع هو السماع المعتاد الذى ينتفع صاحبه به بأخذ معلومة، وهذا هو التفسير السديد الصحيح للآية. فالأصل أن الموتى لا يسمعون كما دلت الأدلة الشرعية من الكتاب، وأما السماع الذى ثبت فى بعض أحاديث السنة (حديث قليب بدر، حديث سماع قرع النعال) فهو سماع مخصوص مستثنى من هذا الأصل، ويكون من باب تخصيص العموم.
وحديث قرع النعال هو: ما ثبت فى الصحيحين من حديث أنس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إنَّ العبد إذا وُضِع فى قبره وتولَّى عنه أصحابه، وإنه ليسمع قرع نعالهم، أتاه مَلَكان ..... " الحديث.
قال الألبانى: (وخلاصة البحث والتحقيق: أن الأدلة من الكتاب والسنة وأقوال أئمة الحنفية وغيرهم .... على أن الموتى لا يسمعون، وأنَّ هذا هو الأصل، فإذا ثبت أنهم يسمعون فى بعض الأحوال، كما فى حديث خَفْق النِّعال، أو أنَّ بعضهم سمع فى وقت ما كما فى حديث القليب، فلا ينبغى أن يُجعَل ذلك أصلاً، فيقال: إنَّ الموتى يسمعون، كما فعل بعضهم، كلا فإنها قضايا جزئية، لا تُشكِّل قاعدة كلية يُعارَض بها الأصل المذكور، بل الحق أنه يجب أن تُستَثْنَى منه، على قاعدة استثناء الأقل من الأكثر، أو الخاص من العام، كما هو المقرر فى علم أصول الفقه).
أما اعتراض السيدة عائشة فقد أجاب عنه أصحاب هذا القول كما سيلى ذكره.

جواب أصحاب القول الثانى على اعتراض السيدة عائشة وردِّها للفظة "لَيَسْمَعُون" بلفظة " لَيَعْلَمُون" من وجهين :
الوجه الأول : قولها " إنهم الآن لَيَعْلَمُون" وإنْ كانت سمعته من النبى عليه الصلاة والسلام، فإنه لا يعارض لفظة "لَيَسْمَعُون" ، لأن العلم لا ينافى السماع، فمن جاز عليه العلم جاز عليه السماع، كما أن السماع مصدر من مصادر العلم، فهو من المصادر التى بها يُتَحصَّل على العلم.
قال البيهقى: (العلم لا يمنع من السماع).
قال الإسماعيلى: (وأما جوابها بأنه إنما قال " إنهم الآن لَيَعْلَمُون"، فإنْ كانت سمعت ذلك، فلا ينافى رواية: "يسمعون" بل يؤيدها).
الوجه الثانى : أنها استدلَّت بالآية على عدم السماع، وهذا لا حجة فيه لأن الآية من باب العموم المخصوص بالحديث، أى أن الحديث خصَّص الآية ، وهذا كثيرٌ فى كتاب الله وأحاديث رسوله عليه الصلاة والسلام.
الوجه الثالث : أنه وردت رواية للسيدة عائشة عند الإمام أحمد، قالت فيها بلفظة السماع وليس العلم.
قال ابن حجر: ( ومِن الغريب أنَّ فى المغازى لابن إسحاق رواية يونس بن بكير بإسناد جيد، عن عائشة مثل حديث أبى طلحة وفيه: "ما أنتم بأسمع لما أقول منهم" وأخرجه أحمد بإسناد حسن، فإن كان محفوظاً فكأنها رجعت عن إنكاره لِما ثبت عندها من رواية هؤلاء الصحابة لكونها لم تشهد القصة ).

الخلاصة فى الأقوال لإزالة الإشكال :
الأصل أن الموتى لا يسمعون (كما دلت آيات القرآن) إلا من شاء الله
أن يُسْمِعَه (كما دلت أحاديث قليب بدر، وسماع قرع النعال).
فالمذكور بالآيات من عدم (نفى) السماع عام ، والمذكور بالأحاديث من حدوث (إثبات) السماع خاص ، أى أن الآيات من باب العموم المخصوص بالأحاديث، أو أن الآيات من باب المطلق المقيَّد بالأحاديث.
وأما عن السبب الذى من أجله خصَّ الله أهل القليب بسماع كلام النبى عليه الصلاة والسلام بعد موتهم فهو كما قال قتادة فى آخر روايته (أحياهم الله حتى أسمعهم قوله توبيخاً وتصغيراً ونقمة وحسرة وندماً).
وأما عن قول عائشة وردها للفظ السماع بلفظ العلم، فقد تم الرد عليه من وجهين: أحدهما أن العلم لا ينافى السماع بل السماع أداة للعلم، والثانى أنها فى رواية عند أحمد قالت بلفظ السماع.
وأما عن حديث أبى هريرة عند مسلم والذى فيه تحية أهل المقابر : "السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون" ، فإنه من باب الأذكار والدعاء، وليس من باب الخطاب الذى يستدعى السماع والرد، شأنه شأن ما يقوله المصلِّى فى التشهد: (السلام عليك أيها النبى ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين)، فهذا من أذكار الصلاة التى يقولها المصلِّى فى سره ولا يسمعها أحد غيره.
 

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,949
مجموع الإعجابات
1,976
النقاط
113
تم بحمد الله الانتهاء من مراجعة جميع المشاركات بالموضوع، وتصحيح بعض الأخطاء اللغوية الناشئة عند الكتابة، وأرجو من الإخوة الأعضاء تنبيهى إذا كان هناك أى خطأ لغوى فى أى مشاركة لم أنتبه إليه فى حرف أو تشكيل أو كلمة أو ما شابه، لأقوم بتصحيحه.
 
أعلى