مختصر رسالة أحاديث العقيدة المتوهَّم إشكالها فى الصحيحين

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,949
مجموع الإعجابات
1,976
النقاط
113
إخوانى الكرام أعضاء ومشرفى وإدارى ملتقى المهندسين العرب
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أقدم لكم فى هذا الموضوع - بإذن الله - مختصراً لرسالة طيبة ماتعة تفيد كل مسلم ومسلمة بصفة عامة، وكل طالب وطالبة علم بصفة خاصة.
عنوان الرسالة : (أحاديث العقيدة المتوهَّم إشكالها فى الصحيحين) ،
وهى رسالة دكتوراه للشيخ سليمان بن محمد الدبيخى – دكتور محاضر بكلية المعلمين بمدينة حائل (بالمملكة العربية السعودية).
وأرجو من الله تعالى ألا يكون هذا الموضوع بالطويل الممل ولا القصير المخل ، ومن أراد الاستزادة فعليه بكتب العلم الشرعية فى هذا الموضوع أو ليرجع إلى الرسالة فهى متاحة على شبكة الانترنت.
وبإذن الله سوف أورد هذا المختصر تباعاً فى المشاركات التالية بالموضوع ، لذا أرجو المتابعة معى حتى نهاية الموضوع إن شاء الله.
أسأل الله أن يوفقنا جميعاً لما يحبه ويرضاه ، وأن يعلمنا ما ينفعنا وينفعنا بما علمنا ويزدنا علماً.
 

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,949
مجموع الإعجابات
1,976
النقاط
113
محتوى الرسالة

محتوى الرسالة

تتكون الرسالة من تمهيد وثلاثة أبواب كالتالى :

التمهيد : ويحوى البنود التالية
تعريف مُشْكَل الحديث و تعريف مُخْتَلف الحديث
الفرق بين مُشْكَل الحديث ومُخْتَلف الحديث
أشهر الكتب المؤلفة فى مُشْكَل الحديث
ظواهر الكتاب والسنة كلها حق
العمل بالمُحْكَم والإيمان بالمُتَشَابِه
علاقة المُشْكَل بالمُتَشَابِه
صور المُتَشَابِه
هل صفات الله تعالى من قبيل المُتَشَابِه ؟
أسباب استشكال النصوص أو الاشتباه فيها


الباب الأول : أحاديث فى باب الإيمان بالله تعالى، ويتكون من فصلين :
الفصل الأول :
الأحاديث المتوهم إشكالها فى الأسماء والصفات (يتكون من تمهيد و11 مبحث)
الأول : خلق الله آدم على صورته
الثانى : وإذا أتانى يمشى أتيته هرولة
الثالث : إن لله تسعة وتسعين اسماً
الرابع : لا يملُّ الله حتى تملُّوا
الخامس: مَرِضْتُ فلم تَعُدْنِى
السادس : ما أحدٌ أَصَبَر على أذىً سمعه من الله
السابع : ما تَرَدَّدْتُ فى شىء أنا فاعِلُه
الثامن: سبعة يُظلِّهم الله فى ظِلِّه يوم لا ظِلَّ إلا ظِلُّه
التاسع : يؤذينى ابن آدم يسبُّ الدَّهر وأنا الدَّهر
العاشر : الرَّحِم شِجْنَة من الرَّحمن
الحادى عشر : فإذا متُّ فأحرقونى ثم اسحقونى
الفصل الثانى :
الأحاديث المتوهم إشكالها فى القَدَر (يتكون من 3 مباحث)
الأول : حجَّ آدمُ موسى
الثانى : خلق الله التربة يوم السبت
الثالث : لا يُدخِل أحداً الجنَّةَ عملُه


الباب الثانى : أحاديث فى باب النبوَّة ، ويتكون من 7 مباحث :
الأول : نحن أحق بالشكِّ من إبراهيم عليه السلام
الثانى : ما جاء فى سحر النبى صلى الله عليه وسلم
الثالث : ما جاء فى إرسال الشُّهُب على الشياطين
الرابع : إنى أبرأ إلى الله أن يكون لى منكم خليل
الخامس : حديث شريك فى الإسراء
السادس : لَطْمُ موسى عليه السلام لمَلَك الموت
السابع : اسمعوا وأطيعوا وإن استعْمِل عليكم عبدٌ حبشىّ


الباب الثالث : أحاديث فى باب أشراط الساعة والمَعَاد ، ويتكون من فصلين :
الفصل الأول :
الأحاديث المتوهم إشكالها فى أشراط الساعة (يتكون من 5 مباحث)
الأول : لا تزال طائفة من أمَّتى ظاهرين
الثانى : إنَّ أول الآيات خروجاً طلوع الشمس من مغربها
الثالث : ما جاء فى طواف الدجَّال بالبيت مع أنه لا يدخل مكة ولا المدينة
الرابع : لا تقوم السَّاعة حتى يتقارب الزَّمان
الخامس : أن تَلِدَ الأمَة ربَّتَها
الفصل الثانى :
الأحاديث المتوهم إشكالها فى المَعَاد (يتكون من 6 مباحث)
الأول : أحاديث الميزان فى ما الذى يُوزَن
الثانى : إنَّ أشدَّ الناس عذاباً عند الله يوم القيامة المصوِّرون
الثالث : طُوبَى له عصفور من عصافير الجنَّة
الرابع : وإنَّ ناساً من أصحابى يؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: أصحابى
الخامس : شفاعة النبى صلى الله عليه وسلم لعمِّه أبى طالب
السادس : ما جاء فى سماع الأموات
 

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,949
مجموع الإعجابات
1,976
النقاط
113
التمهيد

التمهيد
أولاً : تعريف المُشْكَل لغة واصطلاحاً (مُشْكَل الحديث) :
المشكل لغة : يدور معناه حول المماثلة والاشتباه والالتباس والاختلاط.
المشكل (مُشْكَل الحديث) اصطلاحاً :
أحاديث مَرْويَّة عن النبى صلى الله عليه وسلم بأسانيد مقبولة يُوهِم ظاهرها معانى مستحيلة أو مُعَارِضة لقواعد شرعية ثابتة.
يوهم ظاهرها: أى أن قارئها هو الذى يرى هذا بفهمه، أما على وجه الحقيقة فهو غير موجود.
وهو ما سيتم دراسته بهذه الرسالة (رسالة أحاديث العقيدة المتوهَّم إشكالها بالصحيحين)، علماً بأن كل الأحاديث المذكورة بالرسالة (المتوهَّم إشكالها) واردة فى الصحيحين (البخارى ومسلم) أو أحدهما.

ثانياً : تعريف المُخْتَلَف لغة واصطلاحاً (مُخْتَلَف الحديث) :
المختلف لغة : مِن الاختلاف الذى هو ضد الاتفاق.
المختلف (مختلف الحديث) اصطلاحاً :
أنْ يأتى حديثان متضادان فى المعنى ظاهراً.
وهو ما تم دراسته فى رسالة أحاديث العقيدة التى يوهم ظاهرها بالتعارض.

ثالثاً : الفرق بين مُشْكَل الحديث ومُخْتَلَف الحديث :
(1) مختلف الحديث يعنى التعارض الظاهرى بين حديثين أو أكثر.
أما مشكل الحديث فهو أشمل وأعمّ لأنه يشمل مختلف الحديث كحالة من حالاته أو صورة من صوره بالإضافة إلى حالات أخرى ، وحالاته أو صوره كما يلى:
أ- تعارض ظاهرى بين حديثين أو أكثر (مختلف الحديث)
ب- غموض فى دلالة لفظ الحديث على معناه لسبب فى اللفظ ذاته
ج- تعارض ظاهرى بين آية وحديث
د- معارضة الحديث للإجماع أو القياس
هـ - مناقضة الحديث للعقل
(2) العمل فى مختلف الحديث لإزالة التعارض الظاهرى فيه، لا بد أن يكون جارياً على القواعد الأربعة التى حدَّدها أهل العلم وهى على الترتيب : (الجمع أو النسخ أو الترجيح أو التوقُّف).
أما العمل فى مشكل الحديث لإزالة إشكالها يكون بالتأمل والنظر فى المعانى التى يحتملها اللفظ وضبطها ثم الاجتهاد فى البحث عن القرائن التى يمكن بواسطتها معرفة المراد وإعاداة النظر فى الثوابت العقلية، فليس كل ما عدُّوه ثوابتاً عقلية يُسلَّم بها ويُعتَرَف بها.
وعليه فإن مشكل الحديث أعمُّ وأشمل من مختلف الحديث، فكل مختلَفٌ مشكل وليس كل مشكَلٌ مختَلَفاً ، فبينهما عموم وخصوص مطلق.

رابعاً : أشهر الكتب المؤلفة فى مختلف الحديث (التعارض الظاهرى) :
1- كتاب اختلاف الحديث - للإمام الشافعى
2- كتاب تأويل مختلف الحديث - للإمام ابن قتيبة.
3- كتاب مشكل الآثار - للإمام الطحاوى.
4- كتاب تأويل الأحاديث المشكلة - للإمام أبى الحسن الطبرى.
5- كتاب مشكل الحديث وبيانه - للإمام ابن فورك.
6- كتاب كشف المشكل من حديث الصحيحين - للإمام ابن الجوزى.

خامساً : ظواهر الكتاب والسنة كلها حق :
* المقصود من الخطاب والكلام هو إفهام السمع مراد المتكلم من كلامه، وأن يبيِّن له ما فى نفسه من المعانى وأن يدلَّه على ذلك بأقرب الطرق.
وذلك يتوقَّف على أمرين مجتمعيْن :
(1) بيان المتكلم، وذلك بأن يكون المتكلم متمكناً من كلامه وإحسان إيصاله.
(2) تمكن السامع من الفهم، وذلك بأن يعلم معنى الألفاظ ودلالتها.
قال ابن القيم : (إذا فهم السامع مقصود المتكلِّم فقد فهم حقيقة كلامه).
* أما إن عجز المتكلم عن الكلام والبيان، أو عجز السامع عن الفهم، أو لم يتمكن من معرفة الألفاظ ، لم يحصل البيان وفهم حقيقة الكلام لهذه الأسباب الثلاثة مجتمعة أو منفردة.
* وأعظم مَن يُحتاج إلى معرفة مراده وفهم حقيقة كلامه هو الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، لأن هذه المعرفة يُبنَى عليها الاعتقاد والعمل الذى يؤدى إلى رضا الله ودخول الجنة والنجاة من النار.

* قاعدةٌ هامة (أصلٌ) عند أهل السنة والجماعة لفهم النصوص :
حَمْل النصوص على ظاهرها مع اعتقاد أنه الحق الذى يوافق مراد الله تعالى ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم لا سيَّما ما ليس للرأى فيه مجال كنصوص الصفات والقدر وأشراط الساعة والمعاد وغيرها من أمور الغيب ، ولكن ذلك بشرط هام وهو ألا يَلْزَم مِن هذا الفهم والاعتقاد (فهم النصوص على ظاهرها) لوازم فاسدة غير مرادة أو يكون القصد والنية على خلاف الظاهر.
والدليل على هذا أنه من المعلوم بالضرورة أنَّ الشارع الحكيم متصف بكمال العلم وصدق الحديث وقوة الفصاحة وحسن البيان وقصد الهدى والإرشاد والبيان، وقد تكلم باللسان المفهوم لدى المخاطَبين، فوجب قبول كلامه وفهمه على ظاهره.
ولو أراد الشارع من كلامه خلاف حقيقته وظاهره الذى يفهمه المخاطَب لكان قد كلَّفه بما لا يطيق وهو أن يفهم مراده بما لا يدل عليه، بل بما يدل على نقيض مراده ، وهذا مُحال فى حق الشارع الحكيم.
* وَصَف الله تعالى كتابه بأوضح البيان وأحسن التفسير وأنه هدى ورحمة ونور وأيسر الذِّكر، وهذا كله يقتضى أن يكون ظاهره مطابقاً لمراده.
قال تعالى : " ولقد يسَّرنا القرآن للذِّكْر فهل من مُدَّكِر "
قال ابن القيم: ( تيسيره للذكر يتضمَّن أنواعاً من التيسير : إحداها: تيسيرألفاظه للحفظ ، الثانى: تيسير معانيه للفهم ، الثالث: تيسير أوامره ونواهيه للامتثال.
ومعلومٌ أنه لو كان بألفاظ لا يفهمها المخاطَب لم يكن مُيَسَّراً له، بل كان مُعَسَّراً عليه ، فهكذا إذا أريدَ مِن المخاطَب أن يفهم من ألفاظه ما لا يدل عليه من المعانى أو يدل على خلافه، فهذا من أشد التعسير وهو منافٍ للتيسير).
* كما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أوتى جوامع الكَلِم، فقد أوتى أبلغ البيان وأفصح القول وأقواه وأيسر الألفاظ وأسهلها مع أعظم العلم الذى يبلغه بشر، لذا فوجب قبول كلامه وحمله على ظاهره.
عند أحمد وابن ماجة والحاكم من حديث العِرْبَاض بن سارية أن النبى صلى الله عليه وسلم قال:
" تركتكم على البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدى إلا هالك ".
والبيضاء : الحُجَّة الظاهرة القوية التى لا لبس فيها ولا اشتباه.
* وعليه يجب حَمْل نصوص القرآن والسنة وفهمها على ظاهرها مع اعتقاد أنه الحق الذى يوافق مراد الله تعالى ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم إلا إذا لزم من هذا الفهم لوازم فاسدة باطلة غير مرادة أو يكون النية والقصد على خلاف الظاهر (التعريض فى الكلام).

* معنى الظاهر (ظاهر النصوص) :
المراد بظاهر النص هو: ما يتبادر إلى الذِّهن من معانى بمجرد سماع ألفاظ النص.
وهو يختلف بحسب السياق وما يُضاف إليه الكلام ، فالكلمة الواحدة يكون لها معنى فى سياق، ومعنى آخر فى سياق آخر.
هذا هو المراد بظاهر النصوص عند السَّلَف وهو غير الظاهر فى اصطلاح الأصوليين الذى يكون فى مقابلة النص( أى يَحتمِل أمرين وهو فى أحدهما أظْهَر).
أما الظاهر عند المتأخرين فيختلف عن الظاهر عند السلف ، فإنَّ بعض المتأخرين قالوا بنفى الظاهر عن كثير من نصوص الكتاب والسنة خاصة ما يتعلق منها بالصفات ، وهذا بلا شك ضلال وباطل على خلاف الحق الذى كان عليه السلف.
قال ابن تيمية : (فلفظة الظاهر قد صارت مشتركة، فإن الظاهر فى الفِطَر السليمة واللسان العربى والدِّين القيِّم ولسان السلف غير الظاهر فى عُرْف كثير من المتأخرين).
وقال ابن تيمية أيضاً : (لفظ الظاهر فيه إجمال واشتراك، فإن كان القائل يعتقد أن ظاهرها التمثيل بصفات المخلوقين، أو ما هو من خصائصهم، فلا ريب أن هذا غير مراد. ولكن السلف والأئمة لم يكونوا يُسمُّون هذا ظاهراً، ولا يرتضون أن يكون ظاهر القرآن والحديث كفراً وباطلاً، والله سبحانه وتعالى أعلم وأحكم من أن يكون كلامه الذى وصف به نفسه لا يظهر منه إلا ما هو كفر وضلال. والذين يجمعون ظاهرها ذلك يغلطون من وجهين: تارة يجعلون المعنى الفاسد ظاهر اللفظ، حتى يجعلوه محتاجاً إلى تأويل يخالف الظاهر، ولا يكون كذلك. وتارة يردُّون المعنى الحق الذى هو ظاهر اللفظ، لاعتقادهم أنه باطل).
قال ابن أبى العِزّ : (يجب أن يُعلَم أنَّ المعنى الفاسد الكفرى ليس هو ظاهر النص ولا مقتضاه، وأنَّ مَن فَهِم ذلك منه فهو لقصور فَهْمِه ونَقْصِ عِلمِه).

سادساً : العمل بالمُحْكَم والإيمان بالمتشابِه :
* قاعدة (أصل) : أجمع أهل السلف على العمل بالمُحْكَم والإيمان بالمتشابه ورَدِّه إلى المُحْكَم. أى أنه يجب الإيمان بكل النصوص محكمها ومتشابهها مع ردِّ المتشابه إلى المحكم، والأخذ مِن المحكم ما يفسِّر المتشابه ويبيِّنه.
قال تعالى : " هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبَابِ ".
* معنى المُحْكَم فى اللغة والاصطلاح :
الإحكام فى اللغة: هو الفصل بين شيئين فصلاً يمنع اختلاطهما وتداخلهما، وهو أيضاً إتقان الشىء وإحسانه.
الإحكام فى الاصطلاح: نوعان إحكام عام وإحكام خاص:
(1) الإحكام (المحكم) العام: إحكام الكلام وإتقانه بتمييز الصدق من الكذب فى أخباره، وتمييز الرشد من الغى فى أوامره.
(2) الإحكام (المحكم) الخاص: هو ما كان معناه واضحاً جليَّاً لا خفاء فيه.
* معنى المُتشابِه فى اللغة والاصطلاح :
المتشابه فى اللغة: هو مشابهة الشىء لغيره لقدر مشترك بينهما مع وجود الفاصل بينهما وهو القدر المميِّز. وهو أيضاً المشكَل والملتبَس.
المتشابه فى الاصطلاح: نوعان تشابه عام وتشابه خاص:
(1) التشابه (المتشابه) العام: تماثل الكلام وتناسبه بحيث يصدِّق بعضه بعضاً، فإذا أمر بأمر لم يأمر بنقيضه فى موضع آخر، وإذا نهى عن شىء لم يأمر به فى موضع آخر، إذا لم يكن هناك نسخ.
والتشابه العام لا ينافى الإحكام العام بل هو مُصدِّق له.
(2) التشابه (المتشابه) الخاص: هو ما لم يتَّضِح معناه واضحاً جليَّاً لا خفاء فيه ، وبهذا يشتبه على بعض الناس دون بعض.
والتشابه الخاص ينافى الإحكام الخاص ويضادّه.
وعليه فوجب العمل بالمحكم وردِّ المتشابه (الخاص) إلى المحكم ليستقيم الفهم والاعتقاد.

سابعاً : علاقة المُشكَل بالمتشابه :
توجد علاقة بين المشكل والمتشابه الخاص كالآتى :
(1) فى التعريف اللغوى، حيث أن كلاهما لغوياً يعنى المماثل والمشتبه والملتبس ، أى مترادفان لغوياً.
(2) فى التعريف الاصطلاحى، حيث أن المشكل يرادف المتشابه الخاص فى أن كليهما هو ما لم يتضح معناه واضحاً جلياً لا خفاء فيه.
إذاً المشكل والمتشابه الخاص مترادفان لغوياً واصطلاحياً، وهما ما يخفى على بعض الناس دون بعض، فمن خفى عليه المعنى المراد من أى حديث أو نص فهو متشابه ومشكل عنده، ومن علم المعنى المراد فقد زال عنه الإشكال وانتفى عنه التشابه وصار محكماً عنده.
وعليه يمكن القول بأن:المشكل يرادف المتشابه الخاص، وكلاهما يضاد المحكم الخاص.

ثامناً : صور المتشابه :
(1) متشابه كلى حقيقى : لا يعلمه إلا الله تعالى فقد استأثر بعلمه عنده سبحانه وتعالى.
(2) متشابه نِسْبِى إضافى : يشتبه على بعض الناس دون بعض.

تاسعاً : هل صفات الله تعالى من قبيل المتشابه ؟
لا يصح إطلاق القول بأن صفات الله تعالى من المتشابه، بل لا بد من التفصيل فى ذلك، فإن صفات الله تعالى لها اعتباران :
الاعتبار الأول: من جهة معناها ، وهى بهذا الاعتبار معلومة لنا أو لبعضنا، فلا يوجد شىء من نصوص الشرع لا يَعلم معناه أحدٌ من الناس، لأنه بهذا يكون أعجمياً لا يُفهَم، وهذا مُنزَّه عن كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم.
الاعتبار الثانى: من جهة كيفيتها وحقيقة ما هى عليه، وهى بهذا الاعتبار غير معلومة لنا أو لأحدٍ منَّا ، لأنه ما استأثر الله بعلمه (متشابه كلى حقيقى).
وعليه فصفات الله تعالى معلومة لنا من وجه، ومجهولة لنا من وجه آخر، فالمعنى معلوم والكيف مجهول. فنؤمن بمعناها الذى دلَّت عليه لغة العرب، وأما كيفيتها فنفوِّض ونَكِل علمها إلى الله ، وذلك لأسباب: (أن الله لم يخبرنا بكيفيتها، ولم نره سبحانه لنعلم الكيفية، وليس سبحانه له مثيل نقيس عليه).
أو بلفظ آخر : صفات الله تعالى لها معنى ولها كيف. معناها يُعَد من التشابه النسبى الذى قد يشتبه على البعض دون الآخر، والذى سرعان ما يزول بردِّه إلى المحكم من أهل العلم الراسخين ، أما كيفيتها تعد من التشابه الكلى الحقيقى الذى لا يعلمه إلا الله تعالى.

عاشراً : أسباب الاستشكال أو الاشتباه في النصوص (سببان وهما) :
(1) الغلط فى الفهم ، وأسبابه :
أ- عدم التدبر التام
ب- غرابة اللفظ
ج- اشتباه المعنى بغيره
د- وجود شبهة فى النفس تعيق الفهم الصحيح وتمنع من معرفة الحق.
(2) ضعف النص ، لمخالفته لصحيح المنقول أو صريح المعقول مخالفة ظاهرة ، لا يمكن معها إدراك مفهومه ودلالته، وعند تأمل درجته والنظر فى سنده نجد أنه لا يصح عن النبى صلى الله عليه وسلم ، وببيان ضعفه يزول إشكاله.
قال ابن تيمية: (لا يُعلَم حديث واحد يخالِف العقل أو السمع الصحيح إلا وهو عند أهل العلم ضعيف، بل موضوع).
ولكن يجب اتهام الفهم أولاً قبل اتهام النص، لأن اتهام الفهم عند استشكال النص يكون مُقدَّماً على اتهام النص بتضعيفه - ما لم يكن ضعفه بيِّناً – فلا يسوغ الاستعجال فى رد النصوص وتوهينها لمجرد استشكالها على البعض ، فكثيرٌ ما يُؤتَى المرء من قِبَل رأيه وفهمه واجتهاده، أما أن يكون النص ضعيفاً فهذا قليل جداً.
ومعالجة السبب الأول (الغلط فى الفهم) تكون بتدبر النصوص وإدامة النظر والتأمل فيها وإزالة الشبهات من النفس وإتقان معرفة معانى الألفاظ ودلالاتها خاصة الغريب منها.
ومعالجة السبب الثانى (ضعف النص) تكون بالنظر إلى صحة النص جيداً وتدبر سنده والبحث فيه ، فإن تبيَّن أنه غير صحيح أو موضوع أو ما شابه فيجب تركه وعدم الأخذ به.
 

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,949
مجموع الإعجابات
1,976
النقاط
113
الباب الأول - الفصل الأول - التمهيد (أصول هامة)

الباب الأول : الأحاديث المتوهم إشكالها فى باب الإيمان بالله تعالى

الفصل الأول : الأحاديث المتوهم إشكالها فى الأسماء والصفات :

تمهيد :

عقيدة أهل السنة والجماعة فى الأسماء والصِّفات :
نذكر أربع أصول هامة فى معتقد أهل السنة والجماعة فى أسماء الله وصفاته، وليست هى كل الأصول التى ذكرها أهل العلم فى باب الإيمان بالأسماء والصفات، ولكننا نوَّهنا على هذه بالذات لأننا سنحتاج إليها كثيراً أثناء دراستنا لأحاديث الأسماء والصفات فى هذه الرسالة.

الأصل الأول: الاعتماد في أسماء الله وصفاته على الكتاب والسنة الصحيحة فقط
(أ) فنثبت ما أثبته الله لنفسه فى كتابه وما أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم فى سنته من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل ولا تفويض.
التحريف: تغيير معنى الصفة وتفسيرها على غير مراد الشارع منها، وهذا تحريف وليس تأويل صحيح. مثل: تفسير صفة اليد لله تعالى بأنها القوة أو النعمة.
التعطيل: نفى معنى الصفة بالكليَّة. ونشأ من الغلو فى تنزيه صفات الله تعالى.
التكييف: هو تعيين كيفية وهيئة للصفة وجعلها على كيفيةٍ ما دون إسقاطها أو جعلها على صفة أحد بعينه. مثل: القول بأن كيفية يد الله كذا وكذا.
التمثيل: هو تشبيه صفات الله بصفات المخلوقين، أى جعل كيفية الصفة على أحد بعينه من المخلوقين. مثل: القول بأن سَمْع الله كسمع الإنسان، ووجه الله كوجه الإنسان.
التفويض: التوقف عن الكلام فى معنى الصفة، والقول بأن ظاهرها غير مراد، ولا يُفهَم المراد منها. والصواب أن يكون التفويض فى كيفية الصفة لا معناها.
(ب) وننفى ما نفاه الله عن نفسه فى كتابه وما نفاه عنه رسوله صلى الله عليه وسلم فى سنته ، مع إثبات كمال ضده لله سبحانه وتعالى. فيجب جمع الاثنين معاً.
مثل: نَفَى الله عن نفسه صفة الموت ، وعليه يجب أن ننفى عنه سبحانه صفة الموت ، مع اعتقاد كمال صفة الحياة له.
(ج) أما فى الصفات التى لم تُذكَر لا بإثبات ولا بنفى فى النصوص.
فيتم التوقف فيها على اللفظ غير الوارد فى النصوص، فلا نثبتها لله ولا ننفيها عنه ، أما بالنسبة لمعنى اللفظ ، فيتم النظر والبحث فيه بتفصيل، فإن أُريد به حق يُقبَل، وإن أُريد به باطل يُرَد ويُنزَّه الله عنه.

الأصل الثانى : الأخذ بظاهر نصوص الأسماء والصفات وإمرارها كما جاءت
وذلك بحملها على ظاهرها دون تأويلها أو التعرُّض لكيفيتها وتفسيرها، فنؤمن ونقر بالصفة التى جاءت فى النص الشرعى الصحيح من الكتاب أو السنة دون التعرُّض لكيفيتها. وليس المراد من عبارة إمرارها كما جاءت هو إمرار ألفاظها دون فهم معانيها كما يفعل الضُّلَّال أصحاب معتقد التفويض، بل المراد منها إجراؤها على ظاهرها والأخذ بما دلَّت عليه فى لغة العرب، لكن دون الوقوف على كيفيتها. فالصواب أن يكون التفويض فى الكيفية لا المعنى.

الأصل الثالث : عدم تمثيل صفات الله تعالى بصفات خلقه
فصفات الله تعالى تليق به وحده، ولا تليق أبداً بغيره من خلقه.
قال تعالى : " ليس كمِثْلِه شَىءٌ وهو السَّميع البصير ".

الأصل الرابع : تفويض الكيفية وقطع الطمع عن إدراكها ، وذلك لأن :
أ- الله تعالى أخبرنا أنه متصف بالصفات ولم يخبرنا كيف هى.
ب- العلم بكيفية الصفة فرع عن العلم بكيفية الموصوف، فإذا كنا لا نعلم كيفية ذات الله تعالى فكذلك لا نعلم كيفية صفاته، فالكلام فى الصفات فرع عن الكلام فى الذات.
ج- الشىء لا تُعلَم كيفيته إلا بمشاهدته أو مشاهدة نظيره أو الخبر الصادق عنه وكل ذلك منتفى فى صفات الله تعالى ، لأننا لم نره سبحانه ، وليس له نظير أو شبيه يقاس عليه، ولم يأتنا خبر من الكتاب أو السنة عن كيفية ذاته أو صفاته العَليَّة.
 

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,949
مجموع الإعجابات
1,976
النقاط
113
الباب الأول - الفصل الأول - المبحث الأول (خَلَقَ اللهُ آدمَ على صورته)

المبحث الأول : خَلَقَ اللهُ آدمَ على صورته
أولاً : سياق الحديث أو الأحاديث المتوَّهم إشكالها :
* فى الصحيحين من حديث أبى هريرة، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال :
" خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعاً ، فلمَّا خلقه قال: اذهب فسلِّم على أولئك – نفر من الملائكة جلوس – فاستمع ما يُحَيُّونَك فإنها تحيَّتك وتحيَّة ذريَّتك، فقال: السلام عليكم ، فقالوا: السلام عليك ورحمة الله، فزادوه: ورحمة الله ، فكل مَن يدخل الجنة على صورة آدم ، فلم يزل الخلق ينقص بعد حتى الآن".
* عند مسلم من حديث أبى هريرة، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال :
" إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه، فإن الله خلق آدم على صورته ".

ثانياً : بيان وجه الإشكال :
استشكل بعض أهل العلم قوله "خلق الله آدم على صورته" ، حيث فهموا منه أن ضمير الهاء فى كلمة (صورته) يعود إلى الله تعالى، وهذا يلزم منه التشبيه، أى تشبيه صورة آدم عليه السلام بصورة الله تعالى، ومعلوم أن التشبيه بين الله وخلقه مُحرَّم كما ذكرنا فى معتقد أهل السنة والجماعة فى أسماء الله وصفاته.

ثالثاً : أقوال أهل العلم لإزالة هذا الإشكال :
* وَرَدَت روايات صحيحة صريحة فى أن ضمير الهاء فى كلمة صورته يعود إلى الله تعالى وليس إلى آدم عليه السلام، منها ما رواه الطبرانى بسند صحيح من حديث ابن عمر، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال : "لا تُقبِّحُوا الوجه، فإنَّ ابن آدم خُلِق على صورة الرحمن".
* سُئِل الإمام أحمد عن حديث "خلق الله آدم على صورته"، فقالوا: على صورة آدم ؟ ، فقال لهم: (فأين الذى يُروَى عن النبى صلى الله عليه وسلم "أن الله تعالى خَلَق آدم على صورة الرحمن" ، وأى صورة كانت لآدم قبل أن يُخلَق ؟) ، أى أن الإمام أحمد يرد عليهم عندما قالوا بأن الهاء عائدة على آدم عليه السلام، فقال: وأى صورة كانت لآدم قبل أن يُخلَق ؟ أى كيف على صورته وهو لم يُخلَق بعد ؟
* بوَّب الإمام الآجُرِّى فى كتابه الشريعة باباً بعنوان الإيمان بأن الله خلق آدم على صورته بلا كيف، ثم ساق فيه هذا الحديث بطرق متعدِّدة، ثم قال: (هذه من السنن التى يجب على المسلمين الإيمان بها، ولا يقال فيها كيف؟ ولم؟ ، بل تستقبل بالتسليم والتصديق وترك النظر).
* قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (هذا الحديث لم يكن بين السلف من القرون الثلاثة نزاع فى أن الضمير عائد إلى الله تعالى، فإنه مستفيض من طرق متعددة عن عدد من الصحابة، وسياق الأحاديث كله يدل على ذلك ...... ، ولكن لما انتشرت الجهمية فى المائة الثالثة جعل طائفةٌ الضمير فيه عائداً إلى غير الله تعالى، حتى نُقِل ذلك عن طائفة من العلماء المعروفين بالعلم والسنة فى عامة أمورهم كأبى ثور وابن خزيمة وأبى الشيخ الأصبهانى وغيرهم، ولذلك أنكر عليهم أئمة الدين وغيرهم من علماء السنة).
* قال الإمام أحمد: (مَن قال: إن الله خلق آدم على صورة آدم فهو جَهْمِىّ، وأى صورة لآدم قبل أن يخلقه؟ ).

آراء أهل العلم فى المسألة : انقسموا إلى أربعة آراء هى :
الأول : فى القرون الثلاثة الأولى المفضلة (من سنة 1هـ إلى سنة 220 هـ)
لم يكن هناك رأى ولا نزاع ، فكل أهل العلم رأوا أن ضمير الهاء فى كلمة (صورته) عائد إلى الله تعالى. وهو الرأى الصحيح الراجح فى المسألة.
الثانى : بعد القرون الثلاثة الأولى
ظهر قولٌ بأن ضمير الهاء عائد إلى آدم نفسه، وليس إلى الله تعالى ، وهذا رأى مرجوح غير صحيح ، لأن حديث ابن عمر صحيح صريح فى أنَّ خَلْق آدم عليه السلام على صورة الرحمن.
والذى قال بهذا القول اثنان :
1- فرقة الجهمية ، وهولاء لا يُعتَد بقولهم ولا يُنظَر إليه، لأنها فرقة ضآلة خرجت عن معتقد أهل السنة والجماعة فى كثير من الأمور.
2- بعض العلماء من أهل السنة والجماعة وعلى رأسهم :
(إبراهيم بن خالد أبو ثور ، محمد ابن خزيمة ، محمد الأصبهانى ، الخطابى). ويُعذَروا إلى الله بزللهم فى هذه المسألة لأنهم كانوا أهل علم ثقات وأصحاب عقيدة سليمة، من أهل السنة والجماعة.
واستدلوا على قولهم هذا بأمور هى :
أ- حديث " خلق الله آدم على صورته طوله ستون ذراعاً ....." ، فقالوا أن لفظة طوله ستون ذراعاً توضِّح أنَّ الضمير عائد إلى آدم عليه السلام، وعليه فضمير الهاء فى صورته عائد أيضاً إلى آدم عليه السلام.
ب- قالوا أنَّ حَمْلِ الحديث على ظاهره يلزم منه لوازم فاسدة وهى تشبيه المخلوق بالخالق، وهو تشبيه مُحرَّم ولا يَصِح فى صفات الله وذاته. فأوَّلوا المعنى بأنه عائد إلى آدم عليه السلام ليفروا من التشبيه.
الثالث : لعلماء القرون بعد الثلاثة ، وهو ما عليه جمهور العلماء
رأوا نفس رأى علماء القرون الأولى بأن الضمير عائد إلى الله تعالى، وأن إضافة الصورة إلى الله تعالى من باب إضافة الصفة للموصوف ، وبهذا يكون جمهور العلماء الأوائل والمتأخرين على هذا الرأى فيما عدا الأربع أئمة المذكورين بالرأى الثانى (أبو ثور، ابن خزيمة، الأصبهانى، الخطابى).
وعلى رأس هذا الرأى من العلماء شيخ الإسلام ابن تيمية الذى أطال الكلام جداً على هذا الحديث كما تقدَّم بعض الأقوال له، وأفاد بأن الضمير عائد إلى الله وليس آدم عليه السلام، وأن إضافة الصورة إلى الله من باب إضافة الصفة للموصوف وليس من باب إضافة المخلوق إلى خالقه.
واستدل هو وغيره من العلماء على صحة رأيهم هذا بالآتى :
1- حَمْلِ النصوص السابقة على ظاهرها، وهو الأصل والقاعدة فى الأخذ بالنصوص الشرعية خاصة نصوص الأسماء والصفات كما أشرنا من قبل.
2- روايات أخرى صحيحة صريحة بأن خَلْق آدم عليه السلام كان على صورة الرحمن، مثل :
- رواية ابن عمر سابقة الذِّكر
- رواية أبى هريرة عند ابن أبى عاصم فى السنة أن النبى صلى الله عليه وسلم قال :
" إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه، فإن صورة وجه الإنسان على صورة وجه الرحمن ".
الرابع : للإمام محمد ابن خزيمة :
وهو أن الضمير عائد إلى الله تعالى، وأن إضافة الصورة إلى الله من باب إضافة المخلوق إلى الخالق، وليس من باب إضافة الصفة إلى الموصوف.
مثل : (ناقة الله، عبد الله، أَمَة الله) ، فكلها إضافة مخلوقين إلى خالقهم.
وهذا الرأى للإمام ابن خزيمة أيضاً ، وقد قاله رداً على افتراض صحة حديث (على صورة الرحمن) لأنه عند ضعيف، وقال إن صحَّ الحديث فيكون الضمير عائد إلى الله، ولكن إضافة الصورة إلى الله من باب إضافة المخلوق إلى خالقه.

ردُّ أهل العلم (أصحاب الرأى الثالث المماثل للرأى الأول) على الأقوال المرجوحة الخاصة بأصحاب الرأى الثانى والرابع :
(1) ردُّوا على قولهم: أن الهاء عائدة على آدم عليه السلام، وإن إعادتها على الله تعالى يقتضى التشبيه بين الله تعالى وآدم عليه السلام.
أ- بأن هذا فيه بُعدٌ عن حمل النصوص على ظاهرها، وأنه تأويلٌ غير مراد، لأن القول به لا يقتضى التشبيه. إذ أنه لا فرق بين إثبات هذه الصفة (الصورة) لله تعالى وبين إثبات باقى الصفات التى يُتوهَّم منها حدوث المشابهة والمماثلة (كاليدين والوجه والعين والأصابع) ، فعلى فرض تأويل الصورة بأنها على صورة آدم للفرار من التشبيه، فيجب أيضاً تأويل صفة اليدين والوجه والعين والأصابع للفرار من التشبيه، وبهذا لن نُثبِت صفة واحدة من الصفات التى أثبتها الله لنفسه.
قال ابن قتيبة : (والذى عندى - والله أعلم - أن الصورة ليست بأعجب من اليدين والأصابع والعين، وإنما وقع الإلف لتلك لمجيئها فى القرآن، ووقعت الوحشة من هذه لأنها لم تأتِ فى القرآن، ونحن نؤمن بالجميع، ولا نقول فى شىء منه بكيفية ولا حد).
ب- ورود الروايات الصحيحة الصريحة التى لا تحتمل التأويل بأن صورة آدم على صورة الرحمن ، مثل روايات (ابن عمر، وأبى هريرة) التى تقدَّم ذكرها.
ج- لا معنى فى أن نقول: أن الله خلق آدم عليه السلام على صورة آدم، لأن آدم عليه السلام هو أول مَن خُلِق من البشر، وصورته تكون بعد خلقه، وليس قبلها أما لو قلنا مثلاً : بأن الله خلق إدريس أو نوح على صورة آدم، عليهم السلام أجمعين ، لكان هناك معنى لوجود صورة مُسبَقة (صورة آدم عليه السلام) ننسب إليها صورة إدريس ونوح عليهما السلام.
وهذا هو ما أشار إليه الإمام أحمد فى قوله: (وأى صورة كانت لآدم قبل أن يُخلَق ؟) أى كيف على صورته وهو لم يُخلَق بعد ؟
(2) ردُّوا على القول الرابع لابن خزيمة: بأن الهاء عائدة على الله تعالى، ولكن إضافة الصورة إلى الله من باب إضافة المخلوق إلى الخالق.
أ- بأن إضافة المخلوق إلى الخالق جاءت فى الأعيان القائمة بنفسها: كالناقة والبيت والأرض، أما الصفات القائمة بغيرها (التابعة): كالعلم والقدرة والكلام والمشيئة والصورة إذا أضيفت يجب أن تكون إضافة صفة إلى موصوف.
ب- أن الحديث الذى نهى عن ضرب الوجه فى القتال (حديث أبى هريرة)، لو كان يعنى إضافة المخلوق إلى خالقه لاستلزم هذا أن ينهى عن ضرب جميع الأعضاء لأن كل الأعضاء خلقها الله.
ج- وهو تعميم للرد السابق ، أنه من المعلوم أن جميع ما يُضْرَب ويُشْتَم من الموجودات هى مخلوقات من خلق الله تعالى مملوكة له، وعليه فلو كانت الصورة من إضافة المخلوق إلى خالقه، لاستلزم ووَجَب ألا يُضرَب أى مخلوق من المخلوقات.

خلاصة القول فى مبحث خلق الله آدم على صورته، والذى به يزول الإشكال :
الهاء فى كلمة (صورته) عائدة إلى الله تعالى، أى على صورة الرحمن، بحمل النص على ظاهره، ومن نصوص أخرى صحيحة صريحة. ويجب الإيمان بذلك والإقرار والتصديق به من غير بحث عن الكيفية والمعنى، إذ أن الصورة هنا مضافة إلى الله من باب إضافة الصفة إلى الموصوف شأنها شأن باقى الصفات (كاليدين، والوجه، والعين، والأصابع) بغير كيفية، وليست من إضافة المخلوق إلى خالقه فهذا خطأ وباطل. وبهذا يزول الإشكال.
وهذا هو قول جمهور العلماء من المتقدمين والمتأخرين ، ولم يخالفه إلا مبتدع كالجهمية ، أو مخطىء زَلَّ ويُعذَر كالأئمة (ابن خزيمة، وأبى ثور، والأصبهانى، والخطابى).

فائدة فى بيان معنى عبارة (على صورته) :
قلنا أن الكيفية والهيئة تُوكَل إلى الله تعالى، لذا فالأَوْلَى أن نسكت كما سكت السلف ، وأن نَرُد علمها إليه سبحانه، مع الجزم بأن الله ليس كمثله شىء.
ولكن ذهب البعض بأن المعنى هو بيان أن آدم عليه السلام خُلِق ذا وجه متصفاً بالسمع والبصر والكلام، والله تعالى له سمع وبصر ويتكلم. وعليه فآدم عليه السلام مخلوق على صورة الله من هذه الحيثية، ولا يلزم بل لا ينبغى من ذلك المماثلة والمشابهة، فلا يلزم أن يكون الوجه كالوجه والسمع كالسمع والبصر كالبصر، وهكذا لا يلزم أن تكون الصورة كالصورة، تعالى الله عن ذلك، "ليس كمثله شىء وهو السميع البصير".
قال شيخ الإسلام فى الصفات: (ما مِن شيئين إلا وبينهما قَدْر مشترك وقَدْر فارق ....، فمن نفى القدر المشترك فقد عطَّل، ومن نفى القدر الفارق فقد مثَّل).
فالشيئان هما صورة الله تعالى، وصورة آدم عليه السلام أو صورة بنيه.
والقدر المشترك هو : الاسم والمعنى
والقدر الفارق هو : الكيفية والهيئة
وعليه فمن نفى القدر المشترك فهو من المعطِّلة أو المفوِّضة النفاة.
ومن نفى القدر الفارق فهو من الممثِّلة والمشبِّهة.

فائدة من الأحاديث السابقة فى بيان حكم الضرب على الوجه :
لا يجوز ضرب المسلم على وجهه ، بأي نوع من أنواع الضرب ، سواء كان على سبيل التأديب ، أو التعليم ، أو التدريب ، أو إقامة حد أو تعزير.
وذلك لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: " إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيَجْتَنِبْ الْوَجْهَ ".
ولقوله صلى الله عليه وسلم : " إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه، فإن صورة وجه الإنسان على صورة وجه الرحمن ".
قال النووي : ( هَذَا تَصْرِيح بِالنَّهْيِ عَنْ ضَرْب الْوَجْه ; لِأَنَّهُ لَطِيف يَجْمَع الْمَحَاسِن , وَأَعْضَاؤُهُ نَفِيسَة لَطِيفَة , وَأَكْثَر الْإِدْرَاك بِهَا ; فَقَدْ يُبْطِلهَا ضَرْب الْوَجْه , وَقَدْ يُنْقِصُهَا , وَقَدْ يُشَوِّه الْوَجْه , وَالشَّيْن فِيهِ فَاحِش ; وَلِأَنَّهُ بَارِز ظَاهِر لَا يُمْكِن سَتْره , وَمَتَى ضَرَبَهُ لَا يَسْلَم مِنْ شَيْن غَالِبًا ).
وقال الحافظ ابن حجر: (وَيَدْخُلُ فِي النَّهْيِ كُلّ مَنْ ضُرِبَ فِي حَدّ، أَوْ تَعْزِير، أَوْ تَأْدِيب).
وقال الصنعاني : ( وهذا النهي عام لكل ضرب ولطم من تأديب أو غيره ).
فى الحديث دلالة على عدم جواز ضرب الوجه حتى في حال المقاتلة والدفاع عن النفس.
وأجاب الشيخ ابن باز - حينما سئل فى أحد الدروس عن الضرب على الوجه هل هو عام فى المرأة وغيرها - بقوله : ( نعم حتى في الدابة، يحرم ضرب الوجه مطلقًا، فقوله " إذا ضرب أحدكم فليتق الوجه " في الدابة وفي غيرها وفي المرأة والولد والخادم ).

فصل فى بيان معنى قوله صلى الله عليه وسلم " فيأتيهم الله فى صورة غير صورته التى يعرفون " :
* فى الصحيحين من حديث أبى هريرة، أن ناساً قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة ؟ فقال: " هل تُضارُّون فى رؤية القمر ليلة البدر؟ " قالوا: لا يا رسول الله، قال: "هل تُضارُّون فى الشمس ليس دونها سحاب؟ " قالوا: لا يا رسول الله، قال: "فإنكم ترونه كذلك، يجمع الله الناس يوم القيامة، فيقول من كان يعبد شيئاً فليتبعه، فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس، ويتبع من كان يعبد القمر القمر، ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها، فيأتيهم الله تبارك وتعالى فى صورة غير صورته التى يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا جاء ربنا عرفناه، فيأتيهم الله تعالى فى صورته التى يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا فيتبعونه ، ويُضرَب الصراط.... " الحديث.
* فى الصحيحين من حديث أبى سعيد الخدرى الطويل، والشاهد منه :
" ..... حتى إذا لم يبقَ إلا مَن كان يعبد الله مِن بر وفاجر، أتاهم رب العالمين فى أدنى صورة من التى رأوه فيها ، ..... فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك لا نشرك بالله شيئاً مرتين أو ثلاثاً، حتى إن بعضهم ليكاد أن ينقلب، فيقول: هل بينكم وبينه آية فتعرفونه بها ؟ ..... ثم يرفعون رؤوسهم وقد تحوَّل فى صورته التى رأوه فيها أول مرة، فقال: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا، ثم يُضرَب الجسر على جهنم ..... " الحديث.
* وفى رواية عند البخارى، والشاهد منها :
" فيأتيهم الجبَّار فى صورة غير صورته التى رأوه فيها أول مرة .... " الحديث.

قال ابن تيمية فى هذه الرويات: (هذا حديثان من أصح الأحاديث).
وهذه الرويات تدل على الآتى :
(1) إثبات الصورة لله تعالى، فهى دليل بجانب الأدلة السابقة على ذلك.
(2) بحمل الألفاظ على ظاهرها، يثبت أن الناس رأوه رؤية متقدِّمة فى صورة معينة.
(3) أن الله يأتيهم فى صورة أخرى غير الصورة المتقدمة التى رأوه عليها، فينكرون أنه هو بل يستعيذون بالله من ذلك.
(4) أن الله يأتيهم مرة ثالثة فى نفس الصورة الأولى التى عرفوه بها.
(5) أن الله يتحول من صورة إلى صورة، فيأتى الناس ثلاث مرات فى صور متغيرة هى :
الأولى : الصورة التى يعرفه الناس بها يوم القيامة.
الثانية : صورة تختلف عن الأولى، لا يعرفها الناس فينكرونها ويستعيذون بالله منها.
الثالثة : هى نفس الصورة الأولى التى عرفه الناس بها.

أقوال أهل العلم فى هذه الروايات :
* ذهب بعض أهل العلم - كأبى عاصم، والدارمى – إلى تأويل هذا الحديث وصرفه عن ظاهره.
قال أبوعاصم : (ذلك تغيُّر يقع فى عيون الرائين كنحو ما يُتخَيَّل إلى الإنسان الشىء بخلاف ما هو به فيتوهَّم الشىء على الحقيقة).
قال الدارمى: (إن الله لا تتغيَّر صورته ولا تتبدَّل ولكن يُمثَّل فى أعينهم يومئذ، أو لم تقرأ كتاب الله: "وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّه تُرْجَعُ الْأُمُورُ").
* ذهب جمهور العلماء إلى حمل الحديث على ظاهره وأن الله يَظهَر للناس يوم القيامة بأكثر من صورة ويتحول من صورة إلى أخرى كما سبق ذكرها ، وذهبوا إلى إبطال التأويل الذى أوَّله أبوعاصم والدارمى بأن ذلك التغير فى عيون الرائين فقط، وقالوا بأنه تأويل باطل مخالف لظاهر النصوص من عدة أوجه هى :
الوجه الأول: ما ورد فى الروايات السابقة من أقوال مثل :
" فيأتيهم الله تبارك وتعالى فى صورة غير صورته التى يعرفون "
" فيأتيهم الله تعالى فى صورته التى يعرفون "
" أتاهم رب العالمين فى أدنى صورة من التى رأوه فيها "
" ثم يرفعون رؤوسهم وقد تحوَّل فى صورته التى رأوه فيها أول مرة "
" فيأتيهم الجبَّار فى صورة غير صورته التى رأوه فيها أول مرة "

فكل هذه الأقوال صريحة واضحة المعنى بأن الله سبحانه يظهر لهم بأكثر من صورة ويتحول من صورة إلى صورة، لا مجرد تغير فى عيون الرائين.
الوجه الثانى: أن الناس لا يعرفون فى الدنيا لله صورة معينة، لأنهم لم يروه مطلقاً فى دنياهم ، كما أن الأوصاف التى وصفت بها الأدلة الشرعية اللهَ تعالى لا توجِب للناس صورة يعرفونها، إذ أنه لا يستطيع عقل إنسان أن يتخيَّل فى الدنيا صورة لله تعالى من خلال هذه الأوصاف المذكورة، لأن الله تعالى قال عن نفسه وذاته: " ليس كمثله شىء وهو السميع البصير ".
الوجه الثالث: أما عن قوله تعالى: " وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا " فهذا التمثيل إذا قُصِد كان مقيَّداً بالرائى لا بالمرئى، فقيَّد ذلك بأعين الرائين ، أما الأحاديث السابقة فليس فيها مثل هذا التقييد الذى بالآية على أعين الرائين.

خلاصة القول فى " فيأتيهم الله فى صورة غير صورته التى يعرفون " :
ثبوت صفة الصورة لله تعالى شأن بقية الصفات، نؤمن بها وبمعناها ونقر بذلك دون أن نعرف أو نسأل عن الكيفية شيئاً، وأن الناس يرون الله فى الآخرة - لا الدنيا - رؤية معينة، ثم يتحول لهم بصورة أخرى غيرها أو أدنى منها ينكروها بل ويستعيذون منها، ثم يأتيهم مرة ثالثة بصورته التى يعرفونها.
أما عن كيفية الصورة وكيفية تغيرها من صورة إلى أخرى فلا ندرى عنها شيئاً، وكذلك كيفية الصورة الراسخة فى عقول الناس وكيفية رؤيتهم لله يوم القيامة لا ندرى عنها شيئاً.
 

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,949
مجموع الإعجابات
1,976
النقاط
113
الباب الأول - الفصل الأول - المبحث الثانى (وإذا أتانى يمشى أتيته هرولة)

المبحث الثانى : وإذا أتانى يمشى أتيته هرولة
أولاً : سياق الحديث أو الأحاديث المتوَّهم إشكالها :
* فى الصحيحين من حديث أبى هريرة، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال :
"يقول الله تعالى: أنا عند ظنِّ عبدى بى، وأنا معه إذا ذَكَرَنى، فإنْ ذَكَرَنى فى نفسِه ذَكَرْتُه فى نفسِى، وإنْ ذَكَرَنى فى ملأٍ ذَكَرْتُه فى ملأٍ خيرٌ منهم، وإنْ تَقَرَّبَ إلىَّ شبراً تقرَّبْتُ إليه ذراعاً، وإنْ تَقَرَّبَ إلىَّ ذراعاً تقرَّبْتُ إليه بَاعاً، وإنْ أتانى يَمشى أَتَيْتُهُ هَرْوَلَة".
* وفى رواية لمسلم من حديث أبى هريرة، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال :
" إن الله قال : إذا تلقَّانى عبدى بشبر تلقَّيْتُه بذراع، وإذا تلقَّانى بذراع تلقَّيْته بِبَاع، وإذا تلقَّانى بِبَاع أَتَيْتُهُ أسرع ".

ثانياً : بيان وجه الإشكال :
الهرولة الواردة فى هذا الحديث والتى هى بين المشى والعَدْو، هل يَصِح أن تَثْبُت صفة لله تعالى على ما يليق بجلاله وعظمته أم أن لها معنى آخر يقتضيه السياق فتُحْمَل عليه؟

ثالثاً : أقوال أهل العلم لإزالة هذا الإشكال :
ذهب أهل العلم فى معنى قوله "وإنْ أتانى يَمشى أَتَيْتُهُ هَرْوَلَة " إلى أنَّ :
الهرولة صفة فِعْليَّة خبرية ثابتة لله تعالى بهذا الحديث، لأنه أخبر بها عن نفسه وهو أعلم بنفسه سبحانه، وشأنها شأن باقى صفات الله تعالى من حيث أنه يجب الإيمان والإقرار بها من غير تكييف ولا تمثيل ولا تحريف ولا تعطيل ولا تفويض، ودون أن ندرى أو نسأل عن كيفيتها شيئاً. وهذا هو مقتضى فهم ألفاظ الحديث وحملها على ظاهرها كما هو المعتقد فى فهم النصوص الشرعية.

ملحوظة هامة :
صفة فِعْليَّة : أى صفة من صفات أفعاله ، وتكون مقرونة بالمشيئة والزمن.
إن شاء فعلها، وإن لم يشأ لم يفعلها، كالغضب والضحك والمشى والهرولة والنزول إلى السماء الدنيا كل ليلة.
وهى تختلف عن صفات الله الذاتية التى لا تنفك أبداً عن الله تعالى ولا يُتصوَّر الذات بدونها، مثل صفة الحياة والسمع والبصر واليدين والوجه وغيرها من الصفات الذاتية.
 

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,949
مجموع الإعجابات
1,976
النقاط
113
الباب الأول - الفصل الأول - المبحث الثالث (إن لله تسعة وتسعين اسماً)

المبحث الثالث : إن لله تسعة وتسعين اسماً
أولاً : سياق الحديث أو الأحاديث المتوَّهم إشكالها :
* فى الصحيحين من حديث أبى هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
" إن لله تسعة وتسعين اسماً، مائة إلا واحداً من أحصاها دخل الجنة ".
* وفى رواية أخرى فى الصحيحين :
" لله تسعة وتسعون اسماً، مائة إلا واحداً، لا يحفظها أحدٌ إلا دخل الجنة وهو وِتْرٌ يُحِب الوِتْر ".

ثانياً : بيان وجه الإشكال :
يوجد بالحديث السابق ثلاث إشكالات هى :
1- العدد المذكور فى الحديث السابق (99 ) هل هو حاصر لأسماء الله تعالى ؟
أى هل هو يمثل كل أسماء الله تعالى فلا تزيد عليه ؟
2- ما معنى الإحصاء الوارد فى الحديث ؟
3- هل يمكن معرفة هذه الأسماء التسعة والتسعين على وجه التعيين ؟

ثالثاً : أقوال أهل العلم لإزالة هذا الإشكال :
* معتقد أهل السنة والجماعة فى أسماء الله تعالى ما يلى :
1- الأصول الأربعة التى تقدَّم ذكرها فى التمهيد.
2- أسماء الله كلها توقيفية على النص، ولا يجوز الاشتقاق من الأفعال أو الصفات اسماً ننسبه إلى الله تعالى.
وعليه لا يصح أن نطلق عليه إلا ما أطلقه سبحانه على نفسه من أسماء حسنى.
مثال : ثبت لله تعالى فِعْل الرؤية وصفة الهرولة ، ولكن لا يصح بناء على هذه الصفات أن ننسب إلى الله اسم الرائى أو المُهروِل ، لأنها أسماء لم ترد فى النصوص الشرعية من كتاب أو سنة.

* ذهب أهل العلم فى هذا الأمر إلى قولين :
القول الأول: أن أسماء الله تعالى محصورة بهذا العدد المذكور فى الحديث (99 اسم) لا تتجاوزه. وإلى هذا ذهب الإمام ابن حزم منكراً على من أجاز الزيادة ، وهذا القول مرجوح بل هو بعيد عن الصواب.
القول الثانى: أن أسماء الله تعالى ليس محصورة بهذا العدد المذكور فى الحديث (99 اسم)، بل تتجاوزه وتتعداه إلى عدد لا يعلمه إلا الله تعالى، وإنما مقصود الحديث بيان أن هذه الأسماء التسع والتسعين قد اختصَّت بأن من أحصاها دون غيرها دخل الجنة. وإلى هذا ذهب جمهور العلماء.
قال النووى: (واتفق العلماء على أن هذا الحديث ليس فيه حصر لأسمائه تعالى، فليس معناه: أنه ليس له أسماء غير هذه التسعة والتسعين، وإنما مقصود الحديث أن هذه التسعة وتسعين من أحصاها دخل الجنة، فالمراد الإخبار عن دخول الجنة بإحصائها لا الإخبار بحصر الأسماء).
الأدلة على صحة القول الثانى:
أ- عند أحمد فى مسنده وابن حِبَّان فى صحيحه، من حديث ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
" ما أصاب أحدٌ قط همٌ ولا حَزَن فقال: اللهم إنى عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتى بيدك ماضٍ فىَّ حكمك، عدلٌ فىَّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سمَّيت به نفسك، أو أنزلته فى كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به فى علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبى ونور صدرى وجلاء حزنى وذهاب همى، إلا أَذْهَب الله همه وحزنه وأبدله مكانه فرحاً ".
والشاهد من الحديث قوله: " أو استأثرت به فى علم الغيب عندك ".
قال الخطَّابى معلقاً على هذا الحديث: (فهذا يدلك على أن لله أسماءً لم يُنزِلها فى كتابه، حجبها عن خلقه، ولم يُظهِرها لهم).
قال ابن القيِّم معلقاً على الحديث : (فجعل أسماءه ثلاثة أقسام : قسم سمَّى به نفسه فأظهره لمَن شاء مِن ملائكته أو غيرهم ولم ينزل به كتابه، وقسم أنزل به كتابه فتعرَّف به إلى عباده، وقسم استأثر به فى علم غيبه فلم يُطْلِع عليه أحداً من خلقه).
ب- عند مسلم من حديث عائشة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول فى دعائه وهو ساجد: "اللهم أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصى ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك".
قال شيخ الإسلام تعليقاً على الحديث: (فأخبر أنه صلى الله عليه وسلم لا يحصى ثناء عليه، ولو أحصى جميع أسمائه لأحصى صفاته كلها، فكان يحصى الثناء عليه لأن صفاته إنما يُعبَّر عنها بأسمائه).
ج- فى الصحيحين من حديث أبى هريرة فى الشفاعة، والشاهد منه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال:
"..... ثم يَفتَح الله علىَّ مِن مَحَامِدِه وحُسْن الثناء عليه شيئاً لم يفتحه على أحد قبلى ....." الحديث.
د- من ألفاظ اللغة العربية ومدلولاتها ندرك أنه عندما يقول الحديث " إن لله تسعة وتسعين اسماً، مائة إلا واحداً من أحصاها دخل الجنة " ، فهذا لا يعنى أن أسماء الله بالضرورة هى تسعة وتسعون فقط.
أمثلة على ذلك :
قال رجلٌ لدىَّ ابن تخرَّج هذا العام من كلية الطب وصار طبيباً. فهذا لا يعنى أنه لديه ابن واحد فقط، بل قد يكون له أبناء آخرين، ولكنه يخبر عن ابنه هذا بالذات الذى تخرَّج هذا العام من كلية الطب.
قال رجلٌ عندى خمسة آلاف من الجنيهات أعددتها للنفقة على طلبة العلم، فهذا لا يعنى أن كل ما يملكه هو خمسة آلاف فقط.
قالت امرأة لدىَّ خاتم ذهب اشتريته من الرياض، وزنه كذا وسعره كذا، فهذا لا يعنى أن كل ما تملكه من الذهب هو هذا الخاتم فقط.

رابعاً : معنى الإحصاء الوارد فى الحديث :
ذَكَر الحديث فضل وثواب من أحصى التسعة وتسعين اسماً بأنه يدخل الجنة، بالإضافة إلى أنَّ العِلْم بها أصلٌ للعِلْم بكل معلوم، فمن أحصى أسماء الله تعالى كما ينبغى فقد أحصى جميع العلوم، لأن المعلومات هى مِن مقتضاها ومرتبطة بها.
أما عن معنى الإحصاء لهذه الأسماء، فقد قيل فيه أقوال هى :
(1) الإحصاء: المراد به العد والحفظ ليدعو الله بها.
وذلك من قوله تعالى : " وأحصى كل شىء عدداً "
(2) الإحصاء: المراد به هو الإطاقة، أى المحافظة على حدودها والقيام بحقها والعمل بمقتضاها.
وذلك من قوله تعالى : " عَلِم أن لن تُحْصوه "
(3) الإحصاء: المراد به هو العقل والمعرفة لمعانيها والإيمان بها.
مأخوذ من الحصاة وهى العقل. تقول العرب: فلان ذو حصاة، أى ذو عقل ومعرفة بالأمور.
قال الإمام أبو إسحاق الزَّجَّاج: (ويجوز أن يكون معناه: مَن عَقَلَها وتَدَّبَر معانيها، مِن الحصاة التى هى العقل).
(4) الإحصاء: المراد به هو قراءة القرآن كاملاً وختمه وحفظه، فيكون بذلك استوفى هذه الأسماء كلها.
ولكن هذا القول ضعيف لأنه قد أغفل الأسماء الحسنى الواردة فى السنة ولم ترد فى القرآن.
والراجح عند أهل العلم : أن الإحصاء هو مجموع الأقوال الثلاثة الأولى كلها، فيكون الإحصاء هو العد والحفظ والعقل والمعرفة والإطاقة ، لأن كل قول من هذه الأقوال لا ينافى الآخر، بل بعضها يكمل بعضاً.
وعليه فيكون معنى "من أحصاها": مَن عدَّها وحفظها وأحاط بها لفظاً وفهم معانيها ودعا الله بها وتعبَّده بمقتضاها (بما دلَّت عليه من معانى)، دخل الجنة.
مراتب الإحصاء :
قال الإمام ابن القيم : (للإحصاء ثلاثة مراتب: المرتبة الأولى إحصاء ألفاظها وعددها، المرتبة الثانية: فهم معانيها ومدلولها، المرتبة الثالثة: دعاؤه بها، كما قال تعالى :
" ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها " ، وهو مرتبتان: إحداهما دعاء ثناء وعبادة، والثانى: دعاء طلب ومسألة ، فلا يُثْنَى عليه إلا بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، وكذلك لا يُسأل إلا بها).

خامساً: هل يمكن معرفة الأسماء الحسنى التسعة والتسعين على وجه التعيين ؟
الصحيح أنه لم يرد تعيينها كلها مجتمعة فى رواية (واحدة) صحيحة لا من قرآن ولا من سنة، أما ما ورد من تعيين لها فى بعض الروايات فهو مدرج فيها من قِبَل الرواة
وأشهرها الروايات الثلاثة التالية :
(1) الرواية التى أخرجها الترمذى وغيره، من طريق الوليد بن مسلم عن شعيب بن أبى حمزة عن أبى الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إنَّ لله تعالى تسعة وتسعين اسماً، مائة غير واحد، من أحصاها دخل الجنة، هو الله الذى لا إله إلا هو الرحمن الرحيم الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن ....... البديع الباقى الوارث الرشيد الصبور".

(2) الرواية التى جاءت عند ابن ماجة فى سننه، من طريق عبد الملك بن محمد الصنعانى عن أبو المنذر زهير بن محمد التميمى عن موسى بن عقبة عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبى هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
"إن لله تسعة وتسعين اسماً مائة إلا واحداً، إنه وتر يحب الوتر، من حفظها دخل الجنة، وهى: الله الواحد الصمد الأول الآخر الظاهر الباطن الخالق البارىء المصوِّر الملك الحق ...... التام القديم الوتر الأحد الصمد الذى لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد ".

(3) الرواية التى أخرجها الحاكم وغيره، من طريق عبد العزيز بن الحصين عن أيوب السختيانى وهشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبى هريرة، عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: " إن لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة: الله الرحمن الرحيم الإله الرب الملك القدوس السلام ..... الشاكر الرفيع الشهيد الواحد ذو الطول ذو المعارج ذو الفضل الخلاق الكفيل الجليل الكريم ".

وملخص تحقيق العلماء فى الروايات الثلاثة أن :
الرواية الأولى التى أخرجها الترمذى وغيره من طريق الوليد بن مسلم، تعتبر من أشهر الطرق وأجودها إسناداً، ولذا كثر كلام أهل العلم بين مُصَحِّح ومُضَعِّف، والراجح والصواب أنها ضعيفة لا تقوم بها حجة.
وأما الروايتان الثانية التى أخرجها ابن ماجة من طريق عبد الملك الصنعانى، والثالثة التى أخرجها الحاكم وغيره من طريق عبد العزيز بن الحصين فهما أكثر ضعفاً من الأولى ، وعليه لا تقوم بهما حجة.
قال الإمام ابن عطية: (فى سرد الأسماء نظر فإن بعضها ليس فى القرآن ولا الحديث الصحيح).
قال البيهقى : (ويحتمل أن يكون التفسير وقع من بعض الرواة).
قال ابن حزم : (وجاءت أحاديث فى إحصاء التسعة والتسعين اسماً مضطربة لا يصح منها شىء أصلاً).
قال الداودى: (لم يثبت أن النبى صلى الله عليه وسلم عيَّن الأسماء المذكورة).
قال ابن كثير: (والذى عوَّل عليه جماعة من الحُفَّاظ، أن سرد الأسماء فى هذا الحديث مُدرَجٌ فيه).
قال الصنعانى: (اتفق الحُفَّاظ من أئمة الحديث أن سردها إدراج من بعض الرواة).
قال ابن العربى: (أُخفِيَت هذه الأسماء المتعددة فى جملة الأسماء الكلية لندعوه بجميعها فنصيب العدد الموعود به فيها).

إذاً الخلاصة فى تعيين الأسماء :
اتفقت كلمة العلماء أنه لم يرد فى تعيين الأسماء كلها مجتمعة نص صحيح يُعتَمَد عليه، والنصوص الواردة التى تقدَّم ذكرها مدرجة من كلام الرواة، وليس من كلام نبينا صلى الله عليه وسلم ، فكلها ضعيفة لا يعوَّل عليها.
ولعلَّ النبى صلى الله عليه وسلم لم يذكرها فى نص واحد لحكمة بالغة، وهى أن يطلبها الناس ويتحرَّوها فى الكتاب والسنة، فيحصل لهم بذلك التعبُّد لله تعالى بجميع أسمائه، ولكن مَن أتى بتسعة وتسعين اسماً بأدلتها من الكتاب والسنة وشروطها من غير اشتقاق لا من صفة ولا من فعل، وزعم أنها المعنيَّة فى الحديث " إن لله تسعة وتسعين اسماً.... "، فقد قال بقول لم يُسبَق إليه من السلف ومردود عليه.
 

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,949
مجموع الإعجابات
1,976
النقاط
113
الباب الأول - الفصل الأول - المبحث الرابع (فإن الله لا يَمَلّ حتى تمَلُّوا)

المبحث الرابع : فإن الله لا يَمَلّ حتى تمَلُّوا
أولاً : سياق الحديث أو الأحاديث المتوَّهم إشكالها :

* فى الصحيحين من حديث عائشة قالت: كان عندى امرأة من بنى أسد، فدخل علىَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "من هذه؟"، قلت: فلانة لا تنام بالليل تذكر من صلاتها، فقال: "مه ، عليكم ما تطيقون من الأعمال، فإن الله لا يملّ حتى تملُّوا".
مَهْ : كلمة تقال للزجر.
* وفى رواية عند مسلم :
" خذوا من العمل ما تطيقون فو الله لا يسأم الله حتى تسأموا ".
* وفى الصحيحين من حديث عائشة قالت: لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الشهر من السنة أكثر صياماً منه فى شعبان، وكان يقول: "خذوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله لن يملَّ حتى تملّوا" ، وكان يقول: "أحب العمل إلى الله ما داوم عليه صاحبه وإن قل".

ثانياً : بيان وجه الإشكال :
لمَّا كان معنى الملل فى اللغة: استثقال الشىء والإعراض عنه والضجر منه، استشكل أهل العلم هذا الحديث لأن الملل فيه مضاف إلى الله تعالى، فهل تَثْبُت صفة الملل لله تعالى أم ماذا ؟

ثالثاً : أقوال أهل العلم لإزالة هذا الإشكال :
* معتقد أهل السنة والجماعة فى صفة الملل :
صفة الملل شأن بقية الصفات التى تثبت لله تعالى على وجه الكمال، ولكن لا توصف له سبحانه على وجه الإطلاق، وإنما توصف له على وجه التقييد الذى ذُكِر فى الحديث "لا يمل حتى تملوا"، كما فى صفة المكر لا يمكر إلا بالماكرين ، ولا يستهزىء إلا بالمستهزئين، ولا يخدع إلا المخادعين، وهكذا فى كل الصفات المقيَّدة.

* ذهب أهل العلم فى هذا الأمر إلى قولين :
القول الأول: حَمْل الحديث على ظاهره بأن الملل صفة ثابتة لله تعالى، وهى بالنسبة له سبحانه صفة كمال وليست صفة نقص، فهى مقيَّدة بالقيد الذى ذُكِر فى الحديث وهو ملل العبد، كصفة الاستهزاء بالمستهزئين والمكر بالماكرين والخداع للمخادعين. فهى من صفاته الفعلية المقرونة بالمشيئة والزمن، إن شاء فعلها وإن شاء لم يفعل. وهذا بخلاف ملل المخلوق الذى فيه نقص ظاهر لأنه يدل على السآمة والضجر والاستثقال. ومِن المعلوم أن الخالق لا يماثله أحدٌ من خلقه بشىء من صفاته، فللخالق صفات تليق به، وللمخلوق صفات تليق به، والاتفاق فى الأسماء لا يلزم منه الاتفاق فى المسمَّيات.
قال الشيخ محمد بن إبراهيم: ("فإن الله لا يمل حتى تملوا" من نصوص الصفات، وهذا على وجهٍ يليق بالبارى، لا نقص فيه، كنصوص الاستهزاء والخداع فيما يتبادر).
قال ابن عثيمين : (المكر والكيد والمِحال من صفات الله الفعلية التى لا يوصف بها على سبيل الإطلاق لأنها تكون مدحاً فى حال وذمَّاً فى حال، فيوصف بها حين تكون مدحاً، ولا يوصف بها إذا لم تكن مدحاً ......، والاستهزاء من هذا الباب، فلا يصح أن نخبر عن الله بأنه مستهزىء على الإطلاق).
القول الثانى: أن الحديث لا يدل على صفة الملل لله تعالى لأنها صفة لا تجوز فى حق الله فهو منزَّه عن النقائص، لذا فأوَّلوا صفة الملل إلى الثواب والجزاء، وعليه يكون المعنى لا يترك الله الثواب والجزاء عن العمل ما لم تملوا العمل وتتركوا فعله. ولكن هذا القول مرجوح.
والصواب والراجح عند أهل العلم هو القول الأول بثبوت صفة الملل لله تعالى صفة فِعْليَّة، مقيدة غير مطلقة، على وجه يليق بجلاله وكماله لا نقص فيها ولا عيب، بخلاف ملل العبد الذى يشوبه النقص والعيب.
 

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,949
مجموع الإعجابات
1,976
النقاط
113
الباب الأول - الفصل الأول - المبحث الخامس (مَرِضْتُ فَلمْ تَعُدْنِى)

المبحث الخامس : مَرِضْتُ فَلمْ تَعُدْنِى
أولاً : سياق الحديث أو الأحاديث المتوَّهم إشكالها :

* عند مسلم من حديث أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
" إن الله عزَّ وجلَّ يقول يوم القيامة: يا ابن آدم مَرِضتُ فلم تَعُدْنى، قال: يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ ، قال: أما علمت أن عبدى فلاناً مرض فلم تعده، أما علمت أنك لو عُدْتَه لوجدتنى عنده، يا ابن آدم استطعمتك فلم تُطعمنى ، قال: يا رب وكيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ ، قال: أما علمت أنه استطعمك عبدى فلان فلم تطعمه، أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندى، يا ابن آدم استسقيتك فلم تسقنى ، قال: يا رب كيف أسقيك وأنت رب العالمين؟ ، قال: استسقاك عبدى فلان فلم تسقه، أما إنك لو سقيته وجدت ذلك عندى ".

ثانياً : بيان وجه الإشكال :
استشكل البعض هذا الحديث لأن فيه إضافة المرض والاستطعام والاستسقاء إلى الله تعالى، وهى صفات نقص لا يجوز أن يوصف الله تعالى به. لذا يرون أنه يحتاج إلى تأويل لأنه جاء فى آخره ما يفسِّره ويُبيِّنه.

ثالثاً : أقوال أهل العلم لإزالة هذا الإشكال :
أكد أهل العلم فى هذا الحديث على أن المتكلم به (الله تعالى) قد بيَّن مراده منه، وأوضح فيه مقصوده، فأزال ما يتوهم فيه من الإشكال ودفع عنه ما قد يقع فيه من الاشتباه، فهو لا يحتاج إلى تأويل.
قال ابن تيمية: ( لا يجوز لعاقل أن يقول: إن دلالة هذا الحديث مخالفة لعقل ولا سمع، إلا من يظن أنه قد دل على جواز المرض والجوع على الخالق سبحانه وتعالى، ومن قال هذا فقد كذب على الحديث، ومن قال إن هذا ظاهر الحديث أو مدلوله أو مفهومه فقد كذب، فإن الحديث قد فسَّره المتكلم به وبيَّن مراده بياناً زالت به كل شبهة، وبيَّن فيه أن العبد هو الذى جاع وأكل ومرض وعاده العُوَّاد، وأن الله سبحانه لم يأكل ولم يُعَد).
قال ابن عثيمين: ( السلف أخذوا بهذا الحديث ولم يصرفوه عن ظاهره بتحريف يتخبطون فيه بأهوائهم، وإنما فسَّروه بما فسَّره به المتكلم به، فقوله تعالى: (مرضت، واستطعمتك، واستسقيتك)، بيَّنه الله تعالى بنفسه حيث قال: (أما علمت أن عبدى فلاناً مرض، وأنه استطعمك عبدى فلان، واستسقاك عبدى فلان)، وهو صريح فى أن المراد به مرض عبد من عباد الله، واستطعام عبد من عباد الله، واستسقاء عبد من عباد الله، والذى فسَّره بذلك هو المتكلم به وهو أعلم بمراده، فإذا فسرنا المرض المضاف إلى الله والاستطعام المضاف إليه والاستسقاء المضاف إليه بمرض العبد واستطعامه واستسقائه، لم يكن فى ذلك صرف الكلام عن ظاهره، لأن ذلك تفسير المتكلم به، فهو كما لو تكلم بها المعنى ابتداء).
قال أبو يعلى: ( اعلم أن هذا الخبر قد اقترن به تفسير من النبى صلى الله عليه وسلم فى بعضه، فوجب الرجوع إلى تفسيره، وذلك أنْ فسَّر قوله مرضت واستطعمت واستسقيت على أنه إشارة إلى مرض وَلَيِّه واستسقائه واستطعامه، وأضاف ذلك إلى نفسه إكراماً لوليِّه ورفعة لقدره، وهذه طريقة معتادة فى الخطاب يُخبِر السيد عن نفسه ويريد عبده إكراماً له وتعظيماً).

رابعاً : قول فاسد للصوفية والرد عليه :
القول : تعلَّق غلاة الصوفية بهذا الحديث واحتجوا به على مذهبهم الفاسد بالحلول أو الاتحاد (اعتقاد أن الرب هو العبد حقيقة) تعالى الله عن ذلك، حيث قالوا أنه سبحانه نسب المرض والاستطعام والاستسقاء إلى نفسه مع أنه يريد مرض عبده واستطعامه واستسقائه، وعليه فهذا دليل عندهم على أن الرب هو العبد ، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
الرد عليه : لا شك أن احتجاجهم هذا باطل ويدل على انحراف فى الفطرة وفساد فى العقل وقصور فى الفهم، لأن النص قد قُرِن به تفسيره وبيَّن المتكلِّم فيه (سبحانه) مراده، فالله تعالى يقول: "أما علمت أنك لو عُدْتَه لوجدتنى عنده" ، ويقول: " أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندى "، ويقول: " أما إنك لو سقيته وجدت ذلك عندى". فلو كان الله تعالى عَيْن المريض والجائع والعاطش كما يقولون، لقال : لوجدتنى إياه، لوجدتنى أكلته، لوجدتنى شربته.
كما أن الحديث فرَّق بين العبد والمعبود، والرَّب والمربوب، وهذا نقضٌ صريح لعقيدة الحلول والاتحاد التى هى كفر صريح.

خامساً : قول فاسد لمؤولة الصفات والرد عليه :
القول : أن أهل السنة قد أوَّلوا هذا الحديث بما يحمله من صفة الله تعالى ولم يحملوها على ظاهرها، فلماذا يُنكِرون علينا تأويلنا للصفات كتأويل صفة اليد بالقدرة، وصفة البصر والسمع بالعلم والإحاطة ؟
الرد من وجهين :
الأول : أنَّ أهل السنة لم يؤولوا الحديث، إنما الحديث هو الذى فسَّر نفسه وبيَّن مراده كما أشرنا فى أقوال العلماء مسبقاً.
الثانى : أنَّ أهل السنة لم يؤولوا الحديث، بل حملوه على ظاهره دون تأويل، فظاهر الحديث هو ما ذَكَره الحديث نفسه بأقوال صريحة بأن العبد هو الذى يمرض ويأكل ويشرب، وليس الله تعالى.
وعليه فالحديث ألفاظه واضحة ومعناه ظاهر واضح، فسَّر نفسه بنفسه، فلا يحتاج إلى تأويل ولا تفسير، فحُمِل على ظاهره المراد.
 

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,949
مجموع الإعجابات
1,976
النقاط
113
الباب الأول - الفصل الأول - المبحث السادس (ما أحدٌ أصبر على أذىً سمعه من الله)

المبحث السادس : ما أحدٌ أصبر على أذىً سمعه من الله
أولاً : سياق الحديث أو الأحاديث المتوَّهم إشكالها :

* فى الصحيحين من حديث أبى موسى الأشعرى قال: قال النبى صلى الله عليه وسلم :
"ما أحد أصبر على أذىً سمعه، من الله، يَدعُون له الولد ثم يعافيهم ويرزقهم".
ومعنى العنوان : أى لا أحد أصبر من الله على أذىً سمعه، فبرغم أنه سبحانه خلق العباد ورزقهم وتفضَّل عليهم بنعمه التى لا تعد ولا تحصى إلا أن منهم من يكفر به وينسب له الولد، كما فعلت النصارى حين قالوا بأن عيسى عليه السلام ابن الله - تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً – ومع هذا يصبر علي أذاهم ويعافيهم ويرزقهم.

ثانياً : بيان وجه الإشكال :
من كلام ابن القيم (بتصرف يسير) فى كتابه عدة الصابرين :
(أُشكِل هذا الاسم - يعنى: الصبور - على كثير من العلماء، وقالوا لم يأتِ فى القرآن، فأعرضوا عن الاشتغال به صفحاً ثم اشتغلوا بالكلام فى صبر العبد وأقسامه، ولو أنهم أعطوا هذا الاسم حقَّه لعلموا أن الرب أحق به من جميع الخلق، كما هو أحق باسم العليم والرحيم والقدير والسميع والبصير والحى وسائر أسمائه الحسنى من المخلوقين، وأن التفاوت الذى بين صبره سبحانه وصبرهم كالتفاوت الذى بين حياته وحياتهم، وعلمه وعلمهم، وسمعه وأسماعهم، وكذا سائر صفاته).
إذاً وجه الإشكال هو إضافة صفر الصبر لله تعالى، ولعلَّ سبب هذا الإشكال هو ما يصاحب الصبر من الألم والحزن والمشقة إضافةً إلى أنه قد يكون ناتجاً عن ضعف وعجز وعدم قدرة، وكل هذا منزَّه عنه الله تعالى.

ثالثاً : أقوال أهل العلم لإزالة هذا الإشكال :
اتفق وأجمع أهل السنة والجماعة على ثبوت صفة الصبر لله تعالى على مايليق بجلاله وعظمته، فقد أطلقه عليه أعرف الخلق به (محمد صلى الله عليه وسلم ) وأعظمهم تنزيهاً له بصفة المبالغة كما فى الحديث السابق " ما أحد أصبر ... من الله ".
كما اتفق أهل السنة ولم يختلفوا فى معنى هذه الصفة المضافة لله على ما هو معلوم من معناها فى اللغة والشرع بعيداً عن تأويلات المتأولين والمتكلمين، فمعنى صبر الله تعالى كما بيَّن آخر الحديث السابق: أنه الذى لا يعاجل العصاة بالعقوبة بل يزيد على ذلك بأنه يحسن إليهم فيعافيهم ويرزقهم.
قال ابن القيم : (وصبر الله تعالى لا يماثله شىء من الصبر لأنه صبر من كامل القوة عظيم القدرة والبطش فى مقابلة غاية الإساءة والأذية من الخَلْق، فهو يفارق صبر المخلوق من عدة وجوه منها :
1- أنه عن قوة كاملة وقدرة تامة بخلاف صبر المخلوق فإنه قد يكون عن ضعف وعجز.
2- أن الله تعالى لا يخاف بصبره فوت العقوبة، بينما العبد يخاف ذلك، ولهذا فإنه (العبد) يستعجل العقوبة أحياناً لخوف الفوت.
3- أن الله تعالى لا يلحق بصبره ألم ولا حزن ولا نقص بوجه من الوجوه بخلاف صبر المخلوق).

قاعدة :
لا يلزم من وقع الأذى حصول الضرر، فالله تعالى يؤذيه ما يقال فيه من قبيح القول وما يُقابَل به من سىء الأفعال لكنه لا يتضرر بذلك، لذلك أثبت الله تعالى الأذى فى كتابه ونفى الضرر.
قال تعالى: " إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله فى الدنيا والآخرة ".
قال تعالى: "ولا يحزنك الذين يسارعون فى الكفر إنهم لن يضروا الله شيئاً " آل عمران 176
وعند مسلم من حديث أبى ذر، أن النبى صلى الله عليه وسلم فيما روى عن الله تبارك وتعالى أنه قال :
"يا عبادى إنكم لن تبلغوا ضُرِّى فتضرُّونى ولن تبلغوا نفعى فتنفعونى ..." الحديث.
قال شيخ الإسلام معلِّقاً على الآية 176 من سورة آل عمران
( بيَّن سبحانه أن الخلق لا يضرونه لكن يؤذونه إذا سبّوا مقلِّب الأمور).
وقال أيضاً : (وكل الذين يؤذون الله ورسوله هو الذى مكَّنهم وصبر على أذاهم بحكمته، فلم يفتقر إلى غيره ولم يخرج شىءٌ عن مشيئته ولم يفعل أحد ما لا يريد ).
ومعنى لم يفتقر إلى غيره : أى لم يحتاج من غيره أن يحثَّه على الصبر.
وعليه فإن حصول الأذى يقع لله بإرادته ومشيئته الكونية بحسب ما تقتضيه حكمته، فلا يقع فى ملكه إلا ما يشاء، لا مُكْرِه له سبحانه وتعالى. ولذلك نثبت صفة الصبر لله تعالى مع ما يليق مع كماله وجلاله وعظمته، ونثبت وقوع الأذى له سبحانه مع ما يليق مع كماله وجلاله وعظمته وبإرادته ومشيئته الكونية، وننفى عنه وقوع الضرر عليه سبحانه لا يضره أحد ولا يضره شىء كما لا ينفعه أحد ولا ينفعه شىء.

الفرق بين الصبر والحِلْم :
صبر الله تعالى قريب من معنى حِلمِه بل ذهب البعض أنهما بمعنى واحد.
قال ابن القيم : (لمَّا كان اسم الحليم أُدخِل فى الأوصاف، واسم الصبور فى الأفعال، كان الحلم أصل الصبر، فوقع الاستغناء بذكره فى القرآن عن اسم الصبور، والله أعلم).
1- الصبر ثمرة الحلم وموجبه، فعلى قدر حلم العبد يكون صبره، فالحلم فى صفات الرب تعالى أوسع من الصبر.
2- الحلم صفة ذاتية لله تعالى لا تنفك عنه ولا تزول ، أما الصبر فصفة فعلية متعلقة بالمشيئة، وهو متعلِّق بكفر العباد وشركهم وأنواع معاصيهم، فإذا زال متعلقه كان كسائر الأفعال التى توجد لحكمة وتزول بزوالها.
قال ابن القيم : (وإذا أردت معرفة صبر الرب تعالى وحلمه، والفرق بينهما، فتأمل قوله تعالى: " إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليماً غفوراً ". ففى الآية إشعار بأن السماوات والآرض تهم وتستأذن بالزوال لِعِظَم ما يأتى به العباد، فيمسكهما بحلمه ومغفرته وذلك حبس عقوبته عنهم وهو حقيقة صبره تعالى.
 

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,949
مجموع الإعجابات
1,976
النقاط
113
الباب الأول - الفصل الأول - المبحث السابع (ما تردَّدتُ عن شىء أنا فاعله)

المبحث السابع : ما تردَّدتُ عن شىء أنا فاعله
أولاً : سياق الحديث أو الأحاديث المتوَّهم إشكالها :

* عند البخارى من حديث أبى هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
" إن الله قال: من عادى لى ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرَّب إلىَّ عبدى بشىء أحب إلىَّ مما افترضت عليه، وما يزال عبدى يتقرَّب إلى بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذى يسمع به، وبصره الذى يبصر به، ويده التى يبطش بها ورجله التى يمشى بها، وإن سألنى لأعطينَّه ولئن استعاذنى لأعيذنَّه، وما تردَّدت عن شىء أنا فاعله تردُّدى عن نفس المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته ".

ثانياً : بيان وجه الإشكال :
(1) تضمَّن الحديث صفة التردد وأضافها إلى الله تعالى، والتردد معناه التوقف فى الأمر وعدم العزم عليه، وغالباً ما يكون سببه هو عدم العلم بالعواقب المترتبة على فعل الأمر من عدمه.
فهل يجوز وصف الله تعالى بالتردد ؟ ، وإذا جاز فما هو معناه فى حقه تعالى وهو يعلم عواقب الأمور كلها بعلمه الأزلى ؟
(2) تضمَّن الحديث قوله تعالى : " كنت سمعه الذى يسمع به، وبصره الذى يبصر به، ويده التى يبطش بها ورجله التى يمشى بها "
فكيف يكون الله سبحانه سَمْعَ العبد وبصره ويده ورجله ؟

فائدة فى بيان صحة الحديث :
انتقد بعض العلماء هذا الحديث وعدُّوه من غرائب الصحيح (صحيح البخارى)، إلا أنه حديث صحيح صحَّحه البخارى وابن حبَّان والبغوى وابن تيمية والسيوطى والشوكانى
وقال عنه ابن تيمية: (هذا أصح حديث يُروَى فى الأولياء).

ثالثاً : أقوال أهل العلم لإزالة الإشكال الأول (التردد) :
ذهب أهل العلم فى مسألة التردد إلى قولين (أشبه بأقوالهم فى صفة الملل) :
القول الأول :
إجراء الحديث على ظاهره، وإثبات صفة التردد لله تعالى على ما يليق بكماله وعظمته وجلاله مع القطع بكون تردده سبحانه ليس أبداً كتردد المخلوق ،
قال تعالى : " ليس كمثله شىء وهو السميع البصير ".
قال ابن باز : (التردد وصف يليق بالله تعالى، لا يَعلَم كيفيته إلا هو سبحانه، وليس كترددنا، والتردد المنسوب لله لا يشابه تردد المخلوقين، بل هو تردد يليق به سبحانه كسائر صفاته جل وعلا).
وقال أهل العلم أن تردد الله تعالى ليس منشأه عدم العلم بعواقب الأمور أو عدم الجزم بأحد الطرفين، إنما هو تردد مفسَّر فى الحديث نفسه، حيث قال تعالى: "يكره الموت وأنا أكره مساءته" ، وفى رواية: "يكره الموت وأنا أكره مساءته ولا بد له منه" ، فهذا هو حقيقة تردده سبحانه، وهو كون الفعل مراداً لله تعالى من وجه ومكروها له من وجه، فهو سبحانه يريد الموت لعبده لأنه قد قضى به عليه ولا بد له منه، ومع ذلك فالله يكره الموت لعبده لأنه يكره ما يكرهه عبده، ولذلك قال : "وأنا أكره مساءته".
قال شيخ الإسلام : (الواحد منَّا يتردد تارة لعدم العلم بالعواقب وتارة لما فى الفعلين من المصالح والمفاسد، فيريد الفعل لما فيه من المصلحة ويكرهه لما فيه من المفسدة لا لجهله منه بالشىء الواحد الذى يُحَب من وجه ويُكره من وجه كما قيل :
الشيب كره وكره أن أفارقه -------------- فاعجب لشىء على البغضاء محبوب
وهذا مثل إرادة المريض لدوائه الكريه، بل جميع ما يريده العبد من الأعمال الصالحة التى تكرهها النفس هو من هذا الباب ....
والمقصود هنا: أن التنبيه على أن الشىء المعين يكون محبوباً من وجه، مكروهاً من وجه، وأن هذا حقيقة التردد، وكما أن هذا فى الأفعال فهو فى الأشخاص، والله أعلم).
القول الثانى :
تأويل الحديث وصرفه عن ظاهره، ونفى صفة التردد عن الله تعالى لأنها لا تليق بكماله وجلاله، وحملوها على أنها كناية عن محبة الله لعبده المؤمن، ومنهم من حملها على أنها ترديد الرسل بمعنى : ما ردَّدتُ رسلى فى شىء أنا فاعله ترديدى إياهم فى نفس المؤمن.
ولكن هذا القول (الرأى) مرجوح ، لأنه صرف الحديث عن ظاهره من غير قرينة تُوجِب ذلك.
والصواب والأرجح هو الرأى الأول بإثبات صفة الملل لله تعالى على ما يليق بكماله وجلاله وعظمته.

رابعاً : أقوال أهل العلم لإزالة الإشكال الثانى (سمع العبد وبصره ....) :
* احتجَّ أهل الحلول والاتحاد من غلاة الصوفية بهذا الحديث على صحة مذهبهم الباطل الفاسد، وقالوا أن هذا يوجب أن يكون (عين الله هى عين عبده الصالح الولى، وسمعه هو سمع وليه، ويده هى يد وليه، ورجله هى رجل وليه) ، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
* أما أهل السنة والجماعة فقد قالوا بأن معنى قوله " فإذا أحببته كنت سمعه الذى يسمع به، وبصره الذى يبصر به، ويده التى يبطش بها ورجله التى يمشى بها " هو أن الله تعالى يسدِّد الولى فى سمعه وبصره ويده ورجله، فتكون هذه الأعضاء مشغولة بالله تعالى طاعة وامتثالاً فلا يصغى بسمعه ولا يرى ببصره ولا يبطش بيده ولا يمشى برجله إلا إلى ما يرضى الله تعالى، وهذا من أعظم ثمار التقرب إلى الله تعالى وتحصيل محبته سبحانه.
قال ابن تيمية : (الحديث حق كما أخبر النبى صلى الله عليه وسلم، فإن ولى الله لكمال محبته لله، وطاعته لله يبقى إدراكه لله وبالله، وعمله لله وبالله، فما يسمعه مما يحبه الحق أحبه، وما يسمعه مما يبغضه الحق أبغضه، وما يراه مما يحبه الحق أحبه، وما يراه مما أبغضه الحق أبغضه، ويبقى فى سمعه وبصره من النور ما يميِّز به بين الحق والباطل).
قال ابن عثيمين فى معنى الحديث: (أن الله تعالى يسدِّد هذا الولى فى سمعه وبصره وعمله، بحيث يكون إدراكه بسمعه وبصره، وعمله بيده ورجله كله لله تعالى إخلاصاً، وبالله تعالى استعانة، وفى الله تعالى شرعاً واتباعاً، فيتم له كمال الإخلاص والاستعانة والمتابعة وهذا غاية التوفيق، وهذا ما فسَّره به السلف، وهو تفسير مطابق لظاهر اللفظ موافق لحقيقته متعيَّن بسياقه، وليس فيه تأويل ولا صرف للكلام عن ظاهره، ولله الحمد والمنة).
* ردَّ أهل السنة والجماعة على الكلام الباطل لأهل الحلول والاتحاد والمتعلق بهذا الحديث، من أقوال الحديث نفسه كالتالى :
- " من عادى لى ولياً فقد آذنته بالحرب "
فقد ميَّز سبحانه وتعالى بين نفسه وبين وليه وبين عدو وليه.
- " وما يزال عبدى يتقرَّب إلى بالنوافل "
فقد فرَّق سبحانه وتعالى بين العبد المتقرِّب، والرب المتقرَّب إليه.
- " وإن سألنى لأعطينَّه ولئن استعاذنى لأعيذنَّه "
فقد فرَّق سبحانه وتعالى بين العبد السائل المستعيذ وبين الرب المسئول المستعاذ به.
وكل هذا يناقض الحلول والاتحاد.
 

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,949
مجموع الإعجابات
1,976
النقاط
113
الباب الأول - الفصل الأول - المبحث الثامن (سبعة يُظلِّهم الله فى ظِلِّه يوم لا ظِلَّ إلا ظِلُّه)

المبحث الثامن : سبعة يُظلُّهم الله فى ظِلِّه يوم لا ظلَّ إلا ظِلُّه
أولاً : سياق الحديث أو الأحاديث المتوَّهم إشكالها :

* فى الصحيحين من حديث أبى هريرة ، عن النبى صلى الله عليه وسلم قال :
" سبعة يُظلُّهم الله تعالى فى ظِلِّه يوم لا ظلَّ إلا ظِلُّه : إمامٌ عادل، وشابٌ نشأ فى عبادة الله، ورجلٌ قلبه معلَّق فى المساجد، ورجلان تحابَّا فى الله اجتمعا عليه وتفرَّقا عليه، ورجلٌ دَعَتْه امرأة ذات منصب وجمال فقال: إنى أخاف الله، ورجلُ تصدَّق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تُنفِق يمينه، ورجلٌ ذَكَرَ الله خالياً ففاضت عيناه ".

ثانياً : بيان وجه الإشكال :
جاء الظل مضافاً إلى الله تعالى فى الحديث، فهل يكون صفة من صفاته أم ماذا؟ وإذا لم يكن صفة من صفاته فعلام يُحمَل ؟

ثالثاً : أقوال أهل العلم لإزالة هذا الإشكال :
اختلف أهل العلم فى الظل المذكور فى الحديث السابق على ثلاثة أقوال :
(1) أن المراد بالظل هو ظل العرش (ظل عرش الرحمن).
وأصحاب هذا القول هم: (الطحاوى، ابن رجب، القرطبى، ابن حجر، السيوطى، ابن منده، حافظ الحكم، ابن عبد البر فى أحد قوليه، وغيرهم).
وهو الرأى الراجح والأصوب بإذن الله، لورود الأدلة الشرعية التى تُدِّعمُه.
(2) أن المراد بالظل المضاف إلى الله فى الحديث هو رحمته أو رعايته وحمايته.
وأصحابه هم: ( ابن عبد البر فى قوله الآخر، البغوى، البيهقى، غيرهم).
وهو رأى مرجوح لأن فيه إخراج للفظ (ظله) عن ظاهره وحقيقته من غير قرينة تُوجِب ذلك.
(3) أن المراد بالظل هو ظل يخلقه الله تعالى لأنه فى ذلك الوقت لا يوجد شىء يظل الخلائق من الشمس.
وصاحب هذا القول هو محمد ابن عثيمين.
وهو رأى مرجوح لأنه يفتقر إلى دليل شرعى يدل عليه، لأنه غيب والغيب سبيله الوقوف عند حدود ما ورد. كما أن فيه دخول فى الكيفية، حيث أنه استدل على صحة قوله بأن الظل لا يكون إلا بشىء تحت الشمس، والعرش لا يكون تحت الشمس بل أعلاها، وهذا دخول فى الكيفية، ومذهب أهل السنة والجماعة التفويض فى الكيف، والأصل أن الله على كل شىء قدير.

الأدلة الشرعية لأصحاب القول الأول على صحة قولهم :
(1) رواية سعيد بن منصور من حديث سلمان، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال:
" سبعة يظلهم الله فى ظل عرشه .... " الحديث، وحسَّن إسناده ابن حجر والعينى والسيوطى. وفيه لفظ : ظل عرشه، مما يدل على أن الظل هو ظل العرش.
(2) رواية الطحاوى فى مشكل الآثار من حديث أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " سبعة يظلهم الله تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله ... " الحديث.
والروايتان السابقتان هما روايتان لنفس الحديث، وهى مفسِّرة للرواية السابقة للبخارى ومسلم.
(3) حديث آخر عند الترمذى وأحمد والطبرانى، من رواية أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من أنظر معسراً أو وضع له، أظله الله يوم القيامة تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله ".
وفى رواية للطبرانى فى المعجم الكبير، من حديث أبى اليسر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من أنظر معسراً أو وضع عنه، أظله الله تعالى فى ظل عرشه ".
وفى رواية أخرى للطبرانى ، من حديث أبى اليسر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من أنظر معسراً أو وضع عنه، أظله الله تعالى فى ظله ".
إذاً الروايتان السابقتان لأبى اليسر جاءتا بلفظين: (ظل عرشه) مضافة إلى عرشه، (ظله) مضافة إلى الله تعالى، ولا يجوز حمل رواية ظل العرش على رواية ظل الله، لأنه لا يمكن أن يُطلَق ظل العرش ويراد به ظل الله، لكن العكس ممكن، لأن الله تعالى هو خالق العرش، والتعبير بظل العرش عن ظل الله جاء مُصرَّحاً فى سياق واحد عند أحمد والطبرانى، من حديث العرباض بن سارية قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " قال الله : المتحابُّون بجلالى فى ظل عرشى يوم لا ظل إلا ظلى ".
(4) عند أحمد، من حديث أبى قتادة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
" من نفَّس عن غريمه أو محا عنه كان فى ظل العرش يوم القيامة ".
(5) عند أحمد، من حديث معاذ بن جبل قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " المتحابُّون فى الله على منابر من نور فى ظل العرش يوم لا ظل إلا ظله ".

الخلاصة فى هذا المبحث لإزالة الإشكال :
أن الظل المذكور فى الأحاديث هو ظل العرش بما دلَّت الأدلة الشرعية على ذلك ، وأضيف الظل إلى الله تعالى إضافة المخلوق إلى الخالق – لا إضافة الصفة إلى الموصوف – وهى إضافة تشريف، مثل: بيت الله، وناقة الله.
 

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,949
مجموع الإعجابات
1,976
النقاط
113
الباب الأول - الفصل الأول - المبحث التاسع (يؤذينى ابن آدم يَسبُّ الدَّهرَ وأنا الدَّهرُ)

المبحث التاسع : يؤذينى ابن آدم يَسبُّ الدَّهرَ وأنا الدَّهرُ
أولاً : سياق الحديث أو الأحاديث المتوَّهم إشكالها :

* فى الصحيحين من حديث أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
" قال الله : يؤذينى ابن آدم يسبُّ الدهرَ، وأنا الدهرُ، بيدى الأمر أقلِّب الليل والنهار ".
وفى رواية للبخارى : " لا يقولنَّ أحدكم : يا خيبة الدهر، فإن الله هو الدهر ".

ثانياً : بيان وجه الإشكال :
ذَكَرَ الحديث : (وأنا الدهر) ، (فإن الله هو الدهر)
والدهر فى اللغة هو الزمان، فكيف يكون الدهر بهذا المعنى هو الله تعالى ؟
إجماع عند أهل السنة والجماعة :
قال ابن تيمية : (أجمع المسلمون وهو مما عُلِم بالعقل الصريح، أن الله ليس هو الدهر الذى هو الزمان أو ما يجرى مجرى الزمان).

ثالثاً : أقوال أهل العلم لإزالة هذا الإشكال :
ذهب أهل العلم فى معنى الدهر بالحديث السابق إلى قولين هما :
القول الأول : أن الحديث جاء لرد ما كان عليه أهل الجاهلية من نسبة المصائب التى تصيبهم والكوارث التى تحل بهم إلى الدهر، فبيَّن الحديث أن هذه النسبة غير صحيحة وأن الفاعل الحقيقى هو الله عزَّ وجلَّ لا الدهر، فإذا سبُّوا الفاعل فإنما يكونوا قد سبوا الله تعالى إذ هو الفاعل لا الدهر.
وعليه يكون معنى قوله "وأنا الدهر": ما فسَّره بقوله "بيدى الأمر أقلِّب الليل والنهار"
ويكون معنى قوله "فإن الله هو الدهر" : أى مدبِّر الأمر ومصرِّفه، ولا يكون اسماً من أسماء الله الحسنى المتعبَّد بها.
وإلى هذا القول ذهب جمهور أهل العلم.

القول الثانى : أن الدهر من أسماء الله تعالى، ومعناه: القديم الأزلى.
وإلى هذا القول ذهب البعض اعتماداً على الحديث السابق ، ولكنه قول مرجوح بعيد عن الصواب.

من أدلة أصحاب القول الأول (الراجح) على قولهم :
(1) أن الحديث ذاته هو الذى فسَّر قوله "وأنا الدهر" : بقوله " بيدى الأمر أقلِّب الليل والنهار ".
قال ابن عثيمين : (فهو سبحانه خالق الدهر وما فيه، وقد بيَّن أنه يقلِّب الليل والنهار، وهما الدهر، ولا يمكن أن يكون المقلِّب (بكسر اللام) هو المقلَّب (بفتحها)، وبهذا تبيَّن أنه يمتنع أن يكون الدهر فى هذا الحديث مراداً به الله تعالى).
(2) أنَّ الأصل فى أسماء الله تعالى أنْ تكون حسنى بالغة فى الحسن غايته، ولا بد أن تشتمل على وصف ومعنى على أحسن ما يكون من الأوصاف والمعانى. والدهر اسم جامد لا يتضمَّن معنى أو وصف يُلحِقُه بالأسماء الحسنى، إنما هو اسم للوقت والزمن.


فائدة فى صور سبِّ الدهر ( من كلام ابن عثيمين بتصرف يسير) :
سب الدهر ينقسم إلى ثلاثة أقسام :
الأول: أن يقصد الخبر المحض دون اللوم أو السب، فهذا جائز.
مثل أن يقول: تعبنا من شدة الحر فى هذا اليوم أو من برده، أو ما شابه،
لأن الأعمال بالنيَّات واللفظ صالح لمجرد الخبر، ومنه قول لوط عليه السلام: "هذا يوم عصيب".
الثانى: أن يَسُبَّ الدهر على أنه هو الفاعل، كأن يعتقد بسبِّه الدهر أن الدهر هو الذى يقلِّب الأمور إلى الخير والشر، فهذا شرك أكبر لأنه اعتقد أن مع الله خالقاً.
الثالث: أن يَسُبَّ الدهر لا لاعتقاد أنه هو الفاعل، بل يعتقد أن الله هو الفاعل، لكن يسبَّه لأنه محلٌ لهذا الأمر المكروه عنده، فهذا محرَّم لأن سبَّه فى الحقيقة يعود إلى سبِّ الله عزَّ وجلّ، وليس بشرك لأنه لم يسبَّ الله تعالى مباشرة.

المفاسد المترتِّبة على سبِّ الدهر :
قال ابن القيم فى سب الدهر : (فى هذا ثلاث مفاسد عظيمة :
إحداها : سبُّه مَن ليس بأهلٍ أن يُسَبَّ، فإن الدهر خلْقٌ مُسخَّر مِن خلْقِ الله، منقاد لأمره مذلَّل لتسخيره، فسابه أولى بالذمِّ والسبِّ منه.
الثانية : أن سبَّه متضمِّن للشرك، فإنه إنما سبَّه لظنِّه أنه يضر وينفع، ....
الثالثة : أن السبَّ منهم إنما يقع على من فعل هذه الأفعال، والتى لو اتبع الحق فيها أهواءهم لفسدت السماوات والأرض، وإذا وقعت أهواؤهم حمدوا الدهر وأثنوا عليه).
 

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,949
مجموع الإعجابات
1,976
النقاط
113
الباب الأول - الفصل الأول - المبحث العاشر (الرَّحِم شِجْنَة مِن الرَّحمن)

المبحث العاشر : الرَّحِم شِجْنَة مِن الرَّحمن
أولاً : سياق الحديث أو الأحاديث المتوَّهم إشكالها :

* عند البخارى من حديث أبى هريرة، عن النبى صلى الله عليه وسلم قال :
"الرَّحِم شِجْنَة مِن الرَّحمن، فقال الله : مَن وَصَلَكِ وَصَلْتُه، ومَن قَطَعَكِ قَطَعْتُه".
* فى الصحيحين من حديث أبى هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
" خلق الله الخلق فلمَّا فرغ منه، قامت الرَّحِم، فقال: مَهْ، قالت: هذا مقام العائذين بك من القطيعة، فقال : ألا تَرْضِين أن أَصِلَ مَن وَصَلَكِ وأقْطَعَ مَن قَطَعَكِ ؟ قالت: بلى يا رب، قال : فذلك لكِ " ثم قال أبو هريرة: " فهل عَسَيْتُم إنْ تَولَّيْتُم أنْ تُفسِدوا فى الأرض وتُقَطِّعوا أرْحَامَكَم ".
وفى لفظ للبخارى لنفس الحديث :
" خلق الله الخلق فلمَّا فرغ منه، قامت الرَّحِم فأَخَذَتْ بحَقْو الرحمن، فقال: مَهْ ... " الحديث.
* روى البخارى من حديث عائشة، عن النبى صلى الله عليه وسلم قال :
" الرَّحِم شِجْنَة، فمَن وَصَلَهَا وَصَلْتُه، ومَن قَطَعَهَا قَطَعْتُه ".
* عند مسلم من حديث عائشة قالت: قال سول الله صلى الله عليه وسلم :
" الرَّحِم مُعلَّقَة بالعرش تقول: مَن وَصَلَنِى وَصَلَه الله، ومَن قَطَعَنِى قَطَعَه الله ".
معانى بعض الكلمات بالأحاديث :
شِجْنَة : جزء أو شعبة
الرَّحِم : الأقارب أو القرابة
الحَقْو : بعض أعضاء البدن، فهو الخصْر ومَشَدّ الإزار
مَهْ : كُف ، اكْفُف ، ماذا أفعل ؟

ثانياً : بيان وجه الإشكال :
الإشكال الأول : قوله "الرَّحِم شِجْنَة مِن الرَّحمن" ، لأنه معلوم أن الرحم ليست جزءاً من الرحمن ولا بعضاً منه ولا صفة من صفاته، فما معنى كونها شجنة من الرحمن ؟
الإشكال الثانى : قوله " فأَخَذَتْ بحَقْو الرحمن " ، فهل يثبت الحَقْو صفة لله تعالى كما هو ظاهر الحديث ؟

ثالثاً : أقوال أهل العلم لإزالة هذا الإشكال :
بالنسبة للإشكال الأول :
الشجنة فى اللغة أصلها : عروق الشجر المشتبكة
الشواجن : الأودية كثيرة الشجر
قال ابن تيمية : (يعنى : لها تعلق تقرب من الرحمن).
والمعتمد عند أهل العلم أن الرَّحم من الله خلقاً وإيجاداً، لا صفة ولا نعتاً ولا جزءاً من ذات الله تعالى ، واشتق اسمها (الرَّحم) من اسم الله الرَّحمن.
والأدلة على ذلك :
(1) عند أبى داود والترمذى من حديث عبد الرحمن بن عوف، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال :
"قال الله تبارك وتعالى: أنا الله وأنا الرحمن، خَلقْتُ الرَّحم وشَققْتُ لها مِن اسمى، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها بتَتُّه".
إذاً الرَّحم مخلوقة كما ورد فى هذا الحديث، وكما ورد فى حديث أبى هريرة سابق الذكر، ومعلوم أن صفات الله كلها ملازمة له أزلية بأزليته غير مخلوقة، فكيف يُتَوَهَّم أن الرحم جزء من ذات الله تعالى أو بعض منه أو صفة له ؟
قال الإسماعيلي : ( معنى الحديث : أن الرحم اشتق اسمها من اسم الرحمن، فلها به علقة، وليس معناها أنها من ذات الله، تعالى الله عن ذلك).
(2) لفظة مِن فى قوله "الرَّحِم شِجْنَة مِن الرَّحمن" : لابتداء الغاية وليست للتبعيض، أى أن الرحم من الله خلقاً وإيجاداً، لا جزءاً أو بعضاً منه، ولا صفة أو نعتاً له.
وهذا كما فى قوله تعالى : "إنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه".
فلفظة روح منه تعنى : روح صادرة منه، أى من الأرواح التى خلقها الله، ولا تعنى أنها بعضاً منه أو جزءاً من ذاته كما يدَّعِى النصارى.
وكما فى قوله تعالى : "وسخَّر لكم ما فى السماوات وما فى الأرض جميعاً منه"
فلفظة منه هنا لليست للتبعيض، بل تعنى من خلقه أو مخلوقاته، فلا يمكن لعاقل أن يدَّعى أن ما فى السماوات والأرض من شمس وقمر وجبال وأنهار جزء من ذات الله أو صفة من صفاته ، إنما هى مخلوقات من مخلوقاته.
ونرجع للقاعدة التى توضح أنواع المضاف إلى الله.
أنواع المضاف إلى الله نوعان :
الأول: إضافة صفة لموصوف، وتكون للشىء غير القائم بنفسه، لا عيناً بذاته
مثل: (كلام الله ، رحمة الله، يد الله)، فكلها تضاف إلى الله إضافة صفة لموصوف وليس إضافة مخلوق إلى خالق.
الثانى: إضافة مخلوق إلى خالق، وتكون للشىء القائم بذاته، عيناً بنفسه أو حالَّاً فى قائم بنفسه.
مثل : (ناقة الله، عباد الرحمن، عبد الله ، أَمَة الله، شجنة من الرحمن) فكلها أشياء قائمة بذاتها، عينا بنفسها ، فكلها تضاف إلى الله إضافة مخلوق لخالقه، وليس إضافة صفة لموصوف.
ومثل : (روح منه) فهى شىء حالٌّ فى قائم بنفسه، أى موجودة فى الإنسان القائم بنفسه، فتكون أيضاً مضافة إلى الله إضافة مخلوق إلى خالق.
بالنسبة للإشكال الثانى :
المعتمد عند أهل العلم هو إثبات صفة الحقو لله تعالى على ما يليق بجلاله وعظمته مع نفى المماثلة وعدم توهم النقص فى حقه سبحانه، بل يُمرَّر الحديث كما جاء بنصِّه دون سؤال عن الكيفية.
قال الإمام أحمد : (يُمْضَى الحديث كما جاء).
قال ابن حامد : (وكذلك فى الرحم تأخذ بحقو الرحمن صفة ذاته، لا يُدْرَى ما التكييف فيها ولا ماذا صفتها).
قال الإمام صديق حسن خان فى صفو الحقو وجملة من صفات الله تعالى : (فكل هذه الصفات تُسَاق مَساقاً واحداً، ويجب الإيمان بها على أنها صفات حقيقية لا تشبه صفات المخلوقين، و لا يمثَّل ولا يعطَّل ولا يُرَد ولا يُجحَد ولا يُؤَّوَل بتأويل يخالف ظاهره).
* عند أحمد وابن أبى عاصم من حديث ابن عباس، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال:
"إن الرحم شجنة، آخذة بحجزة الرحمن، يصل من وصلها ويقطع من قطعها".
الحجزة : موضع شد الإزار، فهى بمعنى الحقو
قال أبو يعلى : (اعلم أنه غير ممتنع حمل هذا الخبر على ظاهره، وأن الحقو والحجزة صفة ذات).

الخلاصة
(1) قوله "الرَّحِم شِجْنَة مِن الرَّحمن" : أى جزءاً من خلق الرحمن، وليست جزءاً من ذات الله ولا صفة من صفاته، فهى مضافة إلى الله إضافة مخلوق إلى خالقه وليست إضافة صفة لموصوف.
(2) ثبوت صفة الحقو لله تعالى على ما يليق بجلاله وعظمته مع نفى المماثلة وعدم توهم النقص فى حقه سبحانه، ودون سؤال عن الكيفية، شأنها شأن باقى الصفات.
 

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,949
مجموع الإعجابات
1,976
النقاط
113
الباب الأول - الفصل الأول - المبحث الحادى عشر (فإذا مِتُّ فأحرقونى ثم اسحقونى)

المبحث الحادى عشر : فإذا مِتُّ فأحرقونى ثم اسحقونى
أولاً : سياق الحديث أو الأحاديث المتوَّهم إشكالها :

* فى الصحيحين من حديث أبى هريرة، عن النبى صلى الله عليه وسلم قال :
"كان رجلٌ يُسرِف على نفسه، فلمَّا حَضَرَه الموت قال لبنيه : إذا أنا مِتُّ فأحرقونى ثم اطحنونى ثم ذَرُّونى فى الريح، فوالله لئن قَدَرَ علىَّ ربِّى ليعذِّبَنى عذاباً ما عذَّبَه أحداً، فلمَّا مات فُعِل به ذلك، فأَمَرَ الله الأرض فقال: اجمعى ما فيك منه، فَفَعَلَتْ فإذا هو قائم، فقال: ما حَمَلَك على ما صَنَعْت ؟ ، قال: يا ربِّ خشيَتُك، فغفر له ".
وفى رواية لغيره : "مخافتك يا رب".
يُسرِف على نفسه : أى فى المعاصى
حضره الموت : مقدِّمات الموت
قائم : أى بين يدى الله تعالى
* فى الصحيحين من حديث أبى سعيد، عن النبى صلى الله عليه وسلم قال :
" أن رجلاً كان قبلكم رَغَسَه الله مالاً، فقال لبنيه لمَّا حُضِر: أىّ أبٍ كنتُ لكم؟ ، قالوا: خير أب، قال: فإنى لم أعمل خيراً قط، فإذا مِتُّ فأحرقونى ثم اسحقونى ثم ذرُّونى فى يوم عاصف ففعلوا، فجمعه الله عزَّ وجلّ فقال: ما حَمَلَك ؟ ، قال: مخافتك، فتلقَّاه برحمته ".
حُضِر : حَضَرَه الموت ، رَغَسَه الله مالاً : رزقه الله مالاً نامياً فيه سَعَة وبركة
* عند البخارى من حديث حذيفة، عن النبى صلى الله عليه وسلم قال :
" كان رجل مِمَّن كان قبلكم يُسىء الظنَّ بعمله، فقال لأهله: إذا أنا مِتُّ فخذونى فذرُّونى فى البحر فى يوم صائف ففعلوا به، فجمعه الله ثم قال: ما حَمَلَك على الذى صنعت ؟ ، قال: ما حملنى إلا مخافتك، فغفر له ".

ثانياً : بيان وجه الإشكال :
ظاهر الأحاديث أنَّ الرجل شكَّ فى قدرة الله تعالى أنه لن يستطيع جمعه إذا فَعَل به بنوه ما أمرهم به مِن حَرْقِه وطَحْنِه وذَرْيِه فى الرياح، وأجمع أهل العلم أن الشك فى صفة من صفات الله تعالى أو البعث كُفْر، وقد أخبر الحديث أن الله قد غفر له ورحمه، فكيف يُغفَر لكافر، وقد دلَّت الأدلة على وجوب النار للكافر مُخلَّداً فيها وعدم المغفرة له ؟

ثالثاً : أقوال أهل العلم لإزالة هذا الإشكال
هذه الأحاديث من باب الأخبار، وكما هو المعتقد فى الأخبار أنه يجب التصديق لها والإيمان والإقرار بما فيها، وعليه فإن هذا الرجل سيرحمه الله لا محالة ويغفر له ويدخله الجنة، لذا يجب أن نحمل مقالته التى ظاهرها الكفر على محمل لا يتنافى مع رحمة الله ومغفرته ودخوله الجنة بعيداً عن الكفر الذى يقتضى العذاب.
ذكر أهل العلم فى هذه الأحاديث عدة أقوال (أرجحها وأصوبها القول الأول) هى :
القول الأول :
أن الرجل شك فى قدرة الله تعالى على جمعه بعد تحريقه وطحنه وتفرُّق أجزائه، كما شك فى إحيائه وبعثه بعد ذلك، لكنه كان جاهلاً فيعذر بجهله ولا يُكفَّر. فمن جهل صفة من صفات الله تعالى وآمن بسائر صفاته وعرفها لم يكن بجهله بعض صفات الله تعالى كافراً، إنما الكافر من عاند الحق لا من جهله.
قال ابن تيمية : (هذا رجل شك فى قدرة الله وفى إعادته إذا ذُرِّى، بل اعتقد أنه لا يُعَاد، وهذا كفر باتفاق المسلمين، لكن كان جاهلاً لا يعلم ذلك، وكان مؤمناً يخاف الله أن يعاقبه فغفر له بذلك).
إذاً شكُّ الرجل كان فى أصلين عظيمين هما :
(1) الأول : متعلق بالله تعالى، وهو الإيمان بأنه على كل شىء قدير.
(2) الثانى : متعلق باليوم الآخر، وهو الإيمان بأن الله يعيد هذا الميت ويجزيه على أعماله.
ولكن هناك تفصيل هام جداً فى المسألة كما يلى :
بالنسبة للأصل الأول المتعلِّق بالإيمان بالله تعالى :
جَهِل الرجل وشكَّ فى قدرة الله المطلقة وليس فى مطلق القدرة ،
فقد كان مؤمناً بمطلق القدرة (ثبوت صفة القدرة لله وأنه قدير) ،
وجهل وشك فى قدرة الله المطلقة ( أن الله على كل شىء قدير).
فقد جهل وشك أن الله سيستطيع أن يجمعه بعد ما سيفعله به بنوه من حرق وطحن وتذرية لجسده ، ولكنه كان مؤمناً بأن الله يستطيع جمعه إذا دفن بعد موته بطريقة عادية ، وهذا ما حمله على أن يأمر أولاده بأن يفعلوا به ذلك.
بالنسبة للأصل الثانى المتعلق باليوم الآخر :
لم ينكر البعث أو الحساب من أصله، ولكنه شك وجهل فى إمكانية بعثه بعد حرقه وطحنه وتذريته فى الهواء.
وهذا جهل يُعذر صاحبه ولا يكفَّر فهو من أهل الإيمان، وعليه يدخل فى رحمة الله ومغفرته إن شاء سبحانه.
والدليل على ذلك ظاهر الحديث وقول الرجل عندما يسأله الله عن سبب فعله لذلك : (خشيتك أو مخافتك)، فلو كان غير مؤمن بمطلق القدرة وكان منكراً للبعث، ما خشى الله من ذنوبه التى اقترفها، وما أمر أولاده بفعل ذلك معه.
كما أنه أوصى أولاده قبل موته، والوصية فى حد ذاتها دليل على الإيمان بالله تعالى والإيمان بالبعث والنشور.
إذاً خلاصة القول الأول : أن الرجل لديه أصل الإيمان بالله واليوم الآخر، ولكنه جهل فى بعض الأمر ، وعليه يعذر بجهله ولا يكفَّر.

القول الثانى :
قوله (لئن قَدَرَ علىَّ ربِّى) بمعنى قدَّر، فهو من القدر والقضاء وليس من القدرة التى هى من صفات الله تعالى، وعليه يكون معناه (لئن كان قد سبق فى قدر الله وقضائه أن يُعذِّب كل مجرم على جرمه، ليعذبنى عذاباً شديداً على كل ما فعلت من ذنوب) ، وهو بهذا شك فى هل قدَّر الله عليه العذاب وقضى به أم لا ، ولم يشك فى قدرة الله تعالى، وهذا جائز، وعليه لا يُكفَّر ويدخل فى رحمة الله ومغفرته بمشيئته.
ودليل هذا القول من قوله تعالى عن نبى الله يونس عليه السلام :
" فظنَّ أن لن نَقْدِرَ عليه " أى نُقَدِّر عليه، من باب التقدير (القَدَر) وليس من باب القدرة، فيستحيل قطعاً أن يشك نبى من أنبياء الله اصطفاه وأرسله الله فى قدرة الله تعالى.

القول الثالث :
أن هذا الرجل غلب عليه الخوف والجزع، فقال هذه العبارة (لئن قدر علىَّ ربِّى) وهو لا يدرى ما يقول فأخطأ من شدة خوفه وجزعه من عذاب الله له لكثرة ذنوبه وخطاياه، فهو كالرجل الذى ورد فى حديث أنس بن مالك بصحيح مسلم، والذى ضاعت دابته وراحلته وهو فى الصحراء وبحث عنها فلم يجدها فأيقن الهلاك فجلس ينتظر الموت ثم ظهرت له فجأة، والشاهد من الحديث قول الرجل بعدما ظهرت له دابته : " اللهم أنت عبدى وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح" ، والله لا يؤاخذ إلا بما عقد عليه القلب وأقر به واعتقده وصدَّق عمله ذلك، لا بما سها أو غلط به اللسان، وهو بهذا لا يكفَّر ويدخل فى رحمة الله ومغفرته بمشيئته.

القول الرابع :
أن هذا الرجل قد كفر فعلاً بمقالته هذه، لكنه كان فى زمنٍ شرعُهم فيه جواز العفو عن الكافر - حيث أن هذا الحديث كان فى رجل من بنى إسرائيل – وهذا بخلاف شريعتنا التى فيها : " إن الله لا يَغفِر أن يُشرَك به ويَغفِر ما دون ذلك لمن يشاء ".

الخلاصة من هذه الأقوال :
أن أرجحها هو القول الأول بعدم كفر الرجل وحَمْل قولته (لئن قدر علىَّ ربِّى) على الجهل الذى يُعذَر صاحبه، لأنه كما هو معلوم بمعتقد أهل السنة والجماعة أنه لإطلاق الكفر يجب استيفاء الشروط وانتفاء الموانع، ومنها العلم وعدم الجهل بأن ذلك كفر، وعليه فقد مات على الإيمان غير كافر، فيدخل فى باب رحمة الله ومغفرته بمشيئته (إذا شاء الله عذَّبه على ذنوبه فى النار ثم أدخله الجنة، وإذا شاء غفر له ورحمه وأدخله الجنة بمنِّه وفضله)، لذا غفر الله له ورحمه كما أخبر الحديث.
 

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,949
مجموع الإعجابات
1,976
النقاط
113
الباب الأول - الفصل الثانى - المبحث الأول (حجَّ آدمُ موسى)

الفصل الثانى : الأحاديث المتوهم إشكالها فى القَدَر :

المبحث الأول : حجَّ آدمُ موسى (عليهما السلام)
أولاً : سياق الحديث أو الأحاديث المتوَّهم إشكالها :
* فى الصحيحين من حديث أبى هريرة (من طريق حميد بن عبد الرحمن)، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
" احتجَّ آدم وموسى، فقال له موسى: أنت آدم الذى أخرجتك خطيئتك من الجنة، فقال له آدم: أنت موسى الذى اصفاك الله برسالاته وبكلامه ثم تلومنى على أمرٍ قُدِّر علىَّ قبل أن أُخلَق"
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "فحجَّ آدمُ موسى" مرتين.

* فى الصحيحين من حديث أبى هريرة (من طريق محمد بن سيرين)، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
" التقى آدم وموسى، فقال موسى لآدم: أنت الذى أشقيت الناس وأخرجتهم من الجنة، قال آدم: أنت موسى الذى اصطفاك الله برسالته واصطفاك لنفسه وأنزل عليك التوراة؟ قال: نعم، قال: فوجدتها كتب علىَّ قبل أن يخلقنى؟ قال: نعم ، فحجَّ آدمُ موسى ".
* فى الصحيحين من حديث أبى هريرة (من طريق عبد الرحمن بن الأعرج)، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
" تحاجَّ آدم وموسى، فحجَّ آدمُ موسى، فقال له موسى: أنت آدم الذى أَغْوَيْتَ الناس وأخرجتهم من الجنة، فقال آدم: أنت الذى أعطاه الله علم كل شىء واصطفاه على الناس برسالته؟ قال: نعم، قال: فتلومنى على أمر قد قُدِّر علىَّ قبل أن أُخلَق ؟ ".
* فى الصحيحين من حديث أبى هريرة (من طريق أبى سلمة بن عبد الرحمن) ، عن النبى صلى الله عليه وسلم قال :
" حاجَّ موسى آدم فقال له: أنت الذى أخرجت الناس من الجنة بذنبك وأشقيتهم، قال: قال آدم: يا موسى أنت الذى اصفاك الله برسالته وبكلامه، أتلومنى على أمر كتبه الله علىَّ قبل أن يخلقنىٍ أو قَدَّره علىَّ قبل أن يخلقنى"
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "فحجَّ آدمُ موسى".
* فى الصحيحين من حديث أبى هريرة (من طريق طاووس)، عن النبى صلى الله عليه وسلم قال :
" احتجَّ آدم وموسى، فقال له موسى: يا آدم أنت أبونا خيَّبْتَنا وأخرجتنا من الجنة، قال له آدم: يا موسى اصفاك الله بكلامه وخطَّ لك بيده، أتلومنى على أمرٍ قَدَّرَه الله علىَّ قبل أن يخلقنى بأربعين سنة ؟ ، فحجَّ آدمُ موسى، فحجَّ آدمُ موسى ، فحجَّ آدمُ موسى " ثلاثاً.

ثانياً : بيان وجه الإشكال :
ظاهر الحديث يُوهِم أنَّ المحاجَّة بين آدم وموسى عليهما السلام كانت متوجِّهة إلى المعصية (معصية آدم عليه السلام التى كانت سبباً فى خروجه من الجنة ونزوله إلى الأرض)، ولمَّا كانت الحجَّة لآدم عليه السلام، فقد يفهم البعض - بناء على هذا التوهُّم - جواز الاحتجاج بالقدر على فعل المعاصي.

ثالثاً : أقوال أهل العلم لإزالة هذا الإشكال
*
هذا الحديث أصل عند أهل السنة والجماعة فى ثبوت القدر، أى أن الله قَدَّر كل شىء فى الأزل قبل حدوثه.
* واحتجَّ به فرقة القَدَريَّة الجَبْريَّة على صحة معتقدهم الفاسد (الجبر) بأن الإنسان مجبور على فعله ولا اختيار له ولا قدرة كأنه ريشة فى مهبِّ الريح، من قول آدم عليه السلام (أمرٍ قُدِّر علىَّ قبل أن أُخلَق).
* أما فرقة القدريَّة النفاة الذين ينفون القدر، ومعتقدهم (أنَّه لا قَدَر وأنَّ الأمر أُنُف)، فقد لعبوا بألفاظ الحديث فقالوا (فحاجَّه آدمَ) بالفتح لكلمة آدم، فجعلوا الفاعل موسى والمفعول به هو آدم، أى أن موسى هو الذى حجَّ آدم عليهما السلام وغلبه فى المحاججة التى بينهما، وهو عكس الحقيقة كما هو مبيَّن صراحة بالروايات المذكورة " فحجَّ آدمُ موسى ".
* أصل عند أهل السنة والجماعة :
يَحْرُم الاحتجاج بالقدر على المعائب ولكن يجوز الاحتجاج به على المصائب.
أى أنه لا يَصِح أن نحتجَّ بالقدر على فِعْل المعاصى والذنوب ونزعم أنه أمر قدَّره الله علينا ولا ذنب لنا فى ذلك، فماذا نفعل ؟
لكن يَصِح أن نحتجَّ بالقدر على المصائب التى تحدث لنا ولا دخل لنا فيها، فنقول على المصيبة التى وقعت علينا إنما هى بقدر الله وقضاءه.
* ذهب علماء السنة والجماعة إلى عدم جواز الاحتجاج بهذا الحديث أو غيره على فعل المعاصى، وفسَّروا معناه وحملوه على الأقوال الآتية :
القول الأول :
أن موسى لام آدم عليهما السلام على المصيبة التى حصلت له ولذريته، وهى الإخراج من الجنة والنزول إلى الأرض دار الابتلاء والمحنة، وذلك بسبب فعله وخطيئته، فقال : "أنت الذى أخرجت الناس من الجنة بذنبك وأشقيتهم"، فذكر الذنب تنبيهاً على سبب المصيبة والمحنة التى نالت الذرية، فاحتجَّ عليه آدم بالقدر على المصيبة وليس على الذنب، لأن القدر يُحْتَج به على المصائب ولا يُحْتَج به على المعائب، فمقصد آدم عليه السلام : أتلومنى على مصيبة قُدِّرَت علىَّ وعليكم قبل خلقى بكذا وكذا ؟
وإلى هذا القول ذهب (ابن تيمية، وابن القيم، وابن كثير، وابن رجب، وابن أبى العز، وابن عثيمين، وغيرهم). وهذا قول راجح.
قال ابن تيمية : (فآدم عليه السلام إنما حجَّ موسى لأن موسى لاَمَه على ما فعل لأجل ما حصل لهم من المصيبة بسبب أكله من الشجرة، لم يكن لومه له لأجل حق الله فى الذنب، فإن آدم كان قد تاب من الذنب، كما قال تعالى: " فتلقَّى آدم من ربه كلمات فتاب عليه"، وقال تعالى: "ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى" ، وموسى – ومَن هو دون موسى – عليه السلام يعلم أنه بعد التوبة والمغفرة لا يبقى مَلامٌ على الذنب، وآدم أعلم بالله من أن يَحتجَّ بالقدر على الذنب، وموسى أعلم بالله تعالى من أن يَقبَل هذه الحجَّة، فإن هذه لو كانت حجة على الذنب لكانت حجة لإبليس عدو آدم، وحجة لفرعون عدو موسى، وحجة لكل كافر وفاجر، وبطل أمر الله ونهيه، بل إنما كان القدر حجة لآدم على موسى لأنه لام غيره لأجل المصيبة التى حصلت له بفعل ذلك، وتلك المصيبة كانت مكتوبة عليه، وقد قال تعالى: "ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه").

القول الثانى :
أن موسى لام آدم عليهما السلام على المعصية لكونها سبب المصيبة، لا لكونها معصية، واحتجَّ آدم بالقدر على المعصية لكونه قد تاب منها، والاحتجاج بالقدر على المعصية بعد وقوعها والتوبة منها وترك معاودتها لا محذور فيه، وهذا قول ثانى لابن القيم، وابن عثيمين، وبه قال ابن الوزير. وهذا قول راجح.
قال ابن القيم: (وقد يتوجَّه جواب آخر، وهو أن الاحتجاج بالقدر على الذَّنب ينفع فى موضع ويضر فى موضع، فينفع إذا احتُجَّ به بعد وقوعه والتوبة منه وترك معاودته كما فعل آدم ....، وأما الموضع الذى يضر الاحتجاج به ففى الحال والمستقبل بأن يرتكب فِعْلاً محرَّماً أو يترك واجباً فيلومه عليه لائم فيحتجَّ بالقدر على إقامته عليه وإصراره، فيُبطِل بالاحتجاج به حقاً ويرتكب باطلاً ..... ، ونكتة المسألة أن اللوم إذا ارتفع صحَّ الاحتجاج بالقدر، وإذا كان اللوم واقعاً فالاحتجاج بالقدر باطل).
وعليه فإن العبد إذا تاب من ذنبه وأقلع عنه ولم يَعُد إليه يجوز له أن يقول: (قدَّر الله وما شاء فعل)، وهو احتجاج بالقدر على الذنب الذى تاب منه وأقلع عنه. أما فى الحال (مقيم على ذنبه) أو فى المستقبل (سيفعله) فلا يجوز له أن يحتجَّ بالقدر على فعله للذنب سواء فى الحال أو المستقبل.

القول الثالث :
أن ذلك مخصوص بآدم عليه السلام، وكانت له الحجة لأن موسى عليه السلام لامه على المعصية بعد أن تاب منها، فحَسُن من آدم أن يحتج بالقدر على فعل المعصية لأنه قد تاب الله عليه منها، وإلى هذا القول ذهب ابن عبد البرّ وغيره. وهذا قول مرجوح.
وهذا القول الثالث مشابه للقول الثانى، لكنه يختلف عنه فى كون أنه يجعل لوم موسى لآدم على المعصية لذات المعصية، أما القول السابق يجعل لوم موسى لآدم على المعصية لأجل أنها سبب المصيبة (الخروج من الجنة).

القول الرابع :
أن الحجَّة كانت لآدم على موسى عليهما السلام ، لأن موسى لامه فى غير دار التكليف، ولو لامه فى دار التكليف لكانت الحجة لموسى لأن الأحكام حينئذ جارية. وهذا قول مرجوح.

القول الخامس :
أن آدم حجَّ موسى عليهما السلام لأن الذنب كان فى شريعةٍ (شريعة آدم)، واللوم فى شريعةٍ أخرى (شريعة موسى). وهذا قول مرجوح.

القول السادس :
أنَّ آدم أب، وموسى ابن عليها السلام، وليس للابن أن يلوم أباه، ولذا حجَّه آدم كما يحجَّ الرجل ابنه. وهذا قول مرجوح.

والخلاصة من هذه الأقوال :
أن الصواب فى القولين الأول والثانى، خاصة أنهما يوافقان الإجماعات :
* أنَّ لوم موسى لآدم عليهما السلام كان لأجل المصيبة التى حلَّت عليه وعلى ذريته، وهى الإخراج من الجنة والنزول إلى الأرض ، وذلك بسبب فعله ومعصيته، وكذلك كان احتجاج آدم بالقدر على المصيبة لا المعصية.
* أنَّ لوم موسى لآدم عليهما السلام كان على المعصية لا لكونها معصية فى حد ذاتها بل لأنها سبب المصيبة، وكذلك كان احتجاج آدم بالقدر على المعصية لكونه قد تاب منها.
فالإجماع منعقد على جواز الاحتجاج بالقدر على المصائب وعدم جواز الاحتجاج به على المعائب والذنوب ، (وهذا يوافق القول الأول).
والإجماع منعقد على جواز الاحتجاج بالقدر على الذنب الذى وقع وتاب صاحبه منه توبة نصوح، أى ندم عليه وأقلع عنه ولم يعد إليه، (وهذا يوافق القول الثانى).
وهناك تفصيل لرد الأقوال المرجوحة (الثالث والرابع والخامس والسادس) مذكور بالرسالة بالصفحات (353 ، 354) لمن أراد الاستزادة.

الرد على معتقد الجبريَّة الفاسد (بأن الإنسان مجبور على فعله ولا اختيار له) والذى اعتمدوا على هذا الحديث فى إثباته :
(1) الإجماع منعقد على بطلان الاحتجاج بالقدر على فعل المعاصى، إلا إذا حصلت التوبة النصوح من هذه المعاصى.
(2) الإجماع منعقد على جواز لوم العاصى ما لم يتب ، فكيف يحتجَّ العبد بالقدر على معاصيه ويقول أنا مجبور.
(3) قال الله تعالى : " سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ " الأنعام 148
فأخبر الله تعالى فى هذه الآية عن هؤلاء الذين يحتجٌّون بالقدر على الكفر والمعاصى أنهم كاذبون فى احتجاجهم هذا ويتقوَّلون على الله بالباطل، ظنَّاً بغير علمٍ ولا برهانٍ واضح. وبالتالى يَحرُم هذا الاحتجاج بالقدر على المعاصى.
(4) أنَّ الاحتجاج بالقدر على المعاصى لو كان سائغاً أو جائزاً، لَمَا كان هناك حاجة من إرسال الله للرسل والأنبياء الذين أُرسِلوا لأجل إقامة الحجة على الناس بعد دعوتهم إلى دين الله.
كما أن الله أرحم الراحمين وأعدل العادلين وأكرم الأكرمين، فكيف يحاسب عباده ويتوعَّد العاصين منهم بعذاب جهنم، إذا كانوا مجبورين على معاصيهم لا دخل لهم فيها كما يزعم الجبريَّة الضالُّون.
(5) لو صحَّ هذا المسلك (الاحتجاج بالقدر على المعصية) لبطلت الديانات جملة، وكان القدر حجة لكل مشرك وظالم وعاصى، ولم يبقَ للحدود معنى، ولا يلام جانٍ على جنايته ولا ظالم على ظلمه فى الدنيا ولا فى الآخرة، ولا يُنكر منكر أبداً.
(6) أن الشرع أمر الناس بالعمل ونهاهم عن تركه اتكالاً على ما سبق فى الكتاب (أى القدر).
ففى الصحيحين من حديث على بن أبى طالب، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال :
"ما منكم من أحد إلا وقد كُتِب مقعده من النار ومقعده من الجنة"، قالوا: يا رسول الله أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل ؟ ، قال: "اعملوا فكلٌ مُيسَّر لما خُلِق له، أمَّا مَن كان مِن أهل السعادة فيُيسَّر لعمل أهل السعادة وأمَّا مَن كان مِن أهل الشقاء فيُيسَّر لعمل أهل الشقاء" ثم قرأ:
" فأما من أعطى واتقى (5) وصدَّق بالحسنى (6) فسنيسره لليسرى (7) وأما من بخل واستغنى (8) وكذّب بالحسنى (9) فسنيسره للعسرى (10) ".

وعليه فيجب العمل وعدم اتكال العبد على القدر وما كُتِب فى الكتب من كون أنه شقى أم سعيد قبل أن يُخلَق، ولا يصح احتجاجه بذلك لسببين :
أ- أن العبد لا يعلم أصلاً هل كتب عليه السعادة أم الشقاء، لذا فإن احتج على فعله للمعاصى بأن الله كتب عليه الشقاء فهو كاذب ويأثم.
وكذلك لماذا لَمْ يُقدِّر أن الله كتب عليه السعادة فيحمله هذا على فعل الطاعات ؟
ب- أن الله تعالى ما كَتَب على العبد السعادة، إلا لأنه يعلم فى الأزل بعلمه الأزلى القديم المسبق أن هذا العبد سيفعل من أفعال الطاعة ما يجعله من أهل السعادة ، وما كَتَب على العبد الشقاء، إلا لأنه يعلم فى الأزل بعلمه الأزلى القديم المسبق أن هذا العبد سيفعل من أفعال المعصية ما يجعله من أهل الشقاء، فكتابة الشقاوة والسعادة إنما هو باعتبار مآل وخاتمة العبد التى يعلمها الله مسبقاً بعلمه الأزلى.
(7) أن القدر سر مكتوم لا يعلمه أحد من الخلق إلا بعد وقوعه، فكيف يصح للعاصى أن يحتج به على معصيته، وهو قد فعلها مختاراً لا يشعر أن أحداً أكرهه عليها، ولا يعلم أنها مُقدَّرة عليه ؟ ، ولماذا لم يفترض أن الله تعالى لم يكتبها أو يُقدِّرها عليه فينتهى عنها ويجتنبها ؟
إذاً هو احتجاج باطل داحض لا ينفع صاحبه المُصِر على المعصية المختار لها، فهو يكذب بهذا الاحتجاج على نفسه وعلى الخلق.

(8) أنَّ نفس المُحتجَّ بالقَدَر من الجبرية وغيرهم، لو اعتدى عليه معتدى أو جنى عليه جانى، ثم احتجَّ عليه بالقدر، فإنه لا يَقبَل منه هذه الحجة، وهذا تناقض يدل على فساد قولهم ومعتقدهم، وأنهم متَّبِعون لأهوائهم، فإن الواحد منهم يحتجَّ بالقدر عندما يفعل هو المعصية والإثم، ولا يقبل الاحتجاج بالقدر مِن أحدٍ يعتدى عليه أو يظلمه.
قال ابن تيمية : (شر الخلق مَن يحتجَّ بالقدر لنفسه ولا يراه حجة لغيره، يستند إليه فى الذنوب والمعائب، ولا يطمئن إليه فى المصائب).

الرد على معتقد القدريَّة الفاسد (لا قَدَر والأمر أُنُف) والذين لعبوا بألفاظ هذا الحديث لإثباته :
أجمع أهل السنة والجماعة على أن كل أمرٍ مُقدَّر عند الله من قديم الأزل يعلمه الله قبل وقوعه، ومُقدَّر ومكتوب عنده فى الكتاب، وأن هذا الحديث من أقوى الأدلة على ذلك، فإن آدم عليه السلام وهو نبى مرسل احتجَّ بالقدر، ولم يخالفه موسى عليه السلام وهو نبى مرسل، وأقرَّ على ذلك سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام وهو خير وخاتم الأنبياء والمرسلين.
أما عن تبديل القدريَّة للألفاظ وقولهم (فحاجَّه آدمَ)، أى أن موسى هو الذى حاجَّ آدم وانتصر عليه فى القول، وبذلك فإن القدر منفى عندهم، فهو تبديل زائف داحض، لأن الروايات ذكَرَت صراحةً قوله " فحجَّ آدمُ موسى "، فهذا قول صريح واضح لا لبس فيه بأن آدم هو الذى حاجَّ موسى عليهما السلام وانتصر عليه فى القول، وبذلك فإن القدر ثابت لا مشاح.
 

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,949
مجموع الإعجابات
1,976
النقاط
113
الباب الأول - الفصل الثانى - المبحث الثانى ( خَلَق الله التُرْبَة يوم السبت)

المبحث الثانى : خَلَق الله التُرْبَة يوم السبت
أولاً : سياق الحديث أو الأحاديث المتوَّهم إشكالها :
* عند مسلم من حديث أبى هريرة قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدى فقال:
" خلق الله عزَّ وجل التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبثَّ فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم عليه السلام بعد العصر من يوم الجمعة فى آخر الخلق فى آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر إلى الليل ".

ثانياً : بيان وجه الإشكال :
استنكر بعض أهل الحديث هذا الخبر على الأوجه الثلاثة التالية :
الوجه الأول: أنه لم يذكر خَلْق السماء، وجعل خَلْق الأرض وما فيها (التربة والجبال والشجر والمكروه والنور والدواب) فى ستة أيام - أمَّا خلق آدم فلم يكن فى الأرض لأنه خُلِق ومكث فى الجنة حتى عصى الله ونزل الأرض - والقرآن يبيِّن أن خلق السماوات والأرض معاً كان فى ستة أيام، أربعة منها للأرض ويومان للسماء.
الوجه الثانى: أنه جعل الخلق كله (بما فيهم آدم عليه السلام) فى سبعة أيام، وكما قلنا أن القرآن بيَّن أنه فى ستة أيام.
الوجه الثالث: أنه مخالف للآثار القائلة بأن أول الستة هو يوم الأحد.

ثالثاً : أقوال أهل العلم لإزالة هذا الإشكال
ذهب أهل العلم فى هذا الحديث إلى قولين :
القول الأول : أن هذا الحديث معلول سنداً ومتناً فلا يعتمد عليه، وإلى هذا القول ذهب (البخارى، على بن المدينى، يحيى بن معين، البيهقى، ابن تيمية، ابن القيم، ابن كثير، ابن عثيمين، وغيرهم).
* أما عن إعلاله من جهة السند فمن ثلاثة طرق :
(1) رواية أبى هريرة عن كعب الأحبار موقوفاً عليه، وقالوا بأنه وقع فيه الغلط فى رفعه عن أبى هريرة، إنما هو من قول كعب الأحبار الذى كان من كبار علماء أهل الكتاب وأسلم فى زمن أبى بكر، وأخذ عن الصحابة وغيرهم، ولكنه كان يحدِّث الصحابة من الكتب الإسرائيلية.
(2) أن فى السند إبراهيم بن يحيي، وهو عند أهل الحديث ضعيف.
(3) أن فى السند أيوب بن خالد، وهو ضعيف.

القول الثانى : أن الحديث صحيح لا مطعن فى إسناده البتَّة. وعلى رأس القائلين بهذا الإمام مسلم راوى الحديث، وابن حبان، ابن الأنبارى، ابن الجوزى، أحمد شاكر، المعلَّمى، الألبانى. وقام الأخيران بالرد على الطاعنين فى صحته، وردوا على كل العلل الموجهة إلي سند الحديث، وهى موجودة بالتفصيل بالرسالة لمن أراد الاطلاع عليها،
أما العلل الموجهة إلى متنه والتى ظاهرها الإشكال فقد رد عليها الإمام المعلَّمى وغيره إلا أن ردَّه هو كان الأشمل لأنه ردّ على جميع العلل.

الردُّ على العلَّة الأولى (أن القرآن ذكر أن الخلق كان فى ستة أيام، والحديث ذكر أنها سبعة أيام) :
أن َّالخلق ابتدأ يوم السبت وانتهى يوم الخميس، وتكون بذلك ستة أيام وليست سبعة، فتوافق ما جاء فى القرآن ويزول الإشكال والتعارض بين ما جاء فى القرآن وجاء فى الحديث، أما عن خلق آدم يوم الجمعة فجعلوه غير داخل فى الأيام الستة كالآتى :
(1) ذهب ابن هبيرة إلى أنه مستقل عن خلق الأرض ليس منها، فلا يكون يومه معدوداً فى الأيام الستة.
(2) ذهب ابن الجوزى إلى أن أصول الأشياء هى التى خلقت فى ستة أيام، وآدم عليه السلام ليس أصلاً وإنما هو كالفرع من بعضها، وبناء عليه فلا يلزم أن يكون يوم خلقه فى جملة الأيام الستة.
(3) ذهب المعلمى إلى القول بأن خلق الله تعالى لم يتوقف بعد الأيام الستة، لأن الله تعالى ما زال ولا يزال خالقاً، فخلق آدم كان بعدها وليس فى القرآن ما يدل على أن خلق آدم كان فى الأيام الستة حتى يقال إنها صارت بهذا الحديث سبعة.
(4) ذهب الألبانى إلى أن هذه الأيام المذكورة فى الحديث غير الأيام الستة المذكورة فى القرآن، واستدل على ذلك بحديث أبى هريرة عند النسائى، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: " يا أبا هريرة: إن الله خلق السماوات والأرض وما بينهما فى ستة أيام ثم استوى على العرش يوم السابع، وخلق التربة يوم السبت، والجبال يوم الأحد، والشجر يوم الاثنين، والشر يوم الثلاثاء، والنور يوم الأربعاء، والدواب يوم الخميس، وآدم يوم الجمعة فى آخر ساعة من النهار بعد العصر، خلقه من أديم الأرض بأحمرها وأسودها وطيبها وخبيثها، من أجل ذلك جعل الله من آدم الطيب والخبيث ".
فعلَّق الألبانى وقال: (الأيام السبعة فى الحديث هى غير الأيام الستة فى القرآن، فالحديث يتحدَّث عن شىء من التفصيل الذى أجراه الله على الأرض، فهو يزيد على القرآن ولا يخالفه).

الردُّ على العلَّة الثانية (أن الحديث لم يذكر خلق السماوات) :
أجاب المعلمى بقوله : (الحديث وإن لم ينص على خلق السماء، فقد أشار إليه بذكره فى اليوم الخامس : النور، وفى السادس : الدواب، وحياة الدواب محتاجة إلى الحرارة، والنور والحرارة مصدرهما الأجرام السماوية).

الردُّ على العلَّة الثالثة (أن الحديث يدل على أنَّ خلق الأرض كان فى ستة أيام، وصريح القرآن يدل على أنَّ خلقها كان فى أربعة أيام فقط) :
أجاب المعلمى بقوله : (الذى فيه – يعنى الحديث – أن خلق الأرض نفسها كان فى أربعة أيام كما فى القرآن، والقرآن إذ ذكر خلق الأرض فى أربعة أيام، لم يذكر ما يدل أن من جملة ذلك خلق النور والدواب، وإذ ذكر خلق السماء فى يومين لم يذكر ما يدل أنه فى أثناء ذلك لم يحدث فى الأرض شيئاً، والمعقول أنه بعد تمام خلقها أخذت فى التطور بما أودعه الله تعالى فيها، والله سبحانه لا يشغله شأن عن شأن).

الردُّ على العلَّة الرابعة (أن الحديث يخالف الآثار القائلة بأن ابتداء الخلق كان يوم الأحد) :
أجاب المعلمى بقوله : (ما كان منها مرفوعاً فهو أضعف من هذا الحديث بكثير، وأما غير المرفوع فعامته من قول عبد الله بن سلام، وكعب، ووهب، ومن يأخذ من الإسرائيليات).
وأما دلالة أسماء اليوم على أن أول الأيام الستة هو يوم الأحد، فقد قال عنها السهيلى : (ليس فى تسمية هذه الأيام (الأحد)، والاثنين إلى الخميس ما يشد قول من قال: أن أول الأسبوع الأحد وسابعها السبت كما قال أهل الكتاب لأنها تسمية طارئة، وإنما كانت أسماؤها فى اللغة القديمة : شيار وأول .... ، وأسماؤها بالسريانية قبل هذا : أبو جاد هوز حطى .... إلى آخرها، ولو كان الله تعالى ذكرها فى القرآن بهذه الأسماء المشتقة من العدد، لقلنا هى تسمية صادقة على المسمَّى بها، ولكنه لم يذكر منها إلا الجمعة والسبت وليسا من المشتقة من العدد، ولم يسمِّها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأحد والاثنين إلى سائرها إلا حاكياً للغة قومه لا مبتدئاً لتسميتها).

الخلاصة :
هذا الحديث من الأحاديث المختلف فيها بين أهل العلم قديماً وحديثاً، فهناك من ضعَّف الحديث ولم يأخذ به، وأعلَّه سنداً ومتناً، وهناك من قال أن الحديث صحيح لا مطعن فى إسناده البتَّة، وردَّ على كل العلل التى قيلت فى سند ومتن الحديث كما تقدَّم ذكره.
هذا والله تعالى أعلى وأعلم.
 

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,949
مجموع الإعجابات
1,976
النقاط
113
الباب الأول - الفصل الثانى - المبحث الثالث (لا يُدخِل أحداً الجنَّة عملُه)

المبحث الثالث : لا يُدخِل أحداً الجنَّة عملُه
أولاً : سياق الحديث أو الأحاديث المتوَّهم إشكالها :
* فى الصحيحين من حديث عائشة، عن النبى صلى الله عليه وسلم قال :
" سدِّدوا وقاربوا وأبشروا، فإنه لا يُدخِل أحداً الجنَّة عملُه " قالوا: ولا أنت يا رسول الله ؟ ، قال: "ولا أنا إلا أن يتغمَّدنى الله بمغفرة ورحمة".
* فى الصحيحين من حديث أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
"قاربوا وسدِّدوا واعلموا أن لن ينجو أحدٌ منكم بعمله"، قالوا: يا رسول الله ولا أنت ؟ ، قال: "ولا أنا إلا أن يتغمَّدنى الله برحمة منه وفضل".
* عند مسلم من حديث جابر قال: سمعت النبى صلى الله عليه وسلم يقول :
"لا يُدخِل أحداً منكم عملُه الجنَّة ولا يجيره من النار، ولا أنا إلا برحمة من الله"

ثانياً : بيان وجه الإشكال :
أن هذه الأحاديث والتى بلغت مبلغ التواتر تنص على عدم دخول الجنة بالأعمال، والقرآن ينص على دخول الجنة بالأعمال، كما فى قوله تعالى : "ادخلوا الجنَّة بما كنتم تعملون" ، وقوله تعالى: "ونُودُوا أنْ تِلْكُم الجنَّة أُورِثْتُمُوها بما كنتم تعملون" ،
وقوله تعالى: "وتِلْكَ الجنَّة التى أُورِثْتُمُوها بما كنتم تعملون"
فكيف نجمع بين هذه الآيات والأحاديث ؟

ثالثاً : أقوال أهل العلم لإزالة هذا الإشكال
بالتأمل فى هذه النصوص وجد أهل العلم أنه ليس هناك أى تعارض بينها، ويمكن الجمع بينها على الوجوه التالية :
القول الأول : أن المنفى فى الحديث "لن ينجو أحدٌ منكم بعمله" ، " لا يُدخِل أحداً الجنَّة عملُه" ، هو كون العمل عِوضَاً وثمناً كافياً للنجاة ودخول الجنة، إذ لا بد من عفو الله وفضله ورحمته، فالمنفى هو باء المقابلة والعِوَض، وكون دخول الجنة بمجرد الأعمال.
وأما المثبت فى الآية "ادخلوا الجنَّة بما كنتم تعملون" ، فهو باء السببيَّة أى بسبب أعمالكم، فالأعمال سبب لدخول الجنة ولكنها ليست كافية لدخولها، إنما فضل الله ورحمته وعفوه هو الميسِّر لدخول الجنَّة.
وإلى هذا القول ذهب جمع من أهل العلم (كالنووى، ابن تيمية، ابن القيم، ابن كثير، ابن أبى العز، العراقى، ابن الوزير، المقريزى، وغيرهم).
قال ابن القيم : (الباء المقتضية للدخول غير الباء التى نُفِىَ معها الدخول، فالمقتضية هى باء السببية الدالة على أن الأعمال سبب للدخول، مقتضية له كاقتضاء سائر الأسباب لمسبباتها، والباء التى نُفِى بها الدخول هى باء المعاوضة والمقابلة التى فى نحو قولهم: اشتريت هذا بهذا، فأخبر النبى صلى الله عليه وسلم أن دخول الجنة ليس فى مقابلة عمل أحد، وأنه لولا تغمُّد الله سبحانه لعبده برحمته لَمَا أدخله الجنة، فليس عمل العبد - وإن تَنَاهى- مُوجِبِاً بمجرده لدخول الجنة، ولا عِوَضَاً لها، فإن أعماله وإن وقعت منه على الوجه الذى يحبه الله ويرضاه فهى لا تقاوم نعمة الله التى أنعم بها عليه فى دار الدنيا ولا تعادلها، بل لو حاسبه لوقَعَتْ أعماله كلها فى مقابلة اليسير من نعمه، وتبقى بقية النعم مقتضية لشكرها، فلو عذَبه فى هذه الحالة لعذّبه وهو غير ظالم له، ولو رحمه لكانت رحمته خيراً له من عمله).

القول الثانى : أن أصل دخول الجنة لا يكون إلا برحمة الله وفضله، وعلى هذا يُحمَل الحديث، وأما التفاوت فى المنازل والدرجات فى الجنة فيكون بالأعمال، وعلى هذا تُحمَل الآية. وإلى هذا القول ذهب ابن بطَّال وغيره.

القول الثالث : أن التوفيق للعمل من رحمة الله تعالى وفضله، فلولا رحمته لما صَلُح عمل ولا حصلت طاعة، وعلى هذا فدخول الجنة بالأعمال لا يكون إلا مع رحمة الله تعالى، فالحديث مفسِّر للآية. وإلى هذا ذهب القاضى عياض وغيره.

القول الرابع : أن يُحمَل الحديث على أن العمل من حيث هو عمل لا يستفيد به العامل دخول الجنة ما لم يكن مقبولاً، وإذا كان كذلك فأمر القبول إلى الله تعالى، وإنما يحصل برحمة الله لمن يقبل منه.
وعلى هذا فمعنى قوله تعالى: " ادخلوا الجنَّة بما كنتم تعملون" أى بما كنتم تعملونه من الأعمال المقبولة التى لا تُقبَل إلا برحمة الله وفضله، ولا يضر بعد هذا أن تكون الباء للمصاحبة أو الإلصاق أو المقابلة، ولا يلزم أن تكون سببيَّة. وإلى هذا القول ذهب ابن حجر العسقلانى.

وبالتأمل إلى هذه الأقوال الأربعة نجد أن أصحها وأحسنها هو القول الأول، وأن باقى الأقوال نجدها تؤول كلها إلى القول الأول فهو لا يخالف أيَّاً منها.
وقال الإمام النووى كلاماً اشتمل على مجمل هذه الأقوال :
(أما قوله تعالى "ادخلوا الجنَّة بما كنتم تعملون" ، "وتِلْكَ الجنَّة التى أُورِثْتُمُوها بما كنتم تعملون" ونحوهما من الآيات الدالة على أن الأعمال يُدخَل بها الجنة فلا يُعارِض هذه الأحاديث، بل معنى الآيات أن دخول الجنة بسبب الأعمال ثم التوفيق للأعمال والهداية للإخلاص فيها وقبولها برحمة الله تعالى وفضله، فيصِح أنه لم يدخل بمجرد العمل وهو مراد الأحاديث، ويصح أنه دخل بالأعمال أى بسببها وهى من الرحمة، والله أعلم).

الخلاصة :
أنه لا يوجد إشكال أو تعارض بين الآيات والأحاديث، لأنه يمكن الجمع بينها كلها لأن الآيات التى تخبر أن دخول الجنة يكون بالعمل أى بسبب الأعمال (باء السببيَّة)، ولكنها ليست كافية أبداً لدخول الجنة، إنما رحمة الله وفضله هى التى تعوِّض ذلك وتَحمِل العبد إلى الجنة، وهذا هو مراد الأحاديث التى تخبر أن العبد لن يدخل الجنة بعمله أى بمقابلة عمله (باء العوض والمقابلة).

أقوال الفرق الضآلَّة من (القَدَريَّة والجَبْريَّة) فى هذا الحديث ، والرد عليها :
قول القَدَريَّة :
اعتمدت القدرية (صاحبة قول لا قَدَر والأمر أُنُف) على الآيات فقط، وقالت بأن الجنة عِوَض عن الأعمال وثمنٌ لها، فالعبادات أثمان لثواب ونعيم الجنَّة، وذلك بمنزلة استيفاء الأجير أجره، وعلى هذا دخول الجنة راجع إلى محض الأعمال، واستدلوا بآيات ( الأعراف (43) ، النمل (90) ، الزخرف (72) ) سابقة الذِّكر.

ردُّ علماء أهل السنة عليهم : قال أهل العلم أنَّ قولهم هذا (دخول الجنة راجع إلى محض الأعمال) باطل ظاهر البطلان، ويلزم منه نفى رحمة الله وفضله وعفوه، واستدلوا على ذلك بأدلة كثيرة منها :
(1) الأحاديث سابقة الذكر (لعائشة ، وأبى هريرة، وجابر) والتى تفيد بأن العباد لن تدخل الجنة بمقابلة أعمالها، ولا حتى النبى صلى الله عليه وسلم الذى هو خير خلق الله لن يدخل الجنة بمقابلة أعماله التى بلغت المنتهى، بل سيدخلها برحمة الله وفضله التى بدونها لن يدخل أحد الجنة قط.
(2) آيات من القرآن تفيد بأن العباد بما فيهم الأنبياء خير خلق الله لن يدخلوا الجنة إلا برحمة الله وفضله، ومنها :
"سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ" الحديد (21).
" لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ فَضْلاً مِّن رَّبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ " الدخان (56 ، 57).
" وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ " آل عمران (107).
"قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ" الأعراف (23) ، حكاية عن آدم عليه السلام وزوجته حواء.
" فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ " الأنعام (77) ، حكاية عن إبراهيم عليه السلام.
" قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ " هود (47) ، حكاية عن نوح عليه السلام.

قول الجَبْرِيَّة : اعتمدت الجبرية (صاحبة قول العبد مجبور على أعماله لا اختيار ولا قدرة له فيها كأنه ريشة فى مهب الريح) على الأحاديث فقط سابقة الذكر، وقالت أنَّ الأعمال ليس لها ارتباط بالجزاء البتَّة، وأنها ليست سبباً فى دخول الجنة، فدخولها راجع إلى محض المشيئة، واستدلوا على هذا بالأحاديث سابقة الذكر (لعائشة ، وأبى هريرة، وجابر).

ردُّ علماء أهل السنة عليهم : قال أهل العلم أنَّ قولهم هذا (الأعمال ليس لها ارتباط بالجزاء البتَّة، وأن دخول الجنة راجع إلى محض مشيئة الله) باطل ظاهر البطلان، ويلزم منه نفى الأعمال ووجوب الطاعة، فلماذا يعمل العبد طالما أن عمله لن يفيده أى إفادة فى دخول الجنة من عدمها، واستدلوا على ذلك بأدلة كثيرة منها :
(1) " وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ " الأعراف (43).
(2) " وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ " النمل (90).
(3) " وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ " الزخرف (72).
(4) "مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ" فصلت(46).
(5) "وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا" طه (112).
(6) " وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيرًا " النساء (124).
(7) عند مسلم من حديث عائشة، والنسائي من حديث أبي هريرة، وأحمد والترمذي بألفاظ متقاربة :
" يا فاطمة بنت محمد اعملي فإني لا أغني عنك من الله شيئًا، يا صفية عمَّة رسول الله اعملي فإني لا أغني عنك من الله شيئًا، يا عباس عمَّ رسول الله اعمل فإني لا أغني عنك من الله شيئًا، لا يأتيني الناس يوم القيامة بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم ..... " الحديث.

قال ابن تيمية : (فى هذا الموضع ضل طائفتان من الناس :
فريق آمنوا بالقدر وظنوا أن ذلك كاف فى حصول المقصود فأعرضوا عن الأسباب الشرعية والأعمال الصالحة، وهؤلاء يؤول بهم الأمر إلى أن يكفروا بكتب الله ورسله ودينه. وفريق أخذوا يطلبون الجزاء من الله كما يطلبه الأجير من المستأجر متَّكلين على حولهم وقوتهم وعملهم، وكما يطلبه المماليك، وهؤلاء جُهَّال ضلال فإن الله لم يأمر العباد بما أمرهم به حاجة إليه ولا نهاهم عمَّا نهاهم بخلاً به، ولكن أمرهم بما فيه صلاحهم، ونهاهم عمَّا فيه فسادهم).
قال ابن القيِّم : (ولا يصح فى النصوص والعقول إلا ما ذكرناه من التفصيل، وبه يتبيَّن أن الحقَّ مع الوسط بين الفِرَق فى جميع المسائل، لا يُستثنَى من ذلك شىء، فما اختلفت الفرق إلا كان الحق مع الوسط، وكلٌ مِن الطائفتين معه حق وباطل، فأصاب الجبريَّة فى نفى المعاوضة وأخطأوا فى نفى السببيَّة، وأصاب القدريَّة فى إثبات السببيَّة وأخطأوا فى إثبات المعاوضة، فإذا ضممتَ أحد نفيَى الجبرية إلى أحد إثباتى القدرية، ونفيتَ باطلهما كنتَ أسعدَ بالحق منهما).
 

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,949
مجموع الإعجابات
1,976
النقاط
113
الباب الثانى - المبحث الأول ( نحن أحق بالشكِّ من إبراهيم عليه السلام )

الباب الثانى : الأحاديث المتوهَّم إشكالها فى باب النبوَّة

المبحث الأول : نحن أحق بالشكِّ من إبراهيم عليه السلام

أولاً : سياق الحديث أو الأحاديث المتوَّهم إشكالها :
* فى الصحيحين من حديث أبى هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
" نحن أحق بالشك من إبراهيم، إذ قال: "ربِّ أرنى كيف تُحْيى الموتى قال أَوَ لَمْ تُؤمِن قال بلى ولكن ليطْمَئِنَّ قلبى" ، ويرحم الله لوطاً لقد كان يَأوِى إلى رُكنٍ شديد، ولو لَبِثْتُ فى السجن طول ما لَبِثَ يوسف لأجَبْتُ الدَّاعِى ".

ثانياً : بيان وجه الإشكال :
يحتوى الحديث على ثلاثة إشكالات هى :
(1) الشك فى اللغة : خلاف اليقين، ونقيضه هو التردُّد بين شيئين دون ترجيح أحدهما على الآخر. لذا فيُتَوهَّم من ظاهر الحديث أن إبراهيم عليه السلام قد شكَّ فى قدرة الله على إحياء الموتى، فوجب إزالة هذا التوهم وذلك اللَبْس، وتصحيح الفهم لأن إبراهيم عليه السلام هو أحد الأنبياء والمرسلين بل أبو الأنبياء والمرسلين وخليل الرحمن الذى لا يمكنه أن يشك أبداً فى قدرة الله تعالى.
(2) يُوهِم ظاهر قول النبى صلى الله عليه وسلم فى الحديث " ويرحم الله لوطاً لقد كان يَأوِى إلى رُكنٍ شديد "، أنه يخالف قول لوط عليه السلام نفسه " قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ " سورة هود (80).
(3) ) يُوهِم ظاهر قول النبى صلى الله عليه وسلم فى الحديث " ولو لَبِثْتُ فى السجن طول ما لَبِثَ يوسف لأجَبْتُ الدَّاعِى" ، أنه يخالف فِعْل يوسف عليه السلام فى عدم خروجه من السجن فور مجىء الداعى إليه بالخروج.

ثالثاً : أقوال أهل العلم لإزالة هذا الإشكال
(1) بالنسبة للإشكال الأول فيما يخص إبراهيم عليه السلام :

رَأَى أهل العلم فى هذا الأمر أن إبراهيم عليه السلام ومحمد عليه الصلاة والسلام يُنزَّهان عن الشك فى قدرة الله على إحياء الموتى والقطع بعدم دلالة الحديث على ذلك ، وردُّوا على مَن قال أنَّ إبراهيم عليه السلام قد وقع له الشك نتيجة لعارضٍ عُرِض له من الشيطان أدَّى إلى سؤاله لله بأن يريه كيف يحيى الموتى، بأنه جانَبَه الصواب، لأنه لم يشك أبو الأنبياء فى قدرة الله على إحياء الموتى قط، فهو نبى مرسل، والأنبياء والرسل اصطفاهم الله مِن خلقه، وهم أعرف الخلق بالله وصفاته، والتى منها صفة القدرة، فهم يعلمون أن الله متصف بكمال القدرة والإرادة فلا يعجزه شىء فى الأرض ولا فى السماء، لذا فيستحيل تصوُّر وقوع الشك منهم لأنه باطل بل كُفْر، والكفر لا يجوز بحال فى حق الأنبياء والرسل الذين اصطفاهم الله وهيَّأهم لحمل رسالته وتبليغها للناس لهدايتهم من الكفر إلى الإيمان. فهذا لا يجوز أبداً فى حق أى نبى أو رسول، فكيف يكون فيمن بلغ مرتبة الخُلَّة وعظيم المنزلة عند الله كإبراهيم عليه السلام، وفيمن بلغ مرتبة خير الخلق أجمعين كمحمد عليه الصلاة والسلام ؟
وإلى هذا ذهب جمهور العلماء، وحملوا معنى الحديث على الأقوال التالية :

القول الأول: أن المراد بهذا الحديث هو نفى الشك عن إبراهيم عليه السلام، فكأنه قال: إن إبراهيم لم يشك فى قدرة الله على إحياء الموتى، ولو كان الشك متطرِّقاً إليه لكنا نحن أحق بالشك منه لأنه أفضل منَّا، فإذا كنا نحن لا نشك مطلقاً فى قدرة الله تعالى، فإبراهيم من باب أولى لا يشك. قال - ذلك المعنى - النبى محمد صلى الله عليه وسلم على سبيل التواضع وهضم النفس فهو خير خلق الله أجمعين.
وإلى هذا القول ذهب جمهور العلماء (كابن قتيبة، الطحاوى، الخطَّابى، الحميدى، ابن عطية، ابن حزم، القاضى عياض، ابن الجوزى، النووى، المباركفورى، ابن عثيمين) وغيرهم.
قال الخطَّابى: (مذهب الحديث التواضع والهضم من النفس، وليس فى قوله: "نحن أحق بالشك من إبراهيم" اعتراف بالشك على نفسه، ولا على إبراهيم عليه السلام، لكن فيه نفى الشك عن كل واحد منهما، يقول: إذا لم أشك أنا ولم أَرْتَب فى قدرة الله تعالى على إحياء الموتى، فإبراهيم أَوْلَى بأن لا يشك فيه وأن لا يرتاب).

القول الثانى: إن إبراهيم ومحمد عليهما الصلاة والسلام لم يَشٌكَّا فى قدرة الله تعالى على إحياء الموتى، ولكن شَكَّا أن يجيب الله إبراهيم فى ما سأله بأن يريه ميتاً يحييه.
وإلى هذا القول ذهب المزنى وابن حِبَّان.

القول الثالث: أن النبى صلى الله عليه وسلم سمَّى التفاوت بين الإيمان والاطمئنان شكَّاً، فأطلق على ما دون طمأنينة القلب التى طلبها إبراهيم عليه السلام اسم الشكّ، وإلا فهو كان مؤمناً موقِناً ليس عنده شك يقدح فى يقينه بدليل إجابته على الله فى قوله تعالى : "أو لم تؤمن قال بلى" ، ولكن النبى صلى الله عليه وسلم عبَّر عن هذا المعنى بهذه العبارة. وإلى هذا القول ذهب ابن تيمية وابن القيم.
قال ابن تيمية : (ومعلوم أن إبراهيم كان مؤمناً، كما أخبر الله عنه بقوله: "أو لم تؤمن قال بلى" ، ولكن طَلَب طمأنينة قلبه، كما قال: "ولكن ليطمئن قلبى" ، فالتفاوت بين الإيمان والاطمئنان سمَّاه النبى صلى الله عليه وسلم شكَّاً لذلك بإحياء الموتى).

وكما نرى من الأقوال الثلاثة السابقة، أنها تنفى الشك عن إبراهيم عليه السلام فى معنى الحديث. أما الآية الكريمة من سورة البقرة "وإذْ قال إبراهيمُ ربِّ أرنى كيف تُحْيى الموتى قال أَوَ لَمْ تُؤمِن قال بلى ولكن ليطْمَئِنَّ قلبى" فقد قال فيها أهل العلم ما يلى :
(أ) أن إبراهيم عليه السلام سأل عن كيفية الإحياء ليزداد بذلك إيماناً ويقيناً، ويَتَرقَّى من علم اليقين إلى عين اليقين، وذلك عندما يرى بعينه كيفية الإحياء، ولم يكن بذلك شاكَّاً فى القدرة ولا جاهلاً بمعنى الإحياء.
(ب) أنه عندما بُشِّر بأن الله اتخذه خليلاً، سأل ربَّه هذا السؤال لتكون إجابة دعائه وطلبه برؤية إحياء الموتى دليلاً وعلامةً على خُلَّتِه وعظيم منزلته عند الله تعالى، وذلك مثلما فعل زكريا عليه السلام عندما طلب من ربِّه آية وعلامة بعدما بُشِّر بالغلام (يحيى عليه السلام)، فكانت العلامة ألا يكلِّم الناس ثلاث ليال سويَّاً.
(ج) أن سبب سؤاله هو المناظرة والمحاججة التى حدثت بينه وبين النمرود، فطلب من ربه أن يريه كيف يحيى الموتى ليتَّضِح استدلاله عياناً بعد أن كان بياناً، وهذا القول يؤول إلى القول الأول بأن يترقَّى من علم اليقين إلى عين اليقين.

قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: (وأما قوله "رب أرنى كيف تحيى الموتى" فمن أعظم الأدلة على تفاوت الإيمان ومراتبه حتى الأنبياء، فهذا طَلَب الطمأنينة مع كونه مؤمناً، فإذا كان محتاجاً إلى الأدلة التى تُوجِب له الطمأنينة فكيف بغيره).

الخلاصة :
إذاً الآية ليس فيها ما يدل على شك إبراهيم عليه السلام فى قدرة الله تعالى على الإحياء من وجهين :
الأول: أنه مؤمن مصدِّق بقدرة الله على الإحياء بدليل قوله للنمرود عندما كان يحاجُّه: "ربِّى الذى يحيي ويميت" ، وبدليل قوله لله تعالى: "أو لم تؤمن قال بلى" ، والاستفهام هنا للتقرير وليس للإنكار.
الثانى: أن سؤال إبراهيم عليه السلام إنما هو عن الكيفية وليس عن الإمكان، حيث قال: "كيف تحيي الموتى" ، وذلك ليَتَرقَّى من علم اليقين إلى عين اليقين، عندما يرى بعينه كيفية الإحياء، ولم يكن بذلك شاكَّاً فى القدرة ولا جاهلاً بمعنى الإحياء.

(2) بالنسبة للإشكال الثانى فيما يخص لوط عليه السلام :
لأهل العلم عدة أقوال فى الرد على هذا الإشكال، تجتمع كلها فى معنى واحد وهو أن لوطاً عليه السلام كان يقصد بالركن الشديد: قومه وعشيرته، أما النبى صلى الله عليه وسلم فكان يقصد بالركن الشديد: الله تعالى، فهو أقوى الأركان وأشدها، وبهذا ينتهى الإشكال. وهذه الأقوال أهمها ما يلى :

القول الأول :
معنى قوله: "ويرحم الله لوطاً لقد كان يَأوِى إلى رُكنٍ شديد" ، أى يرحمه الله على هذا التمنى الذى فرط منه وقت الضيق والشدة، حيث سها فذكر الأسباب المحسوسة من قومه وعشيرته، مع أنه كان يأوى إلى أشد الأركان وأقواها وهو الله تعالى.
وإلى هذا القول ذهب ابن قتيبة، البغوى، القاضى عياض، ابن الأثير، القرطبى، الطحاوى، النووى، ابن حجر، وغيرهم.
قال ابن الأثير: ("رحم الله لوطاً، إن كان ليأوى إلى ركن شديد"، أى إلى الله تعالى الذى هو أشد الأركان وأقواها وإنما ترحَّم عليه لسهوه حين ضاق صدره من قومه حتى قال: "أو آوى إلى ركن شديد" أراد عِزَّ العشيرة الذين يُستَنَد إليهم كما يُستَنَد إلى الركن من الحائط).

القول الثانى :
وهو ما ذهب إليه ابن حزم من أنه لا تثريب على لوط عليه السلام فى قوله هذا، ولم يقصد النبى محمد صلى الله عليه وسلم لومه عليه، وإنما أراد الإخبار بأن لوطاً كان فى نصر من الله بالملائكة، لكنه لم يكن يعلم ذلك (أى أن أضيافه ليسوا من الإنس بل ملائكة)، وما جَهِل لوط عليه السلام أنه يأوى من ربه تعالى إلى أمنع قوة وأشد ركن، فلا جناح عليه أن يطلب قوة ومنعة من الناس، وقد طلب النبى صلى الله عليه وسلم من الأنصار منعة ونصرة حتى يبلِّغ كلام ربه تعالى ويُظِهر دينه.

القول الثالث :
ما ذهب إليه الجوزى من أن لوطاً عليه السلام لم يغفل عن الله تعالى ولم يترك التوكل عليه، ولكن لمَّا كان ظاهر كلامه قد يُفهَم منه نسيانه لله تعالى، أراد النبى صلى الله عليه وسلم مِنَّا ألا نقول ما يوهم ذلك، وترحَّم عليه.

سؤال والجواب عليه :
هل نسى لوط عليه السلام ربَّه حينما قال ذلك ؟
الجواب: لا، وإنما قال النبى محمد صلى الله عليه وسلم (يرحم) مُخبِراً عن حاله من أنه كان يأوى إلى الله تعالى معتمداً عليه، لذا كان من أهل رحمة الله، وإنما قال لوط عليه السلام ذلك أخذاً بالأسباب الدنيوية من اعتمادٍ على نصرة قومه.
قال ابن الجوزى: (أما قصة لوط عليه السلام، فإن لوطاً لم يغفل عن الله عزَّ وجلّ ولم يترك التوكل عليه، وإنما ذكر السبب، وذكره للسبب وحده يتخايل منه السامع نسيانه لله، فأراد منه نبينا عليه الصلاة والسلام ألا نقول ما يوهم هذا).
وعليه لم ينسَ لوط عليه السلام أو يغفل عن نصرة الله له، وارتكانه (لوط) إليه (الله) واعتماده عليه، فضلاً أن يكون اعتقد ذلك ، حاشاه عليه السلام.
قال ابن حزم: (ومن ظنَّ أن لوطاً عليه السلام اعتقد أنه ليس له من الله ركن شديد فقد كفر).

(3) بالنسبة للإشكال الثالث فيما يخص يوسف عليه السلام :
قال أهل العلم فى قوله: " ولو لَبِثْتُ فى السجن طول ما لَبِثَ يوسف لأجَبْتُ الدَّاعِى " ، أراد النبى محمد عليه الصلاة والسلام بهذا القول الثناء على أخيه يوسف عليه السلام وبيان فضله وقوة صبره وحزمه، حينما جاءه رسول الملِك آذِنَاً له بالخروج، ولكنه لم يبادر إلى الخروج - كما هو مقتضى الطبيعة – مع أنه مكث فى السجن بضع سنين، فقال النبى عليه الصلاة والسلام ذلك تواضعاً منه وثناءً على فعل يوسف عليه السلام، وليس اعتراضاً على فعله أو مخالفة له.
وبالجملة : فإن أقوال النبى صلى الله عليه وسلم فى الحديث عن الثلاثة أنبياء، إنما هى من باب الثناء والمدح لهم وليس اعتراضاً عليهم أو مخالفة لهم، من باب تواضعه وهضم نفسه، فهو خير الخلق أجمعين صلى الله عليه وسلم.

خلاصة هذا المبحث :
* قال أهل العلم أن إبراهيم عليه السلام ومحمد عليه الصلاة والسلام يُنزَّهان عن الشك فى قدرة الله على إحياء الموتى، والقطع بعدم دلالة الحديث على ذلك، بل إن مراد الحديث هو نفى الشك عن إبراهيم عليه السلام، قاصداً أنه لو كان الشك متطرِّقاً إليه لكان النبى محمد عليه الصلاة والسلام أحق بالشك منه ، فإذا كان هو لا يشك مطلقاً فى قدرة الله تعالى، فإبراهيم من باب أولى لا يشك فى ذلك. أما سؤال إبراهيم عليه السلام لربِّه بأن يريه كيف يحيى الموتى، إنما هو عن الكيفية وليس عن الإمكان، وذلك ليَتَرقَّى من علم اليقين إلى عين اليقين، عندما يرى بعينه كيفية الإحياء، ولم يكن بذلك شاكَّاً فى القدرة ولا جاهلاً بمعنى الإحياء بدليل قوله للنمرود عندما كان يُحاجُّه: "ربِّى الذى يحيي ويميت" ، وبدليل قوله لله تعالى: "أو لم تؤمن قال بلى" ، والاستفهام هنا للتقرير وليس للإنكار. وبهذا ينتهى الإشكال.
* قال أهل العلم أن لوطاً عليه السلام كان يقصد بالركن الشديد: قومه وعشيرته، أما النبى صلى الله عليه وسلم فكان يقصد بالركن الشديد: الله تعالى، فهو أقوى الأركان وأشدها، وبهذا ينتهى الإشكال.
* قال أهل العلم أن النبى محمد عليه الصلاة والسلام أراد بقوله فى الحديث الثناء على يوسف عليه السلام وبيان فضله وقوة صبره وحزمه، حينما جاءه رسول الملِك آذِنَاً له بالخروج من السجن، ولكنه رفض ولم يبادر بالخروج حتى تظهر براءته مما نُسِب إليه وكان سبباً فى دخوله السجن، فقال النبى عليه الصلاة والسلام ذلك تواضعاً منه وثناءً على فعل يوسف عليه السلام، وليس اعتراضاً عليه أو مخالفة له.
 

أبومنة

إدارة الملتقى
إنضم
6 مايو 2007
المشاركات
3,949
مجموع الإعجابات
1,976
النقاط
113
الباب الثانى - المبحث الثانى ( ما جاء فى سِحْرِ النبى صلى الله عليه وسلم )

المبحث الثانى : ما جاء فى سِحْرِ النبى صلى الله عليه وسلم

أولاً : سياق الحديث أو الأحاديث المتوَّهم إشكالها :
* فى الصحيحين من حديث عائشة قالت :
سَحَرَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم رجلٌ من بنى زُرَيْق، يقال له : لُبَيْد بن الأعصم، حتى كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يُخيَّل إليه أنه كان يفعل الشىء وما فعله، حتى إذا كان ذات يوم أو ذات ليلة وهو عندى، لكنه دعا ودعا، ثم قال : " يا عائشة أشعرتِ أن الله أفتانى فيما استفتيته فيه، أتانى رجلان فقعد أحدهما عند رأسى والآخر عند رجلى، فقال أحدهما لصاحبه : ما وجع الرجل؟ ، فقال : مَطْبُوب ، قال : مَن طَبَّه ؟ قال : لبيد بن الأعصم، قال : فى أى شىء ؟ قال : فى مُشْطٍ ومُشَاطَة وجَفِّ طَلْع نخلة ذَكَر، قال : وأين هو ؟ ، قال : فى بئر ذَرْوان " ، فأتاها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فى ناس من أصحابه، فجاء فقال : " يا عائشة كأنَّ ماءها نُقَاعة الحِنَّاء، أو كأن رؤوس نخلها رؤوس الشياطين "، قلت: يا رسول الله أفلا اسْتَخرجْتَه ؟ ، قال : "قد عافانى الله، فكرهت أُثَوِّر على الناس فيه شراً"، فأمر بها فدُفِنَت.
وفى رواية بالصحيحين، قالت عائشة: اسْتَخْرجْتَه ؟ فقال: " لا، أمَّا أنا فقد شفانى الله، وخشيتُ أن يُثِير ذلك على الناس شراً ".
* عند البخارى، من حديث عائشة قالت :
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم سُحِر، حتى كان يرى أنه يأتى النساء ولا يأتيهنَّ - قال سفيان : وهذا أشد ما يكون من السحر إذا كان كذا -، فقال : " يا عائشة أعلمتِ أن الله قد أفتانى فيما استفيته فيه، أتانى رجلان فقعد أحدهما عند رأسى والآخر عند رجلى، فقال الذى عند رأسى للآخر : ما بال الرجل ؟ قال : مَطْبُوب ، قال : ومَن طَبَّه ؟ قال : لبيد بن أعصم - رجل من بنى زريق حليف ليهود كان منافقاً - ، قال : وفِيمَ ؟ قال : فى مُشْطٍ ومُشَاقَة، قال : وأين ؟ ، قال : فى جَفِّ طَلْعة ذَكَر تحت رَعُوفَة فى بئر ذَرْوان " ، قالت : فأتى النبى صلى الله عليه وسلم البئر حتى استَخرجَه، فقال :
" هذه البئر التى أُرِيتُهَا وكأنَّ ماءها نُقَاعة الحِنَّاء، وكأن نخلها رؤوس الشياطين "،
قال : فاسْتُخرِج، قالت : فقلت: أفلا ؟ - أى تنشرت - فقال : "أما الله فقد شفانى، وأكره أن أُثِير على أحد من الناس شراً"

معانى بعض الكلمات بالروايات السابقة :
أتانى رجلان : هناك روايات أخرى تبيِّن أنهما المَلَكَان جبريل وميكائيل عليهما السلام
مَطْبُوب : مَسْحُور ، طَبَّه : سَحَرَه
مُشْطٍ : الأداة التى يُسَرَّح بها شَعر الرأس واللِّحيَة
مُشَاطَة = مُشَاقَة : الشَعر الذى يسقط من الرأس واللحية عند التسريح بالمشط
طَلْع نخلة : وعاء طلع النخل (الغشاء الذى يكون عليه، ويُطلَق على الذكر والأنثى).
كأنَّ ماءها نُقَاعة الحِنَّاء : أى لون ماءها أحمر مثل لون الماء المنقوع فيه حِنَّاء
رَعُوفَة : صخرة تُترَك فى أسفل البئر إذا حُفِرَت تكون ناتئة هناك ليجلس عليها مَن يريد تنقية البئر
بئر ذَرْوان : أحد آبار المدينة

ثانياً : بيان وجه الإشكال :
أ
نَّ السحر من عمل الشياطين، فكيف يصل إلى النبى صلى الله عليه وسلم مع حِياطة الله تعالى له وتسديده إياه، كما أنَّ لحوق أثر السحر بالنبى صلى الله عليه وسلم ينافى عصمته ويقدح فى نبوته ويزيل الثقة بما يبلغه عن الله تعالى، وثبوت السحر عليه يؤكد اتهام المشركين له بأنه مسحور "إن تتبعون إلا رجلاً مسحوراً".
ولا ريب أن الحديث صحيح مُتَفَق على صحته، وهو من باب الأخبار، والأخبار لا يكون فيها نسخ، لذا وجب تصديقه والاعتقاد بصحة ما فيه، أما الشبهات والإشكالات التى أثيرت حوله، فقد ردَّ عليها أهل العلم وأزالوها.
ملحوظة :
أمر آخر وهو أنه قد يظهر تعارض ظاهرى بين الروايات السابقة فى أمر استخراج السحر من البئر، فهناك رواية تفيد عدم استخراجه والأخرى تفيد استخراجه.
والجواب على ذلك : أنه ليس هناك تعارض، فقد استخرجه النبى صلى الله عليه وسلم ودفنه، ولكنه لم يستخرجه للناس ولم يُرِهم إيَّاه حتى لا يثير ذلك على الناس شراً.
قال ابن القيِّم فى بدائع الفوائد : (ولا تنافى بينهما، فإنه استخرجه من البئر حتى رآه وعَلِمَه ثم دفنه بعد أن شُفِى، وقول عائشة هلاَّ استَخَرَجْتَه؟ أى هلا أخرجته للناس حتى يروه ويعاينوه، فأخبرها بالمانع له من ذلك، وهو أن المسلمين لم يكونوا ليسكتوا عن ذلك، فيقع الإنكار ويغضب للساحر قومه فيحدث الشر، وقد حصل المقصود بالشفاء والمعافاة، فأَمَر بها فدُفِنَت ولم يستخرجها للناس، فالاستخراج الواقع غير الذى سألت عنه عائشة).

ثالثاً : أقوال أهل العلم لإزالة هذا الإشكال
القول الأول (وهو قول مرجوح بل جانَبَه الصواب) :
نَفْى حقيقة السحر وأثره على المخلوقات، وأنه مجرَّد تمويه وتخييل لا حقيقة له ولا تأثير له فى مرض ولا قتل ولا حل وعقد. فأثبت أصحاب هذا القول الحديث، ولكنهم نفوا السحر وحقيقته، وقالوا بأن ما حدث للنبى صلى الله عليه وسلم هو مجرد تمويه وتخيُّل وخداع للأعين وتَحيُّل وكيد مفتعل، لا حقيقة ولا تأثير له.
وهذا القول ذهب إليه (أبو جعفر الاسترابادى، أبو بكر الرازى، ابن حزم) ، بل إن المعتزلة قد شططوا وأنكروا حديث عائشة بالكليَّة ونفوا حدوث أى شىء للنبى صلى الله عليه وسلم لا سحر ولا تمويه ولا خيال ولا أى شىء.

القول الثانى (وهو الراجح والصحيح المعتَمَد عند عامة أهل السنة) :
* إثبات حقيقة السحر وأثره على النبى صلى الله عليه وسلم، فقد أثَّر فيه السحر وأمرضه، فكان يُخيَّل إليه أنه يفعل الشىء وهو لم يفعله، غير أنه لم يُوجِب له خللاً فى عقله ولا تخليطاً له فى قوله، فقد دلَّت الأدلة الشرعية النقليَّة على صدقه وعصمة الله له من الغلط فيما يبلِّغه بقوله وفعله عن ربِّ العزَّة، أى أن السحر الذى تعرَّض له كان له خلل وأثر على بدنه دون عقله، فهو عَرَض من الأعراض التى تعترى البشر جميعاً بما فيهم الأنبياء كالمرض والجوع والعطش والحر والبرد والإغماء والتعب والعين والحسد. وهذا هو قول عامة أهل السنة والجماعة.

* ومن أدلتهم على صحة قولهم ما يلى :
(1) الآية 102 من سورة البقرة
" وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ "
فهذه الآية أثبتت وجود السحر، وأنه مما يُعَلَّم ويُتَعَلَّم، وهذا يدل على أن له حقيقة، إذ لو لم يكن كذلك لما أمكن تعلمه وتعليمه. وذكرت الآية أن له آثاراً وأضراراً مثل التفريق بين الرجل وزوجته، إلا أن هذه الأضرار لا تكون إلا بإذن الله وإرادته الكونية القدريَّة.
قال المازرى : (أهل السنة وجمهور العلماء من الأمة على إثبات السحر، وأن له حقيقة كحقائق غيره من الأشياء الثابتة، خلافاً لمن أنكره ونفى حقيقته، وأضاف ما يتَّفق منه إلى خيالات باطلة لا حقائق لها، وقد ذكره الله سبحانه فى كتابه العزيز، وذكر أنه مما يُتَعلَّم، وذكر ما يشير إلى أنه مما يُكَفَّر به، وأنه يُفرَّق به بين المرء وزوجه، وهذا كله مما لا يمكن أن يكون فيما لا حقيقة له، وكيف يُتَعلَّم ما لا حقيقة له).
(2) الآية 4 من سورة الفلق : " ومِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فى العُقَد "
فقد أمر الله نبيَّه عليه الصلاة والسلام فى هذه السورة بالاستعاذة من بعض أمور الشر والسوء، ومنها شر النفاثات فى العقد: وهُنَّ السَواحِر اللاتى يَنْفُثْنَ فى عُقَد الخَيْط حين يَسْحَرْنَ.
(3) حديث عامر بن سعد عن أبيه (فى الصحيحين) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَن تَصَبَّح كل يوم سبع تمرات عجوة، لم يضرَّه ذلك اليوم سم ولا سحر".
أرشد هذا الحديث إلى ما فيه وقاية من ضرر السحر، مما يدل على أن له حقيقة وأثراً، إذ لا يُتوقَّى إلا مما كان كذلك، كما أنه جاء مقترناً بالسم الذى لا خلاف على حقيقته وأثره.
(4) حديث عائشة سابق الذكر، والتى كانت عباراته صحيحة صريحة فى وقوع السحر وأثره على النبى صلى الله عليه وسلم كالتالى :
"سَحَرَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم رجلٌ من بنى زُرَيْق، يقال له : لُبَيْد بن الأعصم".
هذه العبارة ذَكرَت السحر (وقوعه)، والساحر (لُبَيْد)، والمسحور (النبى صلى الله عليه وسلم).
"حتى كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يُخيَّل إليه أنه كان يفعل الشىء وما فعله"، "حتى كان يرى أنه يأتى النساء ولا يأتيهنَّ" ، " ما وجع الرجل؟ "
هذه العبارات ذَكرَت أثر السحر على النبى صلى الله عليه وسلم، وما سبَّبَه له من وَجَع.
"فى مُشْطٍ ومُشَاطَة وجَفِّ طَلْع نخلة ذَكَر".
هذه العبارة ذَكرَت مادة السحر.
"فى بئر ذَرْوان".
هذه العبارة ذَكرَت المكان الذى أُلقِى فيه مادة السحر.
" فأتى النبى صلى الله عليه وسلم البئر حتى استَخرجَه" ، (فأمر بها فدُفِنَت).
هذه العبارات ذَكرَت الذهاب إلى مكان السحر لاستخراج مادة السحر ودفنها، من باب الأخذ بالأسباب للاستشفاء من السحر وآثاره المرضية التى وقعت على النبى صلى الله عليه وسلم.
"أما الله فقد شفانى"
هذه العبارة ذكرت الشفاء مِن السحر ومِن الآثار المَرَضَيَّة التى نشأت عنه.

* وردَّ أصحاب القول الثانى على الشبهة التى تقول أنَّ ثبوت السحر على النبى صلى الله عليه وسلم يؤكد اتهام المشركين له بأنه مسحور "إن تتبعون إلا رجلاً مسحوراً" الآية (47) الإسراء ، بأن هذه الآية مكيَّة، وقصة السحر المذكورة فى الحديث وقعت بالمدينة بعد الهجرة، وعليه فليس مراد الآية ما جاء فى الحديث، لأن الآية تخبر عن مشركى قريش الذين اتهموه بالسحر تارةً ليدَّعوا بأن كل ما جاء من أمر النبوة والوحى ناشىء عن السحر مع أنه لم يكن قد أصابه سحر قط إلا بعد ذلك الاتهام بسنوات فى المدينة، وهو نفس ما جعلهم يتهموه بالكهانة تارة أخرى وبالجنون تارة ثالثة، أما الحديث فيخبر عن وقعة سحر معينة حدثت للنبى صلى الله عليه وسلم خلال فترة محددة ناله بسببها بعض التغيرات، ثم شفاه الله منها دون أن يؤثر ذلك على وحيه أو دينه أو نبوته.

* أما عن شبهة أنَّ السحر من عمل الشياطين، فكيف يصل إلى النبى صلى الله عليه وسلم مع حِياطة الله تعالى له وتسديده إياه، و أنَّ لحوق أثر السحر به ينافى عصمته ويقدح فى نبوته ويزيل الثقة بما يبلغه عن الله تعالى ، فقد ردَّ عليه أصحاب القول الثانى واستفاضوا بأقوال كثيرة منها ما يلى :
قال القرطبى : (الأنبياء من البشر، فيجوز عليهم من الأمراض والآلام والغضب والضجر والعجز والسحر والعين وغير ذلك ما يجوز على البشر، لكنهم معصومون عمَّا يناقض دلالة المعجزة من معرفة الله تعالى والصدق والعصمة عن الغلط فى التبليغ).
قال الخطَّابى : (السحر ثابت وحقيقته موجودة، وقد اتفق أكثر الأمم من العرب والفرس والهند وبعض الروم على إثباته ....، والأنبياء صلوات الله عليهم يجوز عليهم من الأعراض والعلل ما يجوز على غيرهم إلا فيما خصَّهم الله به من العصمة فى أمر الدين الذى أرصدهم له وبعثهم به، وليس تأثير السحر فى أبدانهم بأكثر من القتل وتأثير السم والأعراض وعوارض الأسقام فيهم، وقد قُتِل زكريا وابنه يحيى عليهما السلام، وسُمَّ نبينا صلى الله عليه وسلم فى الشاة التى أُهْدِيَت له بخيبر ...، فلم يكن شىء مما ذكرنا قادحاً فى نبوتهم ولا دافعاً لفضيلتهم، وإنما هو امتحان وابتلاء....، فأما ما يتعلق من أمره بالنبوة فقد عصمه الله فى ذلك، وحرس وحيه أن يلحقه الفساد والتبديل، وإنما كان يُخيَّل إليه من أنه يفعل الشىء ولا يفعله فى أمر النساء خصوصاً، وفى إتيان أهله قصرة، إذ كان قد أُخِذ عنهن بالسحر، دون ما سواه من أمر الدين والنبوة، وهذا من جملة ما تضَّمنه قوله عزَّ وجلّ: "فيَتَعلَّمون مِنْهُما مَا يُفرِّقون به بَيْن المَرْء وزَوْجِه" الآية، فلا ضرر إذاً مما لحقه من السحر على نبوته، ولا نقص فيما أصابه منه على دينه وشريعته، والحمد لله على ذلك).

الخلاصة لإزالة الإشكال :
ثبوت حقيقة السحر ووجوده من القرآن والسنة والواقع، وثبوت حدوث واقعة السحر وتأثيره على النبى صلى الله عليه وسلم، فقد أثَّر فيه السحر وأمْرَضَه، فكان يُخيَّل إليه أنه يفعل الشىء وهو لم يفعله، غير أنه لم يُوجِب له خللاً فى عقله ولا تخليطاً له فى قوله، فقد دلَّت الأدلة الشرعية على صدقه وعصمة الله له من الغلط فيما يبلِّغه بقوله وفعله عن ربِّ العزَّة ، أما تأثير السحر عليه فقد كان فى أمور محددة هى: (حدوث الوجع خاصة بالعين، تخيُّل أنه كان يأتى نساءه ولا يأتيهنَّ، الابتعاد بعض الوقت عن الطعام والشراب) لم يتعداها بما يقدح فى عقله أو حكمته أو قوله أو فعله أو وحيه أو نبوته.

فصل فى أنواع السحر :
* السحر نوعان هما :
(1) حقيقى لا مطلق التخييل.
(2) تخييل لا حقيقة له.
والنوع الأول هو الذى أقرَّه أهل العلم من أصحاب القول الثانى، ونفاه أصحاب القول الأول كما تقدَّم ذكره. أما النوع الثانى فقد أثبته الاثنان ولم ينفيه أحد.
قال ابن القيم فى بدائع الفوائد :
(إذا جاز على الساحر أن يسحر جميع أعين الناظرين مع كثرتهم، حتى يروا الشىء بخلاف ما هو به، مع أن هذا تغير فى إحساسهم، فما الذى يحيل تأثيره فى تغيير بعض أعراضهم وقواهم وطباعهم، وما الفرق بين التغيير الواقع فى الرؤية والتغيير فى صفة أخرى من صفات النفس والبدن، فإذا غير إحساسه حتى صار يرى الساكن متحركاً والمتصل منفصلاً والميت حيَّاً، فما المحيل لأن يغير صفات نفسه حتى يجعل المحبوب إليه بغيضاً والبغيض محبوباً وغير ذلك من التأثيرات، وقد قال تعالى عن سحرة فرعون إنهم سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم، فبيَّن سبحانه أن أعينهم سُحِرَت، وذلك إما أن يكون لتغيير حصل فى المرئى وهو الحبال والعصى، مثل أن يكون السحرة استعانت بأرواح حركتها وهى الشياطين فظنوا أنها تحركت بأنفسها.....، وإما أن يكون التغيير حدث فى الرائى حتى رأى الحبال والعصى تتحرك وهى ساكنة فى أنفسها، ولا ريب أن الساحر يفعل هذا وهذا، فتارة يتصرف فى نفس الرائى وإحساسه حتى يرى الشىء بخلاف ما هو به، وتارة يتصرف فى المرئى باستعانته بالأرواح الشيطانية حتى يتصرف فيها).
وحاصل معنى كلام ابن القيم أن السحر منه ما هو تخييل وسحر للأعين ليرى الشىء على غير حقيقته، ومنه ما هو حقيقى يغير أعراض الناس وطباعها وصفاتها فيجعلها تبغض من تحب، وتحب من تبغض ... إلى آخره من تأثيرات السحر الحقيقى.
وعليه فإن ما وقع للنبى عليه الصلاة والسلام من سحر من نوع التخييل الناتج عن السحر، وأيضاً أثر فى بصره وفى قواه الجسدية، ففى فترة المرض كان يُعرَض له أنه قد جاء إلى عائشة وهو يعلم أنه لم يجئها، ولكنه كان يعاوده ذلك الخاطر، وليس هذا من عادته فكان يتأذى من ذلك.

* أنواع الأشياء (الأمور) التى تؤثر على الناس من حيث تأثيرها :
(1) ما أذن الله أن يؤثر بإذنه مطلقاً ثم إذا شاء تعالى منع ذلك.
مثل : (النار، فهى مأذون لها أن تؤثر دائماً على الإطلاق بالحرق والتسخين ... إلى آخره، ولكن إذا شاء الله سبحانه مَنَع تأثيرها، كما فعل مع إبراهيم عليه السلام عندما ألقوه قومه فيها) ، (السم، فالأصل فيه هو التأثير مطلقاً من حيث القتل، وإذا شاء الله سبحانه منع تأثيره، كما حدث مع النبى محمد عليه الصلاة والسلام يوم خيبر عندما أكل من الشاة المسمومة).
(2) ما هو ممنوع من التأثير مطلقاً، وإذا اقتضت الحكمة أن يُمَكَّن من التاُثير، رُفِع المنع.
مثل : (السحر، فالأصل فيه عدم التأثير إلا إذا شاء الله أن يؤثر).
قال تعالى : "وما هم بضآرِّين به من أحدٍ إلا بإذن الله ".


فصل فى الفروق والاختلافات بين معجزات الأنبياء وأفعال السحرة :
(1) معجزات الأنبياء خارجة عن مقدور الخلق من الإنس والجن وغيرها
مثل : نبع الماء من بين أصابع النبى عليه الصلاة والسلام، وإسراءه ومعراجه.
أما ما يأتى به السحرة فهو لا يخرج عن مقدور الإنس والجن
مثل : الطيران فى الهواء، وإحضار بعض الأشياء الخفيَّة.
(2) معجزات الأنبياء لا يمكن لأحد أن يعارضها بمثلها أو يعطِّلها
" قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ".
أما خوارق السحرة يمكن أن تُعارَض بمثلها أو أقوى منها.
(3) النبوة محض فضل من الله تعالى لِمَن اصطفاه من خلقه لا تُنَال بالاكتساب
أما الكهانة والسحر تُنال بالتعلُّم والاكتساب، وهى حرام وكبيرة من الكبائر.
(4) النبوة نورٌ من الله يأتى بها مَلَك كريم إلى نبى مرسل
أما أفعال وأخبار السحرة يأتى بها شيطان رجيم إلى ساحر خبيث

وهذه الفروق وغيرها رَدٌّ على شبهة المعتزلة بأنه لو كان هناك سحر على الحقيقة، لتعذَّر التمييز بينه وبين المعجزة ، وبين الساحر والنبى.
قال ابن تيمية : (الفرقان بينهما أعظم، كالفرق بين الملائكة والشياطين، وأهل الجنة وأهل النار، وخيار الناس وشرارهم، وهذا أعظم الفروق بين الحق والباطل).

 
أعلى