ليس كل من يقول الشهادتين مسلم (الشيخ ابن باز)

العبد الفقير

عضو جديد
إنضم
22 يناير 2005
المشاركات
2,189
مجموع الإعجابات
106
النقاط
0
وفي حديث طارق بن أشيم الأشجعي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله عز وجل)) وفي اللفظ الآخر: ((من وحد الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه)) أخرجهما الإمام مسلم في صحيحه. فأبان النبي صلى الله عليه وسلم بهذين الحديثين وأمثالهما أنه لابد من توحيد الله والإخلاص له، ولابد من الكفر بعبادة غيره، وإنكار ذلك والبراءة منه، مع التلفظ بالشهادتين وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وأداء بقية الحقوق الإسلامية.. وهذا هو الإسلام حقاً، وضده الكفر بالله عز وجل.
وهذا الأصل يجب التزامه والسير عليه، وهو أن توحد الله، وتخلص له العبادة أينما كنت مع أداء الحقوق التي فرضها الله، وترك ما حرم الله عليك، وبهذا تكون مسلماً، مستحقاً لثواب الله ولكرامته سبحانه وتعالى في الدنيا والآخرة، ولذلك أنزل الله قوله جل وعلا: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ}[35] فبين الحكمة في خلقهم، وهي أن يعبدوا الله وحده، وأنهم لم يخلقوا عبثاً ولا سدى، بل خلقوا لهذا الأمر العظيم: ليعبدوا الله جل وعلا، ولا يشركوا به شيئاً، ويخصوه بدعائهم وخوفهم ورجائهم وصلاتهم وصومهم، وذبحهم ونذرهم وغير ذلك، وقد بعث بهذا الأمر الرسل، كما قال عز وجل: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ}[36] فكل من أتى بناقض من نواقض الإسلام أبطل هذه الكلمة؛ لأن هذه الكلمة إنما تنفع أهلها إذا عملوا بها واستقاموا عليها، فأفردوا الله بالعبادة وخصوه بها، وتركوا عبادة ما سواه واستقاموا على ما دلت عليه من المعنى، فاطاعوا أوامر الله وتركوا نواهي الله، ولم يأتوا بناقض ينقضها. وبذلك يستحقون كرامة الله، والفوز بالسعادة والنجاة من النار. أما من نقضها بقول أو عمل فإنها لا تنفعه ولو قالها ألف مرة في الساعة الواحدة، فلو قال لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله وصلى وصام وزكى وحج ولكنه يقول: إن مسيلمة الكذاب- الذي خرج في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم في عهد الصحابة يدعي أنه رسول الله- لو قال إنه صادق كفر ولم ينفعه كل شيء. أو قال إن المختار بن أبي عبيد الثقفي الذي ادعى النبوة في العراق إنه نبي صادق وأن الذين قاتلوه أخطئوا في قتاله. أو قال في حق الأسود العنسي الذي ادعى في اليمن أنه نبي، أو من بعدهم من الكذابين: إنهم صادقون يكون كافراً، ولو قال لا إله إلا الله، وكررها آلاف المرات.
وهكذا لو قالها وهو يعبد البدوي أو يعبد الحسين أو يعبد ابن علوان أو العيدروس، أو يعبد النبي محمداً صلى الله عليه وسلم، أو يعبد ابن عباس رضي الله عنهما، أو يعبد الشيخ عبد القادر الجيلاني، أو غيرهم يدعوهم ويستغيث بهم، وينذر لهم، ويطلب منهم المدد والعون، لم تنفعه هذه الكلمة، وهي " لا إله إلا الله " وصار بذلك كافراً ضالاً، وناقضاً لهذه الكلمة، مبطلاً لها.
وهكذا لو قال: لا إله إلا الله، وصلى وصام ولكنه يسب النبي صلى الله عليه وسلم، أو يتنقصه أو يهزأ به، أو يقول: إنه لم يبلغ الرسالة كما ينبغي، بل قصر في ذلك، أو يعيبه بشيء من العيوب، صار كافراً، وإن قال لا إله إلا الله آلاف المرات، وإن صلى وصام؛ لأن هذه النواقض تبطل دين العبد الذي يأتي بها، ولهذا ذكر العلماء رحمهم الله في كتبهم باباً سموه: باب حكم المرتد، وهو الذي يكفر بعد إسلامه، وذكروا فيه أنواعاً من نواقض الإسلام منها ما ذكرنا آنفا.
وهكذا لو قال لا إله إلا الله، وجحد وجوب الصلاة، فقال: إن الصلاة ليست واجبة، أو الصوم ليس واجباً، أو الزكاة ليست واجبة، أو الحج ليس واجباً مع الاستطاعة، كفر إجماعاً ولم ينفعه قوله: " لا إله إلا الله أو صلاته أو صومه إذا جحد وجوب ذلك، ولو صام وصلى وتعبد، ولكنه يقول إن الزنى حلال، أو غيره مما أجمعت الأمة على تحريمه كفر عند جميع المسلمين، ونقض دينه بهذا القول، وإن قال: لا إله إلا الله، وشهد أن محمداً رسول الله وصلى وصام؛ لأنه بتحليله الزنى صار مكذبا لله الذي حرمه بقوله سبحانه وتعالى: {وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سبيلاً}[37] وهكذا لو قال: إن الخمر أو الميسر حلال، كفر ولو صلى وصام، ولو قال: لا إله إلا الله فإنه يصير مشركاً كافراً عند جميع المسلمين؛ لأنه مكذب لله في قوله سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}[38] لكن إن كان من قال ذلك مثله يجهل الحكم لكونه نشأ في بلاد بعيدة عن المسلمين، بين له حكم ذلك بالأدلة الشرعية، فإذا أصر على حل الزنى أو الخمر ونحوهما من المحرمات المجمع عليها، كفر إجماعاً.
والمقصود من هذا أن يعلم أن الدخول في الإسلام والنطق بهذه الكلمة: " لا إله إلا الله " والشهادة بأن محمداً رسول الله لا يكفي في عصمة الدم والمال، إذا أتى قائلها بما ينقضه.
وهكذا لو أن إنسانا صلى وصام وتعبد وقال هذه الكلمة آلاف المرات في كل مجلس، ثم قال مع ذلك: إن أمه حلال له أن يجامعها، أو بنته أو أخته، كفر عند جميع المسلمين، وصار مرتدا بذلك لكونه استحل ما حرم الله، بالنص والإجماع.
وهكذا لو كذب نبيا من الأنبياء، وقال: إن محمدا رسول الله وأنا مؤمن به وموحد لله، وأقول لا إله إلا الله، ولكني أقول إن عيسى ابن مريم كذاب ليس برسول لله، أو موسى أو هارون أو داود أو سليمان أو نوحا أو هودا أو صالحا أو غيرهم ممن نص القرآن على نبوته ليسوا أنبياء، أو سبهم كفر إجماعاً ولم ينفعه قول لا إله إلا الله ولا شهادة أن محمداً رسول الله، ولا صلاته ولا صومه؛ لأنه أتى بما يكذب به الله ورسوله، وطعن في رسل الله، وهكذا لو أتى بكل شيء مما شرعه الله، وعبد الله وحده وصلى وصام ولكنه يقول الزكاة ليست واجبة، من شاء زكى ومن شاء لم يزك كفر إجماعاً، وصار من المرتدين الذين يستحقون أن تراق دماؤهم؛ لأنه قال: الزكاة غير واجبة، ولأنه خالف قول الله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ}[39] وخالف النصوص من السنة الدالة على أنها فرض من فروض الإسلام وركن من أركانه. وهكذا لو ترك الصلاة، ولو قال: إنها واجبة، فإنه يكفر في أصح قولي العلماء كفراً أكبر لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر)) أخرجه الإمام أحمد في مسنده، وأهل السنن بإسناد صحيح، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة)) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه. إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث الدالة على كفر تارك الصلاة، ومن أراد التفصيل في هذا الأمر فليراجع باب حكم المرتد، ليعرف ما ذكر فيه العلماء من النواقض الكثيرة.
وبذلك يكون المؤمن على بصيرة في هذا الدين، ويعرف أن لا إله إلا الله هي أصل الدين، وهي أساس الملة مع شهادة أن محمداً رسول الله، وأنه لا إسلام ولا إيمان ولا دين إلا بهاتين الشهادتين، مع الإيمان بكل ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، والالتزام بذلك، مع الإيمان بكل ما أخبر الله به ورسوله صلى الله عليه وسلم ومع الإيمان بفرائض الله، ومع الإيمان بمحارم الله، ومع الوقوف عند حدود الله.
وهذا أمر أوضحه العلماء، وبينوه في كتبهم، وهو محل إجماع ووفاق بين أهل العلم، فينبغي لك يا عبد الله أن تكون على بصيرة، وألا تنخدع بقول الجاهلين والضالين من القبوريين وغيرهم، من عباد غير الله، الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا، وجهلوا دين الله، حتى عبدوا مع الله غيره، ويزعمون أنهم بذلك ليسوا كافرين؛ لأنهم يقولون: لا إله إلا الله، وهم ينقضونها بأعمالهم وأقوالهم، وتعلم أيضاً أن هاتين الشهادتين اللتين هما أصل الدين وأساس الملة ينتقضان في حق من أتى بناقض من نواقض الإسلام.
فلو أن هذا الرجل أو هذه المرأة شهدا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وصليا وصاما إلى غير ذلك من أعمال، لكنهم يقولان: إن الجنة ليست حقيقة أو أن النار ليست حقيقة، فلا جنة ولا نار، بل كله كلام ماله حقيقة، فإنهما يكفران بذلك القول كفرا أكبر، بإجماع المسلمين.
ولو صلى وصام من قال ذلك وزعم أنه مسلم موحد لله وترك الشرك ولكنه يقول: إن الجنة أو النار ليستا حقا، ما هناك جنة ولا نار، أو قال: ما هناك ميزان، أو ما هناك قيامة، ما فيه يوم آخر، فإنه بذلك يصير مرتداً كافراً ضالاً عند جميع المسلمين.
أو قال: إن الله ما يعلم الغيب أو لا يعلم الأشياء على حقيقتها، فإنه يكفر بذلك لكونه بهذا القول مكذباً لقول الله سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}[40]، وما جاء في معناها من الآيات، ولأنه قد تنقص ربه سبحانه وتعالى، وسبه بهذا القول، وبهذا تعلم يا أخي أن شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله: هي أصل الإيمان وهي أساس الملة، ولكنها لا تعصم قائلها إذا أتى بناقض من نواقض الإسلام، بل لابد من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وبالقدر خيرة وشره.
ولابد مع ذلك من أداء فرائض الله، وترك محارم الله، فمن أتى بعد ذلك بناقض من نواقض الإسلام بطل في حقه قول لا إله إلا الله، وصار مرتداً كافراً، وإن أتى بمعصية من المعاصي التي دون الشرك نقص دينه، وضعف إيمانه، ولم يكفر كالذي يزني أو يشرب الخمر، وهو يؤمن بتحريمها فإن دينه يكون ناقصاً، وإيمانه ضعيفاً، وهو على خطر إذا مات على ذلك من دخول النار والعذاب فيها، ولكنه لا يخلد فيها إذا كان قد مات موحداً مسلماً، بل له أمد ينتهي إليه حسب مشيئة الله سبحانه وتعالى، ولكنه لا يكون آمنا، بل هو على خطر من دخول النار؛ لأن إيمانه قد ضعف ونقص بهذه المعصية، التي مات عليها ولم يتب، من زنى أو سرقة أو غيرهما من الكبائر.

http://www.binbaz.org.sa/mat/8198
 

مواضيع مماثلة

أعلى