لماذا تناصر إيران القضية الفلسطينية؟

علي حسين

عضو معروف
إنضم
3 أبريل 2007
المشاركات
10,320
مجموع الإعجابات
2,965
النقاط
113
لماذا تناصر إيران القضية الفلسطينية؟1-6



2013-9-21 |
د. حمد العيسى

1379796073_khum.jpg


بحث نادر في التاريخ والعلاقات الدولية

(فصل من كتابي المترجم القادم)
بقلم: د. حمد العيسى (نقلا عن جريدة الجزيرة السعودية)
* تقديم حمد العيسى:

هنا دراسة هامة وكاشفة وفريدة من نوعها بقلم بروفيسور تريتا بارسي، وهو باحث ومفكر أمريكي من أصل إيراني.

وتجادل الدراسة بأن توجه إيران الحالي لمناصرة القضية الفلسطينية لم ينبثق أساسا من منطلق التضامن والوحدة الإسلامية التي دعت إليه أيديولوجية الثورة الإسلامية الإيرانية، كما يظن الكثيرين، ولكن من موقف إيراني واقعي وبراغماتي في العلاقات الدولية يسعى إلى الهيمنة الإقليمية على حساب الجيران العرب تبلور وبدأ العمل به فعلا في آخر سنوات حكم الشاه الراحل محمد رضا بهلوي واستمر العمل بهذا الموقف البراغماتي بعد الثورة الإسلامية.

لقد استنتج الشاه أن استمرارية الزعامة الإقليمية الإيرانية التي كان يعمل لتحقيقها كانت تحتاج قبول العرب ودعمهم، وهو ما لا يمكن تكسبه إيران إلا من خلال توجه براغماتي مؤيد لقضية فلسطين في السياسة الخارجية الإيرانية.

ولد الباحث تريتا بارسي في طهران عام 1975. هاجر بارسي مع عائلته إلى السويد لحماية والده الأكاديمي والمعارض المرموق الذي سجن لأسباب سياسية في عصر الشاه، ثم هاجر مع عائلته إلى الولايات المتحدة خوفا من الملاحقة بتهمة معاداة الثورة الإسلامية.

حصل بارسي على درجة الماجستير في العلاقات الدولية في جامعة أوبسالا السويدية كما حصل على درجة ماجستير ثانية في الاقتصاد في كلية ستوكهولم للاقتصاد. ثم حصل على شهادة الدكتوراه في «العلاقات الدولية» من جامعة جونز هوبكنز الأمريكية المرموقة.

وكتب أطروحته للدكتوراه حول «العلاقات الإسرائيلية-الإيرانية» تحت إشراف البروفيسور فرانسيس فوكوياما. ومن ثم حول تلك الأطروحة إلى كتاب بعنوان: «مثلث الغدر: التعاملات السرية لإيران وإسرائيل والولايات المتحدة» (نيو هيفن: قسم النشر بجامعة ييل، 384 ص ، 2007).
وهو المؤسس والرئيس الحالي لـ «المجلس الوطني الإيراني الأميركي». وهذه الدراسة القصيرة مستمدة من الكتاب السالف ذكره ، وستشكل أحد فصول كتابي المترجم القادم بحول الله. وسننشر هوامش المؤلف المرقمة عدديا (1 ، 2 ، إلخ) في الحلقتين الأخيرتين. انتهى التقديم.

* لماذا تناصر إيران القضية الفلسطينية؟ 1-6

يسود اعتقاد لدى معظم العرب أن إستراتيجية إيران المناصرة لقضية العرب الأولى، أي القضية الفلسطينية في الشرق الأوسط وسعيها الظاهري إلى إدارة علاقاتها مع تلك الدول ضمن إطار التضامن الإسلامي متجذرة في أيديولوجية الثورة الإسلاموية الإيرانية أي شعاري التضامن والوحدة الإسلامية.

وللوهلة الأولى وبنظرة سطحية للقضية، يبدو الاختلاف بين هذه السياسة الخارجية وسياسة الشاه الراحل محمد رضا بهلوي لافتاً؛ فبينما صنع الإمبراطور الإيراني الراحل علاقات إستراتيجية مع دول قوية ولكنها بعيدة، مثل الولايات المتحدة وإسرائيل، لتحقيق التوازن مع جيرانه العرب، سعت الجمهورية الإسلاموية نحو الخيار العربي لمحاولة ردم الفجوة بين العرب والفرس من خلال ترويج وتعزيز نظام إسلاموي يتبنى موقف مؤيد للفلسطينيين بصورة راديكالية.

وبينما خفتت التجليات الإسلاموية المتطرفة لهذه السياسة خلال فترة رئاسة محمد خاتمي (1997-2005)، إلا أن انتخاب الرئيس الإيراني الشعبوي المحافظ محمود أحمدي نجاد، أعاد تنشيط التوجه الإسلاموي الإيراني، وهو ما يُكسب طهران نقاطاً عديدة وشعبية ثمينة عند الجماهير العربية الساخطة (على حكامها الذين فشلوا في تحرير فلسطين)، ولكن فقط على حساب زيادة حدة التوتر مع الحكومات العربية فحسب.

وبالنسبة إلى كثير من خصوم إيران، فإن سياستها التي تميل نحو الجماهير العربية والإسلامية وضد الغرب ليست حكيمة وغير مفهومة، ونتيجة لذلك اعتبرت ذات أساس أيديولوجي.

وفي الواقع، فإنه يمكن النظر إلى موقفها هذا كتناقض مع تاريخها القديم الحافل بتوترات مع العرب الذي يرجع إلى القرن السابع أو حتى قبل ذلك، وذلك لأنها اعتمدت حالياً سياسة مؤيدة لقضية العرب ضد إسرائيل، والأخيرة دولة ليس لإيران الفارسية معها مظالم تاريخية كالعرب.

ويذهب البعض إلى حد القول إن العداء الإيراني-العربي هو سمة دائمة للإطار الأمني الإيراني(1). ونتيجة لذلك، فإن هؤلاء المحللين يستنتجون أن أي سياسة خارجية إيرانية لا تسعى إلى ربط إيران بشكل دائم بشراكة إستراتيجية مع الدول غير العربية في المنطقة هي ببساطة غير صحيحة ومضادة للتوازن الجيوسياسي في المنطقة.

ويشاركهم في هذا النقد المحللون الإسرائيليون الذين يلتزمون مبدأ ديفيد بن غوريون، المعروف بـ «مبدأ دول المحيط»(2). ووفقا لـ إليعازر تسافرير، الرئيس السابق للاستخبارات الإسرائيلية (الموساد) في العراق، فهناك أدلة على طبيعة العداء الدائم لإيران مع دول الجوار العربية كما يثبت لنا التاريخ:

«أيا كان اسم إيران: بارس، عيلام، ميديون، وأيا كان اسم العراق: بابل، آشور، أكاد، سومر، فقد كان هناك دائماً تنافس وأحياناً حرب بينهما... وعرف كوروش الكبير، وهو أحد أعظم ملوك الفرس أن هناك مصلحة مشتركة بين إيران وإسرائيل في الشرق الأوسط. وهذا هو السبب الذي جعل كوروش يسمح بعودة عزرا الكاهن ونحميا اليهودي (العامل في بلاط الملك) من النفي ليعيدا بناء المعبد (اليهودي في القدس).

وكان من الواضح أن في هذا مصلحة له من أجل السيطرة على العراق. إيران مسلمة ولكنها ليست عربية، وللحفاظ على هذا التوازن تحتاج إيران لأناس آخرين غير عرب يشاركونها في المصالح»(3).

هناك العديد من المشاكل في هذا التحليل لخيار إيران العربي: أولاً، أنه يفترض وجهة نظر ثابتة لميزان القوى في الشرق الأوسط، وينظر إلى الحقائق التاريخية كقوانين موضوعية ويفشل في إدراك الأسباب الجذرية لتلك الظروف.

ثانياً، يفشل أن يأخذ في الاعتبار التغييرات في الإطار الأمني الإيراني والتحولات الدورية في توزيع القوى في المنطقة.

ثالثاً، أنه يفشل في أن يعترف كيف أن تحقيق تطلعات إيران للقيادة استدعت تحولاً في تخطيط سياستها الخارجية.

أخيراً، وربما الأكثر وضوحاً، أنه يهمل حقيقة أن انجذاب إيران تجاه الدول العربية سبق الجمهورية الإسلاموية.

تجادل هذه الدراسة بأن الخيار العربي لإيران لم ينبثق عن الأيديولوجية الإسلاموية الثورية في إيران، ولكن من الموقف الإيراني المكتشف حديثاً (**)، باعتبارها القوة المهيمنة الأبرز في المنطقة في ظل حكم الشاه.

وأن استمرارية لعب هذا الدور كان يتطلب حتميا «قبول» العرب لهيمنة إيران، والذي يمكن فقط كسبه من خلال الميل في السياسة الخارجية الإيرانية تجاه العرب وضد إسرائيل، أي استغلال «ثغرة» هزائم العرب في مواجهة إسرائيل و«مناصرة القضية الفلسطينية».

خلال الثمانينيات وأوائل التسعينيات، تطور أساس خيار إيران العربي «قليلاً» فحسب، وهو أمر مستغرب. لقد كان ذلك الأساس متجذراً في مزيج من المراجعة السياسية الإيرانية (Iranian Political Revisionism)، مبنية على إعادة تشكيل النظام في الشرق الأوسط على أساس مبادئ إسلاموية بعد سقوط الملكية وقيام الجمهورية، من أجل محاولة إنهاء الانقسام العربي-الفارسي وتمكين إيران من تحقيق طموحاتها القيادية، والاعتراف أن أمن إيران على المدى الطويل يتحقق على نحو أفضل عن طريق الصداقة مع جيرانها الدائمين من العرب والمسلمين السنة، من خلال السعي إلى تحقيق توازن معهم باستمرار عبر تحالفات مؤقتة مع دول نائية.

وجهتا النظر الإستراتيجيتان هاتان كانتا موجودتين -بدرجات متفاوتة وبأشكال مختلفة- خلال السنوات الأخيرة من حكم الشاه. ومن المفارقات، أن الحرب العراقية-الإيرانية (1980-1988)، بدلاً من أن تدفع إيران نحو تفاهم استراتيجي مع إسرائيل، أدت إلى تعزيز وجهة النظر القائلة في طهران إن صداقة العرب كانت ضرورة حتمية فحسب.

* الخارطة الجيوسياسية في أوائل السبعينيات:
شهدت أواخر الستينيات وبداية السبعينيات ثلاثة تغييرات هائلة على الخريطة الجيوسياسية للشرق الأوسط:
التغيير الأول، كان تحول العلاقة الإستراتيجية للقوى العظمى من الاحتواء إلى الردع، ما شكل تعايشاً تنافسياً ولكنه سلمي بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي.

ولكن هذا الانفراج خفض أيضاً استعداد الدول العظمى للمخاطرة وترك الحلفاء في المناطق النائية مثل الشرق الأوسط أقل اطمئناناً بالتزام القوى العظمى لضمان أمنهم (4).

التغيير الثاني، كان إعلان الحكومة البريطانية في الستينيات أنها ستسحب جميع قواتها من شرق قناة السويس وتنهي سيطرتها العسكرية على الخليج «الفارسي» بحلول عام 1971.

ومع كون حرب فييتنام في أوجها، كانت الولايات المتحدة ليست في موقف يسمح بتبني دور الحامي للمياه الإستراتيجية في الخليج «الفارسي»، وتركت دول المنطقة لتدافع عن أنفسها. ومنح الفراغ الناتج من انسحاب المملكة المتحدة الشاه فرصة لزيادة نفوذه ومكانته بشكل كبير في المنطقة.

لقد ضغط بقوة من أجل منح إيران دور الشرطي في الخليج «الفارسي»، والذي أدى في النهاية إلى بزوغ مبدأ ريتشارد نيكسون «العمودين التوأم» (***). وكان هذا هو التطور الإقليمي الأهم والوحيد الذي عمّق الاعتماد الأمريكي على طهران وزيادة النفوذ الإيراني في واشنطن(5).

وقد تكون بذور تلك السياسة وضعت بالفعل في عام 1966، خلال زيارة قام بها ريتشارد نيكسون إلى إيران.

قضى نيكسون، الذي لم يكن له أي منصب عام في ذلك الوقت، عدة ساعات في مقابلة خاصة مع الشاه. وخلال المحادثات، جادله الشاه أن سياسات الولايات المتحدة لفرض وجود عسكري مكثف في جميع أنحاء العالم سيسبب قريباً مشاعر عدائية تجاه واشنطن.

وبدلاً من ذلك، اقترح الشاه أن على الولايات المتحدة تشجيع القوى الإقليمية التي تقاسمها المصلحة أن تعزز الاستقرار الإقليمي كي يأخذ دوراً أكبر في المسائل الأمنية.

ومن شأن هذا النهج أن يضمن رضا القوى الإقليمية بالقيادة العالمية للولايات المتحدة مع خلق أساس أكثر استدامة للأمن الإقليمي (6).

كون نصيحة الشاه إلى نيكسون كانت عاملاً حاسماً في قرارات نيكسون اللاحقة كرئيس يعتبر أمراً قابلاً للنقاش، ولكن فكرة «القوة الإقليمية النافذة» كانت مغروسة بشكل جيد في دوائر السياسة الخارجية لواشنطن. وكانت حجة كررها الشاه للمسؤولين الأمريكيين في مناسبات عديدة.
وبحلول نهاية الستينيات، كان الشاه، الذي انتهج سياسة زيادة الاعتماد المتبادل مع الولايات المتحدة، في حاجة واشنطن أقل من حاجة أمريكا لإيران.

ويُعزى ذلك -جزئياً- إلى زيادة عائدات النفط الإيراني، ويعود -جزئياً أيضاً- لتوسع الولايات المتحدة المفرط في جنوب شرق آسيا. ولم يتردد الشاه في الاستفادة من هذه الميزة الجديدة (7).


هوامش المترجم:

(*) مبدأ «تحالف دول المحيط» (Periphery Doctrine): هو إستراتيجية للسياسة الخارجية والعلاقات الدولية الإسرائيلية صاغها ديفيد بن غوريون، أول رئيس وزراء لإسرائيل، في أواخر الخمسينيات.
ويدعو المبدأ إلى إقامة تحالفات إستراتيجية وثيقة مع دول مسلمة غير عربية في الشرق الأوسط لمواجهة المعارضة الموحدة للدول العربية لوجود إسرائيل واحتمالات حدوث توسع إقليمي ناصري عروبي.
واستخدم المبدأ أساساً لتوثيق علاقات إسرائيل مع تركيا، وإيران ما قبل الثورة، وإثيوبيا. الذين كانوا قلقين من احتمالات التوسع الناصري العروبي (أي الانتشار العسكري لفكرةالقومية العربية) والتأثيرات السوفياتية المؤيدة للعرب في الشرق الأوسط. (العيسى).
(**) المكتشف حديثا: أي عبر البحوث والوثائق وكتب المذكرات والمقابلات الحديثة كما سيرد لاحقا في هذه الدراسة. (العيسى).
(***) سياسة «العمودين التوأم» (Twin Pillars): هي سياسة تسليح كل من إيران والسعودية جيدا (ليكونا عمودي الأمن الخليجي) وليقوما بحماية ممر النفط أي الخليج «الفارسي» من أي تهديد خارجي راديكالي. (العيسى).
يتبع ......... بحول الله

المصدر : العصر

 

مواضيع مماثلة

علي حسين

عضو معروف
إنضم
3 أبريل 2007
المشاركات
10,320
مجموع الإعجابات
2,965
النقاط
113
هذا السؤال كنت قد طرحته سابقا ..في احد النقاشات .

فوجدت هذا البحث فاحببت طرحه منفصلا علنا نستنتج الحقيقة ..
 

علي حسين

عضو معروف
إنضم
3 أبريل 2007
المشاركات
10,320
مجموع الإعجابات
2,965
النقاط
113
http://alasr.ws/articles/view/14635#لماذا تناصر إيران القضية الفلسطينية؟! 2-6

2-6
2013-9-30 | د. حمد العيسى
بحث نادر في التاريخ والعلاقات الدولية

نواصل ترجمة هذه الدراسة الهامة للبروفيسور تريتا بارسي، وهو باحث ومفكر أمريكي من أصل إيراني. وهي الدراسة المستمدة من كتاب بارسي «مثلث الغدر: التعاملات السرية لإيران وإسرائيل والولايات المتحدة» (نيو هيفن: قسم النشر بجامعة ييل، 2007).


أما التغيير الثالث، كان تراجع طموحات مصر الإقليمية بعد هزيمتها في حرب عام 1967، وبدئها في استكشاف فرص إعادة توجيه سياستها الخارجية بعيداً عن الاتحاد السوفياتي.
وكان لهذا تأثير كبير في تقييم إيران للتهديدات الخارجية، لأن تهديد القومية العربية لإيران خلال سنوات عبد الناصر كان جدياً؛ فقد كانت إيران تشعر بقلق بشكل خاص من احتمال حدوث توسع إقليمي ناتج من فكرة القومية العربية وحصول مطالبات عربية بإقليم خوزستان الغني بالنفط في جنوب إيران(8).



ويرى السفير فريدون هويدا، سفير إيران لدى الأمم المتحدة خلال السبعينيات: «أن الإيرانيين أدركوا أنهم محاطون بالعرب. وكان العرب دائماً يتخذون سياسات معادية لإيران»(9).
ولكن بينما كانت مصر تقوم بتطوير سياستها الخارجية نحو الاعتدال، كما اعترفت بدعم إيران للموقف العربي في مجلس الأمن الدولي بخصوص القرار الرقم 242، فقد كانت هناك دلائل تشير إلى أن التوترات العربية-الإيرانية يمكن تهدئتها(10).
ومن خلال وساطة كويتية، استأنفت إيران ومصر العلاقات الثنائية في أغسطس 1970. وبعد شهر واحد، توفي عبد الناصر وحل محله أنور السادات، الذي سارع في تطوير وتعزيز العلاقات مع إيران(11). منهج الرئيس المصري الجديد أنهى فعلياً خوف طهران من احتمال تهديد زعيمة القومية العربية لتطلعاتها الإقليمية.
وفي يوليو 1972، قام الرئيس المصري بتحول كبير نحو المعسكر الغربي عندما طرد أكثر من 10,000 خبير روسي عسكرب (12).
وكان السادات قد تشاور مع الشاه قبل اتخاذ هذا التحول الراديكالي في التوجه الإستراتيجي، وشجع الشاه بقوة السادات على الابتعاد عن فلك الاتحاد السوفياتي وعرض تقديم حوافز اقتصادية لمصر مقابل ذلك(13).
وأمر الشاه الدبلوماسيين الإيرانيين في نيويورك بمساعدة المصريين في تأسيس علاقات مع أعضاء الكونغرس الأمريكي وزعماء الجالية اليهودية الأمريكية من أجل تسهيل انتقال مصر إلى المعسكر المؤيد للغرب (14). وبمجرد طرد المستشارين السوفيات وبدء تدهور علاقات موسكو مع القاهرة، حدث تحسن هائل في العلاقات المصرية-الإيرانية(15).
هزيمة أيديولوجية ناصر القومية وتدهور العلاقات المصرية-السوفياتية، أفقد الدول العربية أقوى تحد تملكه ضد إيران وأنهى البروباغاندا المعادية للفرس(16). انبثاق كتلة عربية معتدلة موالية للغرب كان له تأثيره الهائل على الحسابات الإستراتيجية الإيرانية.
أخيراً وليس آخراً، شهدت السبعينيات صعود قوة طهران. نما اقتصاد إيران بوتيرة لم يسبق لها مثيل خلال هذه الفترة، ويرجع ذلك أساساً إلى زيادة في عائدات النفط الإيراني.
وخلال الأعوام 1968-1973، نما الناتج القومي الإجمالي في إيران من حيث القيمة الحقيقية بمتوسط معدل سنوي قدره 12%، وبلغ متوسط زيادة الاستثمار المحلي الإجمالي أكثر من 15%.
وفي عامي 1973 و1974، نما الناتج المحلي الإجمالي بمعدلات أعلى من ذلك بلغت 34% و 42% على التوالي، وذلك بسبب الزيادات الكبيرة في أسعار النفط. وقفزت عائدات النفط الإيراني من 365 مليار ريال في عام 1973 (الدولار = 75.74 ريالاً في يناير عام 1973) إلى 1336 مليار ريال في عام 1974(الدولار = 66.62 ريالاً في يناير عام 1974)(17).
وأدت العوامل الأربعة الرئيسة التالية، إلى إحداث تغيير راديكالي في الإطار الاستراتيجي للشرق الأوسط، وتحدت حاجة إيران إلى شراكة مع دول مثل إسرائيل لتحقيق التوازن بين العرب.

سياسة الردع من القوة العظمى؛


الانسحاب البريطاني من الخليج الفارسي؛
نهاية أيديولوجية القومية العربية المتطرفة في مصر وبروز كتلة عربية معتدلة؛
الارتفاع غير المسبوق في عائدات النفط الإيراني.

وفي حين أن الكثير من أسس سياسة إيران لتحقيق التوازن مع العرب من خلال التعاون مع إسرائيل بقيت صلبة، إلا أن تل أبيب رصدت مباشرة وبسرعة تغييراً فعلياً فورياً في لهجة الشاه بعد انتصار إسرائيل في حرب عام 1967.


وخلافاً لتوقعات تل أبيب، فإن سحق جيش عبد الناصر لم يدفع الشاه إلى الاقتراب من إسرائيل والاعتراف بالدولة اليهودية قانونياً، بل بدلاً من ذلك، وعلى الرغم من التهاني الحارة المرسلة من الجنرالات الإيرانيين إلى المسؤولين الإسرائيليين، جمَّد الشاه جميع المشاريع الإيرانية-الإسرائيلية المشتركة واتخذ موقفاً عاماً أكثر صرامة ضد تل أبيب(18).
وفي مقابلة مع صحيفة يوغوسلافية في أواخر عام 1967، أعلن الشاه أنه «... لن يعترف بأي احتلال لأراضٍ بقوة السلاح. ولا بد من إيجاد حل دائم للخلافات القائمة بين الدول العربية وإسرائيل في إطار ميثاق الأمم المتحدة»(19).
تولد قلق في طهران بأن انتصار إسرائيل السريع قد جعلها قوية جداٍ. وفي المقابل، زاد الارتياب في نوايا الشاه في تل أبيب(20). ومن منظور طهران، فإن حرب 1967، حولت إسرائيل من دولة محاصرة إلى دولة عدوانية.
وحث الدبلوماسيون الإيرانيون الولايات المتحدة الضغط على إسرائيل لاتخاذ موقف أكثر مرونة في مفاوضاتها مع العرب. كان اعتقاد طهران أن إصرار إسرائيل على الاحتفاظ بالأراضي العربية المحتلة سوف يطيل ويفاقم النزاع(21).

إضافة إلى ذلك، وفي لقاء سري بين الشاه ووزير الخارجية الإسرائيلي أبا إيبان، في طهران بتاريخ 14 ديسمبر 1970، ضغط العاهل الإيراني مراراً وبقوة على حليفه الإسرائيلي بوجوب التوصل إلى حل سلمي وأن الأراضي العربية يجب أن تُعاد إلى أصحابها(22).
كما تجلت المضايقات الشاهنشاهية حول السياسات الإسرائيلية بطرق مختلفة؛ فعلى سبيل المثال، منع الشاه المسؤولين الإيرانيين من حضور الذكرى الـ 22 لتأسيس الدولة اليهودية في مقر البعثة الإسرائيلية في طهران عام 1971(23).
إضافة إلى ذلك، أغضب الشاه حلفاءه الإسرائيليين بشدة عندما رفض دعوة رئيس جمهورية إسرائيل لاحتفالات إيران بمرور 2500 عام على تأسيس الملكية الفارسية في أكتوبر عام 1971، بحجة أن وجود الرئيس الإسرائيلي قد يتسبب في مقاطعة عربية للاحتفالات(24).
وبعد بضعة أشهر، وقبل طرد السادات للمستشارين السوفيات، قامت غولدا مائير، بأول زيارة لها إلى طهران بصفتها رئيس وزراء إسرائيل. ووفقاً لممارسة روتينية عند زيارة المسؤولين الإسرائيليين، هبطت طائرة مائير في الليل على مدرج خارجي في مطار مهر آباد.
ومرة أخرى، حث الشاه إسرائيل على اتخاذ موقف أكثر اعتدالاً من مصر. وجادل الشاه أن نجاحات السوفيات مع النظام البعثي العراقي الجديد، تستلزم عزل مصر عن الكتلة السوفياتية.
ومن وجهة نظر الشاه فإن إسرائيل لم تفهم التغيرات الحاصلة في الشرق الأوسط ولم تعِ بدرجة كافية احتياجات ومصالح حلفائها. وبعد الاجتماع، شكت غولدا مائير لمساعديها، أن الشاه «بعدما طور علاقاته مع مصر، لم يعد كما كان!!»(25).
* سعي إيران إلى الزعامة (الهيمنة) الإقليمية:
وبناء على موقف إيران الجغرافي الإستراتيجي، والموارد الطبيعية، والقوة الثقافية، وحجم السكان مقارنة بجيرانها، اعتقد الشاه أن إيران ينبغي أن تكون القوة المهيمنة الطبيعية في الخليج الفارسي(26).
ووفقاً لمستشار الشاه غلام رضا أفخمي «لا أحد من دول المنطقة يمكنه أن ينافس قوة وموارد وحضارة وتاريخ إيران... من المهم أن ندرك هذا لنفهم لماذا فعل الشاه ما فعله. وأيضاً لماذا قال الجميع في العالم إنه متعجرف»(27).
كان الشاه يعتبر إيران واليابان أكثر الأمم تقدماً في آسيا، وشعر في المقابل أن اليابان ينبغي أن تقود شرق آسيا، في حين ينبغي أن تقود إيران غرب آسيا(28). ما كان الشاه يعتبره قيادة، كان يوصف من الآخرين بـ الهيمنة(29).
كانت جميع إصلاحات الشاه الاقتصادية الطموحة، وكذلك الإنفاق العسكري الضخم تهدف لتجسيد إمكانية إيران كأقوى دولة في المنطقة. وفي 12 فبراير 1971، كتب وزير بلاط الشاه أسد الله علم في مذكراته، أن إيران «بدأت تفرض قيادتها بسرعة ليس على الخليج الفارسي فحسب، ولكن على الشرق الأوسط والعالم المنتج للنفط بأكمله»(30).
ولكن الشاه كان يدرك جيدا أن تحقيق تفوق عسكري واقتصادي لم يكن كافياً لتأمين موقف إيران كقوة إقليمية عظمى؛ فعند بلوغ القمة من حيث القوة، أحس الشاه أن إيران سيكون لديها فرصة لتغيير شروط فن الحكم الإقليمي لصالحها عبر التخلص من مبدأ «توازن التهديدات».
وببساطة، شعرت إيران أنها أصبحت قوية بما يكفي لإنهاء لعبة التوازن وتبدأ العمل المجهد الحقيقي ألا وهو مصادقة أعدائها العرب من موقف قوة.
وأوضح أفخمي: «إذا أصبحت إيران قوية بما فيه الكفاية لتكون قادرة على التعامل مع الوضع لوحدها، وتصبح علاقتها مع الولايات المتحدة صلبة لدرجة عدم الحاجة لإسرائيل، فإنه من الناحية الإستراتيجية سيكون الاتجاه المطلوب هو جذب العرب» (31).
اللعبة الإيرانية، كما علق مسؤول إسرائيلي كان مقيماً في إيران في السبعينيات: «كانت أن تكون لاعباً. إيران أرادت أن تكون مهمة لجميع الأطراف، أي أن تكون جزءاً من اللعبة» (32). وقد أُكد هذا التقييم من قبل دبلوماسي إيراني كان يقيم في تل أبيب. و«بالنسبة إلى الشاه، كان إظهار القوة يهدف لأن يكون له دور ويستشار في جميع القرارات» (33).
ولكن لم يكن يمكن لإيران تحقيق هذا الدور من دون موافقة جيرانها. وأدت علاقات الشاه المتوترة مع الكتلة العربية، فضلاً على العداء التاريخي بين العرب والفرس، إلى إعاقة قدرة إيران بشكل كبير بالوصول إلى تطلعاتها.
كان العرب يشكّون في دوافع الشاه ويشعرون بتردد في منح إيران الدور الذي تريده. وعلى الرغم من أن قوة إيران كانت تنمو أكثر من جيرانها العرب، إلا أنه كان يمكن حتى لأصغر مشيخة عربية أن تقف في طريق إيران وتحرمها من الحصول على شرعية لدورها كقائدة للإقليم(34).
وكانت العديد من محاولات الشاه السابقة لتوسيع دوره قد تمت إعاقتها من قبل العرب؛ ففي عام 1972، حاول الشاه إنشاء هيئة متعددة الأطراف لأمن الخليج الفارسي، من أجل تشكيل وإضفاء طابع رسمي على شرعية إقليمية لمبدأ نيكسون المعروف بـ«العمودين التوأم».
وفشلت الحملة الإيرانية بسبب رفض العرب المشاركة، وهو رفض متجذر في شكوك العرب حول تطلعات الشاه للهيمنة (35).
كما كان دور إيران في أوبك، وهي هيئة أخرى مهمة في التنمية الداخلية والخارجية الإيرانية، يستلزم أيضاً تحسين العلاقات العربية-الإيرانية(36).
وبكل بساطة، من أجل أن تكون إيران معترفاً بها ومقبولة كقائد إقليمي، «كان يجب عليها مصادقة وملاطفة العرب»(37).
قامت إيران بمحاولات عديدة لرأب الصدع مع جيرانها العرب. ومع تحسن وضعها المالي بسبب الارتفاع الهائل في عائدات النفط، «بدأت إيران في استخدام القوة المالية لتحقيق أهداف سياسية» (38).

ولكن المساعدات المالية الإيرانية كان لها حدود معينة، وبخاصة لأن الحكومات العربية ذات الأيديولوجية القومية يمكن أن تتجه إلى المشيخات العربية في الخليج الفارسي للحصول على الدعم المالي...(يتبع)
 

علي حسين

عضو معروف
إنضم
3 أبريل 2007
المشاركات
10,320
مجموع الإعجابات
2,965
النقاط
113
لماذا تناصر إيران القضية الفلسطينية؟ (3-6)

2013-10-7 | د. حمد العيسى

بحث نادر في التاريخ والعلاقات الدولية

نواصل ترجمة هذه الدراسة الهامة للبروفيسور تريتا بارسي وهو باحث ومفكر أمريكي من أصل إيراني. وهي الدراسة المستمدة من كتابة «تحالف الغدر: التعاملات السرية لإيران وإسرائيل والولايات المتحدة» (نيو هيفن: قسم النشر بجامعة ييل، 2007).

لماذا تناصر إيران القضية الفلسطينية؟ 3-6

ولذلك، كان هناك اثنان من المتطلبات اللازم تلبيتهما من أجل الحصول على موافقة إقليمية لدور إيران القيادي:
إبعاد إيران عن الدولة اليهودية (أي الانجذاب نحو الموقف العربي).
تجنب بزوغ منافسة دولية جدية على الإقليم عبر منع القوى العظمى من العودة مجدداً إلى الخليج الفارسي.

* التضحية بإسرائيل لكسب العرب:

أدرك الشاه أن الاستياء العربي لعلاقاته مع إسرائيل لم يعد من الممكن تجاهله. وفي رسالة إلى الشاه، عبَر الخبير النفطي العربي المرموق الشيخ عبد الله الطريقي عن الإحباط العربي لموقف إيران:

لا شك في أنك تعلم عما تفعله إسرائيل بإخوانك المسلمين، وتعرف أيضاً كيف دنست المسجد الأقصى ووضع جنودها أقدامهم في المسجد. ولكنك بالرغم من كل ذلك تصر على إقامة علاقات وثيقة معها، لا بل وتمدها بالنفط الخام الذي يلعب دوراً أساسياً في تشغيل قواتها المسلحة ضد إخوانك المسلمين. وبعد كل هذا، هل تتخيل أنه من الممكن أن يكون هناك علاقات حسن جوار مع العرب؟! (39)

وهكذا كلما نمت قوة إيران وبالتالي الحاجة إلى القبول العربي، زادت حساسية الشاه تجاه نقد العرب لسياساته.
وهذا ما أجبر إيران ليس على الاستمرار في رفض الاعتراف القانوني بإسرائيل فحسب، بالرغم من تمتعهما بعلاقات معروفة للعالم، ولكن أيضاً السعي نحو المزيد من الدعم العلني للموقف العربي.
وفي الوقت نفسه، أصبحت الاعتراضات الإسرائيلية على تغير موقف الشاه لا تهم إيران مطلقاً؛ فالشاه «لم يكن يجب عليه التناغم مع إسرائيل... وكان يقلق بشدة عندما ينتقده أي زعيم عربي، ولكنه لا يهتم مطلقا إذا انتقده مناحيم بيغن».
إضافة إلى ذلك، أصبحت إيران تتفهم وتراعي الحساسية العربية تجاه التعاون العسكري الإسرائيلي- الإيراني. ولذلك اقتصرت العلاقات العسكرية مع إسرائيل على الجيش والقوات الجوية، لأن «القوات الجوية والجيش كانا داخل إيران، ولا يشاهدان من الخارج ... لم نتمكن من جعل سفننا تبحر حول الخليج الفارسي مع صواريخ جبرائيل الإسرائيلية على متنها»(40).

تم تذكير الشاه باستمرار أنه من دون ابتعاد إيران عن إسرائيل، سوف يكون من الصعب الحصول على موافقة العرب لتحقيق طموحاته. وانتهز الشاه فرصة لإظهار دعم طهران للموقف العربي، وذلك أثناء حرب 1973، حيث قدمت إيران الدعم لكل من العرب والإسرائيليين، وحاولت بذلك توضيح الفوائد التي سيجنيها العرب من الزعامة الإيرانية للإقليم.
وقدمت الحرب العربية-الإسرائيلية عام 1973 لإيران تحديات وفرص؛ فمن ناحية، لم تكن إيران تريد أن ترى نصراً عربياً من شأنه أن يعزز قوتهم ويجعلهم يحولون تركيزهم إلى إيران.

كانت إسرائيل رصيداً إستراتيجياً مهماً لإيران بمعنى أنها «تمتص الكثير من طاقة العرب»(41). وكان منطق إيران هو أن «إسرائيل القوية ستجعل الدول العربية تنظر إلى إسرائيل باعتبارها تهديداً أكبر من إيران»(42).

وكانت إسرائيل تدرك تمام الإدراك هذا الضعف الكامن في علاقاتها مع إيران، وكذلك مع مبدأ «دول المحيط» (Periphery Doctrine)، ككل.

وعندما حاولت إسرائيل تقويض التحسن في العلاقات العربية-الإيرانية، اكتشفت تل أبيب أن إيران لها مصلحة في الحفاظ على مستوى معين من العداء بين إسرائيل وجيرانها العرب.

فوفقاً لـ إسحاق سيغيف، آخر ملحق عسكري إسرائيلي في إيران: «لقد كان الشاه ذكياً جداً... ففي اللحظة التي اكتشف أن كل الدول العربية تعادي إسرائيل بقوة، اعتبر أن من المناسب له مواصلة دفع وتحريض كل العرب ضد إسرائيل... وستكون إسرائيل هي الموضوع الذي من شأنه أن يحول غضب الدول العربية بعيداً عن إيران»(43).

ومن ناحية أخرى، كان انتصار إسرائيل يفسد جهود إيران لدفع الكتلة العربية نحو الاعتدال. لقد كان بروز مصر الموالية للغرب هدية للشاه، لأنها خفضت بشكل كبير من الخطر العربي ضد إيران.

وكانت إيران تعتقد أن حدوث انتصار إسرائيلي حاسم كان يمكن أن يؤدي إلى سقوط نظام السادات وعودة مصر إلى المعسكر الراديكالي العربي الموالي للسوفيات.

وفي الوقت نفسه، كان تحقيق نصر سريع لأي من الجانبين سينعكس سلبياً على إيران لأنه سيعزز هيبة ومكانة الطرف المنتصر. كانت أفضل نتيجة تعزز موقف إيران هي ضمان أن لا يخرج أي من الطرفين من الصراع بنصر مطمئن لأن ذلك سيجعله قادراً على تحدي مسعى إيران المطرد نحو الهيمنة والزعامة الإقليمية(44).

ولكن ذلك لا يعني أن إيران كانت تفضل حالة حرب طويلة، لأن استمرار النزاع العسكري قد يمنح للقوى العظمى ذريعة للعودة إلى الخليج الفارسي. وكان الشاه ينظر إلى مثل هذا السيناريو بقلق بالغ في طهران، ولذلك كان الشاه حذراً من «أن لا يؤجج نيران الحرب» (45).

ونتيجة لذلك، حافظت إيران رسمياً على موقف الحياد خلال الحرب بالرغم من وضوح القوة العربية، ما تسبب بخيبة أمل إسرائيلية عظيمة. وخلافاً لحرب عام 1967، اعتبرت طهران تطلعات العرب لاستعادة الأراضي المحتلة -بدلاً من تدمير دولة إسرائيل– بأنها مشروعة.

وأعربت وعبرت عن تعاطفها مع الجانب العربي من خلال المساعدات المباشرة لدول المواجهة (46). ودعا السادات شخصياً الشاه خلال الأيام الأولى من الحرب لتزويد مصر بالنفط الخام. ووافق الشاه وخلال 24 ساعة، تم تسليم شحنة كبيرة من النفط الخام إلى القاهرة (47).

وإضافة إلى ذلك، طلب السوفيت في 4 أكتوبر 1973، إذن إيران لإرسال معدات عسكرية إلى بغداد (لاستخدامها في الحرب مع إسرائيل) عبر المجال الجوي الإيراني.

رفض الشاه الطلب السوفياتي، ولكنه سمح لأربع طائرات مدنية سوفياتية أن توصل قطع الغيار العسكرية للعرب. وتم ذلك من دون أن يشاور الشاه الولايات المتحدة، وأبلغ واشنطن قراره بعد عشرة أيام من موافقته على الطلب. ولاحقاً أعطى نائب وزير الخارجية الإيراني، أحمد ميرفندرسكي الإذن لخمس رحلات سوفياتية إضافية (48).

إضافة إلى ذلك، قدمت إيران للمملكة العربية السعودية طيارين وطائرات إيرانية للمساعدة في حل مشاكل لوجستية. وأوصلت طائرات إيرانية كتيبة سعودية إلى الجانب السوري من مرتفعات الجولان. وهناك، أخذت جنود سوريين جرحى ونقلتهم إلى طهران للعلاج (49).

وبرر الشاه قراره لوزير البلاط أسد الله علم: «إنه أقل ما يمكن أن أفعله نظراً إلى أن السعوديين هم إخواننا المسلمين، وأنا حريص منذ فترة طويلة على توطيد صداقتنا»(50).

ومكنت هذه التدابير إيران من تطبيع العلاقات مع دولتين عربيتين إضافيتين: العراق والسودان.

ولكن في الوقت نفسه، رفضت إيران الانضمام إلى الحظر النفطي العربي ضد إسرائيل، وواصلت تزويد إسرائيل بالنفط طوال فترة الصراع. كما زودت إيران قوات الدفاع الإسرائيلية بالأسلحة، بما في ذلك مدافع هاون التي تفتقدها من عيار 160 ملم الثقيلة(51).

ولكن بالرغم من ذلك، كان دعم إيران للعرب يقلق إسرائيل بشكل عظيم. ووفقا لـ سولي شافار من جامعة حيفا: «كان الإسرائيليون قلقون ومتخوفون جداً من التحول في موقف الشاه تجاههم وتجاه العالم العربي بعد حرب 1973»(52).

وفي مقابلة مع صحافي أمريكي يعمل لمجلة الحوادث في بيروت، رفض الشاه علناً سياسة إسرائيل المتمثلة في السعي إلى تحقيق الأمن من خلال الاستيلاء على الأراضي، حيث قال:

ترتكب إسرائيل خطأً كبيراً في الاعتماد على احتلالها الأراضي العربية المحتلة لضمان أمنها... ففي هذه الأيام حيث تحلق الطائرات بعيدة المدى على ارتفاع 80,000 قدم، وصواريخ أرض-أرض التي تتخطى أي موانع، ليس هناك شيء اسمه "حدود آمنة لإسرائيل"... الأمن الوحيد لإسرائيل هو ضمان دولي لحدودها السابقة... هل عند إسرائيل ما يكفي من الرجال لاحتلال العالم العربي كله؟ هل يمكنها أن تذهب إلى الجزائر؟ هل يمكنها محاربة المملكة العربية السعودية؟ إضافة إلى ذلك، هل يمكن لإسرائيل مواصلة مثل هذه النفقات العسكرية على مدى الـ 10 سنوات المقبلة؟ من الذي سيدفع ثمنها؟ ستدفعون أنتم أيها الأمريكيين، ولكن من أجل ماذا؟ لدعم قضية غير أخلاقية مطلقاً: الاحتلال بالقوة لأرض بلد من قبل بلد آخر؟ (53).

وحاول المسؤولون الإسرائيليون بانتظام إقناع إيران أن تعكس سياستها، بحجة أن إيران لم تعد تعرف من هم أصدقاؤها الحقيقيون (54)، ولكن استجابة الشاه الباردة أدت إلى تزايد المخاوف الإسرائيلية بأن إيران قد تتطرف وتقطع العلاقات كافة مع إسرائيل (55).


* الأمم المتحدة: قرار مساواة الصهيونية بالعنصرية


ثم جاءت فرصة أخرى للشاه لجذب العرب من خلال قرار الأمم المتحدة الرقم 3379، الذي يساوي الصهيونية بالعنصرية. نص القرار على أن «الصهيونية هي شكل من أشكال العنصرية والتمييز العنصري»، ودعا إلى وضع حد لجميع أشكال التمييز العنصري، بما في ذلك الصهيونية. كان القرار برعاية الكتلة العربية، وصدر في 10 نوفمبر عام 1975، بتصويت 72 معه و35 ضده، وامتناع 32 دولة عن التصويت. وشعرت إسرائيل بخيبة عميقة بعدما صوتت إيران لصالح القرار.

كان الوفد الإيراني إلى الأمم المتحدة قد تعرض لضغوط شديدة من الكتلة العربية لدعم هذا القرار. ووقع جدل عاطفي ساخن بين وزارة الخارجية في طهران وصغار أعضاء الوفد الإيراني في نيويورك. كان موقف طهران الأولي هو الامتناع عن التصويت، ولكن الوفد الإيراني في الأمم المتحدة، وبإلحاح شديد من الدبلوماسيين ذوي المراتب الدنيا، نجح في إقناع طهران إلى أن تعكس موقفها بعد التأكيد على الفوائد السياسية للتصويت مع القرار.

كما مال صغار الدبلوماسيين الإيرانيين من ذوي الرتب المتدنية أيضاً إلى الاتفاق مع مضمون القرار(56). ولم يخفِ الإسرائيليون غضبهم من إهانة إيران للأيديولوجية المؤسِسة للدولة اليهودية؛ ففي الغداء الدوري (الذي يعقد كل شهرين) بين نواب رؤساء البعثة الإسرائيلية والإيرانية في الأمم المتحدة في نيويورك، تكلم نائب السفير الإسرائيلي وتأكد أن زميله الإيراني فهم بوضوح الاستياء الإسرائيلي لتصويت إيران مع القرار(57).
ووفقاً لدبلوماسي إيراني عمل في حكومة الشاه، فإن التصويت الإيراني لصالح القرار «كان جزءاً من سياسة إيران للاقتراب من العرب من أجل تحقيق استقلالها ودورها القيادي»(58).

السفير فريدون هويدا، الذي شغل منصب سفير إيران لدى الأمم المتحدة في ذلك الوقت وقام بالتصويت لصالح هذا القرار، أكد أن تطلعات إيران للقيادة الإقليمية أدت دوراً حاسماً في الجدل بين طهران وبعثتها في الأمم المتحدة في ما يخص القرار: «نظراً إلى سياسة الشاه الساعية للهيمنة في الخليج الفارسي، لم يمكن أن يتهرب من هذا التصويت. إضافة إلى ذلك، فإن سياسة إيران القيادية حالت من دون الامتناع عن التصويت»(59)...(يتبع)..


 
أعلى