"لحظة" قصة قصيرة للأديب الكبير خالد الطبلاوي

عمر الفاروق

عضو جديد
إنضم
10 أبريل 2006
المشاركات
1,505
مجموع الإعجابات
113
النقاط
0
لحظة


منقول من رابط :

https://www.facebook.com/notes/khald-altblawy/lhz156019/187072481317210

من خالد الطبلاوي في 24 يناير، 2011‏، الساعة 01:50 مساءً‏‏




ما زال يتذكر نزعه من أسرته نزع السفود من الصوف المبلول، خطاطيف الألم المغروسة في الوجوه، احتضار الأمل في الأعيُن، تشبثه بحوائط البيت، بقطع الأثاث، وتشَبُّث عروسه بقدميه وهم يَجرونه جَرَّ الزبانية، فراق لا يعلم ما بعده إلا الله - عزَّ وجلَّ - السابقون على الطريق لم يرجع منهم أحدٌ، حتى مَن تلقفه فم القبر منهم لم يسمح لأهله بإلقاء نظرة الوداع عليه، ولوجه في ظلماتٍ يبتلع بعضها بعضًا حتى تكثفت، ظلمات بعضها فوق بعض، ابتداءً بعصب العينين، واحتضان أرض العَرَبَة المصفحة، وانتهاءً بالعزل التام عن دنيا البشر، وما بينهما من حفلات التعذيب، مما يعجز إبليس أن يصل إليه بخياله.


سبحان الله! اليوم وبعد كل هذه السنين سيسمح لأهله بزيارته؟! أبَعْدَ أن ظنوا أن عناق العنقاء أقرب من لقائه، وبعد أن سخرت منهم حوائط السجون على مستوى القطر، وأخرج اليأس لهم لسانه.


انطلق يرتع بخيلِ الخيال في أرضٍ ليس للسجان عليها من سُلطان، ذلك السجان الذي منع عنه كل شيءٍ، حتى كاد يفقد معنى الأشياء، بل مسمياتها، إلاَّ كلمات سقطت عليه من مرآة باب الزنزانة: "لك زيارة غدًا".


راح يسترجع معنى كلمة زيارة، زيارة؟ ذلك يعني أن آخرين سيتصلون بي دون استخدامٍ للسياط والعصا الكهربائية والمسامير المحماة.


يتحسس جسده: أنا لم أعرف إلا أنا منذ... منذ... منذ غاب عني كلُّ شيءٍ إلا هذا المسمى "أنا".


طفق يتخيل: كيف سيكون اللقاء؟ مَن مِن الأهل بقي على قيد الحياة؟ أمه التي تركها في السبعين، وهي تتوسل إلى الضابط أن يتركَ لها قميصه الذي مزقوه؛ لتتسلى برائحته؟! زوجه التي قضى معها أسبوعَه الوحيد الذي تعرف من خلاله على عالَم المودة والرحمة والحب؟! ألَم تطلب الطلاقَ للضرر حتى الآن؟! إخوته؟ أخواته؟ أترابه؟ أصحابه؟


لم يدرك كم مر عليه من عجلات الزمن قبل أن يستيقظ على ركلةٍ شديدة تبعها أخواتها، مع السب وخلافه من مُستلزمات الإهانة:

• ألم تسمع بنداء الزيارة؟ لقد فات من وقتها ثلاثُ دقائق، ولَم يبقَ إلا دقيقتان.


انتفض يريد أن يَجري؛ ليقطع سلالم الطابقين السفليين القابعين تحت الأرض إلى الدور الأرضي، أخذ يتهادى بين الحوائط الخراسانية، التي تشكل عليها من لوحات الألم بالدماء ما لم يفض بكارتَه فنان، ألقته مشيته المتهالكة حيث صالة الزيارات ذات الحاجز السلكي، الذي مل طوال السنوات من الوقوف عليه والرجوع بخيبة الأمل، وانكسار الرجاء، راح يبحث بين الوجوه الملتصقة بحاجز الزائرين على الجانب الآخر؛ لعله يَجد مَن يستدل به على مكان الأهل، أصوات النزلاء والزائرين تتعالى تطغى على كل شيء، لم يبقَ سوى دقيقة واحدة، سمع صيحة عالية حزينة:

• حامد... حامد... أنا هنا.


يا الله، إنها هي، قمر، زوجته التي كتب الأسى على وجهها القمري كلَّ رواياته، ولكن مَن هذا الشاب الذي يحلق بذراعيه عليها من الخلف وسطَ هذا الزحام؟!


لاح له وجه الشاب كوجهِ شيطان يغرز أنيابَه الماصة في شرفه؛ حتى لا يَبقى له ما يجعله يستعمل كلمة "لي".


(آآآآآآه)، حتى أنتم يا من تتنفسون الحرية صباحَ مساء، تنتهكون أعراضَنا، تغتصبون منا هذه اللحظات!


راح يشير إليها بيده؛ كي تنتبه إلى هذا الشاب اللئيم، وهي ترسل له بمكنوز ما ادَّخرته له من الحب كل هذه السنوات، وتُخبره ببقائها على العهد، وهو لا يعنيه إلاَّ أن تنتبه إلى هذا الخبيث الذي أبَى إلا أن يُكمل له طابورَ الانتهاكات.


استجمع كل ما لديه من قوة؛ ليصيح صيحته الأخيرة مع السجان الذي أذَّن بانتهاء الزيارة:

• انتبهي لهذا الشاب القابع خلفك.


أجابته وهي تدفع عنها عصا الحارس؛ ليبعدها عن الحاجز:

• لا تقلق، هو في عيني، لقد سميته صابرًا؛ إحياءً لاسم أبيك.
 

مواضيع مماثلة

computer eng.

عضو جديد
إنضم
2 مارس 2009
المشاركات
263
مجموع الإعجابات
11
النقاط
0
قصة جميلة ومعبرة

يعطيك العافية
 
أعلى