قصة حقيقية ، ان لم تدمع ، راجع نفسك

المهندس مهند

عضو جديد
إنضم
16 فبراير 2005
المشاركات
843
مجموع الإعجابات
5
النقاط
0
بسم الله الرحمن الرحيم
(وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا)
أربعة أشهر وعشرة أيام.. مذ رأيت وجهك آخر مرة..
أربعة أشهر وعشرة أيام.. وما بارحت ذاكرتي ولو للحظة..
أربعة أشهر وعشرة أيام.. وما زال الجرح يدمي..
أربعة أشهر وعشرة أيام.. وما زال (مصحفك) يتوق إلى يديك الطاهرتين لتحملاه..
أربعة أشهر وعشرة أيام.. والمسجد ومصلّوه يفتقدون ابتسامتك الواسعة.. وقفاشتك اللطيفة..
أربعة أشهر وعشرة أيام.. هي ما مضى من زمن مذ بارحت هذه الفانية البسيطة..
نعم يا والدي..
أربعة أشهر وعشرة أيام..
مضت وكأنها أربع دقائق وعشر ثوان..
لم تبكِ أمي ( أطال الله عمرها ).. ولم تبكِ أختاي.. وتنهنهت أنا
نعم.. لم نبكِ يوم رحيلك..
فمثلك لا يُبكى عليه..
وإن كان ثمة بكاء.. فسيكون على أنفسنا
لا زلت أذكر طلتك البهية وأنت توقظني لصلاة الفجر.. دون منبه أو غيره
- يا أبوي الصلاة لسه فاضل عليها شوية.
- قوم يا ولد صلى الرقيبة وأقرا ليك حاجة من المصحف.
- حاضر..
ثم.. التحف لحافي مرة أخرى وأعود إلى النوم.. أما أنت.. فتبدأ بالصلاة وتتبعها بالمصحف.. حتى أنني كنت أخاف على نظرك.. ولكن نظرك حفظه لك رب المصحف..
وحين يؤذن المؤذن.. الصلاة خير من النوم.. فلن أجد طريقة حتى لأغفو دقائق معدودة..
- الصلاة وجبت يا ولد..
أصلى.. وسريعا إلى المنزل -كما عادة معظم العباد- أما أنت.. فتظل تصلي وتقرأ القرآن حتى يزين قرص الشمس جبين السماء.. وحين يغمرك ضوء الشمس كنت تقوم لتصلى الضحى بالمسجد.. ومنه إلى أقرب (دكان أو طبلية).. فما عهدناك تدخل الدار ويدك خالية..
- هاك البسكويت دا يا ولد.. سريع جيب الشاي..
- يا أبوي الشاي جاهز.. تعال أشرب.
- دقيقة بس أكمل قرايتي دي.
- يا أبوي الشاي حيبرد.
- قلت ليك دقيقة.. اكمل الوِرد بتاعي دا..
ويبرد الشاي.. وانت ما تزال تحتضن المصحف.. فالشاي (ملحوق).. ثم ادخل لأجدك قد غفوت قليلا.. ساعة أو أقل.. تقوم من جديد لتحتضن مصحفك.. قبل الفطور
- يا أبوي إنت ما ترقد ترتاح شوية..!
- أنا كدا مرتاح.. وبعدين لازم أكمل الوِرد بتاعي.
- إنت يا أبوي ما قريت قبيل.. خلاص.
- إنت مغفل وللا شنو!!؟ دا وِرد تاني براهو غير حق الصباح.. أنا هناك ماشي بتسلسل معين وهنا برضو ماشي بتسلسل معين..
- الله يديك العافية يا أبوي..
و.. أنطلق لقضاء مشاغلي..
أعود ظهرا.. فأجدك من قبل الصلاة بأكثر من ساعة وقد تاقت نفسك إلى المسجد والصلاة.. وأنت متوضئ.. وقد هيأت نفسك لنداء (الله أكبر)..
نصلي الظهر.. بعده يذهب كل إلى بيته ليأخذ قيلولته.. إلا أنت.. فأنت كانت دارك هي المسجد.. لا تبارحه حتى يؤذن العصر..
بعد العصر عهدتك (تغشى) الدكان وتأتينا ومعك (عيش الغدا).. وبعدها تتناول كوب الشاي (أهم حاجة شاي الغدا دا).. ثم هنا راحة حتى صلاة المغرب..
- يللا يا ولد المغرب أذّن..
- يا أبوي لسه الصلاة وكتها ما جا..
- أنا سامع الآذان قوم خلي الكسل بتاعك دا..
نصلي المغرب.. ومنه تتناول (العَشا) من الدكان.. وأسبقك إلى المنزل.. لأتفرج على التلفزيون –كحال أي شاب- أما أنت فتحتضن حبيبك الغالي (كتاب الله) وتقرأ إلى أن يؤذن العشاء..
نذهب إلى صلاة العشاء.. وتنقضي الصلاة وأنت لا زلت جالسا بالمسجد.. تصلي ما شاء الله لك..
لا تكترث لعامل السن.. تخطت سنك السبعون عاما.. ولم تتأخر عن المسجد يوما.. ورغم عوامل الزمن و(الرطوبة)، ورغم تعرضك لنكبات الدنيا، ورغم الحادث الذي أعاق قدمك قليلا.. ما توانيت عن حقوق الله يوما..
لم تتعود أن تصلي في مسجد ما صلاتين متتاليتين.. فتصلي الصبح في هذا المسجد.. والظهر في المسجد المجاور.. والعصر في آخر.. سبحان الله.. ما عهدتك متأخرا عن صلاة.. ولم تبارح المصحف أبدا.. حتى أن الجيران يقولون (يا عادل أبوك دا نظرو حيطش بكترة القراية.. ابوك دا بتحصل عليهو حاجة من كترة القراية دي).. لكنك أنت أنت..
ما حفظك على كبر سنك إلا كتاب الله.. فمن حفظ الله حفظه.. ألم يقلها نبينا عليه الصلاة والسلام.. (احفظ الله يحفظك).. وعهدتك حافظا لحدود الله..
لم أشاهدك تتفرج على تلفاز..
لا أعرف لك برنامج إذاعي أو صحيفة
لا تفرق بين (محمد وردي) و(واين روني)..
كل هذه الأسماء تسمعها.. ولا تلقي لها بالا..
تجدنا في قمة الحماس والانفعال و(الغلاط)..
- في شنو يا اولاد..؟
- ياخي الزول دا انا بقول ليهو (شون مايكل اعتزل.. هو يقول لي لسه بيلعب)..
ترتسم كل معالم الدهشة والاستغراب على وجهك.. تحاول مجاملتنا..
- دا بيلعب في ياتو منتخب؟
- يا أبوي دا مصارع..
تزداد دهشتك.. وترسم ابتسامة واسعة على وجهك.. وانت تقول (الله يديكم العافية)..
منظر أخير..
السبت.. 8 ذو القعدة الموافق 16 اكتوبر 2010م.. الســ7ــاعة صباحا..
- يا أبوي أنا مرقت الشغل يللا مع السلامة.
- الله يسلمك..
الساعة العاشرة مساء.. عدت من عملي.. وجدت الكهرباء منقطعة عن المنطقة.. ووالدتي وأختاي بجوارك..
- أبوي مالو..؟
- تعب شوية كدا.. لكن هسه أحسن (تطمئني الوالدة).
- انت كويس يا أبوي..؟
- شق صوتك الظلام.. الحمد لله ما عندي عوجة.. بس ما صليت لسه..!
- يا ابوي انت صليت.. - احاول التخفيف عنك- هسه ارقد ارتاح.
فجأة يعود التيار الكهربائي.. وأرى ملامح وجهك قد تبدلت.. فقد شحب وجهك وخف بريق عينيك..
- يا (...) ابوي تعبان عليك الله تعال سريع
- دقايق واكون معاك.
مكالمات تلفونية سريعة.. دقائق وكان عدد من الشباب حضورا معي.. ذهبنا إلى المستشفى.. سبحان الله.. لم تتذمر.. رغم عدم قدرتك على الحركة لحظتها.. لم تشتكِ من أي شيء.. انقطع كلامك.. خفق قلبي بشدة.. ولكنك فجأة تنبس بكلمات واهية جدا.. لم أسمعها بادئ الأمر.. دنوت منك واجتهدت لأسمعك.. يا الله..
- أنا ما صليت لسه..
- يا أبوي خلي الدِرِب دا ينتهي بس.
- لا لا أنا قايم أصلي..
تحاول النهوض.. وتخذلك قواك.. ولكنك جاهدا تحاول سحب جسدك عبر سرير المستشفى.. فاعيد أنا قدميك إلى مكانهما...
ما تلبث أن تتحسن قليلا.. وأول ما نطقتَ به كان: أنا صليت؟
سبحان الله.. أربع ساعات مرت وانقضت.. ودنا الفجر.. وانت بين (حقنة) و(درب) ولم تنس – ولو لخمس دقائق- انك لم تصل..
بعد تناول هذه الأدوية.. عاد وجهك إلى طبيعته وعدنا إلى منزلنا.. وجلست جوارك.. وانت ما زلت تكرر سؤالك.. أنا صليت؟
عندما كانت الساعة السادسة صباحا.. كانت روحك قد سلكت طريقها إلى ربها..
- يا ولد.. أبوك دا قاعد يموت (قالتها أمي بكل شجاعة)..
- يا أمي دايرة تكتلي الزول قبل يومو .. (بكل رعب وخوف)..
- امشي يا ولد.. طلع الكفن من الدولاب وفي جنبو المسك والصابون.. أسرع ما تتنح كدا.
لحظات شعرت بغصة في حلقي.. ولكن.. يا لهذه المرأة الصابرة.. لم تهتز.. لم تبكِ.. لم (تسكلب) كما عادة النساء..
سريعا ذهب إلى جيراني..
- يا عم خالد الحق ابوي دا تعبان شديد.
- يا عم فضل المولى أبوي دا خلاص..
الدموع تنساب من عيونهما حتى قبل أن يصلا إلى المنزل.. دقائق.. ونحن ملتفون حوله.. ولا تسمع إلا (لا إله إلا الله.. الموت حق والحياة باطلة).. كلمات رددتها والدتي.. لدرجة أنني تمنيت أن تسكت..
لملمت بقية شجاعتي ورباطة جأشي: لا إله إلا الله.. محمد رسول الله، رددتها أنت معي رغم عدم قدرتك على الكلام إلا بصعوبة بالغة.. ارتفع معها أصبعك.. ثم.. توقفت أنفاسك.. يا لها من لحظة..
أواه يا أبتاه..
أواه يا أبتاه لو يجدي البكاء.. لبكيت ما حييت.. لو تنفع الدموع لما انقطع لنا دمع.. لو تنفع الزفرات.. لحرقنا بها البحار..
ولكنها سنة الحياة..
وكما تعلمنا منك..
فقد كنت جلدا.. وصنديدا صبورا..
لم تشتكِ من مرض.. إلا إذا ظهر عليك ورأيناه نحن.. عندها ندرك أنك مريض..
عرفك الكل بلطافة معشرك.. وحلو لسانك.. وطيبتك..
رحمك الله أبي الغالي
وجعل الجنة مثواك
وغفر لك بقدر ما قرأت كتابه
الله اغفر لوالدي يا الله
فانه ضعيف.. فعامله بما أنت أهل له.. أهل الجود والإحسان أنت

هذا.. وصلِّ اللهم وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا..

إبنك/ عادل جعفر فتح الرحمن
الإثنين 18 ربيع الأول 1432هـ
21/ 2/ 2011م

منقول للتذكرة
 

magdyy1973

عضو جديد
إنضم
26 نوفمبر 2006
المشاركات
46
مجموع الإعجابات
6
النقاط
0
اللهم اغفر له و غسله بالماء و الثلج و البرد ، اللهم لا تحرمنا أجره و لا تفتنا بعده و اغفر لنا وله. اللهم آمين آمين
 
أعلى