علي عبدالرءوف - العمارة المصرية المعاصرة

فيصل الفديع الشريف

الإدارة
الإدارة
إنضم
11 أكتوبر 2001
المشاركات
1,012
مجموع الإعجابات
54
النقاط
0
DrAli1.jpg

د. علي عبدالرءوف علي
أستاذ العمارة المشارك ، كلية الهندسة
قسم العمارة ، جامعة البحرين


القضايا النقدية والتوجهات الإبداعية



مقدمة
يهدف هذا المقال والذى يتناول العمارة المعاصرة فى مصر الى رسم صورة اكثر وضوحا للحركات المعمارية المؤثرة والفاعلة فى العمارة المصرية المعاصرة , كما يرصد القضايا النقدية التى امكن رصدها خلال العقود الاخيرة , وعلى الرغم مما يقدم فى المجلات المعمارية من عرض وتحليل نقدى لمجموعة متنوعة من المشروعات المعمارية المختلفة فى مواقعها وحجومها ونوعية مستعمليها وتوجهات مصمميها إلا أننا فضلنا أن يكون هناك مساحة مستقلة لمقال تحليلي لرصد ملامح الصورة في اطارها الفكري الشمولي .

ويهدف المقال بصورة جوهرية وكما هو واضح من عنوانه الى التعامل مع اشكاليتين رئيسيتين فى العمارة المصرية المعاصرة وهما القضايا النقدية والتساؤلات المرتبطة بها والتوجهات الابداعية والتفسيرات المبررة لها . وتأتى أهمية المقال مما سبق ذكره بخصوص هدف العدد وايضا من مشروعية وصلاحية اسقاط ما يحدث فى الواقع المعمارى والعمرانى المصرى على الكثير من دول عالمنا العربى من المحيط الى الخليج .


المبنى العام : الهوية والمرجعية
ان التعايش فى اى مجتمع على قدر من الرقى والتحضر يتطلب توافر مجموعة من الخدمات التى تتنوع ما بين تعليمية وثقافية وصحية وترفيهية ودينية وغيرها وتكون نتيجة الصياغة المعمارية لتلك الخدمات ما يسمى بالمبانى العامة والتى تأتى عموميتها من امكانية استعمالها من غالبية افراد المجتمع بمختلف طبقاته وقطاعاته , وبصورة اكثر وضوحا فان المبنى العام هو التجسيد الفراغى للمتطلبات العامة لمجتمع ما ومن هنا تأتى اهمية تأثير المبنى العام على قطاعات متعددة ومتباينة من المجتمع والتى تتعرض له اثناء حركتها فى التكوين العمرانى للمدينة فتتأثر وتنفعل بما يحتوية من قيم جمالية وتشكيلية ومدلولات رمزية. من هنا يتضح اهمية المبنى العام التى تتجاوز حدود الوظيفة الى المدلول الرمزى والمضمون الفكرى والاحساس العاطفى الذى يبثه ذلك المبنى فى وعى وفكر وحس وادراك الجماهير التى تتعايش معه وتمارسه وتنفعل به .

مما سبق نستنتج ان المبنى العام يحوى امكانية التعبير فى عمارته عن هوية مجتمعه ومدينته ويلبى احتياجاتها المستقبلية ومن ثم فهو وسيلة للتعبير عن هوية شعبية ام رسمية ولذا فان المبنى العام يثير تساؤلا نقديا جوهريا عن ماهية التعبير المعمارى الملائم والمعبر عن كياننا وحضارتنا وتناقضاتنا وتطلعاتنا ورؤيتنا للمستقبل .


الفراغ العام : الحرية الجماعية والانتماء
الفراغ العام هو أحد المكونات الأساسية لعمران اى مدينة فهو الوعاء الذى يستوعب الإحداث الجماعية لسكانها حيث يمارسون خلاله انشطتهم واحتفالاتهم وشعائرهم ويعبرون فيه عن ارائهم ومعتقداتهم واسلوب حياتهم , والتتبع التاريخى يوضح لنا اهمية وحيوية دور الفراغ العام فى الحضارات السابقة ومدى تأثيره على تشكيل مجتمعاتها واحساسهم بالانتماء للمكان وحريتهم الجماعية فى التعبير . فمن "الاجورا" فى المدينة الاغريقية مرورا "بالساحة" فى المدينة الاسلامية ووصولا" للميدان" فى المدينة المعاصرة يمكن لنا بسهولة رصد الدور الهام للفراغات العامة التى تعطى للجماعة الانسانية الفرصة فى التعبير عن نفسها والافصاح عن هويتها وان تتفاعل بصورة تساعد على التقارب الاجتماعى وتحقق مفهوم ديمقراطية المكان بما يزيد روح الانتماء والارتباط بين افراد المجتمع .

الصورة المعاصرة فى المدن المصرية تكشف التحول الكامل للفراغ العام فى عمران القاهرة ومدن مصر الكبرى الى عقدة مرورية الانجاز الرئيسى والوحيد فيها هو المحاولة اليائسة للتسيير المنظم لمواكب السيارات المتدفقة ولم يعد الفرد او الجماعة الانسانية محور تركيز او اهتمام فى تلك المعادلة .

اننى اعتقد ان قضية استعادة الفراغ العام لدوره فى استيعاب الحياة الجماعية والاحتفالية للمجتمع واثراء روح الانتماء والارتباط بالمكان واحتضان حرية الشعب فى التعبير عن ارائه وتقاليده وشعائره وطقوسه وافراحه هى قضية عمرانية يجب ان تعطى لها اولوية التعامل الابداعى من قبل المعماريين والعمرانيين والمخططين .


العمارة والمجتمع
يقول الشاعر المرهف لا نهائي البقاء في وجداننا نزار القبانى "أول ما رأيت لحظة ولادتى لافتة مكتوب عليها ممنوع الصراخ ، وفى يوم المدرسة الأول استقبلني المعلم بعصا شديدة الغلظة ، وعندما شببت وذهبت أدلى بصوتي الانتخابي قيل لى صوتك المسجل يكفى "

ان ما يطرحه شاعرنا المبدع الثائر هوان واحدا من اهم اسباب ازمة العرب هو اهدار شخصية الفرد وتهميش دوره ومن ثم تهميش دور مجتمع كامل والذى هو محصلة لطاقات افراده وقدراتهم على التعبير والمشاركة . اذا اسقط هذا الطرح على حالة العمارة المصرية المعاصرة وعلاقتها بالمجتمع فاننا لا يجب ان نندهش من ضمورها بل واختفائها فى معظم الأحيان ولعل واحد من اهم التفسيرات المتاحة هو غياب القدرة النقدية للمجتمع .


القدرة النقدية للمجتمع المصري : حالة العمارة
ان القدرة النقدية فى ابسط تعريفاتها هى القدرة على المواجهة العميقة التحليلية للمبدع وطرح التساؤلات المفسرة او المطالبة بتفسير ما قدمه او ما ينوى تقديمه من نتاج إبداعي في مجاله . وفى مجال العمارة يتعاظم دور هذه القدرة لادراكنا للتأثير الجماعى للعمل المعمارى على زائر ومستعمل والمتحرك حول المبنى .
هل نحلم عندما نطالب بأهمية مراجعة المشروعات العامة والهامة والتي هى اكثر الصياغات المعمارية والعمرانية تعبيرا عن هوية المجتمع وان تتم المراجعة بصورة معلنة أمام ممثلي المجتمع المحلى والجماعات الأهلية التى تخدم المشروع ويخدمها ؟
هل نحلم بان تتمكن جماعة مصرية أهلية ممثلة للمجتمع من وقف مشروع لا يعبر عنها ولا ينتمي إليها؟


الموقف الفكرى الابداعى للمعمارى المصرى
ان تقلص دور المعمارى المصرى وضمور فعاليته وانخفاض صوته فى الإطار الحضاري لمجتمعه انما هو نتيجة لضعف الحركة الابداعية الفكرية فى العمارة المصرية ويؤكد تبعيتها للحركات الفكرية الغربية دون تحليل وفهم عميق لهذه الحركات من حيث مبادئها ومفاهيمها وانساقها المؤثرة على الإبداع المعمارى .
وبمزيد من الصدق والموضوعية فان التفسير المقبول لاختفاء المعمارى المصرى من خريطة التميز المعماري محليا وإقليميا ودوليا هو ضمور فكرى فى التوجهات الإبداعية وباستثناءات محدودة للغاية فان المعماريين المؤثرين والمسئولين عن مشروعات كبرى ومتعددة يتراجعون امام اى مواجهة إقليمية او دولية .
والواقع المعماري فى مصر يؤكد ان العمارة لا ترى كوسيلة للتنمية الشاملة وبالتالي فان المعماري لم يعد مهتما بان العمارة هى استخدام الخيال والحس الإبداعي لتناول ومعالجة الواقع بإمكاناته واطروحاته المختلفة . ومما يزيد تعقيد الأمور هو عدم وجود الحد الأدنى من المفاهيم المشتركة والحوارات النقدية بين المعماريين بسبب ندرة الندوات والمعارض والمؤتمرات والتقلص المذهل فى حركة التأليف والنشر ,وغيرها من العوامل التى تساهم فى خلق مناخ فكرى يسمح بتناول الآراء وتفاعلها ويسمح بحرية التعبير عن الاتجاهات والمدارس الفكرية المختلفة ويعرضها للنقد والتحليل ,وغيبة هذا المناخ يؤدى الى مزيد من التخلف الإبداعي والعلمي والحضاري ومزيد من التبعية السطحية للغرب دون مقاومة من المعماريين الممارسين او النقاد والمنظرين .


الروافد الغربية والمشروع الابداعى المحلى
يصعب علينا ان ننكر او نتنكر للتأثير الغربى المذهل بل اننا نشجع على الاتصال والانفتاح الذى هو ايقاع عصر القرية الكونية الواحدة ولكننا نتعلم دائما من التاريخ وفى مجال العمارة والعمران فان القراءة التاريخية لعمارة الحداثة على سبيل المثال يكشف المراجعة العالمية لمبادئها بعد ان تكشف للعالم انها لم تحقق وعودها ولم تنتج حضارة جديدة وعجزت عن ملاحقة تغيرات انسانية عميقة ومع ذلك يندهش المراقب للمشهد المعماري فى مصر والعالم العربى عندما يرى تمسك مثير للتساؤل بانساق عمارتها التى رفضها العالم بل دمر بالكامل بعض من مشروعاتها محققا أعلى درجات الرفض والمواجهة .

ان هذه الروافد الغربية وما يتبعها من توجهات ومدارس معمارية يجب ان تقابل باعلى درجات الوعى النقدى من المعمارى المحلى وان يكون تحليله لتلك التوجهات هدفها تدعيم مشروعه ورؤيته الإبداعية الخاصة والا يصبح مستقبل سلبي مستسلم لانتاج الاخر دون تفاعل او مساهمة ويكفى ان بعض المعماريين الممارسين يدعون انتماؤهم لتوجهات معمارية مثل ما بعد الحداثة والتاريخية والتفكيكية والتصنيعية والكلاسيكية الجديدة والعضوية الطبيعية والبيئية من منطلق التقليد السطحى الشكلى والاكثر خطورة انتقال العدوى الى طلاب العمارة وارتباطهم الساذج بقوالب شكلية واسقاط الركائز الفكرية المفسرة للتوجه الابداعى .


العمارة والعولمة : الرؤية البديلة
فى غضون فترة زمنية محدودة وبسبب تحولات عميقة فى عالمنا المعاصر تبلور مصطلح ومفهوم العولمة واخذ مكانه المرموق فى ادبيات العلوم الانسانية باكملها الى الدرجة التى جعلت استخدام كلمة العولمة فى سياق الحديث المرئى او المسموع او المكتوب هو دلالة على وضع ثقافى متميز والمام بمستجدات العصر .

الرؤية الاكثر انتشارا فى تفسير العولمة واستقراء تداعياتها والتى طرحت امامنا فى مجتمعاتنا العربية بصفة خاصة ودول العالم النامى بصفة عامة من خلال كتابات عالمية ومحلية ترى فى العولمة فخا ومؤامرة محكمة تستعد للفتك بكل المجتمعات المحلية ورصيدها الحضارى المختلف من فنون واداب وعمارة واقتصاد وغيرها من مجالات الحياة الانسانية . والواقع ان هذا الطرح بما فيه من مصداقية ونزعة تحذيرية مطلوبة الا انه يلقى بالمسئولية باكملها عن تلك المؤامرة على اطراف خارجية ويجعلنا كما اعتدنا دائما مطمئنين الى ان المشكلة قادمة من العدو الخارجى الحقيقى فى احيان والوهمى فى احيان اكثر ومن ثم لا نكلف انفسنا بالتقييم والنقد الذاتى والجماعى الرسمى او الشعبى فى محاولة اكثر صدقا لتقدير حجم مجهودنا الحقيقى فى طريق التطور والتقدم .

وفى اطار المجال الابداعى الذى نهتم به ونتخصص فيه وهو العمارة التى نستخدمها كمنتج حضارى يتأرجح بين اشكالية العولمة وتأثيراتها وبين واقع محلى له تحدياته وملامحه الخاصة فاننا نقدم طرحا بديلا للتعامل مع إشكالية وتحديات العولمة يشجعنا على تحمل مسئوليتنا الحضارية امام انفسنا واما اجيال قادمة كما نوضح ان فى العولمة ايضا قيما اكثر ايجابية واكثر مساهمة فى الرقى الانسانى العادل فى عالمنا المعاصر . وهذا الطرح البيل نقدمه من خلال المجال الابداعى الذى نهتم به ونتخصص فيه وهو العمارة التى نستخدمها كمنتج حضارى يتأرجح بين اشكالية العولمة وتأثيراتها وبين واقع محلى له تحدياته وملامحه الخاصة والمميزة .

اننا يجب ان نرى الشق الايجابى فى العولمة المعتمد على تعطش الاخر وتطلعه لفهم حضارة وثقافة الغير وان نستغل تقنيات الاتصال والتواصل فى عرض ابداعاتنا المحلية فى مجال العمارة والعمران شريطة ان ترتبط هذه الابداعات برؤية فكرية عميقة واصيلة لا تغرق فى الماضى ولا تنفلت من الحاضر ولا تتجاهل المستقبل .


شباب المعماريين : الفية جديدة وجيل جديد
على الرغم مما قد يبدو كنزعة تشاؤمية فى سياق الاجزاء السابقة من مقالى الا اننى شديد الايمان التفاؤل بدور شباب المعماريين المصريين الذين يجتهدون اجتهادا مخلصا ويحاولون محاولات صادقة فى تغيير الواقع والتعامل بنضج مع اطروحات الغرب معطيات التراث واعتقد ان الاشكالية الجوهرية فى امكانية تعريض وكشف جهود وابداعات شباب المعماريين المصريين وايجاد القنوات والنوافذ التى يمكن من خلالها رؤية انتاجهم وافكارهم ومحاولاتهم التجديدية والتجريبية فى مجال العمارة والعمران وكذلك ايجاد المناخ النقدى الذى يسمح بالحوار والنقاش والتفاعل الايجابى .
ومن هذا المنطلق فساكون حريصا على ان يكون مقالى القادم باذن الله مخصصا للجيل الجديد فى العمارة المصرية المعاصرة موضحا مشروعاته وأفكاره واهم ممثليه .

اننى اتمنى ان تكون هذه المقالة المحدودة قد نجحت فى رسم باقى ملامح صورة العمارة المصرية المعاصرة التى وضح بعضها الاخر من المشروعات المنشورة وان كنت مدركا بصورة واعية ان مقال واحد فقط لا يكفى واعد القارىء بمجموعة او سلسلة من المقالات تتناول بصورة تفصيلية القضايا والتوجهات التى طرحت عموما فى هذا المقال .
 

مواضيع مماثلة

صديق جبر

عضو جديد
إنضم
3 فبراير 2011
المشاركات
1
مجموع الإعجابات
0
النقاط
0
مقال بالجد رائع كروعة المعماريين المصريين
 
التعديل الأخير:
أعلى