ساعات ثلاث ... في مدينة المستقبل!

الاستاذ

عضو جديد
إنضم
19 يوليو 2003
المشاركات
21
مجموع الإعجابات
0
النقاط
0
ساعات ثلاث ... في مدينة المستقبل!


كتبت هذا المقال اثر زيارتي لأبوظبي مطلع العام الحالي لحضور مؤتمر الطاقة ...
أنوي تكرار الزيارة في بداية 2012 ، مدينة مصدر تستحق الكثير من الإهتمام والمتابعة ، خاصة من قبلنا نحن المهندسين العرب...

المهندس / عبدالحميد الذياب
Follow me on Twitter : @A_Altheyab



بالرغم أنه لم يمض وقت طويل على انعقاد مؤتمره الأول في عام 2009م ، إلا أنه استطاع أن يحوز على اهتمام الخبراء والأكاديميين بل وحتى القادة السياسيين . سنتان كانت كافية لترسيخ " القمة العالمية لطاقة المستقبل 2011" المنعقدة في أبو ظبي كواحدة من أهم المنصات الدولية ، ليس فقط لعرض أخر تطبيقات الطاقة النظيفة والمتجددة عبر المعرض المصاحب لأعمال القمة ، بل لبحث الآفاق المستقبلية لهذه الصناعة المتنامية ولتعزيز التوجه نحوها، سعيا لتخفيف الاعتماد على الوقود الأحفوري كمصدر رئيسي للطاقة وذلك من خلال استقطاب اللاعبين الرئيسين و خلق بيئة ملائمة لتكوين شراكات ذات رؤوس أموال ضخمة للاستثمار في هذا المجال .

أعمال القمة تستضاف وتنظم من قبل " شركة مصدر لطاقة المستقبل" ، الشركة المملوكة لحكومة أبو ظبي عبر ذراعها الاستثماري " شركة مبادلة" .هدف شركة "مصدر" الرئيسي هو الاستثمار في الطاقة النظيفة والمتجددة ، وتأتي أعمال القمة السنوية كحدث مهم يضيف مزيد من الزخم ليس فقط على أعمال ومشاريع الشركة ، بل يمتد ذلك ليعزز من موقع حكومة أبو ظبي كمستثمر رئيسي في هذا المجال.لكن قبل ذلك بسنوات وتحديدا في عام 2006 م ، كانت أعمال البناء قد بدأت بالفعل في واحد من أكثر المشاريع طموحا في العالم ، فعلى مساحة 6 كم مربع وعلى أطراف العاصمة أبو ظبي ، يقع مشروع بناء مدينة مصدر ،والتي يراد لها أن تكون المدينة الأولى في العالم الخالية من إنبعاثات الكربون عبر بنائها وتشغيلها بالطاقة النظيفة والمتجددة .

كانت الرغبة في زيارة المشروع أحد الأسباب الرئيسية التي جعلت من حضور "القمة العالمية لطاقة المستقبل2011" على قائمة الأعمال خلال شهر يناير . بعد وصولي لمقر القمة ، توجهت مباشرة إلى جناح شركة مصدر للاستفسار عن كيفية زيارة المشروع ، أبلغت أن الشركة تنظم زيارتين يوميا للمشروع تنطلق من مقر مركز المعارض . قررت تخصيص اليوم الأول للتجول في المعرض واليوم الثاني لزيارة مدينة مصدر.

تواجد أكثر من 600 جناح لشركات ومؤسسات حكومية ، تعرض الجديد في صناعة الطاقة النظيفة والمتجددة لبناء مجتمعات ذات أثر بيئي أقل ، كان فرصة مناسبة للاطلاع و معرفة الاتجاهات الجديدة في هذه الصناعة . الشركات المصنعة لألواح الطاقة الشمسية كان تواجدها ملفتا ، ولا يبدو هذا مستغربا ، فألواح الطاقة الشمسية لن تجد مكانا أفضل لتثبت فيه كفاءتها من هذه المنطقة في العالم ، فأشعة الشمس ليست من الأشياء التي تعاني المنطقة من نقص فيها!

لكن الأمر لا يقف عند ذلك ، فتنافسية استخدام هذه التكنولوجيا مقارنة بتوليد الطاقة من الوقود الأحفوري لا تزال مثار جدل ونقاش المهتمين في هذا الشأن ، على أن المتحمسين لهذه التكنولوجيا كثير ما يؤكدون على أن توليد الطاقة عبر مصادر الطاقة النظيفة والمتجددة مجدي اقتصاديا على المدى البعيد ، فرغم أن التكلفة في مرحلة الإنشاء تكون مرتفعة نسبيا ، إلا أن المردود خلال سنوات التشغيل سيكون ملحوظا . لكن من خلال معرفة ثقافة الربح السريع التي تسيطر على كثير من المستثمرين – خصوصا في منطقتنا- يمكن القول أن توطين هذا النوع من التكنولوجيا سيواجه مزيد من الصعوبات . وهنا -على وجه التحديد- يكمن دور الحكومات والجهات المنظمة لأعمال التطوير العمراني ، عبر ترسيخ البناء بالطرق الصديقة للبيئة ، ونشر هذه الثقافة حتى بين المواطنين العاديين .

تماما عند العاشرة صباحا من اليوم التالي ، انطلقت الباصات من مقر المؤتمر متجهة إلى مدينة مصدر ، كان الوفد يتضمن مجموعة من المهندسين والصحفيين الأجانب ، أثناء الطريق كان المهندس المعماري المرافق يعطي فكرة عامة عن المشروع ويجيب على الأسئلة ، المشروع من تصميم المعماري البريطاني الشهير اللورد نورمان فوستر ، والذي عرف عنه أنه لا يقف عند حدود الإبهار المعماري ، بل يذهب بعيدا إلى النواحي التكنولوجية والتقنية وتوظيفها بشكل رائع .كان التساؤل عن المدة المتوقعة لاكتمال المشروع هو الأكثر إلحاحا ، حيث لم تكن الشركة بمنأى عن الأزمة المالية العالمية خلال عام 2009 م ، بالإضافة إلى الإعلان عن تغيير مجموعة من قيادات الصف الأول في الشركة ، وهو ما أثر على المدة الزمنية لاكتمال المشروع ، لم يتم الإفصاح بشكل دقيق عن التاريخ ولكن الحديث غير الرسمي يبقى في حدود 2022 م .



أولى المباني التي انتهت هو "معهد مصدر للعلوم والتكنولوجيا " ، والذي بدأ فعليا باستقطاب طلبة الدراسات العليا . المعهد أبرم اتفاقية للتعاون الكامل مع المعهد الأشهر في العالم " معهد ماساشوستس للتكنولوجيا " ، وذلك بعمل المناهج والخطط الدراسية ، وكذلك بتبادل الزيارات بين هيئة التدريس ، المعهد يسعى إلى جذب المهتمين أكاديميا في الطاقة النظيفة والمتجددة ، وهو ما سينعكس بشكل بإيجابي على مدينة مصدر ، المعهد يهدف أيضا إلى إجراء الاختبارات والتجارب العلمية للتأكد من استخدام أكثر التطبيقات كفاءة خلال إنشاء وتشغيل المدينة . و من احدث ما تم الكشف عنه في هذا الإطار ، السيارة الكهربائية الصديقة للبيئة ،والتي صنعت بتعاون بين معهد مصدر وشركة ميتسوبيشي ، السيارة ستعتمد كوسيلة تنقل بين أجزاء المدينة .

رغم أني كنت قد أطلعت- قبل سفري- على صور فوتوغرافية لمباني معهد مصدر ، ألا أنها فشلت في التخفيف من وطأة الانبهار الشديد الذي ألم بي وأنا أقف محدقا إلى مباني وواجهات المشروع . لم يكن الأمر متعلقا بالتفاصيل المعمارية والهندسية ، بل يتجاوز الأمر ذلك إلى استحضار الماضي بمفرداته الخاضعة للزمان والمكان واستشراف المستقبل باختراعاته وتقنياته ، كان المشهد متصلا دون انقطاع ، كان الماضي حاضرا باستخدام المشربيات على النوافذ و البلكونات وذلك للتقليل من أثر أشعة الشمس ، وهي الأشعة نفسها التي تسقط على أسطح المباني المكسوة بالكامل بألواح الطاقة الشمسية ليتم عبرها توليد الطاقة الكهربائية والحرارية للمباني ، وهنا تحديدا كانت إطلالة المستقبل!



لم يكن نورمان فوستر ليجد أفضل من الخبير بالزخارف الإسلامية الفرنسي (جين مارك كاستيرا) ، وذلك لتطوير واجهات المباني جاعلة في ذلك عمارة المكان حاضرة و بقوة ،" جاءت هذه الأنماط الزخرفية بين ربط الفن الهندسي العربي – وبخاصة المثمنات- وبين الأفكار العلمية الحديثة " ويضيف كاساتيرا واصفا الأبعاد الثقافية " يوفر ذلك شاهد على التآزر بين الثقافتين العربية والعربية، بين العلم والفن ، و بين الماضي والحاضر وبهذا المعنى تكون هذه الأنماط الأكثر توائما مع مشروع كمشروع مدينة مصدر".



تبتعد مباني المشروع فيما بينها بما يكفي لتشكل طرقات واسعة وتقترب أيضا بما يكفي لتخلق أزقة وممرات ذات بعد إنساني راقي تتسلل إليها إلى أشعة الشمس على استحياء ، وهو ما يوفر ممرات مشاة ذات درجات حرارة معتدلة ومناسبة تجعل من استخدام المشي على الأقدام في التنقل خيارا لا بد منه!
" هذا المبنى يحتاج 25% من الطاقة التبريدية و30% من المياه الصالحة للشرب و5% من المياه الساخنة وذلك لأي مبنى مماثل له في الحجم" لم نستطع إخفاء دهشتنا من هذه الأرقام المذهلة التي يقولها لنا المهندس المعماري المرافق ، والذي سرعان ما أضاف " ويحتاج هذا المبنى ما يوازي 30% من الطاقة الكهربائية التي يحتاجها مبنى مماثل له في الحجم"!.




كان الجو العام الذي يحيط بالمكان شديد التميز ، هدوء تام يليق بمعهد علمي ، ونشاط وحيوية واضحة تراها في أعين أعضاء هيئة التدريس والطلاب. بين المبنى السكني ومبنى المعهد يستطيع الطلاب التوقف عند المقاهي والمطاعم المبعثرة في الجنبات والأزقة والتي توفر أنواع فاخرة من الأطعمة " الصحية" والعضوية وهو ما يتسق مع الفكرة العامة للمشروع . على الجانب الأخر من المشروع ، بدا وكأن هناك مبنى لا ينسجم مع التشكيل المعماري للمشروع ، كان الشكل الدائري لـ مركز المعرفة (المكتبة) ملفتا ، كان واضحا أن السير نورمان فوستر أراد أن تكون لعمارة الحداثة حضورا قويا في هذا المشروع ، عندما أراد بعض أعضاء الوفد الدخول إلى المكتبة لحق بعم المرشد وتعلل بلطف أن الإدارة تمنع وذلك تجنبا لإزعاج الطلبة المتواجدين في المكتبة .
من أكثر اللحظات إثارة تلك التي أتيح لنا فيها تجربة السيارة الكهربائية والتي ستعتمد كإحدى وسائل التنقل داخل مدينة مصدر ، السيارة ذات شكل بيضاوي غريب ، حتى يخيل إليك انك في كواليس إحدى أفلام الخيال العلمي ، السيارة تعمل بدون سائق ، تتسع لأربعة أشخاص ، حتى تبلغ مقصدك ليس عليك إلا أن تتعامل مع شاشة أنيقة تحدد فيها أين تريد لأن تذهب ، تسير السيارة بسرعة 40 كم بالساعة ، تنساب بخفة ومرونة مدهشة عند نهايات الطرق أو عندما تصادف حاجزا ، عندما تصل إلى مبتغاك تفتح الأبواب بشكل ألي .




كانت المحطة الأخيرة هي زيارة ما يطلق عليه بين سكان المدينة " المزرعة" ، ففي أطراف المدينة وعلى مساحة تقدر بـ22 هكتارا ، تقع مزرعة ألواح الطاقة الشمسية الأكبر في الشرق الأوسط ، حيث تتعرض مئات الآلاف من هذه الألواح إلى معدل مرتفع من الأشعة الشمسية يمكنها من توليد الطاقة الكهربائية اللازمة لتشغيل مدينة مصدر التي تحتاج عند اكتمالها إلى يقارب 17500 ميغاوات بالساعة ، وبذلك تكون مدينة مصدر باعتمادها على أشعة الشمس كمصدر للطاقة تشغل بالكامل من طاقة نظيفة ومتجددة ، لا تنضب ولا تنقضي مادام الليل والنهار!

في طريق خروجنا من مدينة مصدر باتجاه مركز المؤتمرات في أبو ظبي ، كانت بجانبي سيدة بدت شديدة اللطف وهي تتناقش مع الزوار ، التفتت نحوي بعد أن لاحظت ملابسي الخليجية- حيث كنت وشخص أخر العرب الوحيدين في الرحلة - ، كان واضحا أن نقاشا في طريقه للبدء ، قالت أنها بروفسوره في تكنولوجيا المعلومات وعضو في هيئة التدريس في معهد مصدر ، كانت تعمل ولمدة 35 سنة في معهد ماساشوستش في أمريكا، جاءت إلى أبو ظبي بعد اقتناعها بمعهد مصدر لتكنولوجيا المعلومات بأنه سيكون لاعب رئيسي في مجال الطاقة النظيفة والمتجددة. بعد أن علمت أنني من السعودية ، أخبرتني أنها كانت تريد الانضمام إلى جامعة الملك عبدا الله للعلوم والتكنولوجيا ، لم تخف سرا أن احد الأسباب الرئيسية لرغبتها في الانضمام هو أن تكون قريبة من مكة المكرمة حيث بإمكانها عمل العمرة متى ما أرادت . قالت لي أن معهد مصدر يفكر جديا بأن يوسع البرامج الدراسية التي يمنحها بدلا من الاقتصار على درجة الماجستير ، حيث أن هناك نية لأن تكون درجة البكالوريوس من ضمن البرامج الدراسية ، أما درجة الدكتوراه فستدخل فعلا خلال السنتين القادمتين كدرجة علمية معتمدة.
لا أعتقد أنها فكرة صائبة أن يتم تقييم مشروع مدينة مصدر في هذه المرحلة المبكرة ، المشروع لا زال يخطو خطواته الأولى ، لكن أسئلة واستفسارات عديدة ألحت علي بشدة ، بدأت بخجل - وذلك عندما سألت المهندس المرافق في الجولة عن التكاليف الباهظة لإنشاء مدينة كهذه- ، وتعاظمت بشكل كبير وأنا أقرأ عن الوضع الاقتصادي لإمارة أبو ظبي وذلك في صالة الانتظار في مطار أبو ظبي الدولي وأنا في طريقي عودتي للرياض .

إمارة أبو ظبي التي تختزن – لوحدها ودونما الإمارات الست الأخرى- 9% من احتياطيات النفط في العالم ، يزداد هذا الرقم أهمية عند معرفة أن سكان إمارة أبو ظبي في حدود 400 ألف مواطن إمارتي، مما يعطي صورة واضحة عن الثراء الفاحش التي تتمتع به هذه الإمارة الصغيرة ، تمتلك أبو ظبي واحد من أكبر الصناديق السيادية في العالم بموجدات لامست التريليون دولار ، يستحوذ الصندوق على حصص أسهم هائلة في أكبر وأهم الشركات والمصانع حول العالم تحقق عائدات سنوية تكفي لأن تزيح النفط من صدارة موارد الإمارة.

على ضوء ذلك ، تبرز جدلية و مدى الجدوى الاقتصادية من الاستثمار في هذه الصناعة المكلفة – في المدى القصير على الأقل-، يرى البعض أنه كان الأمر ليبدو أكثر منطقية لو أن مبادرة مثل هذه واستثمارات – بهذا الحماس – كانت انطلقت دول تعاني من نقص شديد في مصادر الطاقة ، وتسعى للتخلص من الاعتماد على النفط الأجنبي وخلق مصادر بديلة تجعلها بمنأى عن أي تقلبات سياسية أو أمنية حول العالم .
لكن على الجانب الأخر ، هناك من يعتقد أنه لا يمكن لأبوظبي المراهنة على الثروة النفطية على المدى البعيد ، فهي ثروة بطبيعتها زائلة وغير متجددة كما أن أسعارها التي تزداد بشكل مطرد وكونها خاضعة دوما لاعتبارات سياسية وأمنية ، يعزز من تنافسية الطاقة المتجددة لدى الدول المستهلكة ويجعلها خيار لا مناص منه لدى كثير من دول العالم . لذلك تبزر أهمية خلق موارد جديدة تجعل من الثروة النفطية إحدى الموارد وليس المورد الأهم .

أثقلت علي البروشورات وأكياس المعرض التي أحمل فتوجهت إلى أحد الأركان ، لفت انتباهي احد الأجنحة حيث كان العارضون فيه مجموعة من صغار السن ، عندما اقتربت تبين لي أنه جناح لأحدى مدارس المرحلة الثانوية والعارضون كان هم طلاب المدرسة ، جاؤوا ليعرضوا تجربتهم – التي جاءت بمبادرة من الطلاب- بتحويل مبنى مدرستهم إلى مبنى صديق للبيئة عبر التشجير واستخدام الطاقة الشمسية مما أسهم بشكل واضح في انخفاض استهلاك الكهرباء . كان ذلك مؤشرا جيدا على أن ثقافة البناء المتوائم مع البيئة وتخفيف الأثر البيئي استطاعت اختراق أوساط مختلفة من المجتمع الإماراتي ، وهو ما يؤكد على أهمية أن يكون الفرد مؤمنا ومقتنعا بتوجهات الدولة ، لا أن يقف الأمر عند معارض واستثمارات براقة تنتزع الآهات والإعجاب دون مشاركة حقيقية من المواطن تجعل منه صانعا للحدث لا مجرد مستهلك !

عبدالحميد...
الرياض شوال 1432
 
أعلى