سأحدثّكم اليوم عن قمر

إنضم
9 ديسمبر 2006
المشاركات
661
مجموع الإعجابات
130
النقاط
0
تطّلب عملي أن أسافر إلى سويسرا لمدّة شهر. فآكتريت شقّة مع مجموعة من الأصدقاء. عبد الرزّاق من المغرب من مدينة طنجة, خفيف الظلّ, صاحب نكتة, حادّ الذكاء و طيّب جدّا. ثمّ كريم من الجزائر من مدينة تيزي وزّو, مدينة الجبال و الجمال, رجل حرّ و راق إلى أبعد الحدود, هاديء, وسيم, نقّي القلب و يحبّ الله و رسوله, صلّى الله عليه و سلّم, بشكل عجيب, حتّى أنّك لو عرّفته بشخص إسمه محمد, يغيب عنك لثانية, و يسبح بعيدا, كأنّك ذكّرته بحبيب, فيذبل و يذوب شوقا لرؤيته, ثمّ يستفيق عائدا من بعيد و يسلّم عليك وعليه. يذكّرني دائما بالصحابّي الجليل مصعب بن عمير, رضي الله عنه. ومحمّد من تونس من مدينة قليبيا الساحلية في الشمال الشرقي للبلاد, مدينة فلاحة و صيد بحري و أبوا محمد فلاحين. رجل عمّلي منظم, لا يترك ثانية من وقته تضيع دون أن يستغلّها إما في أمر دنوي أو في ذكر و حفظ لكتاب الله. تضنه صعب الطباع وهو في الأصل جواد, يغطي رقّة قلبه بصرامة سلوكه, و لكنّ المواقف تخونه أحيانه فينكشف إمّا بدموع عينيه لدى سماعه القرآن أو بإظطرابه لو حاصره طفل بأسئلة محرجة. و أخيرا العبد الفقير إلى رحمة الله, مخاطبكم.
كان جيراننا في الشقة المقابلة لنا, عائلة من البوسنة, فقد ربّ العائلة في الحرب, فرّج الله عنه و عن جميع المسلمين, وهاجرت الأم بطفليها فخر الدين و قمر إلى سويسرا لمّا إشتدّت الوطأة على المسلمين و بقيا فيها منذ ذلك الزمن.
كان فخر الدين في الخامسة من العمر و كان محيطه البشري مكوّن من النساء فقط, أي أمّه و أخته قمر ذات التسع سنوات, لذا كان لعبه و تصرّفاته كلّها مرتبطة بلعب و تصرّفات أخته قمر. فقد كان يلعب بدمى قمر, و ليس له أحد يتكّلم معه من الصغار سوى قمر.
إلتقيت بفخر الدين لمّا عدت من عملي. وجدته أمام باب العمارة مع أخته يصعدون الدرج إلى الطابق الثالث, أين نسكن نحن. حملت فخر الدين على ضراعيّ و أوصلته إلى شقتّه و في الأثناء مازحته قليلا:
"ما شاء الله أنت رجل الآن كم تزن؟".
قلتها كأيّ كلمات تقال للأطفال بشكل طبيعي. أحسست أنّ كلمة "أنت رجل الآن" إستوقفته. فقد لمعت عيناه لدى سماعه لها.
لمّا وضعته على الأرض أمام باب شقّته, قال لي ببراءة:
"أنت تسكن بجنبنا".
أجبت "نعم كما ترى, و يمكنك زيارتي متى شئت بعد ان تستأذن من والديك طبعا (لم أكن أعلم بقصّة الأب بعد)".
ثمّ أضفت "أنت صديقي الآن".
"حقًا!!؟"
"نعم حقّا. هل تريد أن تكون صديقي؟"
أجابني "نعم".
قالها مسرورا و أخته قمر تراقب حوارنا صامتة وأمّه التي فتحت الباب و سمعت ما دار بيننا, سلّمت ثمّ أدخلتهما.
جائنا فخر الدين و قمر في المساء, ففرح بهما الأصدقاء فرحا شديدا, فقد أدفأا الجوّ في هذه البلاد الباردة طقسا و طباعا. و آندمج هوّ معنا إلى أبعد الحدود. أظنه أولّ مرّة يجد محيطا خاصا به من الرجال. فلم يعد يفارقنا.
مرّت الأيام و أصبح فخر الدين و قمر لا يفارقان شقّتنا.
أخذت أعلّم فخر الدين الملاكمة. تجاوب معي بشكل سريع, فتعلّم التغطية و توجيه اللكمات و تفاديها, و في بعض الأحيان تأخذه الشقاوة فيسدد لي ضربة بقدمه. فأمثّل الألم. "أي.. وجعتني يا فخر الدين, هذه الضربة ليست قانونية, نضرب باليدين فقط".
يجيبك "نسيت" و تفضحه إبتسامته الماكرة.
تعلّق بي فخر الدين فلم يعد يفارقني, وكانت قمر عندما يتركها الأصدقاء بعض الوقت, تراقبنا في صمت و لم تكن توّجه لي الكلام إلّا النزر القليل. كانت تضّن أنّي إستوليت على إهتمام أخيها الوحيد, الذي كانت تلعب معه.
يوم الأحد, يوم عطلتهم الأسبوعيّة, كنت جالسا في حديقة العمارة أطالع الجريدة و أترشّف قهوتي. أحسست بحضور. كانت قمر. جلست بجنبي.
"السلام عليك قمر, كيف حالك؟"
"و عليك السلام, الحمد لله"
ثمّ بقيت تنظر إليّ بعيني من لديها ما تقول و لا تدري من أين تبدأ
"فخر الدين يحّبك كثيرا"
"ذلك شرف لي يا قمر, أنا أيضا أحبكما كثيرا"
"تحبّنا نحن الإثنان؟"
"نعم بالتأكيد"
"لماذا؟"
"أولا نحن إخوة من نفس الأمّة"
"كيف ذلك؟ أنا لست أختك, أنا أخت فخر الدين"
"أنت مسلمة, أليس كذلك؟"
"نعم, قالت لي أمّي أننّا مسلمون"
"أنا أيضا مسلم. اللّه, الذي خلقنا و أنعم علينا بالإسلام, قال لنا أنّ كلّ المسلمين أخوة. إذا أنا و أنت و فخر الدين و عبد الرزّاق و كريم و محمد إخوة في الإسلام."
"كان فخر الدين يمضي كلّ وقته معي, و الآن كلّما رآكم يتركني و يأتي إليكم" أخيرا أخرجت الطفلة الملاك ما يشغل بالها.
"يسعدني ذلك, و لكن أتدرين ماالذي يسعدني أكثر؟"
"ماذا؟"
"عندما تأتين أنت أيضا. أفرح كثيرا. خصوصا عندما يعلّمك كريم القرآن. هل أقول لك سرّا؟"
"نعم"
"أنت ترتّلين القرآن أحسن منّي, أتمنّى أن أرتّله مثلك."
لمعت عيناها الكبيرتان دهشة و فرحا. وآزدادت بشرتها البيضاء نورا.
"حسنا عليّ الذهاب الآن, يومك سعيد"
"قمر, سنتمّشى بعد الظهر في الجبل, إن وافقت أمّك يمكنك المجيء أنت و فخر الدين معنا."
"حقّا, حقّا !!! سأطلب من أمّي السماح لي بالذهاب. أخبر فخر الدين في حالا"
ذهبت تجري و قبل الدخول إلى باب العمارة إلتفت إليّ وآبتسمت.
كوني رجل رياضيات, بإمكاني إيجاد وحدات قياس لمعظم ما يمرّ بي في الدنيا. إبتسامة قمر تلك, لا تقاس. كيف تقاس سرعة لمحة عين, حاملة البراءة و الفرح من باب عمارة إلى قلبك؟ كيف يقاس وزن حبّ أطفال, كورد البساتين, علبّوه في إبتسامة ثمّ قدّموه إليك؟ هيّ لحظة تحتوي القياس و لا يحتويها قياس.
عند الغابة في الجبل, مشي فخر الدين بيننا. رجل بين الرجال. يسبقنا تارة و تارة يلتفّ حولنا ثمّ يمشي بجنبي. و قمر, ممسكة بيد كريم تحكي له عن كلّ ما يخطر ببالها, من زميلاتها في المدرسة, إلى شريط الصور المتحركة الذي شاهدته, إلى الكلمات التي تعلّمتها من عبد الرزّاق باللهجة المغربية,و إنّ خطر ببالها موضوع تضنّه مهمّ, تمسك بيديه و تمشي أمامه القهقري, ناظرة مباشرة إلى عينيه و مثّبتة نضراته معها كيّ يركزّ مع ما تقول. و كريم, الحليم دائما, يماريها و قد يسألها عن بعض التفاصيل.
لاح فجأة نسر في الأفق, طائر مهيب, ما إن لمحه فخر الدين حتّى أمسك بيدي بشدّة.
"ما بك فخر الدين؟ لا تخف !! أنت رجل الآن"
نظر إليّ و قد كبرت عيناه مندهشا كالذي إكتشف في نفسه أمرا لم يكن يعرفه
"أضن أننّي لم أصبح رجلا بعد !!!"
رأيت إبتسامات الشباب الخفيّة.
حفظك الله يا طفل الإسلام ستكون إن شاء الله من الرجال العظام.
بعد قليل رأى محمد مجموعة من البطّ حول بحيرة جبلية, و بخبرة إبن الفلّاح قال:
"لا بدّ من وجود بيض بطّ هنا, اليوم أطبخ لكم عجّة لم تأكلوا مثلها قبلا" (العجّة أكلة تونسية من بيض و توابل و طماطم و الهريسة التونسية, وهي معجون فلفل أحمر حار. و التوانسة إذا أردت القضاء عليهم, إحرمهم من الهريسة شهرا واحدا. لا تغيب عن طعامهم).
أضنّ أنّ قمر لم تنتبه لما يخططّ له محمد.
و بخبرة عجيبة و في بضع دقائق حدّد محمد مكان بيضة, فأخذها فرحا كأشدّ ما يكون الفرح, فقد سإمنا الطبخ السويسري و لم نأكل بيضا طبيعيّا منذ مدّة. كلّه بيض مداجن.
أشّع وجه محمد و عرض علينا البيضة بفخر.
"ما هذا؟" صرخت قمر
أجاب محمد مندهشا من ردّة فعلها"بيضة !!!"
"أعدها الآن"
كانت تصرخ بهستيريا و قد تحّولت بشرتها البيضاء إلى لوحة عجيبة من الألوان. حمرة الوجنتين الغاضبتين و الشرايين الخضراء البارزة على جبينها الأبيض, المحاط بخصلات شعرها الأسود. ملاك هذه الطفلة حتّى وهي غاضبة.
أمسكها كريم برفق و قال بصوت هادئ عذب كي يهدئ من روعها "طيّب, طيّب يا قمر, ما الأمر؟ ما بك؟"
"أمّها"
"ما بها يا قمر؟"
" ستحزن إن لم تجد بيضتها, نحن أخذنا إبنتها"
يا سبحان الله, ما هذه البراءة ! ما هذا النقاء ! هل هوّ ما عاشته من أهوال الحرب و وحشيّة الصرب الجبناء و فقدان الوالد, ما جعلها تقيّم الأمور بهذه الحساسية, و يتعصّر قلبها لمجردّ فكرة فقدان أمّ لإبنها. حتّى و لو كانت الأمّ بطّة.
أجابها محمد المتمسك بكنزه و مشروع عشائه, محاولا إقناعها, و متوسلا بعض الشيء:
" حبيبتي قمر, شغل أمّ البطّ, أن تعطينا بيضا لنأكله. ستفرح الأمّ إن أخذنا البيضة"
صرخت بصوت أعلى من السابق" أعدها الآن". واضح أنّها لم تقتنع.
حاول محمد تكتيكا آخر:
" طيّب يا قمر, إن كنت خائفة على البطّة. أمسك بالبطّة الأمّ و نطبخها مع البيضة و هكذا لن يحزن أحدهما على الآخر".
بهتت للحظة.. كأنّها تريد أن تستوعب هذا المنطق !!!
الحقيقة, أننّا نظرنا كلّنّا إلى محمد, نريد أن نستوعب المنطق !!
الواضح أنّه كان يريد الحفاظ على بيضته بأيّ ثمن.
لم تهدأ قمر إلّا بعد أن أعاد محمد البيضة إلى مكانها.
كان محمّد يحدّق فيها بطرف عينيه طوال طريق العودة. لم يترك شيئا أمامه من غصن أو حجر إلا ركله برجله, فإن لم يجد يركل الهواء. غاضب لضياع عشائه, عاجز أن يفعل أيّ شيء لهذا الملاك الطاهر قمر.
حملها عبد الرزّاق على كتفيه. أعجبت الفكرة فخر الدين. فعلمت أنّه عليّ أن أعدّ كتفاي.
أرسلت إلينا أمّ قمر عشاءا أحضرته لنا خصيصا.
كان ذلك من كرمها و كان لذيذا فنسي محمد صورة البيضة العالقة في مخّيله.
مرّت الأيام سريعا و عدت من سويسرا. غابت عنّي قمر و أخبار الشباب.
حفظهم الله

عبد الله التونسي​
 

مواضيع مماثلة

jouini87

عضو جديد
إنضم
1 أغسطس 2009
المشاركات
2,297
مجموع الإعجابات
262
النقاط
0
رائع جدا ما كتبت أخي الكريم،بارك الله فيك على هذه القصة اللتي فيها الكثير من العبر.
 

jouini87

عضو جديد
إنضم
1 أغسطس 2009
المشاركات
2,297
مجموع الإعجابات
262
النقاط
0
معجون فلفل أحمر حار. و التوانسة إذا أردت القضاء عليهم, إحرمهم من الهريسة شهرا واحدا. لا تغيب عن طعامهم).

:68::68::68:
لقد كشفت عن نقطة ضعفنا:71:
 

jouini87

عضو جديد
إنضم
1 أغسطس 2009
المشاركات
2,297
مجموع الإعجابات
262
النقاط
0
.......................................................
 
إنضم
9 ديسمبر 2006
المشاركات
661
مجموع الإعجابات
130
النقاط
0
أختي الفاضلة طالبة هندسة مدنية شكرا على مرورك الطيّب و جزاك الله كلّ خير.
أختي الفاضلة الغالية jouini87 بارك الله فيك على مرورك الطيّب و شكرا لك على كلماتك الجميلة.
الحمد لله أختي الفاضلة jouini87 أنّي لم أكشف أسرار "اللبلابي" و "الكفتاجي" و إلّا لكان رأيك فيّ أشدّ و أقسى :34::70::2:
 

jouini87

عضو جديد
إنضم
1 أغسطس 2009
المشاركات
2,297
مجموع الإعجابات
262
النقاط
0
أختي الفاضلة طالبة هندسة مدنية شكرا على مرورك الطيّب و جزاك الله كلّ خير.
أختي الفاضلة الغالية jouini87 بارك الله فيك على مرورك الطيّب و شكرا لك على كلماتك الجميلة.
الحمد لله أختي الفاضلة jouini87 أنّي لم أكشف أسرار "اللبلابي" و "الكفتاجي" و إلّا لكان رأيك فيّ أشدّ و أقسى :34::70::2:

395789.gif
 

besty

عضو جديد
إنضم
5 ديسمبر 2009
المشاركات
333
مجموع الإعجابات
15
النقاط
0
بارك الله فيك أخي ،قصة جميلة جدا
بالمناسبة أرجو الدعاء لمهاجرينا بالخارج ،ربي يصبرهم.
ملاحظة:
لو كانت الشخصيات من جنسيات عربية أخرى،لوجدت ردود أكثر من الأعضاء.!!!!! ولكن ......
 

سعد أبو صهيب

عضو جديد
إنضم
13 مايو 2006
المشاركات
1,145
مجموع الإعجابات
69
النقاط
0
السلام عليك ورحمة الله

بمناسبة هذه '' معجون فلفل أحمر حار. و التوانسة إذا أردت القضاء عليهم, إحرمهم من الهريسة شهرا واحدا. لا تغيب عن طعامهم'' فأضفني إلى الإخوة التونسيين رغم اني مغربي فالهريسة مؤنسة غذائي وعشائي , فاللهم أدمها نعمة.

بارك الله فيك وفي اسلوب القصصي الرائع.
 

cadeau

عضو جديد
إنضم
20 مايو 2009
المشاركات
223
مجموع الإعجابات
3
النقاط
0
بعد التحيه
القصه بها الكثير من العبر
وقد استمتعت بها
مع خالص احترامى​
 
إنضم
9 ديسمبر 2006
المشاركات
661
مجموع الإعجابات
130
النقاط
0
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
besty شكرا على مرورك الطيّب و بارك الله فيك. أنا متأكدّ أنّك مثلي تعتقد أن وطن المسلمين هيّ كلمة لا إلاه إلا الله محمد رسول الله, و لا يوجد مشرق و مغرب و لا أي شيء آخر كلّنا إخوة تجمعنا كلمة التوحيد. أحيّ مرورك و سعة صدرك حفظك الله.
أخي mokkhtar بارك الله فيك لمرورك الطيّب
أخي الفاضل سعد أبو صهيب مرحبا بك في تونس أنّى شئت فهي أرضك و فيها أهلك. تقبّل إحترامي و تقديري لمرورك الجميل.
cadeau شكرا على كلماتك الهديّة. حفظك الله و رعاك. بارك الله فيك
 
إنضم
9 ديسمبر 2006
المشاركات
661
مجموع الإعجابات
130
النقاط
0
بارك الله فيك أخي الفاضل م محمد عبدالله حسن و شكرا على مرورك الطيّب العطر​
 

[email protected]

عضو داعم للملتقى
عضو داعم
إنضم
20 سبتمبر 2009
المشاركات
2,092
مجموع الإعجابات
252
النقاط
0
بارك الله فيك أخي ،قصة جميلة جدا
 

بنت الخلافه

عضو جديد
إنضم
18 أغسطس 2009
المشاركات
1,438
مجموع الإعجابات
347
النقاط
0
الاخ abcd19
لا ادري من اين ابدا؟
من موضوع القصه ؟
من صياغة الحديث؟
من اهداف القصه ؟
من معانيها؟
من الابداع اللي فيها؟
ماشاء الله
الله يبارك فيكم ويزيدكم من خيرو
صراحة كانت رائعة الى ابعد حد .....وما ارجوه هو ان لا تهمل نفسك ....ونمي موهبتك
بوركت
 
أعلى