رحـلـة إلى مــركـــز الأرض ... !

إنضم
19 أغسطس 2009
المشاركات
5,026
مجموع الإعجابات
335
النقاط
0
بسم الله الرحمن الرحيم

رحـلـة إلى مــركـــز الأرض ...

على عمق أميال تحت قاع المحيط يوجد نفط كاف لتزويد الولايات المتحدة بالطاقة لأكثر من عقد ولعلها فرصتنا المفضلة لتحقيق الاستقلالية في مجال الطاقة




بقلم ماثيو فيليبس


من نافذة مروحية على علو 1500 قدم فوق خليج المكسيك، تبدو منصات النفط وكأنها ألعاب تركيب في بركة سباحة. تتوزع العشرات منها في الأفق فتمتد جنوبا من مدينة نيو أورلينز وتتواصل بينما تصبح المياه عميقة وتزداد زرقتها شدة. ثم على بعد نحو 50 ميلا من الشاطئ، تتوقف المنصات، وفي الأميال الــ100 المتبقية، لا وجود لها على الإطلاق. إنها المياه العميقة لخليج المكسيك حيث يبلغ عمق المحيط 8.000 قدم وتغطيه طبقة كثيفة من الوحل. وتحتها طبقة ملحية قديمة سماكتها أميال عدة، وتحت هذه الطبقة، على عمق عشرات آلاف الأقدام، يختبئ النفط, مليار ومليار من البراميل من النفط. وكلها في المياه الأمريكية.
للوهلة الأولى تبدو منصة تاهيتي التابعة لشركة "شيفرون"، على بعد نحو 190 ميلا من الشاطئ، وكأنها بقعة صغيرة جدا في المياه. وحتى عن قرب، حجمها مخيب للآمال. تربض بنية من ثلاث طبقات فوق سطح المياه، لكن هيكلها الذي يبلغ طوله 555 قدما يقع بكامله تحت المياه. منصة تاهيتي التي يبلغ طولها كاملة 714 قدما ويفوق وزنها 80 مليون باوند هي أشبه بناطحة سحاب من 70 طابقا تطفو في مياه عمقها 4.000 قدم. أول ما تلاحظه عندما تطأ قدماك أرض المنصة هو طنين مرتفع الوتيرة: إنه صوت آلاف براميل النفط التي تُسحَب من الأعماق وتُضَخ في الشاطئ.
بالنسبة إلى شيفرون، إنه من أجمل الأصوات في العالم، فهو يشكل إثباتا على أن الاستثمار في تكنولوجيا التنقيب في أعماق المياه منذ عقد بدأ يعود بثماره للشركات النفطية الكبرى مثل شيفرون نفسها إلى جانب "بي بيه" و"إكسون موبيل" و"شل". فبعدما تسببت سلسلة من الأعاصير بتراجع إنتاج النفط في خليج المكسيك لسبع سنوات متتالية، سمحت حفنة من المشاريع الجديدة في أعماق المياه بتبدل الأوضاع عام 2009. على الأرجح أن النفط المستخرج من أعماق المياه هذه السنة سوف يتيح تحقيق أول زيادة سنوية في إجمالي الإنتاج المحلي الأمريكي منذ عام 1991. ويأتي هذا التحول في الوقت الذي يعطي فيه الرئيس أوباما أولوية لفطام أمريكا من النفط الخارجي، الأمر الذي يقتضي استبدال أكثر من نصف النفط الذي نستهلكه، أو نحو 10 ملايين برميل في اليوم، على الرغم من تراجع الإنتاج النفطي المحلي بنسبة 50 بالمائة منذ عام 1970.
يقول منتجو النفط على غرار شيفرون إن التنقيب في المياه يشكل فرصتنا الفضلى لتحقيق الاستقلالية في مجال الطاقة. نحو ثلثي الإنتاج الأمريكي مستمد حاليا من احتياطي موجود في البر، ولا سيما في ولايتي تكساس وألاسكا، لكن تلك المصادر لم تعد تنتج كما في السابق. تشير تقديرات الحكومة الأمريكية إلى أن خليج المكسيك يحتوي على نحو 70 مليار برميل من النفط لايزال 40 مليارا منها غير مكتشف في أعماق المياه. وإذا أضفنا إليه الجرف القاري الخارجي بكامله، يُعتقَد أن هناك أكثر من 85 مليار برميل من النفط الخام غير المكتشف قبالة السواحل الأمريكية، أي كمية من النفط تكفي لأكثر من عقد بحسب وتيرة الاستهلاك الحالية في الولايات المتحدة. بحلول سنة 2020، يُرجَّح أن يصبح المحيط مصدرا لــ40 بالمائة من النفط الأمريكي، وفقا لمحللين في شركة "آي أتش إس كامبريدج إنرجي ريسيرتش أسوسييتس".
فيما تسجل كميات النفط التي يمكن الوصول إليها بسهولة تراجعا في مختلف أنحاء العالم، تتنافس الشركات النفطية الكبرى على الاحتياطي الذي بالكاد كان التنقيب عنه يستحق نظرة ثانية قبل سنوات قليلة: سبر أغوار المياه المتجمدة في غرينلاند حيث يجب جر جبال الجليد بعيدا من حفارات النفط» والتمحص في رمال القطران اللزجة في مقاطعة ألبرتا في كندا» والمغامرة بدخول الغابات المطرية في حوض أورينوكو في فنزويلا» والبحث على عمق أكثر من 4000 قدم تحت قعر المحيط قبالة شواطئ غانا. العام الفائت، استخرجت شركة "بيتروبراس" المملوكة من الدولة في البرازيل كمية النفط الأولى من أصل 9.5 إلى 15 مليار برميل من الاحتياطي الجديد المثبت المدفون تحت 4.5 أميال من المياه والرمال والصخور والملح، والذي ينتشر في منطقة أكبر من بريطانيا، على بعد 185 ميلا قبالة ساحل البرازيل.
لكن في الولايات المتحدة، لا يزال التنقيب في المياه مشحونا سياسيا. فأنصار البيئة يقولون إن بإمكاننا تحقيق الاستقلالية في مجال الطاقة عبر خفض الطلب وتعزيز مصادر الطاقة القابلة للتجديد. ويضيفون أن آلاف الغالونات من الوحل التي يخرجها التنقيب في أعماق المياه تحتوي على معادن سامة الزئبق والرصاص والكادميوم يمكن أن ينتهي بها الأمر في ثمار البحر التي يتناولها الإنسان. تحتوي المياه التي تُستخرج من الآبار على مزيج سام من البنزين والزرنيخ والرصاص والعديد من الملوثات الإشعاعية، وفقا لدراسات أجراها مجلس الدفاع عن الموارد الطبيعية. وتزيد العواصف الأمور سوءا: فقد أدى إعصارا ريتا وكاترينا إلى 125 تسربا من منصات وأنابيب في الجرف القاري الخارجي، مما تسبب بإطلاق نحو 685 ألف غالون من المنتجات النفطية في المحيط.
لكن منذ 11 سبتمبر، يبدو أن موجب الحد من اعتمادنا على نفط الشرق الأوسط يتفوق على المشاغل البيئية. لطالما أيد الجمهوريون إجراء مزيد من التنقيب، والآن يمارس الديموقراطيون المحافظون (الذين يسمون بالكلاب الزرق)، مثل السيناتورين عن فرجينيا مارك وارنر وجيم ويب، ضغوطا على وزير الشؤون الداخلية كين سالازار كي يدرج التنقيب عن النفط في المياه ضمن الأولويات. في استطلاع أجرته شركة "راسموسن" في ديسمبر عام 2009، دعم 68 بالمائة من الأمريكيين التنقيب عن النفط في المياه المحلية.
إذن بينما يناقش العالم تحديد سقف لانبعاثات الكربون، تنهمك الشركات النفطية في استثمار أرباحها البالغة مليارات الدولارات في أعماق المياه. وخليج المكسيك هو الجبهة الأمامية في هذا المجهود، والسبب الأساسي هو أنه من الأماكن القليلة على وجه الأرض حيث لايزال يُسمَح للشركات الخاصة بالعمل. يقول جيف روبين، كبير الاقتصاديين السابق في شركة "سي آي بي سي وورلد ماركتس": "في معظم الأماكن في العالم، هناك إجماع متزايد على وجوب أن تتولى الدولة إدارة الأصول النفطية. يوما بعد يوم يتضاءل عدد الأماكن التي يُسمَح للقطاع الخاص بالعمل فيها".
بدأت منصة تاهيتي التابعة لشيفرون ضخ النفط في مايو2009، مما جعلها المنصة التي تستخرج النفط عن أكبر عمق للمياه في العالم. وهي تنتج 125 ألف برميل في اليوم، وحققت عائدات تفوق المليار دولار في الأشهر الخمسة الأولى لانطلاقة العمل فيها. أنفقت شيفرون وشركاؤها 2.7 مليار دولار لإيصال منصة تاهيتي إلى هذه المرحلة» وهذه السنة سوف تنقب الشركة في ست آبار إضافية.
العقل المخطط وراء هذا كله موجود في مدينة هيوستن في مقر شركة "نورث أمريكان إكسبلوريشن" التابعة لشيفرون، في مبنى شركة "إنرون" السابق. يجلس العالم الجيولوجي بارني إيسن في الطابق الخامس فيما ما يُعرَف بـ"غرفة التصور" حيث يتحكم بنماذج ثلاثية الأبعاد لحقل تاهيتي على الكمبيوتر. لقد أنفقت شيفرون ملايين الدولارات على هذه النماذج مسجلة الملكية واستغرق إنجازها سنوات من العمل. إنها خريطة الطريق التي تهتدي الشركة من خلالها في أعماق المياه في الخليج» فمن دونها تضل شيفرون سبيلها في الظلام هناك.
يستغرق التنقيب عن بئر في أعماق المياه أشهرا، ويمكن أن يكلف أكثر من 100 مليون دولار. تفوق الحرارة 450 درجة عند هذا العمق، والضغط الذي يصل إلى 20.000 باوند في الإنش المربع كاف لسحق شاحنة قلابة. حتى باستخدام معدات صلبة كالماس تبلغ كلفتها ملايين الدولارات، التنقيب على عمق أربعة وخمسة أميال عبر الوحل والملح وطبقات عدة من الصخور هو عمل مضن. في المياه الأكثر ضحالة، تستطيع الشركات أن تحفر حتى عمق 100 أو 200 متر في ساعة، أما في المياه العميقة فتكون محظوظة إذا استطاعت أن تحفر حتى هذا العمق في يوم كامل. على غرار التسديدة المباشرة في البيسبول، فإن أي نجاح تفوق نسبته الــ30 بالمائة في التنقيب في المياه العميقة يُعتبَر ممتازا.
في منصة تاهيتي، يخرج النفط من ست آبار مختلفة عند حرارة حارقة تصل إلى 160 درجة، بعد تبريده بواسطة مياه البحر، يتم فصله عن الغاز الطبيعي، وضغطه ومعالجته وبيعه لمعامل التكرير ثم إرساله من جديد إلى الشاطئ بواسطة خطوط الأنابيب. يسحب مدير عمليات الإنتاج تيم برايسي عينة من خط الاختبار مرتين في اليوم. يقول وهو يحمل أنبوبا اختباريا: "لهذا السبب نحن موجودون هنا. كي نُخرًج هذا من الأرض ونبيعه ونجني المال للشركة".
يرى أنصار البيئة صورة أكثر تعقيدا بقليل. حتى ولو كان كل شيء يسير على خير ما يرام، فإن استخراج النفط من هذا العمق الكبير تحت الأرض يترك أثره على البيئة. تقول فيليسيا ماركوس، المديرة الغربية لمجلس الدفاع عن الموارد الطبيعية: "سوف تحصل تسربات. سوف تتأثر الحياة البحرية والمجتمعات الساحلية، [لذلك] يجب أن نبدأ بسؤال أنفسنا إذا كان الأمر يستحق العناء".
بالنسبة إلى شيفرون، الجواب هو بكل وضوح، أجل: من المقرر أن تباشر الشركة في العام المقبل تنفيذ حفنة من المشاريع الجديدة للتنقيب في أعماق المياه. حتى إن شيفرون ومنافسيها يعملون على تنفيذ مشاريع في "مياه شديدة العمق" بهدف استخراج النفط عن عمق أكثر من 7000 قدم في المياه و40 ألف قدم في البر. ذات يوم، قد تصبح هناك طرق أسهل وأكثر مراعاة للبيئة لتزويد أمريكا بالطاقة. لكن في الوقت الراهن، فإن صدى الصرخة المحافظة "احفر ياعزيزي احفر" سوف يتردد أبعد فأبعد في المياه.

بمشاركة ماك مارغوليس
 
أعلى