حوار مع الرئيس المختار للجنة تشكيل الدستور الجديد

إسلام علي

عضو معروف
إنضم
15 مارس 2005
المشاركات
12,013
مجموع الإعجابات
1,842
النقاط
113
[font=&quot]حرب 56 دفعتني للعمل العام وهزيمة 67 أعادتني لهويتي[/font] [font=&quot]- المال والمنصب والشهرة مغريات قاومتها في حياتي.[/font]
[font=&quot]- كانت نشأتي بين العمامة والطربوش، وبين المدينة والقرية.[/font]
[font=&quot]- شيخ الأزهر سليم البشري رباني رغم أني لم أره.[/font]
[font=&quot] [/font]
[font=&quot] [/font]
[font=&quot]حاورته/ د. ليلى بيومي[/font]
[font=&quot] [/font]
[font=&quot] [/font]
[font=&quot]المستشار طارق البشري مؤرخ ومفكر فذ، له العديد من الكتب التي تعد بمثابة المراجع التي أرخت للحركة الوطنية في مصر قبل ثورة يوليو وبعدها، وكتاباته الفكرية والسياسية أثرت المكتبة العربية والإسلامية لقيمتها الفنية العالية.[/font]
[font=&quot]وقد بنى طارق البشرى عالمه الخاص عبر التزامه الأخلاقي، وتفانيه في عمله، وتميزه في إبداعاته الفكرية.[/font]
[font=&quot]وقضى طارق البشري حياته المهنية قاضياً، وأنهاها وهو نائب رئيس مجلس الدولة، ورئيس الجمعية العمومية للفتوى والتشريع.[/font]
[font=&quot]وكانت العلامة الفارقة في حياة طارق البشري يوم تحول من العلمانية إلى الإسلام ويوم أن أصبح قيمة مضافة للفكر الإسلامي.[/font]
[font=&quot]ونحن نتحدث معه اليوم عن حياته ونشأته والعوامل التي أثرت في شخصيته، آملين أن تقتدي أجيالنا الناشئة بهذه الشخصية أخلاقياً وثقافياً، خاصة وأنه حفيد شيخ الأزهر سليم البشري.[/font]
[font=&quot] [/font]
[font=&quot]*[font=&quot] [/font][font=&quot]أين كانت النشأة الأولى والمولد؟[/font][/font]
[font=&quot]** [font=&quot]ولدت في منطقة حلمية الزيتون في أول فبراير 1933 في بيت الشيخ سليم البشري "جدي" الذي كان قد توفى منذ 16عامًا أي في عام 1917 [/font][font=&quot]، [/font][font=&quot]والشيخ سليم البشري مات ولم يترك سوى منزلين منزله القديم في البغالة في السيدة زينب وكان فيه بعض أولاده ومنزله الجديد في حلمية الزيتون وهو الذي عاش فيه الفترة الأخيرة من عمره وكان المنزل مكونًا من ثلاثة طوابق وبه ست شقق وكان كل من الأعمام والعمات له شقة.[/font][/font]
[font=&quot]وأولاد شيخ الأزهر الشيخ سليم البشري أحد عشر ولدًا وبنتًا وبالتحديد بنتان وتسعة أولاد منهم ولد توفي في حياة الشيخ [font=&quot]وهو في [/font][font=&quot]عمر الشباب وكان أكبر أبناء الشيخ سليم البشري الشيخ طه البشري وكان أصغرهم أبي عبد الفتاح البشري، وكان أبي يعمل في القضاء المصري عام 1951 وهو رئيس لمحكمة الاستئناف ومات وهو في الثانية والخمسين من عمره وأنا أصغر أولاد أبي[/font][font=&quot]،[/font][font=&quot] وأنا رابع أربعة[/font][font=&quot]،[/font][font=&quot] فلي أخت وثلاثة أخوة وكان أغلب أعمامي مطربشين[/font][font=&quot] (أي يرتدون الطربوش)[/font][font=&quot] إلا أبي وعمي عبد الله الذي كان يعمل في الجيش ثم في ديوان الخديوي و[/font][font=&quot]كان[/font][font=&quot] أبي قد تخرج في سنة وفاة أبيه عام 1917 وكان يحب أن يعمل بالمحاماة لكن أباه لم يترك مالاً يورث [/font][font=&quot]ولم[/font][font=&quot] ي[/font][font=&quot]ت[/font][font=&quot]مكن من الحياة بغير راتب فعمل في النيابة العامة والقضاء.[/font][/font]
[font=&quot] [/font]
[font=&quot]* [font=&quot]في الطفولة المبكرة هل كان يحكي لك عن جدك سليم البشري شيخ الأزهر؟[/font][/font]
[font=&quot]** [font=&quot]لقد نشأت في بيته وكانت عماتي يكثرن من الكلام عنه وعن حياته وعن أفعاله وتأثرت بهذا جدًا حتى بد[/font][font=&quot]ا[/font][font=&quot] لي في لحظة من اللحظات عندما كبرت أن الشيخ سليم البشري كان صاحب السهم الأكبر في ترب[/font][font=&quot]يت[/font][font=&quot]ي فكنت ألبس عباءته وأنا صغير وأتدفأ بها وكان ما يزال في البيت بعض الأشياء عن سليم البشري. [/font][/font]
[font=&quot] وأهم شيء عرفته في حياتي نقلاً عنه أن قيمة الإنسان ليست في المال وليست في منصب[font=&quot]،[/font][font=&quot] [/font][font=&quot]وهو لم يترك مالاً وعزف عن المناصب طوال عمره وأُقصي عن الأزهر لأنه أصر على الدفاع عنه في مواجهة الخديوي فأقصي عنة 5 سنوات ثم أعادو[/font][font=&quot]ه[/font][font=&quot] من جديد بشروطه هو، وكان عازفاً عن الشهرة والتصوير لدرجة أن[/font][font=&quot]ه[/font][font=&quot] له صورة أو صورتان فقط ولكن[/font][font=&quot]ه[/font][font=&quot] [/font][font=&quot]كان يعتبر العلم القيمة الأساسية[/font][font=&quot].[/font][font=&quot] أما إنتاجه العلمي فله بعض الكتب وكان يد[/font][font=&quot]ّ[/font][font=&quot]رس في الأزهر حتى وفاته وقد جاوز الثمانين وكان تخصصه في علم الحديث ع[/font][font=&quot]لى[/font][font=&quot] [/font][font=&quot]المذهب المالكي.[/font][/font]
[font=&quot] [/font]
[font=&quot]* [font=&quot]ما هي المدارس التي تعلمت فيها؟ وهل التحقت بإحدى المدارس الأجنبية؟[/font][/font]
[font=&quot]** [font=&quot]تعلمت في المدرسة المصرية و[/font][font=&quot]إ[/font][font=&quot]ن كنت أتذكر [/font][font=&quot]أ[/font][font=&quot]نني التحقت لمدة شهرين أو ثلاثة بمدرسة أجنبية قبل الالتحاق بالمدارس المصرية وكانت مدرستي الابتدائية هي مدرسة الزيتون الابتدائية بحلمية الزيتون[/font][font=&quot]،[/font][font=&quot] [/font][font=&quot]أما المدرسة الثانوية فكانت في مصر الجديدة قريبة منا[/font][font=&quot]،[/font][font=&quot] والكلية كانت كلية الحقوق جامعة القاهرة وتعلمت التعليم الرسمي العادي وكانت العمائم تحيط بي من كل جانب.[/font][/font]
[font=&quot] [/font]
[font=&quot]* [font=&quot]ماذا عن الأم في حياة طارق البشري؟[/font][/font]
[font=&quot]** [font=&quot]كان والد أمي معمما[/font][font=&quot]ً[/font][font=&quot] [/font][font=&quot]أيضا وكان من خريجي الأزهر وقد عمل سنين قليلة بعد تخرجه وحصوله على العالمية ثم مكث في قريته القريبة من القاهرة قرية الدير مركز طوخ قليوبية[/font][font=&quot]،[/font][font=&quot] [/font][font=&quot]وهي أقرب للقناطر من[/font][font=&quot]ه[/font][font=&quot]ا لطوخ وكان بيننا وبينها خط السكة الحديد شبين القناطر[/font][font=&quot]،[/font][font=&quot] [/font][font=&quot]وظل في قريته حتى توفي عام 1945 يزرع بعض الأراضي التي كان يملكها وكانت لدي[/font][font=&quot]ه[/font][font=&quot] مكتبة أزهرية فيها عدد لا بأس به من كتب الأدب والشعر القديم[/font][font=&quot].[/font][font=&quot] وكنا نذهب ونقيم في بيت القرية كل أجازة صيف مع كل ما تيسر من الأجازات الأخرى[/font][font=&quot].[/font][font=&quot] ورغم أنني من أبناء المدينة إلا أن اتصالي بالقرية كان قويا في العشرين سنة الأولى من عمري لذلك أتصور إنني نشأت في فترة تكويني الأساسية بين العمامة والطربوش وبين المدينة والقرية أما الذي حاولت الأم أن تغرسه في[/font][font=&quot]ّ[/font][font=&quot] فهو كثير خاصة أن الطفل يتأثر بالقدوة أكثر مما يتأثر بالكلام الصريح[/font][font=&quot]،[/font][font=&quot] [/font][font=&quot]وأمي كانت هادئة الطبع وكانت لا تحمل بغضا أو غضبا لأحد وكنت [/font][font=&quot]أ[/font][font=&quot]شعر أحيانا حينما يستفزها أحد [/font][font=&quot]أ[/font][font=&quot]نها في غاية الغضب ولكن عندما تري من استفزها يزول كل ما في نفسها من غضب وكانت قدرتها علي الصفح شديدة جداً وكانت بسيطة وأولادها أهم شيء في حياتها وكانت واهبة ومانحة.[/font][/font]
[font=&quot] [/font]
[font=&quot]* [font=&quot]ما هي درجة قرابتك للأديب الكبير محمد فريد أبو حديد؟[/font][/font]
[font=&quot]** [font=&quot]كان محمد فريد أبو حديد [/font][font=&quot]ا[/font][font=&quot]بن عمتي وهو وأبي ولدا في عام واحد وهما أخوة في الرضاع وكانا صديقين وكنت اسميه عمي.[/font][/font]
[font=&quot] [/font]
[font=&quot]*[font=&quot]هل تزوج الشيخ سليم البشري [/font][font=&quot]ب[/font][font=&quot]أكثر من واحدة؟[/font][/font]
[font=&quot]** [font=&quot]تزوج الشيخ سليم زوجته الأولى ولم ينجب منها ثم تزوج جدتي وأنجب منها أكبر أولاد[/font][font=&quot]ه[/font][font=&quot] ثم أنجبت له زوجته القديمة أولادة الشيخ عبد العزيز البشري والشيخ أحمد البشري وعبد الله بك البشري وتوفيت زوجته القديمة قبل زوجها فضمت جدتي إليها أولاد رفيقتها أي أن أولاد الشيخ سليم البشري الأحد عشر كانوا من زوجتين.[/font][/font]
[font=&quot] [/font]
[font=&quot]* [font=&quot]كيف تقارن بين دور المرأة في هذه الأيام ودور المرأة أيام جدتك؟[/font][/font]
[font=&quot]** [font=&quot]أعباء الحياة علي المرأة في الماضي كانت كثيرة في رعاية الزوج والأبناء وإعداد البيت وأشياء كثيرة من التي نتلقاها من السوق الآن مباشرة كانت تصنع في المنازل[/font][font=&quot]،[/font][font=&quot] لذلك كانت الأعباء كثيرة وكان البيت مؤسسة وكانت العلاقات الأسرية الممتدة كثيرة[/font][font=&quot]،[/font][font=&quot] [/font][font=&quot]و[/font][font=&quot]كانت عماتي تقمن [/font][font=&quot]با[/font][font=&quot]لعمل في البيت الكبير ولكل منهن سكن مستقل وكانت رعاية الرجل لأخواته البنات أمر مفروغ منه.[/font][/font]
[font=&quot] [/font]
[font=&quot]* [font=&quot]لكن ماذا عن مرحلة الصبا وأهم العوامل التي ساهمت في [/font][font=&quot]صياغتها[/font][font=&quot]؟[/font][/font]
[font=&quot]** [font=&quot]كانت لدينا الأعداد القديمة والمجلدات الخاصة بمجلة الرسالة والهلال وكنت أتصفحها وأقرؤها وكنت أحب الشعر والأدب وقرأت الكثير لجيل الأدباء والآباء بالنسبة لنا أمثال العقاد وطه حسين ومصطفي صادق الر[/font][font=&quot]ا[/font][font=&quot]فعي ومحمد فريد أبو حديد وعبد العزيز البشري وكنت أتابع بقدر الإمكان الكثير مما يكتبون سواء كانت كتبا أو مقالات في الصحف وكنت أقر[/font][font=&quot]أ[/font][font=&quot] [/font][font=&quot]أيضا في أمور أخري[/font][font=&quot].[/font][font=&quot] وأحببت كتاب المنتخب في الأدب العربي وكان يوزع علينا في المدارس وكان كتابا جيدا في[/font][font=&quot]ه[/font][font=&quot] منتخبات من أشعار العصر الجاهلي وعصر صدر الإسلام والعصر الأموي والعصر العباسي الأول والثاني والعصر المملوكي ثم العصر الحديث.[/font][/font]
[font=&quot]وكان الذي يجمع المنتخبات هو طه حسين وأحمد أمين [font=&quot]و[/font][font=&quot]الشيخ السكندري [/font][font=&quot]و[/font][font=&quot]الشيخ عبد العزيز البشري وعلي الجارم[/font][font=&quot].[/font][font=&quot] وكان هذا الكتاب هو المقدمة التي بدأت أتعرف منها علي شعر السابقين وأدبهم وخرجت منه إلى قراءة دواوين الشعر القديمة [/font][font=&quot]ل[/font][font=&quot]لمتنبي والمعري والبحتري وحسان بن ثابت والمعلقات العشر .. الخ [/font][font=&quot]. [/font][font=&quot]وكانت قراءاتي منذ الثانية عشر إلى الخامسة عشر من هذا [/font][font=&quot]ا[/font][font=&quot]لنوع تقريبا وكان أشقائي يشاركوني نفس الاهتمامات أخي ظافر البشري وزير التخطيط [/font][font=&quot]الأسبق [/font][font=&quot]وأخي يحيي البشري رحم[/font][font=&quot]ه[/font][font=&quot] الله وأختي. [/font][/font]
[font=&quot] [/font]
[font=&quot]* [font=&quot]في المرحلة الجامعية... هل [/font][font=&quot]كان [/font][font=&quot]لديك اهتمام فكري معين؟[/font][/font]
[font=&quot]** [font=&quot]كان اهتمامي في المرحلة الجامعية بالقراءة في الأدب العربي أساسا مع قراءات [/font][font=&quot]في[/font][font=&quot] الفكر الإسلامي[/font][font=&quot]،[/font][font=&quot] [/font][font=&quot]وأتذكر أول كتاب قرأته للشيخ الغزالي رحمة الله كان عام 1951 وكان كتاب عقيدة المسلم وقرأته مرة واحدة بلا توقف فالغزالي أسلوبه فريد ولدية جذب عاطفي ويخاطب عقولنا فكان مشبوب العاطفة ذكي العقل[/font][font=&quot].[/font][font=&quot] وقد دخلت كلية الحقوق لأن أبي كان قانونيا ولأن هواي كان من هذا النوع من الدراسة[/font][font=&quot].[/font][font=&quot] وفي هذه الفترة بدأت [/font][font=&quot]أ[/font][font=&quot]طلع علي الفكر الغربي في مترجمات كما أن الدراسة [/font][font=&quot]في[/font][font=&quot] الحقوق نفسها بدأت تؤثر في[/font][font=&quot]ّ،[/font][font=&quot] وأكثر ما أحببته وأنا في كلية الحقوق كان دروس الشريعة الإسلامية[/font][font=&quot]،[/font][font=&quot] ولذلك ففي الفترة التي كنت فيها من ناحية الفكر السياسي علماني التفكير كان من الأشياء التي أبقتني مجذوبا[/font][font=&quot]ً[/font][font=&quot] [/font][font=&quot]إلى الإسلام كنظام في المجتمع والمعاملات هو شدة احترافي القانون و[/font][font=&quot]هضمي للتركيب [/font][font=&quot]الفني لأحكام الشريعة الإسلامية وللبناء الفقهي التي انجدلت منه الأحكام المستخلصة من أحكام الشرع الإسلامي في القرآن والسنة. لأنني كنت أشعر[/font][font=&quot] [/font][font=&quot]أن الشريعة الإسلامية ربانية لا يأتيها الباطل[/font][font=&quot]،[/font][font=&quot] والفقه الإسلامي المتصل المجدول من أحكامها فروعا وأصولاً من أعظم ما تفتقت عن[/font][font=&quot]ه[/font][font=&quot] العقلية الإسلامية فيما قدمته للحضارة الإنسانية.[/font][/font]
[font=&quot]وكان يوم مذاكرتي للشريعة هو يوم نزهتي وتأثرت من أساتذة الشريعة بالشيخ عبد الوهاب خلاف[font=&quot]،[/font][font=&quot] وما من كلمة قالها أو قرأتها له إلا وع[/font][font=&quot]يت[/font][font=&quot]ها وأحببت أسلوبه وتأثرت أيضاً بالشيخ علي الخفيف بعمقه وتأصيلة الفقهي.[/font][/font]
[font=&quot] [/font]
[font=&quot]* [font=&quot]لكن كيف بدأ اهتمامك بالعمل العام؟[/font][/font]
[font=&quot]** [font=&quot]تخرجت عام 1954 وكان عمري تسعة عشر عامًا ونصف العام، وبعد ذلك بتسعة أشهر[/font][font=&quot] [/font][font=&quot]عينت في مجلس الدولة[/font][font=&quot]،[/font][font=&quot] وكان أبي قد توفي قبل ذلك بسن[/font][font=&quot]ت[/font][font=&quot]ين[/font][font=&quot]،[/font][font=&quot] وفترة السنوات الثلاث أو الأربع التالية لبداية عملي كنت متفرغًا للعمل وتصورت أن الجهد الذي يمكن أن أقوم به لا يكون إلا في القانون فقط[/font][font=&quot]،[/font][font=&quot] حتى قراءاتي المتعلقة بالفكر أو الأدب أو الفلسفة كنت أتصور أنها ستكون نوعًا من أنواع الثقافات المساعدة للتخصص القانوني[/font][font=&quot] [/font][font=&quot]البحت[/font][font=&quot].[/font][font=&quot] وكان اتجاهي السياسي في هذه الفترة متعلقًا بالحركة الوطنية والاستقلال[/font][font=&quot].[/font][font=&quot] وكانت هذه هي القضية الأساسية التي تجذبني[/font][font=&quot]،[/font][font=&quot] وكانت الفترة التي شهدت نموًا في شخصيتي هي الفترة من عام 1945 إلى عام 1952 [/font][font=&quot]، [/font][font=&quot]وكان حزب الوفد في ذلك الوقت حزب حركة سياسية وكان في المعارضة وكنت أتعاطف مع هذا الموقف المعارض[/font][font=&quot]،[/font][font=&quot] ومع ذلك لم انضم إلى الوفد، فلم تكن من عاداتنا أنا وأبي وجدي الالتحاق بالجماعات والأحزاب فالفكرة الحزبية ليست من الأشياء الموجودة في تكويني وقد نفعني هذا حين عملت قاضيًا، فكان لدي استقلال في الناحية السياسية[/font][font=&quot]،[/font][font=&quot] وإن كان هذا الاستقلال لا يمكن أن يتحقق من الناحية الفكرية[/font][font=&quot]،[/font][font=&quot] فلابد أن يكون الإنسان منحازًا من الناحية الفكرية، وفي السنوات الأربع الأولى لعملي في مجلس الدولة قرأت كثيرًا بحماس شاب وصحة شاب[/font][font=&quot]،[/font][font=&quot] أوغلت في القراءة[/font][font=&quot]،[/font][font=&quot] عرفتني مكتبة محكمة النقض[/font][font=&quot]،[/font][font=&quot] ومكتبة نقابة المحامين[/font][font=&quot]،[/font][font=&quot] ومكتبة مجلس الدولة وقرأت أهم ما كتبه جيل الآباء من رجال القانون[/font][font=&quot]،[/font][font=&quot] وقرأت في المجلات القانونية المتخصصة مثل المحاماة والحقوق وكنت أعالج الموضوعات التي تأتي لي في العمل معالجة تهتم بالعمق النظري والقراءات الخارجية.[/font][/font]
[font=&quot] [/font]
[font=&quot]* [font=&quot]كيف كان اختيارك لطريق العلمانية؟ وكيف تحولت من العلمانية إلى الإسلام؟[/font][/font]
[font=&quot]** [font=&quot]بعد تخرجي ونتيجة لقراءات[/font][font=&quot]ي[/font][font=&quot] كانت علاقتي بالعلمانية أنني أقر[/font][font=&quot]ؤ[/font][font=&quot]ها بدون أن أعاديها لكن الكتابات العلمانية الفجة أو المغالية كنت أشعر بشيء من الغضاضة نحوها، ولم يكن في ذهني أن هذا ضد الإسلام[/font][font=&quot].[/font][font=&quot] والخصومة مع العلمانية لم تكن حادة وواضحة إلى هذا الحد الذي هو قائم الآن[/font][font=&quot].[/font][font=&quot] وقويت قراءاتي باللغة الإنجليزية وكان لدى إلمام بالتاريخ الأوروبي السياسي وبحركات السياسة الموجودة[/font][font=&quot]،[/font][font=&quot] وتعمقت هذه المعرفة بالتكوين الفكري الفلسفي [/font][font=&quot]و[/font][font=&quot]الاقتصادي وخرجت من مجموع هذه القراءات علماني الفكر السياسي، وقد صاحبتني هذه الفترة في حياتي لمدة عشر سنوات من عام 1960 حتى عام 1970 وأبرز قراءاتي كان[/font][font=&quot]ت[/font][font=&quot] في الفكر السياسي الغربي و[/font][font=&quot]في [/font][font=&quot]حركات السياسية الغربية و[/font][font=&quot]في [/font][font=&quot]حركات الاشتراكية وتجارب ثورات العالم[/font][font=&quot]،[/font][font=&quot] وكانت أيامها حركات التحرر في العالم منتصرة ودول عدم الانحياز قوية، وبدأت كتاباتي في الحركة السياسية وبدأت أكتب في مجلة الطليعة ككاتب عام 1964- 1965[/font][font=&quot]، [/font][font=&quot]والنشر في هذه الفترة كان متقطعًا ومحد[/font][font=&quot]و[/font][font=&quot]داً كما هو حادث الآن[/font][font=&quot]،[/font][font=&quot] وكتابي الحركة السياسية بمقدمته يوضح كيف كنت أفكر، فكان تفكيري تفكيرًا وطنيًا [/font][font=&quot]فيه[/font][font=&quot] فكرة الاشتراكية قوية من حيث [/font][font=&quot]أ[/font][font=&quot]نها عدالة اجتماعية ومن حيث أنها بناء وطني مستقل من الناحية الاقتصادية والسياسية.[/font][/font]
[font=&quot]وإذا نظرنا في الصلة بين الفترتين السابقة وهذه الفترة نجد أن تفكيري في الناحية السياسية بدأ بفكرة الاستقلال الوطني السياسي لكنه متصل بحركة استقلال عالمية وبوحدة عربية وبحركة بناء اقتصادي مستقل وقوي في الداخل[font=&quot]،[/font][font=&quot] ففكرتا الاستقلال السياسي والاقتصادي أصبحتا مندمجتين ولم يكن في ذهني بعد العنصر الثالث وهو الاستقلال العقيدي[/font][font=&quot].[/font][font=&quot] كنت علمانيًا قحًا في الفكر السياسي لأنني أكره التضارب والخلط وكان لدي فكر إسلامي في أمور ثلاثة رئيسية هي معرفتي بالفقه والفقه يقودني إلى الشريعة وهذا الأمر بقي لي كأساس مهني واحترام بالغ لدور الفقهاء الإسلاميين وقدرتهم غير العادية كنسق قانوني[/font][font=&quot]..[/font][font=&quot] [/font][font=&quot]والأمر الثاني [/font][font=&quot]ي[/font][font=&quot]تعلق بالرزق الذي ظل دائمًا في قلبي وعقلي[/font][font=&quot] أنه[/font][font=&quot] يتعلق بقدر الله سبحانه.. ولم أشعر أني أعمل العمل العام مقابل أجر وإنما على أساس أنه واجب والأجر هو رزق يأتيني من عند الله[/font][font=&quot] ..[/font][font=&quot] والأمر الثالث هو الصحة والموت وأنهما أمر مرهون بقدر الله.[/font][font=&quot][/font][/font]
[font=&quot] [/font]
[font=&quot]* [font=&quot]هل كانت هناك محطة تاريخية معينة وراء دخولك باب العمل العام والمشاركة السياسية؟[/font][/font]
[font=&quot]** [font=&quot]اعتقد أن حرب 1956 نقلتني نقلة غير عادية في حياتي لأن تأميم قناة السويس والأزمة الدولية الكبيرة التي حدثت ثم الغزو الثلاثي كل ذلك فعل بي الأفاعيل وصرت أشعر أن ما أصنعه يمكن بعمل عسكري واحد أن يتغير بل ويتغير المجتمع وينقلب ويتحول كل السياق التاريخي[/font][font=&quot]،[/font][font=&quot] فكل ما نصنعه نضعه على أرض يمكن أن تتغير بعمل عسكري واحد وهذا ما أدخلني إلى السياسة بمعناها الحديث وليس مجرد الحركة الوطنية والاستقلال[/font][font=&quot]،[/font][font=&quot] فقد دخلت إلى مشكلتين الأولى سألت نفسي هل أنت رجل قانون فقط وتريد أن تكون كذلك فقط؟ أم أن هناك مجالات أخرى في المجتمع تنادي من لديه إمكانية أن يتقدم؟ ولأول مرة تطرح لدي فكرة المشاركة في الشأن السياسي وشعرت بأنني سأكون آثمًا لو لم أفعل، لأننا مواطنون ثم مهنيون، والاقتصار على المهنة فيه تفريط في حق الوطن ولكي أصل إلى هذه الصيغة كنت [/font][font=&quot]أ[/font][font=&quot]نقل نفسي من حال إلى حال[/font][font=&quot]،[/font][font=&quot] ومن عاطفة إلى عاطفة، فكان الأمر نقلة قلبية وعاطفية وفكرية ونقلة في الاعتياد تأخذ وقتًا وقلقًا[/font][font=&quot]،[/font][font=&quot] وبدأت أعزز مكتبتي بالكتب الحديثة عن الفكر السياسي والحركات السياسية وعن التاريخ على مدى شهور طويلة وسنوات ولم يحسم هذا الأمر بين يوم وليلة وإنما أخذ مدى حتى عام 1958.[/font][/font]
[font=&quot] [/font]
[font=&quot]* [font=&quot]لكن ما هي المحطة التاريخية والنقطة الفارقة التي جعلتك تنجذب ناحية الإسلام؟[/font][/font]
[font=&quot]** [font=&quot]إذا كانت حرب 1956 جعلتني أقف وأفكر فإن حرب وهزيمة 1967 جعلتني أفكر مرة أخرى لأسال نفسي عن مسلماتي وسألت نفسي من أين أتت الهزيمة، هل لأن الاستعمار ضربنا؟ أم لأننا كانت لدينا قابلية لذلك، ولم أكن أش[/font][font=&quot]ك[/font][font=&quot] في وطنية عبد الناصر. ومن هذه النقطة بدأت أفكر في كتابي الحركة السياسية وبدأت قراءاتي تختلف وبدأ فكري يختلف وبعد أن كان الاهتمام بالأدب العربي ثم الأدب الأجنبي والمسرح والقصة فقد[/font][font=&quot]ت[/font][font=&quot] اهتمامي بالمتابعة الأدبية وأصبحت أشعر أنها لا تغذيني ولا تجيب على الأسئلة التي في ذهني وبدأت [/font][font=&quot]أ[/font][font=&quot]سأل نفسي: من نحن؟ [/font][font=&quot]إ[/font][font=&quot]ننا نريد أن نستقل، أي أن تكون إرادتنا السياسية ملكًا لنا[/font][font=&quot]،[/font][font=&quot] وإذا أردنا ذلك فعلينا أن تكون لقمة عيشنا ملكًا لنا أيضا، ولكن قبل ذلك هناك مجموعة من العقائد وشعور الجماعة بتميزها وبترابطها وبإحساسها بالانتماء المشترك، لكن من أين يأتي هذا؟ أنه يأتي من الجانب العقيدي والتاريخي والحضاري والصيغة العلمانية لم تعطه حقه[/font][font=&quot].[/font][font=&quot] [/font][font=&quot]إ[/font][font=&quot]ن العلمانية حينما تقول لي استقل سياسيًا واقتصاديًا تفقدني الهوية التي بها استقل وتفقدني إرادة الاستقلال[/font][font=&quot]،[/font][font=&quot] فاستقلالي هنا لا يكون بإرادة استقلال حقيقية[/font][font=&quot]،[/font][font=&quot] ومن هنا بدأت استعادتي لهويتي وبد[/font][font=&quot]ا[/font][font=&quot] لي الفكر العلماني في مأزق لأنه يؤدي إلى تجريد الإنسان من هويته المرتبطة بعقيدته وحضارته[/font][font=&quot]،[/font][font=&quot] بالإضافة إلى أنها مناقضة لقيم الديمقراطية لأن الديمقراطية في النهاية تكوينات شعبية لها استقلالية ذاتية في إدارة شئونها الخاصة وانصياع لحكم الغالبية من الناس الذين قد اختاروا الموقف الديني والموقف العقائدي أساسًا لرؤيتهم ودنياهم.[/font][/font]
[font=&quot]وكانت قمة استعادتي لهويتي الإسلامية رحلة الحج التي قمت بها عام 1983 ولم أسافر للحج إلا بعد أن وجدت نفسي خلصت لهذا الأمر و[font=&quot]أ[/font][font=&quot]عدت بنائي الفكري والسلوكي على أساس إسلامي.. وقد أخذ مني ذلك وقتًا كبيرًا حتى أسافر وأنا نظيف وهناك شعرت كأنني خرجت من جاذبية كوكب معين إلى جاذبية كوكب آخر وحينما رأيت الكعبة سألت نفسي: من الذي آتى بي إلى هنا؟ وشعرت بهداية الله وتذكرت قوله تعالى: [/font][font=&quot][[/font][font=&quot]ثم تاب عليهم ليتوبوا[/font][font=&quot]][/font][font=&quot].[/font][/font]
 

إسلام علي

عضو معروف
إنضم
15 مارس 2005
المشاركات
12,013
مجموع الإعجابات
1,842
النقاط
113
* طارق البشري
Satellite
البشري • المادة الثانية تحقق المساواة
• أصل المادة الثانية ومنشؤها
• معنى دين الدولة الرسمي: الإسلام
• هل صارت مصر إسلامية بقرار السادات؟
• النصوص يفسر بعضها بعضًا

هذا الحديث يتوجه في الأساس إلى المواطنين الذين تُهمهم مسألة التحقق الأمثل للمساواة بين المواطنين في عيشهم المشترك‏، وإن اختلفت أديانهم‏.‏ وهو ليس موجّهًا في الأساس إلى من يتخذون موقف المعارضة الفكرية لدخول الشأن الديني في شئون الحياة الدنيوية‏ نظمًا ومعاملات‏.‏
المادة الثانية تحقق المساواة
في تصوري أن المادة ‏2‏ من الدستور الحالي لازمة بصيغتها الحاضرة لتحقِّق الإسناد الشرعي الإسلامي لمبدأ المساواة التامة بين المواطنين المسلمين والمسيحيين في تولي الوظائف العامة، والمشاركة الكاملة في ممارسة الولايات العامة ، وفي تولي المناصب ذات الشأن العام‏ في قيادات الأعمال والقضاء والإدارة وغير ذلك‏.

وتنص المادة ‏2‏ من الدستور على أن‏:‏ الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع‏.‏ وهذا النص الوارد في صدر أحكام الدستور يستفاد منه أنه يشكل مرجعية إسلامية لكل المبادئ الواردة بالدستور المتعلقة بالمساواة وبحقوق المواطنين وغير ذلك‏.‏

وإن مبدأ المواطنة يجد دعامته المستقاة من أحكام الشرع الإسلامي بموجب المادة ‏2‏ هذه‏، وهو يستبعد أي زعم بأن مبدأ المساواة بين المواطنين متعارض مع الشرع الإسلامي، وأنه مبدأ لا يمليه إلا الفكر الوضعي المنفصل عن الدين‏، ومن ثم فهو يقيم بناء المواطنة بعيدًا عن التوترات العقيدية‏.‏
ونحن نريد أن يتداخل بعضنا في بعض، لا أن ينفصل بعضنا عن بعض، ومما يهيئ لهذا التداخل أن تتداخل المفاهيم الطيبة بعضها في بعض، مثل: الدين والمواطنة، لا أن تتصارع ويقف بعضها دون بعض‏.‏
ومن جهة أخرى، فإن فكرة المساواة بين المسلمين وغيرهم من أهل الكتاب في بلادنا كانت متحققة في غالب الفقه الإسلامي بالنسبة للحقوق الخاصة والفردية، بموجب أن لهم ما للمسلمين، وعليهم ما عليهم، إنما كانت تقوم المشكلة في الفقه الإسلامي فيما يتعلق بالولايات العامة، أي الحق في تولي مناصب الدولة في الوظائف القيادية ذات القرار، سواء في القضاء أو الإدارة أو غيرهما، وهذه ما كانت تحتاج إلى اجتهاد فقهي يوطئ من أكنافها في إطار المواطنة، وما انبعث في مجتمعاتنا الحديثة من تكوينات سياسية أنشأتها حركات الاستقلال الوطني والمقاومة الوطنية التي تشارك فيها المسلمون والمسيحيون من أهالي بلادنا‏.‏ فحق للجميع أن يقيموا جماعاتهم السياسية طبقًا لهذا المفهوم، وأن يجتهدوا في البحث عن إمكانيات الفقه الإسلامي في هذا الشأن، مستقًى من مرجعيته الشرعية ومطبقا على الواقع المعيش‏.‏
ويقوم الاجتهاد الفقهي في هذا الشأن على أن مناصب الولاية العامة التي كان الفقه الإسلامي التقليدي يشترط فيمن يتولاها أن يكون مسلمًا، هذه المناصب لم تعد الوظائف التي تتولاها بيد أشخاص ولا أفراد كما كان الشأن قديمًا، إنما صارت إلى هيئات جماعية‏.‏ وذلك بفعل تطور أساليب الإدارة وتقسيم العمل وتوزيعه وحلول القرارات الجماعية محل القرارات الفردية، فمن يدير أي شأن لم يعد فردا واحدا، إنما صار هيئة وإدارات، ومن يحكم في الدعوى ليس قاضيا فردا إلا فيما قل شأنه، إنما صار هيئة من ثلاثة قضاة أو خمسة مثلا، ومن يصدر التشريع ليس فردا إنما مجلس يتكون من مئات الأفراد يجتمعون ويصوتون، ويؤخذ القرار بالأغلبية، وينسب إلى الهيئة كلها لا لأشخاص من أيدوه‏..‏ وهكذا‏.‏ وصار الأفراد الذين تتكون منهم أية هيئة من هذه الهيئات هم مجرد مشاركين في الرأي‏.‏ والمعروف أن الفقه التقليدي يقبل أن يكون غير المسلمين مشاركين في الرأي،‏ وقد صار الجميع كذلك مسلمين وغير مسلمين‏.‏
بهذا النظر تبقى مسألة واحدة من ناحية الفقه الإسلامي، وهي: هل يكون للهيئة دين كما أن للأفراد دينا؟‏ وكيف يتأتى للهيئة أن تمارس دينها‏؟ والحال أن الأفراد يمارسونه بذكر الشهادتين وإقامة العبادات والانصياع لأوامر الدين ونواهيه‏.‏ وهنا نجد الإبداع الفكري والفقهي الذي قام به الشيخ محمد بخيت المطيعي المفتي الأسبق للديار المصرية، عندما اقترح على لجنة إعداد الدستور المصري لسنة ‏1923‏ بأن ينص فيه على أن دين الدولة هو الإسلام‏.‏ وأقر بذلك معه أهل جيله كله من الفقهاء بأن يكون للهيئة دين، وأن الدين ليس من خصائص الإنسان فقط، إنما يمكن أن يكون للهيئات التي تنظم أمور البشر وتدير شئونهم وتتكون منهم‏.‏
ما دام ذلك كذلك، فكيف يكون للهيئة دين، وهي بوصفها المعنوي لا تصلي ولا تصوم‏...‏ إلخ؟ الجواب على ذلك بأن دين الهيئة هو مرجعيتها، وهو الأصل المرجوع إليه فيما يصدر عنها من نشاط، ومدى التزامها بهذا الأصل بحسبانه موردا لها‏.‏ وما دامت الهيئة مرجعيتها إسلامية فقد صارت الولاية بها إسلامية في الفقه الإسلامي، وإن تشارك فيها مسلمون وغير مسلمين‏.‏
بهذه الطريقة تكون المادة ‏2‏ من الدستور لازمة بنصها الحالي وبصيغتها هذه لكي يقوم السياق النظري من داخل الفقه الإسلامي بما يحقق المساواة بين المواطنين المسلمين والمسيحيين في المشاركة واتخاذ القرارات في شأن الولايات العامة‏.‏ وما دامت نصوص الدستور -مع تأكيدها على إسلامية الدولة- قد أكدت أيضا على حقوق المساواة بين المواطنين جميعا، فهي تكون اعتمدت -من وجوه النظر المختلفة في الفقه الإسلامي‏-‏ وجهة النظر المؤكدة على المساواة بين المواطنين، مع الإقرار بأنه نظر يسعه الفقه الإسلامي، ولا يشوب دين الدولة ومصدريتها التشريعية‏.‏
وبذلك فإن المساس بنص المادة‏ 2‏ من الدستور هو مما يفقد هذا التسلسل المنطقي النظري معناه، وسيضيق كثيرا من القدرة على أن يستمد من داخل الفقه الإسلامي الأساس الداعم للمساواة والمشاركة بين المسلمين والمسيحيين في بلادنا‏.

لذلك أرجو من الحريصين على تأكيد مبدأ المساواة أن ندعمه بكل الإمكانات الفكرية، وأن نقيمه لدى المؤمنين بالإسلام على أسس تصدر من مرجعيتهم،‏ وأن المساواة تؤدي إلى الاندماج، أما من كان يقصد من تعديل هذه المادة إضعاف إسلامية الدولة، فإن نص المادة الثانية المذكورة هو كاشف عن واقع استتباب الإسلام لدى المسلمين في مصر وليس منشئا له طبعا‏.‏ ولن يغير التعديل واقعا، ولكن يثير حفيظة ويعمق جرحا، ويقيم تناقضا على المدى الطويل، تناقضا ليس بين المواطنين المسلمين والمسيحيين، ولكنه تناقض بين مبدأ المرجعية الإسلامية ومبدأ اللادينية السياسية‏.‏
أصل المادة الثانية ومنشؤها
من أين ظهرت المادة ‏2‏ من الدستور؟‏ إن أصلها الدستوري يرد من المادة ‏149‏ من دستور مصر في سنة ‏1923‏ الذي استمر معمولا به حتى‏ 1953‏، وهي المادة الأولى من الباب السادس من الدستور وعنوانه: أحكام عامة، ونصت على أن الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية‏.‏ وكانت شكلت لجنة وضع هذا الدستور في أبريل سنة ‏1922‏ من ثلاثين عضوا، عدا رئيسها حسين رشدي باشا رئيس الوزارة السابق ونائب رئيسها أحمد حشمت باشا وزير المعارف السابق، وكان أعضاؤها الثلاثون من النخب السياسية العليا ذات الاتصال الوثيق بالحكم ورجاله، وهم إما من رجال السياسة المتصلين بالملك، وإما من رجال حزب الأحرار الدستوريين، وهم جلهم من ذوي التعليم والثقافة غير التقليدية، وليس فيهم من يمكن أن يكون ممثلا لما نسميه اليوم بالتيار السياسي الإسلامي، وجلهم ذوو تعليم حديث ونزوع ثقافي آخذ من الفكر الوافد ومدارسه ، مثل: علي ماهر، وعبد اللطيف المكباتي، وعبد الحميد بدوي، ومحمد علي علوبة، وعبد العزيز فهمي، وإبراهيم الهلباوي، وفيها من ذوي الثقافة والتعليم الديني الشيخ محمد بخيت المطيعي المفتي الأسبق، والسيد عبد الحميد البكري شيخ الطرق ونقيب الأشراف، والشيخ محمد خيرت راضي، كما كان فيها من المسيحيين يوسف سابا باشا، وقليني فهمي باشا، وإلياس عوض بك، وتوفيق دوس بك، كما كان عضوا بها الأنبا يؤانس نائب البطريرك وقتها، وهو من تولي البطريركية عقب وفاة الأنبا كيرلس الخامس في سنة ‏1927‏، واستمر بطريركا بضع عشرة سنة حتى وفاته، كما كان فيها يوسف أصلان قطاوي باشا من اليهود‏.‏
وتذكر مضابط أعمال اللجنة أن لجنة وضع المبادئ اقترح عليها الشيخ محمد بخيت في ‏19‏ مايو سنة ‏1922‏ أن ينص الدستور على أن دين الدولة الرسمي الإسلام، فطرح الرئيس حسين رشدي باشا الاقتراح للتصويت فتقرر بالإجماع قبوله‏..‏ ولما تلا النص في اللجنة العامة في ‏14‏ أغسطس ‏1922‏ قررت الهيئة الموافقة عليه بالإجماع، وتلا نص المادة بجلسة ‏3‏ أكتوبر ‏1922‏، فوافقت الهيئة عليه بالإجماع، ومعنى ذلك أنه بمجرد اقتراح هذا النص ووفق عليه بالإجماع بغير تحفظ ولا مناقشة، وبغير أن يظهر أنه أثار حرجًا أو قلقًا أو عنتًا، وذلك في جو فكري يفوح في فكره عبير الليبرالية ، والإجماع يشمل هنا أعضاء اللجنة غير المسلمين، وهم يبلغون نسبة تشارف ‏20%‏ من العدد الكلي، وأن من يطالع أعمال هذا الدستور إبان إعداده في داخل اللجنة أو في خارجها على صفحات الصحف، يعرف إلى أي مدى كُفل لإعداده جو من حرية التعبير ومناقشة سلطات الملك والشعب والتمثيل النسبي لغير المسلمين وغير ذلك، كفل له من ذلك ما يكشف عن أن الرضاء الذي قوبل به نص دين الدولة كان يفيد القبول الأوسع والأشمل‏.‏
لقد كان الجميع على وعي بأنهم بصدد وضع دستور يصوغ التوجه الأساسي للدولة الحديثة بمصر، ويحدد المبادئ التي ترسم هويتها الحضارية، لذلك انتهوا إلى أن دين الدولة الرسمي الإسلام ولغتها الرسمية اللغة العربية قولا واحدا لم يكن بحاجة إلى جدل، وهو تقرير لأمر واقع‏.‏
والحاصل بعد ذلك، أن هذا الحكم الدستوري ظل مرعيًّا ضمن التراث الدستوري الأصيل للدولة المصرية على مدى القرن العشرين، وكل دستور كامل صدر في مصر أورد هذا النص بهذا الحكم، دستور‏1930 (‏استمر نحو خمس سنوات ثم عاد دستور ‏1923)‏ ودستور‏1956‏ في عهد ثورة ‏23‏ يوليو ‏1952، ودستور ‏1964‏، ودستور‏1971.‏ ولم يشذ من ذلك إلا دستور ‏1958‏ في عهد وحدة مصر مع سوريا؛ لأنه لم يكن دستورا مكتملا، بدليل أن مجلسه النيابي كان بالتعيين من رئيس الجمهورية من بين أعضاء مجلس البرلمان المصري والسوري، وقد زال بانفصال سوريا في‏1961.‏
وإن دلالة استمرار النص على دين الدولة الرسمي الإسلام عبر الدساتير المختلفة دلالة مهمة جدًّا؛ لأن مقارنة هذه الدساتير بعضها ببعض تكشف عن أنه لم يكن ثمة نظام دائم لمصر على هذا المدى،‏ فيما عدا الإقرار بعدد من المسلمات؛ منها أن دين الدولة الرسمي الإسلام‏.
كانت هذه الدساتير تتراوح بين النظام الملكي والنظام الجمهوري، وتتراوح بين الملكية المستبدة ‏(1930م)‏ والملكية البرلمانية ‏(1923)‏، وتتراوح في النظام الجمهوري بين النظام الرئاسي والنظام القريب من البرلماني، وتتراوح بين نظام الحزب الواحد ونظام تعدد الأحزاب، وتتراوح بين النظام الاشتراكي القائم على تقييد الملكية العامة وبين النظام الرأسمالي الذي يطلق حرية الملكية الخاصة، وبين...‏ وبين... إلخ.
ولكن بقيت اللغة عربية والدين الإسلامي،‏ وهذا يكشف وجه الثبات الذي لا يوجده الدستور، ولكنه لا يملك إلا أن يعترف به، ويكشف عن أنه نص حاكم لغيره وليس محكومًا بغيره، والمعنى هنا يستفاد بالاستقراء العلمي للتجربة التاريخية للأمة ودولتها‏.‏
معنى دين الدولة الرسمي الإسلام
معنى أن يكون دين الدولة الرسمي الإسلام أن تكون مرجعيتها الفكرية إسلامية، وأن تكون هذه المرجعية الإسلامية إنما تترجح من داخلها الآراء والاجتهادات لما أورده الدستور من مبادئ أخرى تتعلق بالمساواة والحقوق والحريات، وذلك كله في إطار ما تسعه المرجعية الشرعية وما تتقبله بأي من وجوه الاجتهاد الفقهي المعتبر مما يلائم أوضاع الزمان والمكان وتغير المصالح العامة للأمة‏.‏
ومعناه أيضا أن يكون النظام العام الذي تشير إليه القوانين مشمولاً بهذه المبادئ والقيم، وما تتوافق عليه الجماعة‏.‏ وسنلاحظ تاريخيًّا أن النص على أن الإسلام هو الدين الرسمي للدولة، إنما يتضمن إقرارا بأن تكون مبادئ الشريعة الإسلامية هي مصدر التشريع، ومصدرية التشريع تعني مرجعيته، وتشير إلى المورد الذي تستقي منه الأحكام‏؛ لأن دين الهيئة إنما يعني مصدريتها، وإلا كان النص لغوا‏.‏
والحاصل أنه لما وضع هذا النص في دستور ‏1923، لم يظهر سريعا هذا المعنى المستفاد صراحة، أو لم يظهر ظهورا كاملا؛ لأن استقلال مصر الذي عبر عنه هذا الدستور كان استقلالا منقوصا، فهو استقلال يصدعه الوجود العسكري البريطاني في مصر، وينعكس في إرادة سياسية أجنبية استعمارية، كما كان يصدعه وجود الامتيازات الأجنبية‏.‏ فلم تكن مصر مكتملة السيادة فيما تصدر من تشريعات لا تطبق على الأجانب إلا بموافقة المحكمة المختلطة، ولم تكن مكتملة السيادة القضائية لانحسار سلطة القضاء المصري الوطني عن الأجانب كلهم، وعن كل المنازعات التي يكون الأجنبي طرفا فيها، حتى لو كانت منازعات ضد المصريين أو ضد حكومة مصر‏.

لذلك لم يمكن أن ينعكس حكم هذا النص على الواقع التشريعي سريعا، ولم يتحقق الاستقلال التشريعي لمصر إلا بعد إبرام اتفاقية منترو في ‏1937‏ التي أنهت الامتيازات الأجنبية، ولم تنته المحاكم المختلطة طبقًا لهذه الاتفاقية وتسترد مصر سيادتها القضائية كاملة إلا في ‏1949.‏
ومع بدء الاستقلال التشريعي بدأت في مصر مرحلة إعداد مجموعات من التشريعات، كان أشهرها طبعا القانون المدني الذي استغرق العمل فيه بضع عشرة سنة حتى صدر في ‏1948‏، وبدأ تطبيقه مع إلغاء المحاكم المختلطة في أكتوبر ‏1949.‏ وكان نص مادته الأولى أنه عند غياب النصوص التشريعية يرجع القاضي إلى العرف، فإن لم يجد لجأ إلى مبادئ الشريعة الإسلامية، فإن لم يجد لجأ إلى القانون الطبيعي وقواعد العدالة‏.‏ ويتعين ألا نفهم خطأ من تقديم القانون المدني للعرف على الشريعة الإسلامية أنه تفضيل له عليها؛ لأن من يعرف مصر يعرف أنه لا يقوم بها عرف معترف به من الناس، ومعترف بالالتزام به بينهم، لا يقوم عرف بها ويكون مخالفا لمبادئ الشريعة الإسلامية‏.‏
ونحن نلحظ أن من أعاد الفاعلية للكثير من أحكام الشريعة في الدراسات المقارنة ومن طالب بها هم مجموعات من الفقهاء المحدثين وعلماء القانون، وعلى رأسهم الدكتور عبد الرزاق السنهوري؛ ذلك لأنه ليس هناك أجدر من هؤلاء معرفة بعمق الفقه الإسلامي ومبادئه القانونية وقدرته بمناهجه التفسيرية على التجدد‏.‏ وهؤلاء في غالبهم هم من خريجي كليات الحقوق التي لم تكن لها صلة عضوية بالأزهر الشريف، ولم يكن بها من الأزهريين إلا الأعلام الذين يدرسون الفقه الإسلامي، بحسبانه مادة واحدة في كل سنة، والغالبية من الأساتذة هم ممن درسوا الفقه الفرنسي بمصر وفرنسا،‏ فلم يكن من هؤلاء من يسمى الآن بالتيار الإسلامي أو التيار السياسي الإسلامي‏.‏
وأنا أذكر أن من هؤلاء الأساتذة الذين درسنا على أيديهم الدكتور شفيق شحاتة، وهو فقيه قبطي مصري، كانت دراساته غاية في العمق، وكانت كتاباته في القانون المدني شديدة التأثر بالفقه الإسلامي، وبعد سنوات عرفنا أن رسالته للدكتوراة كانت عن نظرية الالتزامات في القانون المدني على المذهب الحنفي، وكان الأستاذ المشرف عليه هو فضيلة الشيخ أحمد إبراهيم‏.‏
فالشريعة الإسلامية فيها جانب ديني عند المسلم، وهي عند المسيحي فقه وأحكام ووجهات نظر‏.‏ ومنذ الثلاثينيات من القرن العشرين اعترفت المجامع الفقهية الدولية بها باعتبارها من المدارس في الفقه العالمي‏.
هل صارت مصر إسلامية بقرار السادات؟
إن العرض السابق يظهر بجلاء أن المادة ‏2‏ من دستور ‏1971‏ لم يضعها الرئيس السادات من عنده ليكسب شعبية زائفة،‏ ولا كانت مجرد نص مصطنع ليدغدغ به عواطف الجهلة‏.‏ والنص موجود من ‏1923‏ بإجماع واضعيه، وباق أيضا باستقراء تاريخي كامل، وهو أثبت من غيره إطلاقا‏.‏ وهو ليس نصا يقوم به حزب أو جماعة سياسية من أجل الانتشار ودغدغة العواطف، ودين الدولة الإسلام يقتضي بذاته الجزم بمصدرية الشريعة الإسلامية للتشريع، وإلا كان النص لغوا، وليس يصح في الأذهان أن يكون أثبت نص في الدستور هو ما يوصف بكونه لغوا،‏ ولا يصح في الأذهان قط أن يقال: إن المجتمع المصري عرف الشريعة الإسلامية مصدرا للتشريع منذ اعتلاء السادات أريكة حكم مصر في ‏1971‏، وإنه عرف الشريعة بوصفها المصدر الرئيسي للتشريع منذ شهر مايو سنة ‏1981‏ بالتعديل الدستوري الذي أدخله السادات‏.‏ والسؤال العجيب هو‏:‏ هل صارت مصر إسلامية بقرار من الرئيس السادات ولم تكن كذلك قبله؟


أنا لا أجحد حقيقة أن الرئيس السادات إنما أراد بهذا النص أن يؤلف قلوب المصريين؛ ليتمكن من تعديل الدستور بما يتيح له الترشيح للرئاسة لأكثر من مدتين، ولكن هذا لا يعني أن مصدرية الشريعة الإسلامية كانت أمرا غير وارد ولا مهم،‏ بل إن محاولته استغلال هذا الهدف الشعبي العام لتحقيق مصلحة ذاتية له في أمر آخر إنما هو إقرار بأهمية هذا الهدف العام، وإلا لما كان سانحا له أن يؤلف به القلوب‏.‏
ونحن نعرف في مناهج تحليل الأحداث التاريخية أن الحدث التاريخي أو الحدث العام الذي يشمل أو يؤثر في جماعة كبيرة يندر أن يكون له سبب وحيد، إنما هي مجموعة من الأسباب تتجمع لإحداثه بأثره البعيد، وفي وقت محدد بعينه، وفي مكان معين‏.‏ هناك ما يمكن أن نسميه وعاء السببية لهذا الحدث، أو مجموعة الأسباب المحدثة له.‏ ونقول أيضا: إن أمرا حدث عندما توافرت أسبابه وانتفت موانعه؛ لأن السبب عندما يتوافر يمكن أن يبطله مانع معاصر له أو لاحق عليه‏.‏ وتتراوح الأسباب بين الجوهري والثانوي، وبين العام والخاص، وكل ذلك يؤثر في تشكيل الحدث، وفي أنواع الآثار التي تترتب عليه‏.‏
فمثلا، اشتعال الحرب العالمية الثانية في سبتمبر ‏1939، وهي الحرب التي استمرت على نطاق العالم لمدة ست سنوات، وحطمت مدنا ودولا، وقتلت عددا من البشر يتراوح بين ‏32‏ و‏60‏ مليون شخص، حسب اختلاف التقديرات‏.‏ هذه الحرب يمكن أن يقال: إن سببها هو احتلال هتلر زعيم ألمانيا النازية وقتها لميناء دانزج التابع لبولندا رغبة في التوسع والمجد الذاتي للزعيم الدكتاتور، ويمكن أن يقال: إن سببها أن هذا الميناء متنازع عليه تاريخيا بين ألمانيا وبولندا، ويمكن أن يقال: إن ألمانيا كانت تثأر لنفسها مما فرض عليها من هزيمة في الحرب العالمية الأولى ‏(1914‏ـ ‏1918)، ويمكن أن يقال: إنه صراع عالمي بين الدول الاستعمارية الكبرى حول إعادة تقسيم العالم إلى مناطق نفوذ بينها حسب قوتها المتغيرة‏.‏ وكل هذه الأسباب صحيحة، وإن تجمعها بين سبب خاص وسبب عام هو ما أدى إلى حدوث الحرب في وقت معين ومكان محدد، وشمولها للعالم واستمرارها سنوات‏.‏
ومثلا النحاس باشا رئيس الوزارة الوفدية بمصر ألغى معاهدة ‏1936‏ بين مصر وبريطانيا، وذلك في أكتوبر سنة‏1951، وكان ذلك استجابة لمطلب شعبي وطني شامل، كما كان استجابة لتراث الوفد الوطني وقتها، كما كان من شأنه أن يقوي وزارة الوفد ضد مؤامرات القصر الملكي ويضعف المعارضة الشعبية ضدها‏..‏ وكل هذه الأسباب صحيحة، وإن تجمعها هو ما قام به الحدث من وزارة معينة في تاريخ محدد، وامتد أثره من بعد فيما لا وجه لتكراره الآن‏.‏
وبالمثل فإن نص المادة ‏2‏ من دستور‏ 1971 هو أولا سار على نهج سوابقه فيما يتعلق بأن دين الدولة الرسمي الإسلام، ونص على مصدرية الشريعة الإسلامية، وهو حكم لا يزيد عن كونه تطبيقا؛ لأن دين الدولة الإسلام، لأن الدين هو المرجعية أو المصدرية، والسادات أراد أن يؤلف قلوب المصريين لنفسه بأن يستجيب لمطلب لديهم له هذه الأهمية‏.‏
النصوص يفسر بعضها بعضًا
نقطة أخيرة أختتم بها حديثي، فنحن عندما نفسر أي قانون ونستقرئ أحكامه لا ننظر إلى كل نص فيه على حدة، نحن نتفهم كل حكم بما يعنيه، ثم نضع أحكام القانون كلها جنبا إلى جنب؛ لأن كل نص إنما يحد من إطلاق غيره، ولأن المعنى المستفاد من أي نص إنما يتداخل في المعاني المستفادة من النصوص الأخرى، ولأن السياق هو الذي يضبط المعنى ويظهر وجه التفسير، واللفظ الواحد يتكشف معناه من موضعه في الجملة، والحكم الواحد تتكشف حدود معناه وضوابطه من موضعه من الأحكام الأخرى، وهذا ما يطلق عليه تعبير: النصوص يفسر بعضها بعضا‏.‏
وطبقًا لهذا المفاد فإن وجود نص المادة الثانية من الدستور بين نصوص هذا الدستور وبين الأحكام الأخرى المتعلقة بالمساواة بين المواطنين، وإن اختلفت أديانهم أو مذاهبهم، إنما يجعل حكم الدستور دائرا في تفسير كل نص ما يفضي به النص الآخر، ومن ثم يكون ملزما -من وجهة النظر الدستورية في تفسير مصدرية الشريعة الإسلامية للقوانين- أن يكون ما هو دستوري من هذه المصدرية ما يتجانس مع مبادئ الدستور الأخرى وأحكامه الأخرى، وذلك في نطاق ما تسعه مبادئ الشريعة الإسلامية من وجهات نظر‏.

إن الفقه الإسلامي يقر تعددا في الآراء وتنوعا في الحلول في إطار ما تسعه نصوص الأحكام، وفي هذا التعدد والتنوع يعرف الفقهاء أن صاحب الولاية يمكن أن يرجح رأيا من هذه الآراء على رأي آخر، فيصير هو الرأي الفقهي الملزم للجماعة‏.‏ ونحن عندما نحيط الدولة رسميا بدين الإسلام، ونقرر مصدرية الشريعة في ذات الأحكام الدستورية التي تقر بالمواطنة والمساواة في الحقوق والواجبات العامة والخاصة، نحن بذلك نكون قد أقررنا -بما للدستور من تنظيم الولايات العامة- بأننا ملتزمون دستوريا بتبني الرأي الفقهي الذي تسعه أحكام الشرع الإسلامي، وهو ما يدعم ويؤكد مبدأ المساواة بين المواطنين وغيره من المبادئ الواردة بالدستور مما تسعه مبادئ الشريعة‏.‏
أما إذا أسقطنا هذا الحكم الوارد بالمادة ‏2‏ من الدستور، فإن الدستور يفقد هذه الصلة الوثيقة بين المبادئ التي يحرص على تثبيتها لدى الجماعة السياسية وبين مبادئ الشريعة الإسلامية فيما تسعه من أحوال ومبادئ‏، ومن ثم لا يقوم هذا الترجيح الذي يملكه ولي الأمر في الجماعة بين ما تحتمله نصوص الأحكام الشرعية وأحكامها من تباين وتنوع واختلاف‏.‏
والإسلام، كما نعرف جميعا، أيا كانت درجة إيماننا به، هو قديم لم يأت به نص دستوري، وهو باق لا يلغيه تجاهل دستوري، ولذلك فإن التعامل معه خير للدولة بمؤسساتها وللجماعة بفصائلها من التجاهل له،‏ والحمد لله.
قاضٍ ومؤرخ مصري

* الموضوع سبق نشره في صحيفة الأهرام على حلقتين، ونحن نعيد نشره هنا مع إعادة تحريره، وإضافة عناوين فرعية له .

http://www.islamonline.net/ /Satellite?c=ArticleA_C&pagename=Zone-Arabic-Shariah%2FSRALayout&cid=1173087846860#ixzz1E1yW4VWV
 

م عامر

مشرف الملتقى العام
إنضم
5 نوفمبر 2007
المشاركات
6,551
مجموع الإعجابات
587
النقاط
0
السلام عليكم ورحمة الله

جزاك الله خيراً على هذه المعلومات الهامة حول المستشار البشري المُكلف برئاسة لجنة صياغة الدستور الجديد
وأتصور من خلال ما قرأت أن هذا التكليف كان للرجل المناسب ومبشر بالخير ويؤكد على أن ثقة الشعب بجيشه كانت في محله إن شاء الله
بالتوفيق لمصر ولرجالاتها الصادقين المؤمنين
 

تامر.

عضو جديد
إنضم
29 سبتمبر 2009
المشاركات
3,517
مجموع الإعجابات
465
النقاط
0
طارق البشري ...
الاسم والسيرة الذاتيّة تبشر بالخير .
بارك الله فيك أخي اسلام .
 

eng.mohamedafifi

عضو جديد
إنضم
1 مايو 2010
المشاركات
1,474
مجموع الإعجابات
84
النقاط
0
السلام عليكم ورحمة الله

جزاك الله خيراً على هذه المعلومات الهامة حول المستشار البشري المُكلف برئاسة لجنة صياغة الدستور الجديد
وأتصور من خلال ما قرأت أن هذا التكليف كان للرجل المناسب ومبشر بالخير ويؤكد على أن ثقة الشعب بجيشه كانت في محله إن شاء الله
بالتوفيق لمصر ولرجالاتها الصادقين المؤمنين
المستشار طارق البشرى رجل من رجالات مصر الجديرة بالإحترام الكامل والوطنية وطهارة اليد ولايختلف على ذلك إثنان فيه....
وشكر لأخونا إسلام على ...على سرد السيرة الذاتية والخاصة بمستشارنا العظيم والجدير بكل إحترام ....فهوالآن الرجل المناسب فى المكان المناسب وهو مايبشر بالخير ....
 

motafa

عضو
إنضم
12 أكتوبر 2009
المشاركات
116
مجموع الإعجابات
3
النقاط
18
الثورة أجلت لنا نماذج من الرجال المحترمين .
 
أعلى