تأملات في المشهد الفلسطيني ..

adison2000

عضو معروف
إنضم
13 سبتمبر 2010
المشاركات
3,079
مجموع الإعجابات
1,377
النقاط
113
بقلم الأستاذ: الطلحاوي نجيب

________________________________________

الســلام عليكم


إن القــلم ليعجــز عن وصف هول ما يــجري في هــذا العالــم المتوحش المليء بمشاهــد الرعب في حــق المستضعفين في الأرض ، و نــحسب أن ما يجــري الآن قــد عــرى الكثير من الحقائق الذي كان الناس يشكون في حقيقتها كمــا أبانت عن مستــوى الوهــن الذي ينخــر الجسم الإسلامي العام منذ أن تحـكـم الاستبداد في رقاب الأحــرار و الشرفاء و استعبدتهــم بلغــة السوط و النار، نحسب أننا الآن نــدركُ تماما مــدى تغلغــل المشروع الصهيوني في عقول العديد من الأنظمـة ليس بموجب العجز عن تحدي الغطرســة و الترسانة المتوحشة الصهيونية و إنــما بفــعل انبطاح مُــذِلّ و مقصود غايــاتهُ القصـوى تصفيــة القضيــة من أساسها و المضــي في طريق التسويات المخزيــة حتــى يتــم من خــلالها فصــل قضايا الداخل العربي و الإســلامي عن القضية المحورية المتعلــقة بالقــدس و الثوابت الفلسطينية ، لــقد اتضحت الصــورة بكل ألــوانهــا و أشكالــها و قــدمت لنا طبيعــة الـــولاء المطلق لقــوى الاستكبار العالمي ، لــم يكفِ لحراس الاستبداد أن عزلوا عن أنفسهم عن قضية فلسطين و إنــما طعنــوا و أسهــموا في تشديد الطوق الظالم علــى الشعب الصامــد (مصر ) و لا زالوا يمضون في عمالاتهم المكشوفة علــى أنقاض شلالات الدم و صراخات الألــم و نداءات الشيوخ و إعاقات الأطفال .

لــم تستطــع كــل مشاهــد البؤس و الوحشية الصهيونية في حــق أطفال غزة و شيوخ غزة و نساء غــزة و لا مظاهــرات الشوارع في العالــم أن تُــحــرِّكَ قـلب الحاكم المستبد و لا أن تُــشعِــره بواجــبه نحو القضية.

يمكن القول ببساطــة أن الذي جــرى و يجــري في غــزة قــد أدى بنا إلــى نتائــج متوقــعة مع ما وصلت إليــه أنظمــة الأعــراب من البؤس السياسي و الاجتماعي و الاقتصادي ، فليس بغريب أن تنبــطح العديد من الأنــظمة و تكشف عــن مــدى خياناتها لقضايا الأمــة ، و ليس بغريب أن يشتــد الحصار الأعرابــي في صورة فرعون الأمــة السيسي ، و هل هــناك من عدوان أكــثر من الحصار البغيض لأطفال غــزة كما قال المفكـر الإسلامي منير شفيق ، إن الذي كنا نتوقــعه هو مــزيدا من الصمت الذليل و مزيدا من التواطؤ المكشوف و إلا ماذا يمكننا أن نقول في المبادرة الانبطاحية المصرية غير كونها صورة من صور الولاء للكيان الصهيوني !

إن
الدرس الأول الذي ينبغــي أن يعرفه كــل الناس الغيورين علــى دينهــم أنه لــم يعد يجدي الرهان علـى تلك الكراكيز التي كانت تدعي التضامن الإسلامي و الوحدة العروبية و المصير المشترك .

ثاني درس في اعتقادي أن العــدو الصهيونــي إنــما يستهــدف ثقافة المقاومــة و إحــلال ثقافة الانبطاح و التسويات و علاقات التطبيع ، و لذلك يسعـى جـاهدا بالتعـاون مـع العمـلاء الخليجيين (الإمـارات خصوصا) إلـى القضـاء علـى الفصائل الجهـادية العـقائدية و الرهـان علــى تيارات أتباع دحـلان و عبـاس لتصفيـة ثوابت القضيـة .

ثالث درس نُــذكِّــر فيه صدق حديث النبي عليه الســلام " توشك الأمم أن تداعــى عليكم كما تداعى الأكلة إلــى قصعتهــا ..." نُــذكِّـر بهــذا الحديث النبوي و نحن في القرن 21 نتابــع تكالب المجتمع الدولــي و تخاذل الأنظمة ،و نحن نشاهــد صمت العالم الذي يدعي حقوق الإنسان ،و نحن نشاهــد هـول البشاعة و الإجرام الصهيوني و ما حــركت المسمى بالمجتمع الدولي و هيئة الأمم المتحدة ! هــذا هــو صدق النبوة و هــذا هــو إحــدى تجليات التكالب .

رابع درس يتمثل في رؤوس الفتن التي تــطــلُّ عند كــل حدث يخص الأمــة خصـوصا المتصهينون العرب، و بعض الشخصيات في المؤسسات "المدنية" الأمـازيغية التـي تشتـغل في المجـال الحقوقي ، و قد رأينــا في دجنبر من عـام 2008 إبـان العدوان الهمجـي على غزة كيف كـانت توزع "العصبة الأمازيغية لحقوق الإنسان" بلاغا صحفيا تقول فيه "إنهــا تُــرحب بالزيارة المرتقــبة للسيدة – لاحظ كلمة سيدة – تسيبي ليفني وزيرة خارجية إسرائيل إلــى المغرب في الأيام المقبلة " ، بل و وصفت الزيارة المرتقبــة لتسيبي ليفني للمغرب آنذاك بالميمونــة ،و الآن في هـذا العدوان 2014 نكتشـف أيضا حركـة "ضمير" المغربية و مركز تينزرت للتنمية والحوار" و بعض الشخصيـات التــي تصطـاد في المياه العكر دومـا .

خامس درس
أن المقاومة لا هوية لــها إلا ذاتها ، فبعدما ارتبطت المقاومة بتنظيم حزب الله اللبناني "الشيعي" و أصبحت لصيقة به ها نحن نشهــد مقاومة " سنية " باسلة أعادت إلينا الأمــل ، و إذا كـان "حزب الله" تورط في سفك الدمـاء في سوريـا و العراق و رجَّـح خياراته الطـائفية علــى الحق و العدل فإن التنظيمـات المُقـاوِمـة في فلسطين أثبتت أنهــا لا تنحـاز إلا للعدالة و رفض الظلم، لذلـك أيدت الثورة السورية و تحـملت في سبيل هـذا الموقف الجريء سيلا من الانتقادات "الشيعية" التـي أرادت أن تحتكـر فعل المقاومـة طـائفيا .

تقدم لنـا الأحداث دروسا في كيفيــة تربية القادة و رجال المقاومــة و صورة عن خطهم التحريري الأصيــل ، لا بــديل عن خــط المقاومــة و روح الجهــاد ، لا بــد لــكل المجاهدين المرابطين أن تمتلئ قلوبهم و جوارحهــم بروح الاستشهاد و استرخاص النفس في سبيل الذود عن الأرض و العرض ، لــن تنفعــنا ثقافــة التغريب و الميوعــة و الانحلال في مواجــهة التحدي الثقيل ، و لــذلكَ لا نــرى بــديلا باتخاذ نهج الشهادة و نــحن نتوفــر في تاريخنا المجيد من أمثال الشهداء ما يكفي لإعــلاء رمزية الشهيد .

لــم يكتفِ الغرب المستكبِــر بالإجهاز علــينا و إنــما سلــط علينا من يُــبقينا في غفلتنا الدائمــة فــلا نعرف التحرر البــتة ، لقــد لُــدِغَ المسلــم من عــدة جحور و أصبح قابــلا لأن يُــلدغ في كــل مــرة يريدها المستكــبِـر ، فقد لُــدِغنا في البوسنة و العراق و أفغانستان و الشيشان و فلسطين و اللائــحة مفتوحــة من دون أن نتــزود بمضادات سموم اللدغ الغدارة ، لــم نستــطع أن نــقرأ الواقــع فنعرف الــداء و دواءه و إنــما مــضى العالــم الإسلامي في غفلتــه و سباتــه العميق تحت حراســة مشددة من أنظمــة الجــبر لإبقاء الوضع الداخــلي في دائرة التفكك الأخلاقي و التخلف العلمي فــزادتنا غفلــة و أودتنا إلــى ما نحن فيه من مــآســي لا تنتهــي مــع أن الحبيب المصطفــى شخص لنا الداء و قدم لنا الدواء فمــن يتَّعــض ؟! يقول المصطفــى عليه السلام في شأن تشخيص المرض العُـضال لهذه الأمــة : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها" فقال قائل: ومن قِلّةٍ نحن يومئذٍ؟ قال: "بل أنتم يومئذٍ كثيرٌ، ولكنكم غثاءٌ كغثاء السيل، ولينزعنَّ اللّه من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفنَّ اللّه في قلوبكم الوهن" فقال قائل: يا رسول اللّه، وما الوهن؟ قال: "حبُّ الدنيا وكراهية الموت".

من هنــا تطــل علينا الهــزائم و النكبات ، و نــحن أحــوج إلــى هــذا الحديث الذي يرســم لنا معالــم النصــر إذا نــحن شمرنا علــى سواعد الجد و تحركنا بخطـة واعية . إن التظاهــرات هــي وسيلــة تُــعبر عن ما يــدور و يتغلغــل في داخل قلب المسلم من هيجان و سخط يُــترجمــه في شكــل مظاهرات تنظيمية ، ليس بالضروري أن نعرف مــدى تأثير مظاهراتنا علــى الوضع في غــزة حتــى نتظاهــر ، فنحن مدعوون إلــى ترك الخواتم لله تعالــى ، فــنحن إذ نتظاهــر لا ننوي إلا الإسهام بالحد الأدنى مما تسمحه لنا قدراتنا و إمكاناتنا ، فلــو فُــتِحت أبواب الجهــاد لــما كــانت للتظاهرات أي قيمة في ظل توفر إمكانية حمل السيف و رفع راية الجهاد ، لكن أمــا و أننا أمام أنظمــة استبدادية تقمع من بداخلها و تسهم في حصار غــزة فكيف للإنسان البسيط أن يتصرف إزاء هـذا التواطؤ ؟ التظاهــر شكــل مدنــي ابتكــرته الشعوب للتعبير عن رفضهــا لشيء ما في صور تنظيمية تشارك فيها جميع الهيئات و الفعاليات ، و المشكل أن العديد من أنصاف المثقفين يتعاملــون مع المظاهرات كمــا لــو أنهم يتعاملــون مع القوانين الطبيعية فينتظرون النتائج بعد التماس السبب ! ثــم أننا نــرى أن للمظاهرات وقع خاص علــى أولئك البسطاء من أهل غزة حينما يشاهدون العالم يهتــز و يحتج من أجلــهم ، ألا يُــشعِــرهم بإحساس باطني ألا يرفع من معنوياتهــم و يزيدهــم صمودا .

ينبغــي أن نــدرِكَ أننا لــو كنا نعيش في ظل دول شورية تستنــد إلــى الشــرع و العقل و تحتــرم إرادة شعوبــها لمــا كــان بالإمــكان أن يطرح أحــد منا سبيل البحث عن أساليب الدعم و النصرة لأن الدولــة " الديموقراطية " بطبيعتها لا تقــمع المواطنين المحتجين علــى الهمجية التتارية الصهيونية و لا تبتــكر أساليب الحــد من دعم الجماهير لغــزة بالشكــل الذي يجــري الآن في الدول الأعرابية و إنمــا تقف في مقدمــة أصوات شعبها بكل الوسائــل حــتى لو كــلَّفتها انهيار قصورها و إتــلاف ممتلكاتها ، فقضيــة التضامن مع الأمــة يجب أن تــرتــفع في أعــلى عليين و تتصــدر لائحــة أهداف الوجود الإنساني السامــي حتــى تــعود العــزة و التمكيــن . لذلك نـرى الإستبداد يمــثل عائــقا حــقـيـقـيــا أمام استعادة الكرامة و العزة و مانــعا تاريخيا من عودة الأمــة إلــى مكانتهــا و ريادتهــا ، و يعجبنــي هــنا كــلاما للشيخ محمد الغــزالي رحمه الله تعالــى في ( الإسلام و الاستبداد السياسي ) قال : "
عـنـدما تفســد الدولــة بالاستبداد و عندمــا تـفـســد الأمــة بالاستعبــاد يُــعتبَــر الريــاء هــو العملــة السائــدة ) " ( ط 6 ص 43 /2005) .

مـن يعتـقد بأن فصائل المقاومـة الفلسطينية و علـى رأسهـا حمـاس و الجهـاد تُدافعُ عـن بقعـة أرضيـة محدودة فهو واهم، المقاومـة تصنـع تـاريخـا بدمـائهـا دفاعـا عن كرامـة الشعوب المُضطَهـدة، الشعوب التـي ترزح تحت نيل الاستعمـار الأعرابي و الدولي ، تُعلمنــا المقاومـة كل يوم كيف ينبغــي للشهـامــة أن تكون، و تزرع في المهزومـين كيف ينبغـي الصمـود في وجـه العُتـاة الجبارين ، ترسم لأجيالنــا خطوط العـزة و لا تُبـالي بالمثبطين و النـاعقين في إعــلام المـارينز .

حمـاس تنـظيم حُقَّ للأمـة أن تفخــر به، تنظيم جهـادي فريد يعي تمـامــا مَهمتــه التحريرية و الاستراتيجية ، مُشبــع بالايمـان البطولي العـالي ، تنظيم حـافظَ علــى عـدالـة قضيتــه و لم يتورط في الانحيازات الطـائفية، رغــم الضغوطـات الدولية و العروبية و حجم الترسانـة العسكرية الصهيونية و مؤامـرات إعـلام الفلول فإنـه ظل صامدا في وجــه الخونــة و المرتزقين .

القساميُّ الحمـساوي الواحدُ منه يندر أن تـجد له نظيرا في جيوشنــا المتآكلـة، جيوش صُنــعت لقتــل لشعوبهـا و حراســة الاستبداد من ثورات المستضعفين.


و لله الأمـر من قبلُ و من بعدُ
__________________________________

منتدى حرّاس العقيده
 

مواضيع مماثلة

أعلى