امن المعلومات في تراث الامم

يحي الحربي

عضو جديد
إنضم
3 يناير 2005
المشاركات
3,033
مجموع الإعجابات
166
النقاط
0
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
على خلفية احداث الصراع الاليكتروني والاختراقات المعلنة بين الهكر السعودي كما كرسته وسائل الاعلام واسرائيل ، اضع هذه النبذة اليسيرة والتي ارجوا ان يفتح ابوابا حول اهمية علم امن المعلومات

1 – في حضارة الامم القديمة​
الخصوصية وحفظ الاسرار هاجس البشر منذ ان وطئت قدمه الارض ، فالانسان منذ القدم قد سخر طاقته وامكاناته الذهنية من اجل ابتكار طرق لاخفاء اسراره الهامة ، حتى انه لم يتورع عن اخفائها في احشاء الحيواتات او حت احشائه كما كان يفعل الصينيون القدماء، فكانوا يكتبون رسائلهم على حرير ناعم ثم يضعونه في كرات صغيرة مصنوعة من الشمع ، فيبلعها حاملها او يُدخلها في احشائه من الخلف حتى اذا وصل الى هدفه اخرجها وسلمها
وابتكر المغول وسائل لاخفاء وتامين رسائلهم الهامة ، فقد كانوا يعمدون الى اختيار احد الرجال كثيف الشعر فيحلقون شعره ويكتبون عليه بقلم ناري ثم يتم سجنه في زنزانة انفرادية حتى ينموا شعره جيدا بحيث تختفي الكتابة بين الشعر ثم يرسلونه الى هدفه ، فيحلقون شعره ويقرؤن الرسالة ، ولكن الإمبراطور المغولي جنكيز خان اكتشف ذلك ، فقد احضروا عبدا الى بلاطه فامر بحلق شعره واذا برسالة تطلب معونة عاجلة ، فكانت سببا في تغير وجهته من اوروبا الشرقية الى الشرق الاوسط.
بعدها تطور الاسلوب الى الكتابة على راس اكثر من شخص بحيث لو تم القبض على واحد من اثنين او اثنين من ثلاثة لا تكتمل الرسالة
وبلغ الهنود القدماء شاوا بعيدا في اشاعة ثقافة امن المعلومات حتى ادخلوها في مناهجهم التعليمية ، ففرضوا تعليم النساء الكتابة السرية من ضمن الفنون الاربعة والستين التي يجب عليهن تعلمها.
وكما دلت الدراسات على ان المصريين قد نبغوا في الكتابة السرية وقد استخدموا ثلاثة انواع من الكتابة السرية منذ عهود بعيدة في التاريخ ، وكذلك الاغريق منذ القرن التاسع قبل الميلاد قد استخدموا الكتابة السرية في معاهداتهم واخفاء اسرارهم
ومن ابداعات اليونان في حفظ معلوماتهم وضع اسس لشيفرة خاصة تقوم على ان يكون لكل حرف بديل من رقمين الاول افقي والثاني عمودي
وفي العصور الاوروبية الوسطى خطا امن المعلومات خطوات واسعة على يد الكنيسة ، فقد نبغ العديد من رجال الكنيسة في تطوير فن امن المعلومات بأساليب منطقية مبتكرة ، مثل استبدال الاحرف الصوتية بالنقاط في الكتابة السرية ، واستبدال المقاطع بالاحرف...
ويبدو ان اليهود استخدموا الشفرة منذ فترة مبكرة من تاريخهم ، فقاموا باستبدال الحروف بارقام طبقا لنظام متفق عليه يُعرف عند اليهود باسم "الجماتريا" ، وهو ما يُعرف عند العرب باسم " حساب الجمل "
ولم يكن العرب قبل الاسلام بعيدا عن هذا الابداع او اقل شانا ، ثم زاده الفكر الإسلامي عمقا
2 – في الحضارة العربية والاسلامية​
الصحراء منحة العربي حدة البصر، والهوام والكواسر علمته الحذر الشديد في سيره ومنامه ، فاصبح مرهف الحس والسمع دائم التاهب لمواجهة كل طارئ
لقد ابدعت العقلية العربية في الجاهلية نماذج رائعة في فن اخفاء المعلومات والتي تؤشر على رُقي العقلية التي بهرت العالم عندما اعتنقت الاسلام وسخرت طاقتها لصالحه ، فمثلا طالعتنا كتب الادب التاريخي بقصة ذلك الشيخ الذي ارسل بيتا من الشعر مع قاتلاه تكشف ما فعلاه من دون ان يفهما قصده يقول فيه:
من مبلغ عني بأن مهلهلاً ... لله دركما ودر أبيكما
فقالت ابنته: والله ما كان أبي ردي الشعر، ولا سفساف الكلام، وإنما أراد أن يخبركم أن العبدين قتلاه، وإنما معنى البيت:
من مبلغ عني بأن مهلهلاً ... أضحى قتيلاً بالفلا مجندلا
لله دركما ودر أبيكما ... لا يبرح العبدان حتى يقتلا

فقتل العبدان بعد أن أقرا بذلك.
ولعل من اقدم الرسائل السرية المشفرة ( المعماة ) تلك التي ارسلها رجل اسمه ناشب بن بشامة ، يحذر فيها قومه من غزو القبيلة التي كان اسيرا عندها
فقال لهم: أعطوني رجلاً أرسله إلى أهلي أوصيهم ببعض حاجتي. فقالوا له:ترسله ونحن حضور ؟ قال: نعم. فأتوه بغلام مولد، فقال: أتيتموني بأحمق ؟! فقال الغلام: والله ما أنا بأحمق ! فقال: إني أراك مجنوناً ! قال: والله ما بي جنون ! قال: أتعقل ؟ قال: نعم إني لعاقل. قال: فالنيران أكثر أم الكواكب ؟ قال: الكواكب، وكلٌّ كثيرة، فملأ كفه رملاً وقال: كم في كفي ؟ قال: لا أدري فإنه لكثير. فأومأ إلى الشمس بيده وقال: ما تلك ؟ قال: الشمس. قال: ما أراك إلا عاقلاً، اذهب إلى قومي فأبلغهم السلام وقل لهم ليحسنوا إلى أسيرهم فإني عند قوم يحسنون إلي ويكرموني، وقل لهم فليعروا جملي الأحمر ويركبوا ناقتي العيسار بآية ما أكلنا منهم حيساً وليرعوا حاجتي في بني مالك، وأخبرهم أن العوسج قد أورق، وأن النساء قد اشتكت، وليعصوا همام بن بشامة فإنه مشؤوم مجدودٌ، وليطيعوا هذيل بن الأخنس، فإنه حازم ميمون، واسألوا الحارث عن خبري.
وسار الرسول فأتى قومه فأبلغهم، فلم يدروا ما أراد، فأحضروا الحارث وقصوا عليه خبر الرسول. فقال للرسول. اقصص علي أول قصتك. فقص عليه أول ما كلمه حتى أتى على آخره. فقال: أبلغه التحية والسلام وأخبره أنا نستوصي به. فعاد الرسول؛ ثم قال لبني العنبر: إن صاحبكم قد بين لكم، أما الرمل الذي جعل في كفه فإنه يخبركم أنه قد أتاكم عددٌ لا يحصى، وأما الشمس التي أومأ إليها فإنه يقول ذلك أوضح من الشمس، وأما جمله الأحمر فالصمان فإنه يأمركم أن تعروه، يعني ترتحلوا عنه، وأما ناقته العيساء فإنه يأمركم أن تحترزوا في الدهناء، وأما بنو مالك فإنه يأمركم أن تنذروهم معكم، وأما إيراق العوسج فإن القوم قد لبسوا السلاح، وأما اشتكاء النساء فإنه يريد أن النساء قد خرزن الشكاء، وهي أسقية الماء للغزو.
فحذر بنو العنبر وركبوا الدهناء وأنذروا بني مالك، فلم يقبلوا منهم، فاقتتلوا مع الغزاة
فانظر كيف اجرى هذا الاعرابي اختبار المقارنة وهي من افضل الوسائل التي تكشف الذكاء وذلك ليعلم ان الرسول يستطيع توصيل الرسالة كاملة
ومن بعض النوادر في هذا الشان يقولون
1 - يحكى أن رجلاً سأل رئيساً حاجة فكتب إليه يعتذر (لولا المشقة) ولم يزد على ذلك فلما ورد عليه قضى حاجته فسئل عن ذلك فقال أنه يشير إلى قول أبي الطيب:
لولا المشقةُ سادَ الناسُ كلُّهم ... الجودُ يعدمُ والإقدامُ قتّالُ
2 -خرج رجل على سبيل: الفرجة فقعد على الجسر، فأقبلت امرأة من جانب الرصافة، متوجهة إلى الجانب الغربي، فاستقبلها شاب فقال لها: رحم الله علي بن الجهم فقالت المرأة في الحال: رحم الله أبا العلاء المعري، ولم يقفا، ومرا مشرقاً ومغربة، فتتبعت المرأة وقلت لها: أخبريني - عافاك الله - عما قال لك، وعما أجبته؟ فقالت: نعم، رحم الله علي بن الجهم أراد قوله:
عيون المها بين الرصافة والجسر ... جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري
وأردت بترحمي على أبي العلاء قوله:
فيا دارها بالحزن إن مزارها ... قريب ولكن دون ذلك أهوال

من المصادر :
1 – كتب التاريخ والادب
2 - تاريخ امن المعلومات في الحضارة الاسلامية ، دكتور سلامة محمد البلوي


يتبع ان شاء الله
ولكم تحياتي

 

adison2000

عضو معروف
إنضم
13 سبتمبر 2010
المشاركات
3,079
مجموع الإعجابات
1,377
النقاط
113
جزاك الله خيراً على هذا الموضوع القيم
 

adison2000

عضو معروف
إنضم
13 سبتمبر 2010
المشاركات
3,079
مجموع الإعجابات
1,377
النقاط
113
فمثلا طالعتنا كتب الادب التاريخي بقصة ذلك الشيخ الذي ارسل بيتا من الشعر مع قاتلاه تكشف ما فعلاه من دون ان يفهما قصده يقول فيه:
من مبلغ عني بأن مهلهلاً ... لله دركما ودر أبيكما
فقالت ابنته: والله ما كان أبي ردي الشعر، ولا سفساف الكلام، وإنما أراد أن يخبركم أن العبدين قتلاه، وإنما معنى البيت:
من مبلغ عني بأن مهلهلاً ... أضحى قتيلاً بالفلا مجندلا
لله دركما ودر أبيكما ... لا يبرح العبدان حتى يقتلا

فقتل العبدان بعد أن أقرا بذلك.


أذكر أن ذلك الشيخ هو أبو ليلى المهلهل وأن الفتاه هي إبنة أخيه القتيل كليب
 

يحي الحربي

عضو جديد
إنضم
3 يناير 2005
المشاركات
3,033
مجموع الإعجابات
166
النقاط
0
ب –امن المعلومات في التراث الاسلامي
جاء الاسلام فعزز هذا العلم وجعل افشاء الاسرار بل والحديث في الامور المهمة من المحرمات ، وكتمها من الفضائل
فقد عرض لنا القرآن الكريم موضوع كتمان الاسرار باساليب متعددة لتشمل العلاقات على جميع المستويات ، من العلاقات الفردية الى الأسرية الى علاقة الفرد بالمجتمع والدولة
فالقران الكريم يبين بصورة واضحة ان اذاعة اسرار الدولة جريمة تستحق العقاب ، لانها خيانة للائمة وتعريض امنها وسلامتها للخطر
يقول سبحانه وتعالى
{لَئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا} (60) سورة الأحزاب
وفي اية اخرى يبين لنا انه لا يترك امر الكلمة لغير اهل الاختصاص ، لانهم ادرى الناس بما يصح ان يقال وما لا يقال في الظروف الحساسة بالخصوص
يقول سبحانه وتعالى
{وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً} (83) سورة النساء
والله سبحانه وتعالى يختار لرسالاته من اهل الامانة والاهلية لتوصيلها كاملة تحت رعايته
{عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) ، إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (27) ، لِيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا (28) } سورة الجن
ومن التطبيقات القرانية لتبين اهمية حفظ المعلومات فيقول تعالى
{وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} (49) سورة الكهف
فهو يقول لابن ادم ان ما يفعله في السر والعلن مكتوب عليه ومجفوظ ولكنه لن يظهر الا في اليوم المعلوم
وفي قصة يوسف يوصي الوالد ابنه فيقول كما جاء في القران الكريم
{قَالَ يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} (5) سورة يوسف
وهنا تربية ربانية لزوجات المصطفى صلى اله عليه وعلى اله وصحبه وسلم
{وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (3) ، إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ} (4) سورة التحريم
واستجابة للتوجيه القراني نجد المصطفى صلى اله عليه وعلى اله وصحبه وسلم يتبع أساليب متعددة ليغرس في نفوس الصحابة رضي الله عنهم فضيلة حفظ السر والكتمان
فقدم صلى الله عليه وعلى اله وصحبه وسلم دروسا بصورة عملية طوال حياته ، ومن ابرز هذه الدروس كتمان امر الدعوة في بدايتها وذلك لضعف المسلمين في وسط كثرة وقوة المناوئين ، وايضا عندما كان يعرض نفسه على القبائل ، وايضا هجرة اصحابه الى الحبشة ثم المدينة المنورة ، وحتى هجرته هو صلى اله عليه وعلى اله وصحبه وسلم ، وحتى بعد قوية شوكة المسلمين ايضا قدم لنا نماذج حية في السرية والكتمان في غزواته وسراياه صلى الله عليه وعلى اله وصحبه وسلم
ولقد كان صلى الله عليه وعلى اله وصحبه وسلم يدرك ان هذر اللسان هو افة الكتمان لذا نجد لا يترك مناسبة الا ويذكر بفضيلة الصمت ،
وعن أبي وائل عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه ارتقى الصفا فأخذ بلسانه فقال يا لسان قل خيرا تغنم واسكت عن شر تسلم من قبل أن تندم ثم قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أكثر خطإ ابن آدم في لسانه
رواه الطبراني ورواته رواة الصحيح وأبو الشيخ في الثواب والبيهقي بإسناد حسن
وقال الالباني صحيح
وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - : أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : (( كَفَى بالمَرْءِ كَذِباً أنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ )) . رواه مسلم
عن جابر بن عبد الله : عن النبي صلى الله عليه و سلم قال إذا حدث الرجل الحديث ثم التفت فهي أمانة
قال الشيخ الألباني : حسن
وقد استوعب السلف الصالح التوجيهات النبوية الشريفة ، فمثلا هذا العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه ، عندما علم بتقديم الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه لعبدالله بن عباس رضي الله عنهما على كبار الصحابة رضي الله عنهم وتقريبه من محلسه ، نصحه فقال : يا بني احفظ عني خمسا " لا تفشين له سرا ، ولا تغتابن عنده احدا ، ولا يجربن عليك كذبا ، ولا تعصين له امرا ، ولا يطلعن منك على خيانة "
وهذه والدة انس بن مالك رضي الله عنهم تحث ابنها وتشجعه على حفظ السر وكتمانه ، فقد روى انس بن مالك رضي الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه و عل ىاله وصحبه وسلم ، ارسله ذات مرة في حاجة له ، فابطا على امه ، فلما عاد سالته عن سبب تاخره ، فاخبرها بان رسول الله صلى الله عليه و عل ىاله وصحبه وسلم ارسله في حاجة اليه ، فقالت : وما حاجته ؟ فقال انها سر ، فبادرت الام الى الفول : لا تُخبرن بسر رسول الله صلى الله عليه و على اله وصحبه وسلم احد.
وروي ان معاوية بن ابي سفيان رضي الله عنهما اسر الى ابن اخيه حديثا ، فارد الولد ان يُخبر والده هذا الحديث ، فرفض الاب الاصغاء اليه ، وعندما استفسر الولد ، بين له والده ان من كتم سره كان الخيار له ، ومن اظهر سره كان الخيار عليه فغدا مملوكا بعدما كان مالك ، فاستفسر الولد مستنكرا ، ايدخل هذا بين الرجل وابيه ! فاجب والده بنعم حتى لا تذلل لسانك بافشاء السر.
ولم يقتصر السلف الصالح رضوان الله عليهم على الوصايا لاولادهم كاسلوب من اساليب التربية الامنية ، كانوا كلما جمعهم مجلس تذاكروا محاسن الكتمان ومخاطر افشاء الاسرار لينشاء الصغار وهم على بصيرة بمخاطر الثرثرة وما تجره من ويلات.
ومن ذلك هذه الحكاية من مجلس القائد العباسي عبد الله بن طاهر ، تذاكروا حفظ السر وكان في المجلس ولده ، وكان صبيا يافعا وكان يستمع لما يدور في مجلس والده من حوار وتذاكر حول حفظ السر ، فقال عبدالله بن طاهر
ومستودعي سرا تضمنت سره ...... فاودعته من مستقر الحشى قبرا
فقال ابنه مستدركا عليه بان قبر السر في الحشى ليس كافيا لمنع تسربه ، وانما الاجراء الانسب ان ينساه ولا يُفكر فيه لحظة واحدة وقال بيتين يعبر فيهما عن ذلك ، فقال :
وما السر في قلبي كثاو بحفرة ....... لاني ارى المدفون ينتظر الحشرا
ولكن اخفيه عني كاني ............... من الدهر يوما ما احطت به خبرا
ويروى ان رجلا من العرب اودع سره عند احد اخوانه فقال له : هل فهمت ، قال بل جهلت ، قال : احفظت ، قال : بل نسيت
 

يحي الحربي

عضو جديد
إنضم
3 يناير 2005
المشاركات
3,033
مجموع الإعجابات
166
النقاط
0
ج - رواد وكتب
وتزخر كتب تراثنا التليد باقوال الخلفاء والملوك والامراء والعلماء واهل التجربة بالنصائح المنثورة والمنظومة التي تبين ان الكتمان هو خط الدفاع الاول عن الامة
وقد برع كثير من العلماء والكتاب في فنون علم المعمى ( الشيفرة ) والفوا في ذلك الكثير من الكتب والرسائل كما تروي لنا كتب الفهارس للكتب والمخطوطات مثل الفهرسة لابن النديم .... وغيره من المتقدمين والمتاخرين
ولعل اقدم ما وصل من هذا التراث الضخم محققا هو رسالة " استخراج المعمى " لابرز الرواد في هذا الفن الفلسوف المشهر الكندي المتوفي سنة 260هـ
ولعل اشمل كتاب تحدث عن علم التعمية " التشفير " وفنونه هو كتاب "صبح الاعشى" للقلقشندي ونقتبس منه هذه السطور
الفصل الثامن في إخفاء ما في الكتب من السر
وهو مما تمس الحاجة إليه عند اعتراض معترض من عدو ونحوه يحول بين المكتوب عنه والمكتوب إليه من ملكين أو غيرهما حيث لم تفد الملطفات لضرر الرصد وزيادة الفحص عن الكتب الواردة من الجانبين وهو على نوعين
النوع الأول ما يتعلق بالكتابة وهو على ضربين
الضرب الأول ما يتعلق بالمكتوب به
وذلك بأن يكتب بشيء لا يظهر في الحال فإذا وصل إلى المكتوب إليه فعل فيه فعلا مقررا بين المتكاتبين من إلقاء شيء على الكتابة أو مسحه بشيء أو عرضه على النار ونحو ذلك
وقد ذكروا لذلك طرقا
منها أن يكتب في الورق بلبن حليب قد خلط به نوشادر فإنه لا ترى فيه صورة الكتابة فإذا قرب من النار ظهرت الكتابة
ومنها أن يكتب في الورق أيضا بماء البصل المعتصر منه فلا ترى الكتابة فإذا قرب من النار أيضا ظهرت الكتابة
ومنها أنه يكتب فيما أراد من ورق أو غيره بماء قد خلط فيه زاج فلا تظهر الكتابة فإذا مسح بماء قد خلط فيه العفص المدقوق ظهرت الكتابة
ومنها أن يكتب غير المنشى بالشب المحلول بماء المطر ثم يلقيه في الماء أو يمسحه به فإنه إذا جف ظهرت فيه الكتابة
ومنها أن يكتب في الورق بمرارة السلحفاة فإن الكتابة بها ترى في الليل ولا ترى في النهار
ومنها أن تأخذ الليمون الأسود وعروق الحنظل المقلوة بزيت الزيتون جزءين متساويين وتسحقهما ناعما ثم تضيف إليهما دهن صفار البيض وتكتب به على جسد من شئت فإنه ينبت الشعر مكان الكتابة وهو من الأسرار العجيبة فإذا أريد إرسال شخص بكتاب إلى مكان بعيد فعل به ذلك فإنه إذا نبت الشعر قرئت الكتابة
الضرب الثاني ما يتعلق بالخط المكتوب
بأن تكون الكتابة بقلم اصطلح عليه المرسل والمرسل إليه لا يعرفه
غيرهما ممن لعله يقف عليه ويسمى التعمية وأهل زماننا يعبرون عنه بحل المترجم وفيه نظر فإن الترجمة عبارة عن كشف المعمىومنه سمي المعبر لغيره عن لغة لا يعرفها بلغة يعرفها بالترجمان وإليه ينحل لفط الحل أيضا إذ المراد من الحل إزالة العقد فيصير المراد بحل المترجم ترجمة المترجم أو حل الحل ولو عبر عنه بكشف المعمى لكان أوفق للغرض المطلوب
ثم مبنى ذلك على قاعدتين
القاعدة الأولى كيفية التعمية
اعلم أن التعمية بالنسبة إلى كل واحد من الناس باعتبار ما يجهله من الخطوط فيعمى على العربي في اللغة العربية بالخطوط غير العربية كالرومية والعبرانية ونحوهما إذا كانت حروف تلك اللغة توافق لغة العرب أو بقلم مصطلح عليه على وفق حروف العربية وكذلك يعمى على غير العربي من الرومي ونحوه ممن يجهل الخط العربي بإلقلم العربي وعلى ذلك
ثم للناس في التعمية مذهبان .....الخ

فهذا العلم " علم التعمية و استخراج المعمى " واحد من علوم كثيرة تدين للعرب ولادة و نشأة و تطورا، كما يقول مؤلفو كتاب " علم التعمية و استخراج المعمى عند العرب " ، والذي حققوا في جزءه الاول ثلاثة نصوص قديمة في هذا العلم أولها : رسالة في استخراج المعمى للكندي (260هـ ) فيلسوف العرب المشهور، و ثانيها : المؤلّف للملك الأشرف لعلي بن عدلان النحوي ( 666 هـ) و ثالثها : مفتاح الكنوز في إيضاح المرموز لعلي ابن الدريهم الموصلي (762 هـ ) ، وفي الجزء الثاني تم تحقيق 8 رسائل.
علم التعمية و استخراج المعمى عند العرب: الجزء 1
http://wadod.net/bookshelf/book/564


علم التعميه و استخراج المعمي عند العرب-ج 2
http://al-mostafa.info/data/arabic/depot2/gap.php?file=018824.pdf


ولأهمية هذا الموضوع ، وأهمية البحث العلمي في تاريخه ، وتوثيقه ، ولجلاء جهود العلماء العرب الأوائل في هذا العلم ، وإنصافهم ، بعد أن غاب عن المؤرخين ريادتهم وتأسيسهم لهذا العلم ، فقد تمَّ الاتفاق بين مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية ومركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية على إصدار سلسلة علمية تتكون من تسعة مجلدات باللغة الإنكليزية ، تتضمن ترجمة لما اشتملت عليه كتب ( علم التعمية واستخراج المعمى عند العرب ) من تحقيق ودراسة لأصول مخطوطة مهمة من التراث العربي الإسـلامي في هذين العلمين . وقد صدر الجزء الأول منها بعـنوان ( دراسة وتحليل لرسالة الكندي في استخراج المعمّى ) لمؤلّفها يعقوب بن إسحاق الكندي، تحقيق ودراسة كلّ من : د . محمد مراياتي و د . يحيى مير علم و د . محمد حسان الطيان ، وترجمة الأستاذ سعيد الأسعد ، ومراجعة كلّ من : د . محمد بن إبراهيم السُّويِّل ، و د . إبراهيم بن عبدالرحمن القاضي ، و الأستاذ مروان البواب . وأمّا باقي الأجزاء التسعة فستصدر تباعاً إن شاء الله.

واسلم الراية لاهل الاختصاص في هذا الحقل على امل ان يوافونا باحدث ما وصل من هذه التقنية ،
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
 

المرفقات

  • ط¹ظ„ظ… ط§ظ„طھط¹ظ…ظٹط© ظˆط§ط³طھط®ط±ط§ط¬ ط§ظ„ظ…ط¹ظ…ظ‰ ط¹ظ†ط¯ ط§ظ„ط¹ط±ط¨.pdf
    117.9 KB · المشاهدات: 5
التعديل الأخير:
أعلى