الهيدروجين المعدني .. أخيراً في المختبر

علي حسين

عضو معروف
إنضم
3 أبريل 2007
المشاركات
10,320
مجموع الإعجابات
2,965
النقاط
113
الهيدروجين المعدني .. أخيراً في المختبر
عبدالحكيم محمود [i]
إعلامي علمي

ظلَّ علماءُ الفيزياء لأكثرَ من 80 عاما يبحثون عن إمكانيةِ ضغط ذرات الهيدروجين وتحويلها إلى مادة معدنية صلبة؛ يُمكن استخدامُها كموصل فائق للتيار الكهربائي، وقد تحقق ذلك مؤخرا في الـ26 من يناير الماضي 2017م. فقد تمكنَ عالِمان هما "Isaac Silvera إسحاق سيلفيرا" و "Ranga Diasرانجا دياس" من جامعة هارفارد مِن تحقيق هذا الإنجاز العلمي غير المسبوق.
يقول العالِم "إسحاق سيلفيرا"، في تصريح نشرتْهُ دورية Science Alert "هذا من أكثرِ الموضوعات إثارة للجدل في مجال فيزياء الضغط العالي. إنها أول عينة على الإطلاق للهيدروجين الفِلِزِّي [ii] على كوكب الأرض، ولذا فإنك عندما تنظر إليها، فإنكَ تتأمل شيئا لم يكن موجودا مِن قَبْل". وأضاف: "إن الجزء الأكثر إثارة في الموضوع؛ هو أننا قمنا بتعريض غاز الهيدروجين لضغوط عالية جدا، وشاهدناهُ وهو يتحوَّل إلى فِلِزّ".
لقد أمضى "سيلفيرا" 45 عاما كاملةً في محاولة تخليق الهيدروجين الفلزي، ولتحقيق ذلك؛ قامَ هو وزميلُهُ بخلقِ ضَغْطٍ يزيد على 32.5 مليون كيلوغرام لكل سنتيمتر مربع وإطباقُه على عينة صغيرة من الهيدروجين، وهذا يفوق الضغط عند مركز الأرض، وقد نجحا في إنتاج هذه القوة الهائلة من الضغط بالاستعانة بمعدات عملاقة توظف في التنقيب عن المعادن خاصة الألماس، ويُشار إلى أن التجارب السابقة في إنتاج ضغط هائل باءتْ كُلُّها بالفشل بسبب تحطم الأجهزة لتعرضها للضغط العالي والـمُفرط. "لقد تحول الهيدروجين من كونه شفافا إلى مرحلة عدم الشفافية ومنها إلى لون السواد، وفجأة أصبح لامعا"، وفقا لشرح "سيلفيرا"، الذي أكد ذلك قائلا: "لقد تمكننا بالفعل من أن نرى تحولَه إلى فلز". يعود الفضل في اكتشاف الهيدروجين إلى العالـِم "هنري كافيندش" وذلك عام 1866م حيث عرَّف الهيدروجين لأول مرة باعتبارِه مادةً مميَّزة عن غيرها من الغازات القابلة للاشتعال، وقد سمى "كافيندش" الغاز المنطلق عن تفاعل الفلزات مع الأحماض الممددة بالهواء والقابل للاشتعال، وافترضَ أن هذه المادة مماثلة للمادة الافتراضية "فلوجستون" [iii]. في عام 1883م؛ قام العالـِم "أنطوان لافوازييه" بمنح العنصر المكتشَف اسم الهيدروجين، وذلك باشتقاق التسمية من الإغريقية، حيث إن لفظة "هيدرو" تعني ماء ولفظة "جين" تعني مُكوِّن أو مُوَّلد أو مُشَكِّل، وذلك عندما قام هو و "بيير لابلاس" بإعادة تجربة "كافيندش" بتشكيل الماء عند حرق الهيدروجين. تم تسييل الهيدروجين (أي تحويله إلى سائل) لأول مرة عام 1898م من قبل "جيمس ديوار" باستعمال التبريد لتسييل الغاز وحفظه في إناء، وفي العام التالي قام "ديوار" بتحضير الهيدروجين الصلب. في عام 1931م اكتشفَ "هارولد يوري" نظير الهيدروجين المسمى "ديوتيريوم"، في حين أن النظير الآخر "ترينيوم" اكتشف عام 1934م من قبل "ارنست رذرفورد" و "مارك اولبفانت" و "باول هارتيك". يعد الهيدروجين بالشكل الذري (H) من أكثر العناصر الكيميائية وفرة في الكون، خاصة في النجوم والعمالقة الغازية[iv] حيث يُشكل ما نسبتُه 75% من الكتلة بالنسبة لباقي العناصر حسب التقديرات، وفي نفس الوقت أكثر من 90 % بالنسبة لعدد ذرات العناصر في الكون. أما بالنسبة للهيدروجين الفلزي أو الهيدروجين المعدني فهي حالة للهيدروجين تنتج عندما يخضع لضغط عالٍ وتحولٍ طوْريّ، ويعتقد أن الهيدروجين الفلزي يحتوي على بنية بلورية ضمن نواته، تكون الفراغات صغيرة وأصغر من نصف قطر بلور. كما يُعتقد أن الهيدروجين ينتمي إلى الفلزات القلوية ضمن عمودِه الخاص في الجدول الدوري، لكنه يخضع لظروف غير عادية ومنها ظروف الضغط العالي التي يمكن بواسطتها تحويله إلى فلز معدني، وهو ما كان قد تنبـأ به العالمان الفيزيائيان "يوجين ويغنر" و "هيلارد نيل هونتينجون" في العام 1935م؛ حيث توقَّعا إمكانية تخليق غاز الهيدروجين في المختبر وتحويله إلى معدن فلزي، وذلك في حالة تعرضيه لضغط فائق يقدر بحوالي 25 gigapascals (GPa) (جيجا باسكال) حيث سيؤدي ذلك الضغط إلى تفكك جزيئات الهيدروجين وتحويلِها إلى ذرات مفردة، ويتحول الهيدروجين إلى فلز جيدٍ لتوصيل الكهرباء. كما تنبأ العالم "نيل" في عام 1968م بأن الهيدروجين الفلزي قد يكون موصلا فائقا للكهرباء حتى في حالة وجودة في درجة حرارة 290 كلفن، وستكون إمكانياتُه التوصيلية أكثرُ من أي مادة أخرى معروفة. استمر العلماء في أبحاثهم المتعلقة بالهيدروجين الفلزي، وتوصلوا إلى عدد من النتائج خلال قرن من الزمن تقريبا ومنها النتائج المتعلقة بتعرض الهيدروجين للضغط، حيث قدر مؤخرا أن الضغط اللازم نظريا لتحويل الهيدروجين إلى فلز يجب أن يصل إلى (400-500 GPa) أي حوالي 4 مليون مرة قدر الضغط الجوي، وهو ضغط يساوي تقريبا الضغط في مركز الكرة الأرضية. وقد حاول العلماء الحصول على الهيدروجين الفلزي في المختبر، وابتكروا لذلك مدفعا غازيا من نوع خاص ونجحوا في ذلك إلى حد ما. عند تحويل الهيدروجين إلى معدن (فلزّ) فإنه يبقى على هذه الخاصية حتى وإن تعرض لدرجة حرارة عالية وتفسر ظاهرة تحول غاز الهيدروجين إلى فلز يرجع إلى كون جزيئات الهيدروجين في الحالة السائلة تكون منفصلة عن بعضها إلى حد ما، ويحاط كل منها بسحابة من الالكترونات السالبة، ولكن الضغط الفائق يدفع هذه الجزيئات إلى الاقتراب بعضها من بعض، بحيث تتمكن الالكترونات من الانتقال بحرية من جزء إلى آخر، مكونة بذلك تيارا كهربائيا عند تعرض السائل لفرق في الجهد. كذلك فان هذا الضغط الفائق سيؤدي إلى تفكك بعض الجزيئات إلى ذرات، ولكن بعضُها يعود لتكوين جزيئات جديدة مرة أخرى. ويرى بعض العلماء أنه لو أمكن تحضير الهيدروجين الفلزي وجعله ثابتا تحت الظروف المعتادة من الضغط ودرجة الحرارة، فإنه قد يصلح للتوصيل الفائق للتيار الكهربائي، كما قد يصلح لصنع هياكل فلزية خفيفة الوزن جدا أو يستخدم وقودا نظيفا في محركات السيارات. ويعتقد الفيزيائيون أن الهيدروجين الفلزي، له بعض الخصائص الخارقة، حيث يمكن أن يكون موصلا فائقا للكهرباء في درجة حرارة الغرفة، وهو ما قد يعني أن تلك المادة يمكنها توصيل الكهرباء بدرجة مقاومة صفر، ودون أن يكون علينا تبريدها لدرجات حرارة منخفضة جدا وغير مألوفة. يوجد بالفعل العديد من المواد فائقة التوصيل، التي تستخدم لتخليق مجالات مغناطيسه لإنشاء حقول مغناطيسية قوية في أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي وفي القطارات فائقة السرعة. إلا أن تلك المواد تكون قادرة على تحقيق التوصيل الفائق في درجة حرارة أقل من -269 درجة مئوية (-452.2 فهرنهايت) أي تقترب من الصفر المطلق، مما يجعلها باهظة الثمن، وغير عملية بالنسبة لأغراض كثيرة. لَوْ تمكن العلماء من تحقيق نفس تلك القدرة الفائقة على التوصيل في درجة حرارة الغرفة، فإن ذلك سيُحدث ثورة غيرَ مسبوقة في مجال التوصيل الكهربائي، فعلى سبيل المثال، في مجال إنشاء خطوط شبكات الكهرباء التي لا تفقد أي قدر من الكهرباء بين محطة التوليد ومراكز الاستهلاك (بيوت، مصانع ..)، مقارنة بالـمُوصِلات الحالية التي تفقد ما مقادرُه 15% من الطاقة المنقولة عبرَها بسبب المقاومة. كما إن إيجاد بدائل توصيل عالية الفعالية والكفاءة يمكن أن يُخفِّضَ تكاليف تشغيل أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي التي تستعمل في المستشفيات بشكل ملحوظ جدا. العائق الأكبر في استخدام الموصلات الفائقة؛ هي حاجتُها الدائمة إلى أدوات تبريد قوية وفعالة للغاية بسبب ارتفاع درجة حرارة هذه الموصلات مما قد يتسبب في إتلاف الأجهزة المستعملة فيها ويزيد من تكاليف أجهزة التبريد. كما يمكن للهيدروجين الفلزي أن يكون أقوى وقودٍ للصواريخ سواءً الحامِلة للمَكُّوكات الفضائية والأقمار الصناعية أو التي تحمل رؤوسا متفجرة (الصواريخ الحربية)، مع قدرات تخزين هائلة للطاقة بين جوانح تلك الصواريخ، وستُمكِّننا هذه التقنية من الوصول إلى عوالم بعيدة جدا وغير معروفة.
ومن المتوقع أن يُسهِمَ هذا الإنجاز في صناعة أجهزة كومبيوتر فائقة السرعة، بسبب قدرتِه على التوصيل الفائق للتيار الكهربائي، وتحسين قدرات السيارات عبر استخدام وقودٍ نظيفٍ في محركات السيارات، وحتى المساعدة في استكشاف الفضاء حيث إنه يَصلح لصنع هياكل فلزية خفيفة الوزن وعالية الصلابة والتحمل، إلا أن تلك الآمال قد تذهب أدراج الرياح إذ لم ينجح الهيدروجين الفلزي في اجتياز اختبارات الضغط والحرارة والمزمع إجرائها في المستقبل القريب.


المصدر: http://arsco.org/detailed/45d3426d-ecd9-4f63-87f3-7caa90c1bf04
 

مواضيع مماثلة

أعلى