الموقف الشرعي من نشر ما يقدح في دين المسلمين

علي حسين

عضو معروف
إنضم
3 أبريل 2007
المشاركات
10,320
مجموع الإعجابات
2,965
النقاط
113
الموقف الشرعي من نشر ما يقدح في دين المسلمين



24-02-2013 | د.سلطان العميري

في مثل هذا الوقت من كل سنة , وقبيل انطلاق معرض الكتاب يثور الحوار في نوادينا الثقافية والفكرية حول قضية الموقف من السماح بنشر كتب الكفر والزندقة وعدم الاعتراض على بيعها في معرض الكتاب.

وليس بخافٍ على أحد من المسلمين أن المعتمد في الخلاف هو الرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم , ثم الرجوع إلى ما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم .

فإنا متى ما رجعنا إلى هذه المصادر فإنا سنصل إلى الحق بإذن الله تعالى , ومتى ما أخذنا نعتمد على أصول ومبادئ أخرى إما على سبيل الاستقلال أو المزاحمة لأصولنا الشرعية فإنا عادة لن نصل إلى حل واضح وناضج في قضيتنا الفقهية.
وقبل الولوج في تحليل دلالات النصوص الشرعية لا بد من التأكيد ابتداءً على أن القصد الأولي من هذه الورقة ليس هو البحث في تحديد ضوابط ما يسمح بنشره وما لا يسمح به , وإنما القصد منها البحث في مشروعية "أصل المنع لما يؤدي إلى القدح في دين المسلمين وتشكيكهم في صحته" وهو ما يعبر عنه عادة بنشر ما يدعو إلى الكفر والزندقة أو ما يعارض أصلا قطعيا من أصول الدين .

فهناك فرق بين البحث في دائرة أصل المنع وبين البحث في دائرة الضوابط التي يتحقق منها المنع وتنزيل ذلك في الواقع , فمن ينازع في قضية منع ما يؤدي في الكفر والزندقة صنفان: الأول : من يقول : إن أصل منع الأفكار غير مشروع , ولا مقبول ؛ لأن الفكر لا يقابل إلا بالفكر , والثاني: من يقر بأصل منع الأفكار المناقضة لأصل دين الإسلام , ولكنه ينازع في تنزيل الحكم على بعض الأصناف في الواقع.

وبالتالي فهذه الورقة تقصد بشكل أساسي إلى تأصيل القضية الأولى, وليس من هدفها مناقشة القضية الثانية, فهذه لها محل آخر وتحتاج إلى قدر من التحليل الفقهي وإلى جهد مضاعف ؛ إذ إنها من مواطن الاشتباه والاجتهاد في كثير من ضوابطها وتفاصيلها.
وقد ناقش فقهاء المذاهب هذه القضية في عدة أبواب من أبواب الفقه , فالباحث في جهودهم الفقهية يجد أنهم بحثوها في أبواب البيوع , وفي أبواب الإجارة , وفي كتاب الوقف , كما بحثوها في كتب السياسية الشرعية حين يتحدثون عن واجبات الإمام والسلطة في الإسلام , وكذلك تحدث عنها المؤلفون في مقاصد الشريعة , حين يتحدثون عن المقصد الأول في الشريعة وهو مقصد حفظ الدين.
ونحن إذا رجعنا إلى نصوص الشريعة وإلى مواقف الصحابة سنقف على أدلة عديدة تدل على مشروعية أصل المنع للكتب والمؤلفات والآراء التي تتضمن القدح في دين الإسلام وفي أصوله الكبرى , وتدل على أن منع ما يؤدي إلى تشكيك الناس في دينهم وإلى إحداث الاضطراب فيه مشروع , بل واجبٌ ومحتمٌ على كل قادر على ذلك.

وأما الأدلة الشرعية الدالة على مشروعية ذلك الأصل فهي كثيرة , ومنها :

النوع الأول : النصوص التي أمرت بتغيير المنكر , وأشهر نص فيها : قوله صلى الله عليه وسلم :"من رأى منكم منكرا فليغيره بيده , فإن لم يستطع فبلسانه , فإن لن يستطع فبقلبه , وذلك أضعف الإيمان"([1]).
والمنكر في هذا الحديث عام ؛ لأنه نكرة في سياق الشرط , فهو شامل لكل أنواع المنكر , سواء كان قوليا أو فعليا , فالحكم واحد فيها ولا فرق .
وفي هذا الحديث يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتغيير للمنكر , والمراد بالتغيير: إزالة صورة المنكر من الوجود([2]) , وتغييره باليد : إزالة صورته من الوجود أو منعها من الحدوث , فإن لم يكن ذلك في المستطاع فإنه ينتقل إلى تغييره باللسان , وهو التغيير بالوعظ والأمر والنهي , وإن لم يكن ذلك في المستطاع , فإنه ينتقل إلى التغيير بالقلب , وهو إنكار المنكر واعتقاد حرمته وبغضه وكراهته .
وقد نبه الشيخ محمد العثيمين على معنى لطيف في هذا الحديث , وهو أن مضمون ما جاء فيه أخص من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر , لأن فيه أمرا بالتغيير , وأما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهو معنى عام يشمل الدعوة بالأمر والنهي والنصح والتوجيه ,ولهذا جاء في هذا الحديث التعليق بالاستطاعة ولم يرد في الأمر بالمعروف والنهي المنكر التعليق بالاستطاعة([3]).
وبهذا يتضح بأن المراد بالحديث ليس مجرد إعلان الإنكار على المنكر أو مجرد الحوار معه , وإنما هو أعمق من ذلك , فهو متضمن للأمر بإزالته من الوجود بأي وسيلة ممكنة .

النوع الثاني : النصوص الدالة على أن ترك تغيير المنكر وإزالته سبب للعقوبة , ومن ذلك : قوله صلى الله عليه وسلم :" مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة ، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها ، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا لو أنا خرقنا فى نصيبنا خرقا ، ولم نؤذ من فوقنا . فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا ، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا "([4]).
وهذا الحديث يدل على أن المجتمع المسلم – أفرادا وجماعة وحكومة- عليه أن يسعى إلى منع كل ما يفسد في الدين والدينا , ويدل على أنهم إذا لم يفعلوا ذلك فإن العقوبة ستعمهم جميعا , وأن الهلاك سيكون شاملا وعاما .
ومن ذلك : قوله صلى الله عليه وسلم :" ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي هم أعز منهم وأمنع لا يغيرون إلا عمهم الله تعالى بعقابه"([5]).
وفي لفظ آخر , أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" ما من رجل يكون في قوم يعمل فيهم بالمعاصي يقدرون على أن يغيروا عليه فلا يغيروا إلا أصابهم الله بعذاب من قبل أن يموتوا "([6]).
فهذا الحديث يدل على أن المجتمع المسلم إذا لم يغير المنكر القولي أو الفعلي – مع قدرته على التغيير- فإنه يكون مستحقا للعقوبة من الله تعالى .
فهذه الشواهد اتفقت في الدلالة على معنى واحد , وهو أن المجتمع المسلم مطالب بمحاربة المنكر – أي منكر – وبمنعه قبل وقعه وبتغييره وإزالته بعد وقوعه , وأنه إذا لم يفعل ذلك فإنه مستحق العقوبة من الله تعالى .

النوع الثالث :النصوص الدالة على وجوب منع الضرر والإضرار عن المسلمين في دينهم ودنياهم , ومن أجمع تلك النصوص : قوله صلى الله عليه وسلم :" لا ضرر ولا ضرار"([7]).
وظاهر هذا الحديث يدل عل تحريم سائر أنواع الضرر ؛ لأن الضرر فيه نكرة في سياق النفي , فهي تدل على العموم , وبالتالي فهو يشمل تحريم الإضرار بالدين بالضرورة ؛ لأن الإضرار بأصل الدين هو أعظم الأضرار في التصور الإسلامي ؛ لكون الدين أهم الضروريات التي سعت الشريعة إلى الحفاظ عليها .
وقد أخذ العلماء من هذا النص قاعدة فقهية , وهي قاعدة " الضرر يزال" , ومقتضى هذه القاعدة المتفق عليها أن كل ما يُحدث الضرر في دين المسلمين فإنه تجب إزالته , فهل من إزالة الضرر عن دين المسلمين السماح بنشر وانتشار ما يقدح في دينهم وما يحدث التشكيك فيه ؟!! .
النوع الرابع : النصوص التي ذمت إتباع المتشابه وحذرت من المتبعين له , فإنه حين نزل قول الله تعالى : {هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَاب}[آل عمران:7] , قال النبي صلى الله عليه وسلم :" إذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه , فأولئك الذين سمى الله فاحذرهم "([8]) .
فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يحذرنا من الذين يتبعون المتشابه من النصوص الشرعية , فكيف بمن يشكك المسلمين في دينهم , وكيف بمن يثير الشبهات والشكوك حول نبوة الرسول وصدق القرآن وغيرها من أصول الدين , فهو أحق بالحذر من باب أولى بلا شك , والأمر بالحذر يشمل البعد عنهم وسد المنافذ المؤدية إلى انتشار أقوالهم ومواقفهم , وبالتالي فهل نكون ممتثلين لذلك التحذير النبوي إن سمحنا لكتب الكفر والزندقة أن تباع في أسواق المسلمين ؟!! وهل نكون ممتثلين للتحذير النبوي إذا فتحنا النوافذ لانتشار الآراء المخالفة لأصول الدبين بين أنباء المسلمين وشبابهم؟!!.
النوع الخامس : النصوص الدالة على النهي عن التعاون على الإثم والعدوان , كما قال تعالى : {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَاب}[المائدة:2], فهذه الآية دلت على تحريم التعاون على الإثم , وهو اسم جامع لكل ما يكرهه الله ويبغضه , وقد استدل بعض العلماء بهذه الآية على المنع من بيع جارية لأهل الفساد أو بيع أرض تتخذ كنسية أو خمارة([9]), وهي دالة بالضرورة على ضرورة المنع من انتشار الآراء المتضمنة للكفر والضلال في بلاد المسلمين .
النوع السادس : النهي عن مجالسة أهل الضلال والمشككين في الدين , كما في قوله تعالى : { وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } ., وقد تحدث السعدي بكلام مؤصل بديع عن معنى هذه الآية فقال :" أمر الله رسوله أصلا وأمته تبعا، إذا رأوا من يخوض بآيات الله بشيء مما ذكر، بالإعراض عنهم، وعدم حضور مجالس الخائضين بالباطل، والاستمرار على ذلك، حتى يكون البحث والخوض في كلام غيره، فإذا كان في كلام غيره، زال النهي المذكور...
هذا النهي والتحريم، لمن جلس معهم، ولم يستعمل تقوى الله، بأن كان يشاركهم في القول والعمل المحرم، أو يسكت عنهم، وعن الإنكار، فإن استعمل تقوى الله تعالى، بأن كان يأمرهم بالخير، وينهاهم عن الشر والكلام الذي يصدر منهم، فيترتب على ذلك زوال الشر أو تخفيفه، فهذا ليس عليه حرج ولا إثم"([10]).
ومقتضى دلالة الآية يؤكد على أن فتح المجال للمشككين في دين الله والمستهزئين به لنشر آرائهم وأفكارهم وإسماع المسلمين لها محرمة أيضا ؛ لأنها لا تختلف عن مجالستهم فيما يحدث عنها من الآثار , ولا يستثنى من ذلك إلا من كان لديه القدرة والمعرفة ليرد عليها ويبين ما فيها من ضلال وكفر , ومن المعلوم أنه ليس كل المسلمين يستطيعون ذلك .
ومن ذلك قوله تعالى : {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا}[النساء:140].
فهذه الآية تدل على أنه يجب اجتناب كل مجلس يقع فيه الكفر بالله والاستهزاء بدينه , ويدخل في حكم المجلس قياسا عليه قراءة المؤلفات والكتب التي يقع فيها الكفر بالله تعالى أو التشكيك في وجوده أو نحوها من أنواع الضلال , فإذا كنا نحن المسلمين مأمورين باجتناب ذلك كله فكيف يصح شرعا وعقلا السماح بانتشار آرائهم وكتبهم ببيعها في أسواق المسلمين وانتشارها في أنديتهم ومجتمعهم , فمن المعلوم أن ذلك يتنافى مع معنى الاجتناب , فهل يكون المسلمون ممتثلين لأمر ربهم بالاجتناب وهم يسمحون بذلك في أنديتهم وأسواقهم؟!

النوع السابع : النصوص الدالة على الابتعاد عن الفتن والحذر منها , وهي كثيرة جدا , ومنها : قوله صلى الله عليه وسلم :" إن بين أيديكم فتنا كقطع الليل المظلم , يصبح الرجل فيها مؤمنا ويمسي كافرا , ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا , القاعد فيها خير من القائم , والقائم فيها خير من الماشي , والماشي فيها خير من الساعي , قالوا : فما تأمرنا , قال : كونوا أحلاس بيوتكم"([11]).
ومنها : قوله صلى الله عليه وسلم :" من سمع بالدجال فلينأ منه , فإن الرجل يأتيه وهو يحسب أنه مؤمن فلا يزال به لما معه من الشبه حتى يتبعه"([12]) .
ومنها : قوله صلى الله عليه وسلم :" تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا , فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء , وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء , حتى تصير على قلبين على أبيض مثل الصفا , فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض , والآخر أسود مربادا كالكوز مجخيا , لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من مراه "([13]).
فهذه النصوص تدل على أنه يجب على المسلمين أن يبتعدوا عن كل ما يدخل عليهم الفتنة في دينهم , وهذا يدل على أنه يجب عليهم أن يسعوا إلى إغلاق جميع الأبواب التي تؤدي إلى إحداث الفتنة في دين الناس كلهم أو بعضهم , وهو يدل بالضرورة على وجوب منع الآراء والأفكار والبرامج التي تشكك المسلمين في دينهم أو تدخل عليهم الريبة فيه .

النوع الثامن : النصوص الدالة على وجوب عقوبة المرتد عن الدين، سواء قلنا بأن عقوبته القتل - وهو الصحيح كما تقدم - أو ما دونها.
وهذا النوع من النصوص يدل على تحريم نشر كل ما يؤدي إلى تشكيك كل المسلمين أو بعضهم في دينهم أو خروجهم منه , ويدل على وجوب منع كل ما يؤدي إلى ذلك ؛ لأنه ليس من المقبول عقلا أن تجرم الشريعة الردة وتعاقب عليها , ثم بعد ذلك تسمح بنشر الوسائل التي تؤدي إلى وقوعها في المجتمع .
والمستقر في الشريعة الغراء أنها إذا حرمت شيئا سدت كل الطرق التي تؤدي إليه , فإنها حين حرمت الزنا سدت كل الطرق التي تؤدي إليه , والتزم العلماء بهذا الأصل المطرد , فنصوا على أن الوسائل لها أحكام المقاصد , فإذا كان تكفير المسلم بغير حق محرما , فإنه يجب أن يمنع كل ما يؤدي إلى ذلك , وإذا كان الخمر وبيعه وشراؤه محرما , فإنه يجب منع كل ما يؤدي إلى ذلك , وإذا كان تشكيك المسلمين في ربهم أو في نبيهم أو في قرآنهم محرما فإنه يجب أن يمنع كل ما يؤدي إلى ذلك .

النوع التاسع : إجماع الصحابة على حرق المصاحف بعد أن حددوا المصحف الأم , وهم إنما أحرقوها خشية على الناس أن يقع بينهم التفرق في دينهم .
وهذا الإجماع يدل بالضرورة عل أن كل ما يدخل الفساد في دين الناس ويدخل عليهم الكفر والتشكك في أصوله فإنه يجب منعه , بل وإتلافه إن أظهره أصحابه في الواقع , وفي الكشف عن الدلالة الشرعية لإجماع الصحابة يقول ابن القيم : " كل هذه الكتب المتضمنة لمخالفة السنة غير مأذون فيها , بل مأذون في محقها وإتلافها , وما على الأمة أضر منها , وقد حرق الصحابة جميعا المصاحف المخالفة لمصحف عثمان لما خافوا على الأمة من الاختلاف , فكيف لو رأوا هذه الكتب التي أوقعت الخلاف والتفرق بين الأمة؟!"([14]) وكيف لو رأوا الكتب والآراء التي تشكك المسلمين في دينهم وتحدث الاضطراب والقلق في أصوله؟!
فتلك الأدلة السابقة يدل كل دليل منها- فضلا عن دلالاتها بمجموعها – على تقرير أصل كلي في الشريعة , وهو أنه يجب أن يمنع كل أمر يخالف ما يؤدي إلى خروج أو تشكك كل المسلمين أو بعضهم في الدين , وهذا الحكم يشمل كل الأفكار والآراء سواء نشرت عن طريق كتب ورقية أو عن طريق حوارات قضائية أو عن طريق مقالات الالكترونية.

اعتراضات في الطريق :
مع وضوح هذا الحكم وجلاء دلالة النصوص الشرعية عليه واستقراره في المنظومة الفقهية إلا أنه قد وجد في الساحة الفكرية من المسلمين من يخالف فيه , وحاول أن يقيم حوله عددا من الاعتراضات , والمنهجية العلمية الصارمة والصدق من النفس والقارئ يقتضي التنبيه على تلك الاعتراضات وبيان الموقف منها .
ولكن قبل ذلك لا بد من التأكيد على أن العادة المطردة في المعترضين على قضية وجوب منع ما يقدح في دين المسلم ويحدث التشكيك فيه لا يذكرون أكثر تلك الأدلة السابقة ولا يقدمون عنها أي جواب , وكأنه ليس لها أي وجود!! وهذا أمر غير مقبول وهو منافٍ للصدق المعرفي وللصلابة المنهجية التي تنبني عليها المواقف .

ولن أقف في هذه الورقة مع كل ما يذكر من اعتراض , وإنما على ما رأيته الأكثر ذكرا وانتشارا في الساحة الحوارية , وهي :

الاعتراض الأول : أن الفكر لا يقابل إلا بالفكر , وبالتالي فاستمعال المنع في المجال الفكري لن يجدي شيئا .
وهذه الاعتراض لقي انتشارا واسعا في الأوساط الثقافية , وأظهر عدد من المثقفين الاستحسان لها , ولكن عن التأمل فيها ودقيق النظر في مضمونها نكتشف بأنها حجة غير صحيحة :
أما أولا : فلأن الاستدلال بتلك المقولة يشعر القارئ بأن القول بالمنع يقتضي في نفسه أنه لا يستعمل في مقابلة الفكر إلا المنع فقط , وهذا غير صحيح وهو تشويه غير مقبول , فإنه لا يلزم عقلا ولا شرعا ولا لغة من القول بوجوب منع ما يقدح في دين المسلمين حصر الطرق التي يواجه بها الفكر المناقض للدين في المنع فقط .
بل نحن نقول إن مقابلة الفكر الذي يقدح في دين المسلمين يجب أن يكون بطرق متعددة , كتأليف الكتب وإقامة الندوات والحوارات الفكرية والسعي الحثيث إلى الإجابة عن كل الأسئلة التي يثيرها الواقع والمخالفون للدين , ونقول مع ذلك يجب إغلاق كل المنافذ والأبواب التي يمكن أن تؤدي إلى إحداث التشكيك في دين المسلمين , ونقول أيضا يجب استعمال كل الأساليب التي ثبت نفعها ولا تتضمن محذورا شرعيا , فإن الشريعة تقصد في كل ضرر ديني أو دينوي إلى إزالته أو تقليله , وكل وسيلة تؤدي إلى أحد هذين المقصدين , فهي مشروعة ومطلوبة .
وأما ثانيا : فلأن القول بمنع الآراء والأفكار المخالفة للإسلام ليس القصد منها إزالة الفكرة من عقل صاحبها , ولا مواجهة ما لديه من أدلة بمجرد المنع من نشرها , وإنما القصد منها التقليل من ضررها على المجتمع المسلم , فليس كل المسلمين لديهم القدرة على معرفة كل تفاصيل العلم والفكر , والخوف ليس على الإسلام ولا على أحكامه , وإنما على بعض المسلمين الذين ليس لديهم تصور كاف عن حقائق الدين وأصوله , وأما صاحب الفكرة والرأي فإن التعامل معه سيكون بالحوار والنقاش ودفع الحجة بالحجة مع أهل الخبرة والمعرفة والفكر.
وأما ثالثا : فلأنه ليس هناك أي مستند شرعي ولا واقعي ولا علمي على أن الأفكار لا يؤثر فيها إلا الأفكار فقط , بل النصوص الشرعية تخالف هذا التعميم , ويخالفه التاريخ أيضا , فقد تأثر فكر الخوارج كثيرا بمحاربة الصحابة له , وانزوى في مناطق ضيقة , وكثير من البلدان انطلقت من مذهب إلى آخر ومن دين إلى آخر بسبب القوة المادية , وأقوى شاهد على ذلك أن بلاد الأندلس والفلبين تحولت من كونها بلادا إسلامية إلى بلاد مسيحية ذات أغلبية نصرانية بسبب القوة والقتل والقهر.
وقد أشار عدد من المحللين لتاريخ الحضارات والأمم إلى أن منع الأفكار ومحاربتها بالقوة يؤدي إلى قلة انتشاراها في المجتمعات , وفي هذا المعنى يقول ول ديورانت , بعد تحليل طويل للتاريخ المسيحي الأوربي :" الفكرة القائلة بأن اضطهاد المعتقدات لا تأثير له أبداً، ضلال، فقد سحق الألبيجينزيين والهيجونوت في فرنسا، والكاثوليك في إنجلترا في عهد إليزابث والمسيحيين في اليابان- وانتزعت في القرن السادس عشر، الجماعات الصغيرة التي عطفت على البروتستانتية في أسبانيا"([15]) .
وبلا شك فإنه لا يوافق أحد على الممارسات القاسية التي وقعت في ذلك التاريخ , ولا على القتل والقهر الذي يمارس على الشعوب , ولكن ذلك يدل على خطأ الفكرة القائلة بأن الفكر لا يقابل إلا بالفكر فقط , فهذه الفكرة فضلا عن أنها مخالفة لمقتضيات النصوص الشرعية فهي مخالفة لتاريخ الأفكار والمذاهب .

الاعتراض الثاني : أنه لم يعد هناك فائدة من المنع , فالوصول إلى كل الأفكار أصبح سهلا ميسورا. وهذا الاعتراض غير صحيح ؛ لأننا نحن المسلمين مأمورون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومحاربته ولو لم يستجب أحد.
وكون المنكر يمكن أن يتوصل إليه من طريق آخر لا يستلزم شرعا ولا عقلا أن نفتح كل الطرق المؤدية إليه , ولا يكاد يقول بهذا القول عاقل .
ثم إنه يلزم على هذا الاعتراض ألا نمنع بيع الخمر في بلاد المسلمين ؛ لأن المفسدين يمكن أن يتوصلوا إليها بطرق شتى , ويلزم عنه أن نسمح بأفلام الجنس والخلاعة أن تباع في أسواقنا ؛ لأن المفسدين يمكن أن يتصلوا إليها بسهولة , ويلزم عنه ألا ندعو إلى محاربة الربا لأن المرابين يمكن أن يتوصلوا إلى الربا بطرق شتى , وكل هذه اللوازم الباطلة تدل على خطأ ذلك الاعتراض.
الاعتراض الثالث: أننا لا نخاف على الإسلام , والإسلام ليس خيط عنكبوت ينقطع بأدنى شبهة , فلماذا نمنع الفكر المناقض له؟!
وهذا الاعتراض غير صحيح ؛ لأننا حين نطالب بمنع ما يقدح في الدين ليس خوفا على الإسلام ولا على علماء الإسلام , وإنما على عدد من المسلمين ممن قل عمله وضعف تصوره , ووجود مثل هؤلاء في المسلمين لا ينازع فيه أحد , والتاريخ والواقع أكبر شاهد على ذلك.
ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم نهي أمته – ومنهم أصحابه – عن الاقتراب من الفتن , ونهيه عام يشمل جميع أنواع الفتن القولية والسلوكية , فهل كان النبي صلى الله عليه وسلم شكا في تبليغه أو شاكا في عقول أصحابه ؟!!
ولما علم النبي عليه السلام بأن المنافقين كوِّنوا لهم ديوانا يجتمعون فيه (مسجد الضرار ) بادر إلى هدمه .. فهل كان الرسول شاكا في تبليغه أو في عقلية أصحابه ؟!!
وفي ختام هذه الورقة لا بد من التأكيد على ما قرر هنا حكم شرعي مقدس لا يحق أن يكون مرتعا يتلاعب به السياسيون وغيرهم , بل يجب أن تغلق كل الأبواب التي يمكن أن يفذ من خلالها المستغلون , فيجب أن يضبط بضوابط عملية وشرعية وقانونية صارمة , بحث تكون حواجز مانعة أمام كل من يريد أن يستغل هذا الحكم الشرعي لمصالحه الشخصية أو الحزبية أو السياسية .


([1]) أخرجه : مسلم , رقم (49) .

([2]) انظر : درء التعارض , ابن تيمية (2/217) .

([3]) انظر : شرح العقيدة السفارينية , العثيمين (721-722) .

([4]) أخرجه : البخاري , رقم (2493) , وغيره .

([5]) أخرجه : أحمد في المسند , رقم (19253) , وأبو داود في السنن , رقم (4340) , وابن حبان في صحيحه , رقم (300) , وهو حديث صحيح , صححه ابن حبان والألباني , وغيرهما .

([6]) أخرجه : أبو داود في السنن , رقم (4339) , وابن حبان في صحيحه , رقم (302) .

([7]) أخرجه : مالك في الموطأ , رقم (2758) , وأحمد في المسند , رقم (2865) , وقد صححه الألباني في صحيح الجامع (7517) , وغيره .

([8]) أخرجه : البخاري , رقم (4547) , ومسلم , رقم (2665) .

([9]) انظر : الشرح الكبير , الدردير – مع حاشية الدسوقي- (3/7) , وبلغة السالك لأوضح المسالك , الصاوي (3/8) .

([10]) تيسير الكريم المنان (260) .

([11]) أخرجه : أحمد في المسند , رقم (19662) , وأبو داود في السنن , رقم (4264) , وصححه الألباني .

([12]) أخرجه : أحمد في المسند , رقم (19875) .

([13]) أخرجه : مسلم , رقم (144) .

([14]) الطرق الحكمية (399) .

([15]) قصة الحضارة (23/90) .
 

k.aman

عضو جديد
إنضم
23 أغسطس 2011
المشاركات
174
مجموع الإعجابات
38
النقاط
0
-
nj3.gif

-
الأحد 13 محرم 1435 هجرى - 17 نوفمبر 2013 ميلادى
 
أعلى