المشروع الإسلامي... مائة عام من الحصار

adison2000

عضو جديد
إنضم
13 سبتمبر 2010
المشاركات
3,079
مجموع الإعجابات
1,377
النقاط
0

المشروع الإسلامي... مائة عام من الحصار


د.عبد العزيز كامل



بعد سنوات قلائل من الآن تحل مناسبة مرور مئة عام على بدء سقوط (أو إسقاط) دولة الخلافة الإسلامية العثمانية؛ فقد سقطت الخلافة فعلياً بتوريط تركيا في الدخول طرفاً في الحرب العالمية الأولى التي بدأت عام (1332هـ) – (1914م) ، ليكون من نتائج تلك الحرب خروجها مهزومة في نهاية عام 1918م، وليعلَن إلغاء الخلافة رسمياً عام 1924م، وينتهي أمرها بتقسيم تَرِكتِها من الأراضي والبلدان التي كانت مجموعة تحت إدارتها بين الدول الاستعمارية النصرانية.
ومنذ تلك الحرب العالمية وحتى اليوم، هناك ما يشبه الإجماع العالمي على عدم تمكين المسلمين من السعي لاستعادة ذلك الكيان الموحَّد في أي صورة من الصور، سواء كان تجمعاً بقيادة عربية أو أعجمية. ولذلك أُجهِض أيضاً مشروع الشريف حسين (قائد الثورة العربية الكبرى)، وأُخرِج من القسمة؛ لقطع الطريق على أي محاولة للتجمع مرة أخرى. ومن يومها لم يكفَّ أعداء الإسلام على اختلاف أصنافهم عن المطاردة والمحاصرة، بل المقاتلة لكل مشروع (صغر أو كبر) من شأنه استئناف السير في طريق استعادة ذلك الكيان في يوم من الأيام. مع أن قوى الجبروت العالمي التي حَرَّمت على المسلمين هذه الوحدة المشروعة على أراضيها، أباحت لنفسها ولغيرها إنشاء وتثبيت وتوسيع كثير من المشروعات الاتحادية الدولية ذات التوجهات العالمية، على أراضيها وخارج أراضيها. وقد شهد التاريخ المعاصر صوراً متعددة من الكيانات الموحَّدة، مثل: (الاتحاد الأمريكي)، الذي وازاه وتحدَّاه (الاتحاد السوفييتي) ثم (الاتحاد الروسي)، وعُرِف كذلك (الاتحاد اليوغسلافي) و (اتحاد الدول الإسكندنافية)، وجاء (الاتحاد الأوروبي) تتويجاً رسمياً لاتحاد فعلي تكتلت فيه أوروبا «النصرانية» دون أن تسمح لبعض أجزائها «الإسلامية» أن تدخل معها في ذلك الاتحاد، مثل تركيا والبوسنة وألبانيا وكوسوفا!
ومن العجب أن شتات رُفَات اليهود الممزع في العالم - بعد أن ضُربَت عليهم الذلة والمسكنة - ألقيت له حبال الحياة والنجاة، كي يعود تحت رعاية أممية حميمية؛ لينشئ دولة صهيونية تقول علناً: إنها نواة دولة ليهود العالم، تبدأ من فلسطين لتتوسع بعد ذلك من النيل إلى الفرات، ولتنتهي إلى هيمنة أوسع - كما يتوهمون في صورة مملكة داوود العالمية! والأعجب من هذا أن يتزامن بَدء ذلك المشروع اليهودي «الدولي» مع انتهاء (أو إنهاء) وجود الكيان الإسلامي العالمي في تركيا!
لا أتحدث هنا - بداهة - عن الكيان المنشود منذ عشرة عقود، على أنه مطلب عاجل أو قابل للطرح الآن؛ فالبون شاسع بين الواقع المتواضع والأمل الواسع، ولا أتحدث كذلك عن مطلب سريع بدولة أو عدة دول إسلامية الظاهر والباطن، مُمَكَّنة في الداخل والخارج، فتلك أيضاًً أُمنيَة لم يتأهل الإسلاميون لها بَعْدُ؛ لكني فقط أنبِّه في هذه المرحلة إلى مسار الحصار - بمعناه العام لا الحرفي - وعن مسوغاته وتوقعاته واحتمالاته التي لا تحتمل تغافلاً عن تبعاتها وامتداداتها.
لقد أصبح مجرد تبنِّي فكرة النهوض بـ (المشروع الإسلامي) منذ إسقاط الخلافة مسوغاً لحصارٍ ضَارٍ يتعرض له كل من سار في ذلك الطريق؛ سواء كان شخصاً أو جماعةً أو كياناً إسلامياً وليداً في بقعة نائية من الأرض، وهذا يفسر لنا السر الكامن وراء استهداف رجالات وجماعات وكيانات العمل الإسلامي على امتداد الزمان والمكان منذ أُسقِط ذلك الكيان، في سلسلة متواصلة من الحرب المفتوحة التي مارسها أعداء المسلمين في الشرق والغرب، بأيديهم تارة وبأيدي أوليائهم وخلفائهم تارة أخرى. وهي قصة عاشها جيلنا وأجيال قبلنا، ولا بد أن تتحرز منها الأجيال بعدنا؛ لأنها تحكي مسيرة سُنَّة قدرية ذكرها القرآن في قول الله - تعالى - عن أعداء المسلمين: {وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إنِ اسْتَطَاعُوا} [البقرة: ٧١٢]، وقوله: {وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً} [النساء: 89]. فالقضية خاصة بحرب المؤمنين عندما يتطلعون لتمكين هذا الدين.

إن الحرب التي تعرَّض لها المشروع الإسلامي عبر قرن من الزمان في مختلف الأقطار، والتي نعرف جميعاً تفاصيلها وأطرافها ومراحلها
: لا تزال مستمرة، ولن تزال كذلك، وعليه فلا ينبغي للإسلاميين أن يتوهموا أن العالم سيرحِّب بصعودهم السريع والقوي والمفاجئ، ما دام هذا العالم محكوماً بقوى الاستكبار الجامعة لكل عداوات الكفار. ولا شك أن الثورات العربية التي برزت فيها القوى الإسلامية مثلت تحدياً مرعباً لكل الكارهين للإسلام في داخل بلاد المسلمين وخارجها؛ ولذلك فإن تحدي الإسلاميين - الذي ربما جاء غير مقصود - سيقابل حتماً بتحديات مقصودة، وعلى العادة المعهودة من محاولات الاحتواء والالتواء، ثم المكر والتنكر، ثم التشنيع على الخصوم وشيطنتهم، تمهيداً لحصارهم ثم إفشالهم. وتطورات الأمور في بلاد الثورات تقول: إن التواصل المعادي والمتآمر بين (الخارج الحاقد) و (الداخل الحانق) من أصحاب التوجهات الليبرالية واليسارية، سيوصل إلى مرحلة من الاستدراج للصدام؛ حتى لا يستوي العود، وتشتد الشكيمة؛ إلا أن يشاء الله شيئاً.
والسؤال هنا: هل تعي بعض قيادات العمل الإسلامي ذلك؟ وهل هناك استعداد لذلك؟ وهل يُعِد الأتباعَ لملاقاة ذلك؟ وهل وضعت في البرامج والخطط احتمالات المواجهة التي يُفتَرَض فرضَها على الإسلاميين، وعلى من خَلْفهم من عامة المسلمين، كما حدث مع جبهة الإنقاذ في الجزائر، ومع المجاهدين القدامى في أفغانستان، ثم مع من جاؤوا بعدهم من الطالبان الأفغان ثم طالبان باكستان، وكذلك ما صار بعد حرب البوسنة، وخلال حرب الشيشان، وما جرى لجماعات السنَّة في العراق، وما ثار بعد نجاح تجربة المحاكم الإسلامية في الصومال، وما دُبِّر إسرائيلياًَ ثم دولياً بعد فوز حماس ثم تمكُّنها في غزة، من حرب ثم حصار لا يزال مستمراً منذ ستِّ سنوات وحتى الآن؟ إن تفاصيل تلك المواقف والأحداث لا تزال ماثلـة؛ ولذلـك فإن دروسـها وعِبَـرَها لا ينبغي أن تنساها أو تتجاهلها الذاكرة؛ ولذلك أدعو كل الإسلاميين إلى إعادة استعراض واستذكار واستحضار القواسم المشتركة من تلك الدروس الحديثة، في تجاربنا الإسلامية.
لقد أبرزت أحداث الثورات العربية أن الاتجاهات الإسلامية أصبحت قوة لا يستهان بها في التغيير؛ حيث ظهر أنها تمتلك قوة «الكم» التي إن انضمت إليها قوة «الكيف» لصارت جديرة بحمل مشروع متكامل للتغيير، لا على مستوى المنطقة فحسب، بل على مستوى العالم.
لا يجوز لنا أن نتوقع - تبعاً لما رددته الأوساط الدبلوماسية الغربية ترحيباً بذلك التغيير الذي لن يكون متوافقاً مع إستراتيجيات هيمنتهم المتوحشة، مهما كان ذلك التغيير سلمياً أو (ديمقراطياً). فالتغيير الديمقراطي إذا صار سُلَّمَا لصعود الإسلاميين في «اللعبة» الديمقراطية، فسيدفع الغربيين وأذنابهم - حتماً - إلى تحطيم ذلك السلَّم، وتكسير تلك اللعبة؛ وبخاصة إذا كان في المقدمة من هؤلاء الصاعدين (سلفيون) هم في تصنيف المعسكر الليبرالي والمعسكر اليساري «متشددون» و «متطرفون»! مهما أظهروا أو تظاهروا بأنهم معتدلين أو وسطيين. وما أمر الجزائر عنا ببعيد.
معركة الإقصاء القادمة في بلاد الثورات، لن تستخدم فيها بالضرورة الوسائل «الإرهابية» القديمة، من سجون ومحاكمات ومطاردات؛ ولكن ستستخدم «تكتيكات» العزل الجماهيري، والتهييج الشعبي، والضرب على وتر الأزمات المعيشية، والضرورات الحياتية، ومشاغبات الأقليات، مستخدِمة وسائل الضغط والتضييق وإثارة الفتن وتشويه الصورة لفضِّ الأنصار وتكثير الأعداء، وستبدأ - والله أعلم - بـ «السلفيين»، ولن تستثني في ما بعد «الإخوان المسلمين»؛ ولهذا لا يجور لهذين الفصيلين المهمين من (الجماعة الأم) - أهل السنة والجماعة - أن يلعب أحدهم دور الثور الأبيض والآخر دور الثور الأسود، بل ينبغي لهم وللجميع غيرهم أن يكونوا في مكان ومقام الأُسُود المجتمعة المدافعة عن عرين الإسلام وحمى المسلمين، دون هوان أو عدوان. لا بد من الاجتماع قبل أن تجتمع علينا الأمم، ولا بد الائتلاف قبل أن تختلف في أجسادنا سهامهم.
جاءت ثورات التغيير العربية في أجواء متغيرات دولية بالغة الدقة، يمكن أن تترتب عليها متغيرات إقليمية وداخلية، بعضها يصبُّ في صالح تلك الثورات، ولكن بعضها الآخر يصيبها في مقتل إذا جرى التعامل معها بمنطق الاستهتار أو الاستعراض؛ الذي طالما أضاع فرصاً للنهوض. إن الحصار المفروض منذ مئة عام على المشروع الإسلامي، هو اليوم بصدد الفك أو الكسر، بفضل من الله. ولكن مع ذلك لا بد من النظر إلى المناخ الدولي المحيط كما هو على الأرض، لا كما نتمنى في الخيال، ولا مناص من تحسس مواضع الإقدام أو الإحجام، في التخطيط أو التنفيذ لبرامج مشروعنا الإسلامي الناهض؛ فالحذر وقت الخطر فريضة شرعية طالما جرَّ التفريط فيها إلى كوارثَ ورزايا، مع العلم بأن جزءاً كبيراً من الواقع الدولي والإقليمي الراهن يمكن أن يكون عامل تقوية لمشروعات النهوض الإسلامي في مرحلة ما بعد الثورات، إذا أحسن التعامل معه.




 
أعلى