الفارس الأسير

العقاب الهرم

مشرف داعم للملتقى
عضو داعم
إنضم
12 فبراير 2007
المشاركات
5,340
مجموع الإعجابات
356
النقاط
0
هذه القصة تعود بنا لمعركة القادسية، فقد كانت الباب الذي دخل منه المسلمون لفارس فاتحين. وكانت هذه المعركة بقيادة الصحابي الجليل، والقائد المحنك، سعد بن أبي وقاص.
كنا جلوسا عند سعد وهو يخطط للمعركة في خيمته، ويحدد حاملي الألوية، ومن ينوبهم. وإذ برسول أمير المؤمنين عمر، يدخل علينا ويسلّم سعدا رسالة مختومة. ففتحها سعد فكان فيها: إن قدم عليك أبو محجن الثقفي فاحبسه. كان هذا أمر أمير المؤمين لسعد. ولم تمض فترة طويلة، حتى وصل أبو محجن ودخل علينا. فسلم، وطلب من سعد أن يسمح له بالمشاركة في القتال. فرفض سعد طلبه وقال: لقد أمرني عمر بحسبك، ولا أستطيع مخالفة أمر الخليفة. فرد أبو محجن وقد ارتسمت الدهشة على وجهه: لكنني جئت للجهاد، والمسلمون بحاجة لكل فرد لمواجهة أعداء الله، فهم يفوقوننا عددا وعدة!! فأجاب سعد بحزم: إنه أمْر أمير المؤمنين. وأمَرَ الجند بحبسه.
وحمى وطيس المعركة، وأصاب سعدا وجع في بطنه، فلم يستطع أن يشارك، فأخذ يرقب المعركة من بعيد. واشتد هجوم الفرس على المسلمين. ثم رأينا فارسا ينظم لجيش المسلمين، ويتقدم نحو الفرس، فبدأت الرؤوس تتطاير من حد سيفه. فتشجع المسلمون، وأقدموا على الموت، يرجون جنة عرضها السموات والأرض. فقال سعد متعجبا: من ذلك الفارس؟ لولا أن أبا محجن في السجن لظننت أن هذا الفارس هو أبو محجن. وقبل انتهاء المعركة، انسحب الفارس من حيث أتى. ثم كان النصر للمسلمين.
فأخذ سعد يسأل عن هذا البطل، حتى علم أنه أبو محجن، فسأله: كيف هربت من حبسك؟
فأجاب: عندما سمعت بشدة بأس الفرس في القتال، لم تطاوعني نفسي بالجلوس في الحبس وأخوتي ينالون الشهادة هناك في ساح الوغى، وما بيني وبينهم إلا عدة خطوات، وتحول القيود بيني وبين الانضمام إليهم. فطلبت من زوجتك سلمى أن تفك قيودي، فأبت، فعاهدتها أن أعود لحالي في السجن إن سلمني الله، أما إن استشهدت فلا تبعة علي. فوافقت وأعطتني فرسك. فرأيت ما كان.
يا لهذه الهمة، ويا لهذه الشجاعة. لقد كان آمنا في سجنه، بعيدا عن أسنة الرماح وحد السيوف، لكنه أبى إلا أن يقاتل جنبا لجنب مع أخوته، فإن نالهم خير كان معهم، وإن أصابهم مكروه كان منهم. بهذه الهمم ساد هذا الدين، وسقطت مملكتا فارس وهرقل. بهذه الروح امتد الإسلام من حدود الصين للمحيط الأطلسي. ساد برجال شروا الدنيا بالآخرة. فسطروا بدمائهم أروع البطولات.
بعد أن سمعنا قصته، سأله سعد: ولم أمر الخليفة بحبسك؟ فقال: كنت صاحب شراب في الجاهلية، وأنا امرؤ شاعر يدب الشعر على لساني فينفثه أحيانا، فحبسني لأني قلت:

إذا مـت فـادفني إلـى جـنب كرمـة * * * تـروي عظـامي بعـد مـوتي عروقها
ولا تــدفنني فــي الفــلاة فـإنني * * * أخــاف إذا مـا مـت أن لا أذوقهـا

فقال له سعد: اذهب فلست مؤاخذك بشيء حتى تفعله، فقال أبو محجن: وأنا والله لا أشربها أبدا.
هجر فارسنا الخمرة فلم يعد يشربها. توفي غازيا في نواحي أذربيجان. ضاربا مثلا يستحق أن يكتب بماء الذهب في شجاعته، وشدة بأسه في القتال. وفي وفاءه بعهده لامرأة. فبعد أن نال حريته، عاد وقيد نفسه، موفيا بعهد قطعه لسلمى زوجة سعد.
 

د.محمد باشراحيل

إستشاري الملتقى
إنضم
11 مارس 2009
المشاركات
7,042
مجموع الإعجابات
1,011
النقاط
0
رضي الله عن الصحابة والتابعين فقد كانوا قدوة في اخلاقياتهم وقد اتعبوا من جاء بعدهم ولكن نسأل الله ان يهدينا لمثل ما كانوا عليه. جزاك الله خيرا اخي المهندس العقاب الهرم.
 

العقاب الهرم

مشرف داعم للملتقى
عضو داعم
إنضم
12 فبراير 2007
المشاركات
5,340
مجموع الإعجابات
356
النقاط
0
رضي الله عن الصحابة والتابعين فقد كانوا قدوة في اخلاقياتهم وقد اتعبوا من جاء بعدهم ولكن نسأل الله ان يهدينا لمثل ما كانوا عليه. جزاك الله خيرا اخي المهندس العقاب الهرم.

شكرا اخى د.محمد
تشرفت بمرورك
 

عاطف مخلوف

عضو جديد
إنضم
5 مايو 2007
المشاركات
3,157
مجموع الإعجابات
325
النقاط
0
بارك الله فيك الكريم
لقد كان الصحابة رجالا يعز وجود امثالهم علي مر العصور ، تمتعوا بالفطر السليمة ، والرجوع الي الحق عن قرب ، لا جدل ولا مشاحنة ولا لجاجا ، ثقة بالله ثم ثقة بالنفس ، ولا ادرى ااعجب لعمر بن الخطاب ام لابي عبيدة ام لابي محجن فموقف كل منهم آية في الصدق مع الله والاستقامة ، فالاول رأى عزل فارس إعمالا لشريعة الله ، والثاني أطاع خليفة الله علي بعده عنه وعن المعركة ، والثالث خالف اميره ليبذل نفسه في سبيل الله لا لمطمع في الدنيا او هوى ، ثم تاب من قريب .
جزاك الله اخي الكريم علي تقديمك لهذه الصفحة المشرقة من تاريخنا الاسلامي المشرق الوضاء، في أيامنا هذه العجاف .
 

eng abdallah

عضو معروف
إنضم
7 فبراير 2009
المشاركات
6,892
مجموع الإعجابات
446
النقاط
83
جزاك الله كل خير على هذا الموضوع
 

العقاب الهرم

مشرف داعم للملتقى
عضو داعم
إنضم
12 فبراير 2007
المشاركات
5,340
مجموع الإعجابات
356
النقاط
0
بارك الله فيك الكريم
لقد كان الصحابة رجالا يعز وجود امثالهم علي مر العصور ، تمتعوا بالفطر السليمة ، والرجوع الي الحق عن قرب ، لا جدل ولا مشاحنة ولا لجاجا ، ثقة بالله ثم ثقة بالنفس ، ولا ادرى ااعجب لعمر بن الخطاب ام لابي عبيدة ام لابي محجن فموقف كل منهم آية في الصدق مع الله والاستقامة ، فالاول رأى عزل فارس إعمالا لشريعة الله ، والثاني أطاع خليفة الله علي بعده عنه وعن المعركة ، والثالث خالف اميره ليبذل نفسه في سبيل الله لا لمطمع في الدنيا او هوى ، ثم تاب من قريب .
جزاك الله اخي الكريم علي تقديمك لهذه الصفحة المشرقة من تاريخنا الاسلامي المشرق الوضاء، في أيامنا هذه العجاف .

فعلا اخى A.mak
دمت بالف خير
 
أعلى