الشيخ العلامة محمد الخضر حسين رحمه اللــــه

Ayman

عضو جديد
إنضم
24 فبراير 2003
المشاركات
2,100
مجموع الإعجابات
277
النقاط
0


الشيخ العلامة محمد الخضر حسين



المولد والنشأة

ولد محمد الخضر حسين بمدينة نفطة التونسية في (26 رجب 1293هـ= 16 أغسطس 1876م)، ونشأ في أسرة كريمة تعتز بعراقة النسب وكرم الأصل، وتفخر بمن أنجبت من العلماء والأدباء، وفي هذا الجو المعبق بأريج العلم نشأ "الخضر حسين"؛ فحفظ القرآن الكريم، وتعلَّم مبادئ القراءة والكتابة، وشدا شيئًا من الأدب والعلوم الشرعية، ثم انتقل مع أسرته إلى تونس العاصمة سنة (1305هـ= 1887م) وهو في الثانية عشرة من عمره، والتحق بجامع الزيتونة، وأكبّ على التحصيل والتلقِّي، وكانت الدراسة فيه صورة مصغرة من التعليم في الجامع الأزهر في ذلك الوقت، تُقرأ فيه علوم الدين من تفسير وحديث وفقه وعقيدة وعلوم اللغة من نحو وصرف وبيان، وكان من أبرز شيوخه الذين اتصل بهم وتتلمذ لهم: عمر بن الشيخ، ومحمد النجار وكانا يدرّسان تفسير القرآن الكريم، والشيخ سالم بوحاجب وكان يدرس صحيح البخاري، وقد تأثر به الخضر الحسين وبطريقته في التدريس.



بعد التخرج

تخرج محمد الخضر الحسين في الزيتونة، غزير العلم، واسع الأفق، فصيح العبارة، محبًا للإصلاح، فأنشأ مجلة "السعادة العظمى" سنة (1321هـ= 1902م) لتنشر محاسن الإسلام، وترشد الناس إلى مبادئه وشرائعه، وتوقظ الغافلين من أبناء أمته، وتفضح أساليب الاستعمار، وقد لفت الأنظار إليه بحماسه المتقد ونظراته الصائبة، فعُهد إليه بقضاء "بنزرت"، والخطابة بجامعها الكبير سنة (1324هـ= 1905م)، لكنه لم يمكث في منصبه طويلاً، وعاد إلى التدريس بجامع الزيتونة وتولى تنظيم خزائن كتبه، ثم اختير للتدريس بالمدرسة الصادقية وكانت المدرسة الثانوية الوحيدة في تونس، وقام بنشاط واسع في إلقاء المحاضرات التي تستنهض الهمم، وتنير العقول وتثير الوجدان، وأحدثت هذه المحاضرات صدى واسعًا في تونس.

ولما قامت الحرب الطرابلسية بين الدولة العثمانية وإيطاليا، وقف الخضر حسين قلمه ولسانه إلى جانب دولة الخلافة، ودعا الناس إلى عونها ومساندتها، وحين حاولت الحكومة ضمه إلى العمل في محكمة فرنسية رفض الاشتراك فيها، وبدأ الاستعمار الفرنسي يضيّق عليه ويتهمه ببث روح العداء له؛ فاضطر الشيخ محمد الخضر الحسين إلى مغادرة البلاد سنة (1329هـ= 1910م) واتجه إلى إستانبول.

بين إستانبول ودمشق

بدأ الخضر حسين رحلته بزيارة مصر وهو في طريقه إلى دمشق، ثم سافر إلى إستانبول ولم يمكث بها طويلاً، فعاد إلى بلاده ظانًا أن الأمور قد هدأت بها، لكنه أصيب بخيبة أمل وقرَّر الهجرة مرة ثانية، واختار دمشق وطنًا له، وعُيِّن بها مدرسًا للغة العربية في المدرسة السلطانية سنة (1331هـ= 1912م)، ثم سافر إلى إستانبول، واتصل بأنور باشا وزير الحربية، فاختاره محررًا عربيًا بالوزارة، ثم بعثه إلى برلين في مهمة رسمية، فقضى بها تسعة أشهر، وعاد إلى العاصمة العثمانية، فاستقر بها فترة قصيرة لم ترقه الحياة فيها، فعاد إلى دمشق، وفي أثناء إقامته تعرَّض لنقمة الطاغية "أحمد جمال باشا" حاكم الشام، فاعتقل سنة (1334هـ= 1915م)، وبعد الإفراج عنه عاد إلى إستانبول، وما كاد يستقر بها حتى أوفده أنور باشا مرة أخرى إلى ألمانيا سنة (1335هـ= 1916م)، والتقى هناك بزعماء الحركات الإسلامية من أمثال: عبد العزيز جاويش، وعبد الحميد سعيد، وأحمد فؤاد، ثم عاد إلى إستانبول، ومنها إلى دمشق حيث عاد إلى التدريس بالمدرسة السلطانية، ودرّس لطلبته كتاب "مغنى اللبيب عن كتب الأعاريب" لابن هشام النحوي المعروف، حتى إذا تعرضت الشام للاحتلال الفرنسي، اضطر الخضر الحسين إلى مغادرة دمشق والتوجه صوب القاهرة.


الاستقرار في القاهرة


الأزهر من الداخل

نزل محمد الخضر الحسين القاهرة سنة (1339هـ= 1920م)، واشتغل بالبحث وكتابة المقالات، ثم عمل محررًا بالقسم الأدبي بدار الكتب المصرية، واتصل بأعلام النهضة الإسلامية في مصر وتوثقت علاقته بهم، ثم تجنَّس المصرية، وتقدَّم لامتحان شهادة العالمية بالأزهر، وعقدت له لجنة الامتحان برئاسة العلامة عبد المجيد اللبان مع نخبة من علماء الأزهر الأفذاذ، وأبدى الطالب الشيخ من رسوخ القدم ما أدهش الممتحنين، وكانت اللجنة كلما تعمَّقت في الأسئلة وجدت من الطالب عمقًا في الإجابة وغزارة في العلم، وقوة في الحجة، فمنحته اللجنة شهادة العالمية، وبلغ من إعجاب رئيس اللجنة بالطالب العالم أن قال: "هذا بحٌر لا ساحل له، فكيف نقف معه في حِجاج".

معاركه الفكرية

شاءت الأقدار أن تُمتحن الحياة الفكرية بفتنة ضارية أثارها كتابا: "الإسلام وأصول الحكم" لعلي عبد الرازق و"في الشعر الجاهلي" لطه حسين، وكان الشيخ محمد الخضر حسين واحدًا ممن خاضوا هذه المعركة بالحجة القوية والاستدلال الواضح والعلم الغزير.

أما الكتاب الأول فقد ظهر في سنة (1344هـ= 1926م) وأثار ضجة كبيرة وانبرت الأقلام بين هجوم عليه ودفاع عنه، وقد صدم الكتاب الرأي العام المسلم حين زعم أن الإسلام ليس دين حكم، وأنكر وجوب قيام الخلافة الإسلامية، ونفى وجود دليل عليها من الكتاب والسنة، وكانت الصدمة الثانية أن يكون مؤلف هذا الكتاب عالمًا من علماء الأزهر.

وقد نهض الشيخ محمد الخضر حسين لتفنيد دعاوى الكتاب فأصدر كتابه: "نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم" سنة (1344هـ= 1926م) تتبع فيه أبواب كتاب علي عبد الرازق، فكان يبدأ بتلخيص الباب، ثم يورد الفقرة التي تعبّر عن الفكرة موضوع النقد فيفندها، ونقد استخدام المؤلف للمصادر، وكشف أنه يقتطع الجمل من سياقها، فتؤدي المعنى الذي يقصده هو لا المعنى الذي يريده المؤلف.

وقد كشف الخضر الحسين في هذا الكتاب عن علم غزير وإحاطة متمكنة بأصول الفقه وقواعد الحجاج وبصيرة نافذة بالتشريع الإسلامي، ومعرفة واسعة بالتاريخ الإسلامي ورجاله وحوادثه.

وأمَّا الكتاب الآخر فقد ظهر سنة (1345هـ= 1927م)، وأحدث ضجة هائلة، حيث جاهر مؤلفه الدكتور طه حسين باحتقار والشك في كل قديم دُوِّن في صحف الأدب، وزعم أن كل ما يُعد شعرًا جاهليًا إنما هو مختلق ومنحول، ولم يكتف بهذه الفرية فجاهر بالهجوم على المقدسات الدينية حيث قال: "للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل وللقرآن أن يحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل، ولكن هذا لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي…". وقد انبرت أقلام غيورة لتفنيد ما جاء في كتاب الشعر الجاهلي من أمثال الرافعي، والغمراوي، ومحمد فريد وجدي، ومحمد الخضر حسين الذي ألَّف كتابا شافيا في الرد على طه حسين وكتابه بعنوان: "نقض كتاب في الشعر الجاهلي" فنَّد ما جاء فيه، وأقام الأدلة على أصالة الشعر الجاهلي وكشف عن مجافاة طه حسين للحق، واعتماده على ما كتبه المستشرق الإنجليزي مرجليوث دون أن يذكر ذلك.


في ميادين الإصلاح

اتجه الشيخ إلى تأسيس الجمعيات الإسلامية، فاشترك مع جماعة من الغيورين على الإسلام سنة (1346هـ= 1928م) في إنشاء جمعية الشبان المسلمين، ووضع لائحتها الأولى مع صديقه محب الدين الخطيب، وقامت الجمعية بنشر مبادئ الإسلام والدفاع عن قيمه الخالصة، ومحاربة الإلحاد العلمي. ولا تزال هذه الجمعية بفروعها المختلفة تؤدي بعضا من رسالتها القديمة. وأنشأ أيضا "جمعية الهداية الإسلامية" وكان نشاطها علميا أكثر منه اجتماعيا، وضمَّت عددا من شيوخ الأزهر وشبابه وطائفة من المثقفين، وكوَّن بها مكتبة كبيرة كانت مكتبته الخاصة نواة لها، وأصدر مجلة باسمها كانت تحمل الروائع من التفسير والتشريع واللغة والتاريخ.

وإلى جانب هذا النشاط الوافر تولى رياسة تحرير مجلة نور الإسلام – الأزهر الآن – التي أصدرها الأزهر في (المحرم 1349هـ= 1931م)، ودامت رئاسته لها ثلاثة أعوام، كما تولى رئاسة تحرير مجلة لواء الإسلام سنة (1366هـ= 1946م)، وتحمل إلى هذه الأعباء التدريس بكلية أصول الدين، فالتف حوله الطلاب، وأفادوا من علمه الغزير وثقافته الواسعة، وعندما أنشئ مجمع اللغة العربية بالقاهرة سنة (1350 هـ=1932م) كان من الرعيل الأول الذين اختيروا لعضويته، كما اختير عضوا بالمجمع العلمي العربي بدمشق، وأثرى مجلة مجمع اللغة العربية بالقاهرة ببحوثه القيمة عن صحة الاستشهاد بالحديث النبوي، والمجاز والنقل وأثرهما في حياة اللغة العربية، وطرق وضع المصطلحات الطبية وتوحيدها في البلاد العربية.

مشيخة الأزهر

نال الشيخ عضوية جماعة كبار العلماء برسالته القيمة "القياس في اللغة العربية" سنة (1370 هـ= 1950م)، ثم لم يلبث أن وقع عليه الاختيار شيخا للجامع الأزهر في (26 ذي الحجة 1371هـ= 16 سبتمبر 1952م)، وكان الاختيار مفاجئًا له فلم يكن يتوقعه أو ينتظره بعدما كبر في السن وضعفت صحته، لكن مشيئة الله أبت إلا أن تكرم أحد المناضلين في ميادين الإصلاح، حيث اعتلى أكبر منصب ديني في العالم الإسلامي.

وكان في ذهن الشيخ حين ولي المنصب الكبير وسائل لبعث النهضة في مؤسسة الأزهر، وبرامج للإصلاح، لكنه لم يتمكن من ذلك، ولم تساعده صحته على مغالبة العقبات، ثم لم يلبث أن قدم استقالته احتجاجًا على اندماج القضاء الشرعي في القضاء الأهلي، وكان من رأيه أن العكس هو الصحيح، فيجب اندماج القضاء الأهلي في القضاء الشرعي؛ لأن الشريعة الإسلامية ينبغي أن تكون المصدر الأساسي للتشريع، وكانت استقالته في (2 جمادى الأولى 1372هـ= 7 يناير 1954م)، ويذكر له في أثناء توليه مشيخة الأزهر قولته: "إن الأزهر أمانة قي عنقي أسلمها حين أسلمها موفورة كاملة، وإذا لم يتأت أن يحصل للأزهر مزيد من الازدهار على يدي، فلا أقل من أن لا يحصل له نقص" وكان كثيرا ما يردد: "يكفيني كوب لبن وكسرة خبز وعلى الدنيا بعدها العفاء".

مؤلفاته

كان الشيخ عالما فقيها لغويا أديبا كاتبا من الرعيل الأول، أسهم في الحركة الفكرية بنصيب وافر وترك للمكتبة العربية زادا ثريا من مؤلفاته، منها:

رسائل الإصلاح، وهي في ثلاثة أجزاء، أبرز فيها منهجه في الدعوة الإسلامية ووسائل النهوض بالعالم الإسلامي.

الخيال في الشعر العربي.

آداب الحرب في الإسلام.

تعليقات على كتاب الموافقات للشاطبي.

ديوان شعر "خواطر الحياة".

بالإضافة إلى بحوث ومقالات نشرت في مجلة الأزهر (نور الإسلام) ولواء الإسلام والهداية الإسلامية.

وفاته

وبعد استقالته من المشيخة تفرغ للبحث والمحاضرة حتى لبى نداء ربه في مساء الأحد (13 من رجب 1377هـ = 28 من فبراير 1958م)، ودفن بجوار صديقه أحمد تيمور باشا بوصية منه، ونعاه العلامة محمد علي النجار بقوله: "إن الشيخ اجتمع فيه من الفضائل ما لم يجتمع في غيره إلا في النّدْرَى، فقد كان عالما ضليعا بأحوال المجتمع ومراميه، لا يشذ عنه مقاصد الناس ومعاقد شئونهم، حفيظا على العروبة والدين، يردّ ما يوجه إليهما وما يصدر من الأفكار منابذًا لهما، قوي الحجة، حسن الجدال، عف اللسان والقلم …".

---------------------------------------------------------------
من مصادر الدراسة:
أنور الجندي: الفكر والثقافة المعاصرة في شمال إفريقيا – الدار القومية للطباعة والنشر – القاهرة – (1385هـ= 1965م).
علي عبد العظيم: مشيخة الأزهر منذ إنشائها حتى الآن – مطبوعات مجمع البحوث الإسلامية – القاهرة – (1399 هـ= 1979م).
محمد رجب البيومي: النهضة الإسلامية في سير أعلامها المعاصرين – دار القلم – دمشق - (1415 هـ= 1995م).
محمد مهدي علام: المجمعيون في خمسين عاما – مطبوعات مجمع اللغة العربية – القاهرة - (1406هـ= 1986م)
محمد علي النجار: كلمة في تأبين الشيخ محمد الخضر حسين – محاضر جلسات مجمع اللغة العربية - الجزء الحادي والعشرون
.

---
منقول من عدة مصادر بتصرف
 

Ayman

عضو جديد
إنضم
24 فبراير 2003
المشاركات
2,100
مجموع الإعجابات
277
النقاط
0

نهوض الشباب بعظَائِم الأمُور

محمد الخضر حسين

بسم الله الرحمن الرحيم
يسبق إلى الأذهان أن الفتى حديث السن، لقلّة ما مر عليه التجارب، تخفى عليه عواقب الأمور ويقصر باعه عن حل المعضلات، وتصريف الأمور بحكمة، ومن هنا نرى الناس يحتملون أخطاء الشباب أكثر من احتمالهم أخطاء غيره، ويعتذرون عنه بحداثة سنة، كما قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، لمن أنكر عليه عزل خالد بن الوليد من قيادة الجيش الفاتح للشام: إنك حديث السن، مغضب في ابن عمك.

وهذا حق بالنظر إلى الشباب الذين ينشأون نشأة عادية فتنمو عقولهم، على قدر ما يمر عليهم من السنين، وعلى قدر ما يلاقون من تجارب الحياة.



ما استقامت قناة ُفكري إلا * بعد أن أعوج المشيب قناتي



ولكن التاريخ والمشاهدة يدلان على أن في الشباب من يبلغ في حصافة العقل، وحسن التدبير، المنزلة الكافية لأن يلقى على عاتقه ما يلقى على عواتق الكهول أو الشيوخ من عظائم الأمور.

وفي مثل هذا الفتى يقول بعض الأدباء: (( قد لبس شبابه على عقل كهل، ورأي جزل، ومنطق فصل، حمدت عزائمه، قبل أن تحمل تمائمه ))، وفي مثل هذا يقول آخر: (( و كان بارعاً في العلم أو السياسة إلى درجة تسمو على سنِّه ))، وفي مثل هذا الفتى يقولون: (( كان حسن السيرة رفيقاً بالرعية، على حداثة سنِّه ))، وقد يقولون: لا تنظر إلى صغر سن فلان، وانظر إلى عظم ما بلغه من المجد، كما قال البحتري:

لا تـنظرن إلى الفياض من صغر * في السن وانظر إلى المجد الذي شادا

إن الـنجوم نـجوم الأفق أصغرها * فـي العين أذهبها في الجو إصعادا



وإذا قلبنا صفحات التاريخ، دلتنا على رجال ظهرت عبقريتهم، وكفايتهم للقيام بأعمال جليلة وهم في أوائل عهد شبيبتهم.

نقرأ في السيرة النبوية أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولّى عتاب بن أسيد مكة وقضاءها وهو في سن الحادية والعشرين، وولّى معاذ بن جبل على اليمن وهو دون سن العشرين، وولّى أسامة بن زيد إمارة جيش فيه الشيخان أبو بكر وعمر، وسن أسامة يومئذ تسع عشرة سنة، وولّى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كعب بن صور قضاء البصرة وهو في سن العشرين.

وكان يدعو ابن عباس في المعضلات ويجلسه بين الأشياخ وهو دون سن العشرين.

وقلّد عثمان - رضي الله عنه - عبد الله بن عامر ولاية البصرة و هو ابن خمس وعشرين سنة، قاد الجيوش وفتح ما بقي من بلاد الفرس، حتى انقرضت على يده الدولة الساسانية، وولى الحجاج محمد ابن القاسم بن محمد بن الحكم الثقفي قيادة جيش أخمد ثورة في الفرس، وقيادة جيش افتتح السند، وكان عمر هذا القائد سبع عشرة سنة حتى قال فيه بعضهم:



قاد الجيوش لسبع عشرة حجّة * يا قربى ذلك سؤدداً من مولد



وظهر نبوغ مخلد بن يزيد المهلبي في أوائل عهد شبابه، وفيه يقول حمزة بن بيض الحنفي:



بلغت لعشر مضت من سنيك * مـا يـبلغ الـسيد iiالأشيب

فـهمّك فـيها جسام iiالأمور * وهــمّ لـداتك أن iiيـلعبوا



وكان مخلد هذا والياً على جرجان، وتوفي في عهد عمر بن عبد العزيز، وهو ابن سبع وعشرين سنة، وقال عمر بن عبد العزيز: اليوم مات فتى العرب، وأنشد متمثلاً:



على مثل عمرٍ تذهب النفس حسرةً * وتضحي وجوه القوم مغبرّة سودا



وولي المأمون يحيى بن الأكثم قضاء بغداد وهو سن الحادية والعشرين، وتولى أبو شجاع بن نظام الدين الوزارة للمسترشد، وسنه دون العشرين، ولم يل الوزارة أصغر منه وإذا انتقلنا إلى النظر في شباب الملوك، وجدنا رجالاً تقلدوا الملك في سن العشرين أو فيما دونه أو فيما يزيد عليه بقليل، وأخص حديثي وما أسوقه من الأمثال بمن تولوا الملك في عهد الشباب، وظهرت لهم آثار تدل على كفايتهم للقيام بأعباء الملك.



وأضع في أول سلسة هؤلاء الشباب من الملوك الخليفة هارون الرشيد فإنه تولى الخلافة وهو في سن الحادية أو الثانية والعشرين، وماذا أقول في هارون الرشيد وصحف التاريخ مملوءة بمآثره الحميدة، وبما بلغه الإسلام في عهده من العزة والعظمة.

وإذا لم يكن بدّ من ذكر خصلة من خصاله الزاهرة، فإنه كان يدع القضاء يتمتع بحريته الكاملة، ومما حدثنا به التاريخ أن يهودياً كان قد رفع عليه قضية لدى القاضي أبي يوسف وحكم القاضي لليهودي، وكان

هارون في المجلس فبادر إلى تنفيذ ما حكم به القاضي.

--------------------

ومن عظماء شباب السلاطين بالمغرب الأقصى إدريس بن إدريس الحسني، فقد أخذت له البيعة بالمغرب الأقصى وعمره إحدى عشرة سنة، فقد نشأ في كفالة مولى أبيه راشد فأقرأه القرآن الكريم وعلمه السنّة، ورواه الشعر وأمثال العرب، وأطلعه على سير الملوك، ودربه على ركوب الخيل والرمي بالسهام، فلم يصل إلى السنة الحادية عشرة حتى ترشح للأمر واستحق أن يبايع وظهر من ذكائه ونبله ما أذهل العامة والخاصة.
صعد المنبر يوم بيعته وخطب، ومما قال في خطبته: ((أيها الناس! إنا قد ولّينا هذا الأمر الذي يضاعف للمحسن فيه الثواب وللمسيء الوزر، ونحن والحمد لله على قصد جميل، فلا تمدوا الأعناق إلى غيرنا فإن ما تطلبونه من إقامة الحق إنما تجدونه عندنا))، وكان عاملاً بكتاب الله قائماً بحدوده، وبذلك استقام له الملك وعظم أمره.

ومن هؤلاء العظماء علي بن محمد بن إدريس، أخذت له البيعة بعد وفاة أبيه، وكان يوم بويع في سن العاشرة من العمر، فظهر ذكاؤه ونبله، وسار بسيرة أبيه وجده في العدل، وإقامة الحق، وقمع الأعداء، وضبط البلاد والثغور، ويقول المؤرخون: كانت أيامه خير أيام.

ومن هؤلاء العظماء علي بن يوسف بن تاشفين، بويع وعمره ثلاث وعشرون سنة، وكان حليماً عادلاً وقوراً آخذاً بالحزم، فضبط الثغور وملك من البلاد ما لم يملكه أبوه من قبله.

ومن عظماء شباب الملوك بالأندلس عبد الرحمن الناصر، تولى الملك غير متجاوز الثانية والعشرين من عمره، درس عبد الرحمن القرآن والسنّة، وأجاد النحو والتاريخ، وبرع في فنون الحرب والفروسية، وزهت في عصره العلوم والزراعة والصناعة وساد الأمن في البلاد، وكان للعلماء في عصره الحرية المطلقة، يواجهونه بالأمر بالمعروف ويتلقى منهم ذلك بصدر رحب.


ومواقف منذر بن سعيد في نصحه له معروفة في التاريخ، وهو الذي خطب على المنبر في بعض المجالس الحافلة منكراً عليه الإسراف في تشييد المباني وزخرفتها، وهو الذي خاطبه في أحد المجالس بقوله:



يا باني الزهراء مستغرقاً * أوقـاته فـيها أما تمهل

لـله مـا أحسنها أرونقا * لو لم تكن زهرتها iiتذبل



وكان القضاة في عهده على استقلال لا يخشون معه لومة لائم، وكان القاضي ابن بشير يحكم عليه لخصمه، ويتوعده بالاستقالة إذا لم يتمثل ما حكم به عليه.

ومن هؤلاء العظماء أبو الحجاج يوسف بن إسماعيل بن فرج أحد ملوك غرناطة، تولى الملك وهو في السادسة من العمر، وكان الغالب على أيامه الهدنة والصلاح والخير، وكان وزيره الأديب الكبير أبو الحسن بن الجياب، ثم توزر له لسان الدين بن الخطيب.

ومن هؤلاء العظماء ابنه محمد بن يوسف بن إسماعيل، بويع له بعد وفاة أبيه يوسف وعمره تسع سنين، وكان وزيره لسان الدين بن الخطيب بعد أن توزر لأبيه من قبله، ووصفه ابن الخطيب فقال: متحل بوقار وسكينة، وسافر عن وسامة يكتنفها جلباب حياء وحشمة، كثير الأناة ظاهر الشفقة، عطوف مخفوض الجناح، مائل إلى الخير بفضل السجية، فأنست العامة بقربه، وسكنت الخاصة إلى طيب نفسه، وحمد الناس فضل عفافه وكلفه بما يعنيه من أمره وكان مع هذه المزايا مثلاً في الفروسية، قال بعض مادحيه:

إن ألمَّتْ هيعةٌ * طار إليها غير وان



يصدع الليل بقلبٍ * ليس بالقلب الجبان



وأختم حديثي هذا بحديث ملوك تقلدوا في أوائل شبابهم ولايات كانوا فيها مظهر اليقظة والحزم، وتولوا الملك بعده، فساروا فيه سيرة عبقري زادته التجارب خبرة بطرق السياسة الرشيدة.

ومن هؤلاء الملوك هشام بن عبد الرحمن الداخل ((مؤسس الدولة الأموية بالأندلس)) فقد كان والده عبد الرحمن يوليه في صباه الأعمال، ويرشحه لولاية الملك، ولما توفي عبد الرحمن تولى هشام الخلافة وعمره ثلاثون سنة، وكان يذهب بسيرته مذهب عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه -.

ويدخل في نظم هؤلاء الملوك عبد الرحمن بن الحكم الأموي، وكان أبوه الحكم يوليه قيادة الجيوش العظيمة في الأندلس وهو ابن خمس عشرة سنة فيهزم الأعداء ويعود ظافراً.

وأذكر من هذا القبيل تميم بن المعزّ بن باديس، فوض إليه والده المعزّ ولاية المهدية وهو في سن الثالثة والعشرين، وتولى الملك بعده وهو في سن الثانية والثلاثين، وكان حسن السيرة محمود الآثار معظماً لأرباب الفضائل، وقصدته الشعراء من الآفاق، وكان هو نفسه معدوداً من طبقات الأدباء.

ومن شعره:



فإما الملك في شرف أوعزٍ * عليّ التاج في أعلى السرير

وأما الموت بين ظبا العوالي * فـلست بـخالد أبد iiالدهور



والغرض من حديثنا عن أولئك الشباب الذين تولوا أموراً جليلة القدر عظيمة الشأن فقاموا بأعبائها خير قيام، أن نستنهض همم أبنائنا للأخذ بأسباب قوة الفكر وسعة الدراية لأول عهد التمييز، ولمواصلة السير في سبيل السيادة بجد وحزم، لكي نراهم وهم في ريعان الشباب قد بلغوا بجودة النظر واستقامة السيرة أن كانوا موضع آمال الأمة، يعملون لسلامتها والاحتفاظ بعزتها.

وواجب على ولي أمر الناشئ أن يشعره بأن بلوغ الفتى المنزلة المحمودة في السيادة وهو في مقتبل العمر، ليس بالأمر المعتذر أو المتعسر، وليس من شك في أن هذا الشعور يريه السيادة قريبة التناول، فيشمر عن ساعد الجد، وسرعان ما يبلغ ذروتها، ومن أدرك السيادة في عنفوان شبابه، فإن مات مات
سيداً، وإن عاش إلى زمن الكهولة أو الشيخوخة، كانت سيادته أطول عماداً، وأرفع ذكراً، وأطيب ثمراً.
---------------------------


*من مقالاته منقول من موقع مداد
-------
 

Ayman

عضو جديد
إنضم
24 فبراير 2003
المشاركات
2,100
مجموع الإعجابات
277
النقاط
0
جزانا و اياكم اخي خالد
 

eng abdallah

عضو معروف
إنضم
7 فبراير 2009
المشاركات
6,892
مجموع الإعجابات
446
النقاط
83
بارك الله فيك

و رحم الله علماء المسلمين
 

najebnader

عضو جديد
إنضم
19 يونيو 2010
المشاركات
2,054
مجموع الإعجابات
46
النقاط
0
الشيخ محمد خضر

بارك الله فيك على ما قدمت من ماده وجزاك الله خيراً
 

عاطف مخلوف

عضو جديد
إنضم
5 مايو 2007
المشاركات
3,157
مجموع الإعجابات
325
النقاط
0
بارك الله فيك أخي أيمن
استعراض سير العلماء ، تجدد النشاط الروحي ، وتستدعي معاني الاقتداء بهم .
والملفت في سيرة الشيخ العلامة " الخضر حسين " أنه تونسي النشأة والجنسية ، ولم يمنع ذلك من اختياره كشيخ للازهر ، وهذا يعني أن مسألة القومية لم تكن قد تمكنت من نفوس القوم ، وهذا يوضح لنا ما جرته علينا هذه الدعوة من سلبيات وعصبيات ، وتفرق وتشرذم .
تخيل معي مشاعر التوانسة آنذاك عندما يجدوا أحدهم اعتلي أعلي منصبا دينيا آنذاك برضا علمائه ، ثم مشاعر المسلمين في كل الارض وشعورهم ان الاسلام لا يعرف القومية او التعصب للاجناس .
ثم انظر الصراع اليوم بين الشعوب التي غزتها وأفسدتها القوميات .
 

Ayman

عضو جديد
إنضم
24 فبراير 2003
المشاركات
2,100
مجموع الإعجابات
277
النقاط
0
جزاكم الله خيرا و نفع بكم ..

بارك الله فيك أخي أيمن
استعراض سير العلماء ، تجدد النشاط الروحي ، وتستدعي معاني الاقتداء بهم .
والملفت في سيرة الشيخ العلامة " الخضر حسين " أنه تونسي النشأة والجنسية ، ولم يمنع ذلك من اختياره كشيخ للازهر ، وهذا يعني أن مسألة القومية لم تكن قد تمكنت من نفوس القوم ، وهذا يوضح لنا ما جرته علينا هذه الدعوة من سلبيات وعصبيات ، وتفرق وتشرذم .
تخيل معي مشاعر التوانسة آنذاك عندما يجدوا أحدهم اعتلي أعلي منصبا دينيا آنذاك برضا علمائه ، ثم مشاعر المسلمين في كل الارض وشعورهم ان الاسلام لا يعرف القومية او التعصب للاجناس .
ثم انظر الصراع اليوم بين الشعوب التي غزتها وأفسدتها القوميات .

نعم ملحوظه هامه .. لا يمكن لاي مؤسسة دينية كانت او غير دينية ان تعلو بالتعصب لجنسية
جزاك الله خيرا اخي عاطف
 
أعلى