الخلافة الإسلامية

tayseer_eng

عضو جديد
إنضم
29 مايو 2009
المشاركات
355
مجموع الإعجابات
34
النقاط
0
السلام عليكم أخوتي,
سأقوم بتبيان موضوع قد حدث حوله تساؤلات كثيرة عند بعض الاخوة في موضوع ماهو شكل الحكم بالاسلام أو ما هو نظام الحكم الاسلامي أو ما هو البديل عن الانظمة الكفرية الحالية في الاسلام أو..........الخ سأبين الموضوع بشكل كامل و في نهاية الموضوع سأرفق ما استندت اليه في الموضوع و أضعه في ملف

بداية و قبل البدء بالموضوع اسمحوا لي أن أبين امرا هاما ثم نبدأ بتفاصيل الموضوع.

شـكل الحـكم في الإسـلام
نظام الحكم الإسلامي نظام متميز عن جميع أنظمة الحكم في العالم، سواء في الأساس الذي يقوم عليه، أو بالأفكار والمفاهيم والمقاييس والأحكام التي ترعى بمقتضاها الشؤون، أو بالدستور والقوانين التي يضعها موضع التطبيق والتنفيذ، أو بالشكل الذي تتمثل به الدولة الإسلامية، والذي تتميز به عن جميع أشكال الحكم في العالم أجمع.

شكل الحكم في الإسلام ليس ملكياً
نظام الحكم في الإسلام ليس نظاماً ملكياً، ولا يُقرّ النظام الملكي، ولا يشبه النظام الملكي.

فالنظام الملكي يكون الحكم فيه وراثياً، يرثه الأبناء عن الآباء، كما يرثون تركتهم. بينما نظام الحكم في الإسلام لا وراثة فيه، بل يتولاه من تبايعه الأُمة بالرضى والاختيار.

والنظام الملكي يخصّ الملك بامتيازات وحقوق خاصة، لا تكون لأحد سواه من أفراد الرعية، ويجعله فوق القانون، ويمنع ذاته من أن تُمسّ، ويجعله رمزاً للأُمة يملك ولا يحكم، كملوك أوروبا، أو يملك ويحكم، بل يكون مصدر الحكم، يتصرف بالبلاد والعباد كما يريد ويهوى، كملوك السعودية، والمغرب والأردن.

بينما نظام الإسلام لا يخصّ الخليفة أو الإمام بأية امتيازات أو حقوق خاصة، فليس له إلا ما لأي فرد من أفراد الأُمة. وهو ليس رمزاً للأُمة يملك ولا يحكم، ولا رمزاً لها يملك ويحكم ويتصرف بالبلاد والعباد كما يريد ويهوى، بل هو نائب عن الأُمة في الحكم والسلطان، اختارته وبايعته بالرضى ليطبق عليها شرع الله، وهو مُقيَّد في جميع تصرفاته وأحكامه ورعايته لشؤون الأُمة ومصالحها بالأحكام الشرعية.

هذا فضلاً عن انعدام ولاية العهد في نظام الحكم الإسلامي، بل هو يستنكر ولاية العهد، ويستنكر أن يؤخذ الحكم عن طريق الوراثة، ويحصر طريقة أخذه بالبيعة من الأُمة للخليفة أو الإمام بالرضى والاختيار.
 

مواضيع مماثلة

tayseer_eng

عضو جديد
إنضم
29 مايو 2009
المشاركات
355
مجموع الإعجابات
34
النقاط
0
شكل الحكم في الإسلام ليس جمهورياً
ونظام الحكم في الإسلام كذلك ليس هو نظاماً جمهورياً. فالنظام الجمهوري يقوم في أساسه على النظام الديمقراطي، الذي تكون السيادة فيه للشعب، فالشعب فيه هو الذي يملك حق الحكم وحق التشريع، فيملك حق الإتيان بالحاكم، وحق عزله، ويملك حق تشريع الدستور والقوانين، وحق إلغائهما وتبديلهما وتعديلهما.
بينما يقـوم نظام الحكم الإسلامي في أساسه على العقيدة الإسلامية، وعلى الأحكام الشرعية. والسيادة فيه للشرع لا للأُمة، ولا تملك الأُمة فيه ولا الخليفة حق التشريع، فالمشرع هو الله سبحانه، وإنما يملك الخليفة أن يتبنى أحكاماً للدستور والقانون من كتاب الله وسنة رسوله. كما لا تملك الأُمة فيه حق عزل الخليفة، والذي يعزله هو الشرع، لكن الأُمة تملك حق تنصيبه، لأن الإسلام قد جعل السلطان والحكم لها، فتنيب عنها فيه من تختاره وتبايعه.
والنظام الجمهوري في شكله الرئاسي يتولى فيه رئيس الجمهورية صلاحية رئيس الدولة، وصلاحية رئيس الوزراء، ولا يكون معه رئيس وزراء، وإنما يكون معه وزراء، مثل رئيس الولايات المتحدة الأمريكية. وفي شكله البرلماني يكون فيه رئيس للجمهورية، ورئيس للوزراء، وتكون صلاحية الحكم فيه لمجلس الوزراء، لا لرئيس الجمهورية، مثل جمهورية ألمانيا.
أما نظام الخـلافة فلا يوجد فيه وزراء، ولا مجلس وزراء مع الخليفة بالمعنى (الديمقراطي)، لهم اختصاصات وصلاحيات، وإنما فيه معاونون وهم وزراء يعينهم الخليفة ليعاونوه في تحمل أعباء الخـلافة، والقيام بمسؤولياتها. وهم وزراء تفويض ووزراء تنفيذ، وحين يترأسهم الخليفة يترأسهم بوصفه رئيساً للدولة، لا بوصفه رئيساً للوزراء، أو رئيساً لهيئة تنفيذية، لأنه لا يوجد معه مجلس للوزراء له صلاحيات، فالصلاحيات كلها للخليفة، والمعاونون إنما هم معاونون له في تنفيذ صلاحياته.
هذا فضلاً عن أنّ النظام الجمهوري بشكليه الرئاسي والبرلماني يكون فيه رئيس الجمهورية مسؤولاً أمام الشعب، وأمام ممثليه، ويملك فيه الشعب وممثلوه حق عزله، لأن السيادة فيه للشعب.
وهـذا بخـلاف إمارة المـؤمنين، فإن أمير المـؤمنين، وإن كان مسؤولاً أمام الأُمة، وأمام ممثليها، ويحاسب من الأُمة ومن ممثليها، إلا أن الأُمة لا تمـلك حق عـزله، وبالتالي فإن ممثليها لا يملكون حق عزله، ولا يعزل إلا إذا خالف الشـرع مخالفة تسـتوجب عزله، والذي يقرر ذلك إنما هو محكمة المظالم.
والنظـام الجمـهـوري سـواء أكان رئاسـياً، أم برلمانياً فإن الرئاسـة فيه محددة بزمن معين لا تتعداه.
بينما نظام الخـلافة لا يحدد فيه للخليفة زمن معين، وإنما تحديده بتنفيذ الشرع، فما دام الخليفة قائماً بالشرع، مطبقاً على الناس في حكمه أحكام الإسلام، المأخوذة من كتاب الله وسنة رسوله فإنه يبقى خليفة، مهما طالت مدة خلافته. ومتى أخلّ بالشرع، وابتعد عن تطبيق أحكام الإسلام انتهت مدة حكمه ولو كانت يوماً أو شهراً، ويجب أن يعزل.
ومن كل ما تقـدم يتبين الاختلاف الكبير بين نظام الخـلافة، والنظـام الجمـهـوري، وبين رئيس الجمهورية في النظـام الجمهوري والخليفة في النظام الإسلامي.
وعلى ذلك فلا يجوز مطلقاً أن يقال إن نظام الإسلام نظام جمهوري، أو أن يقال: الجمهورية الإسلامية، لوجود التناقض الكبير بين النظـامين في الأساس الذي يقوم عليه كل منهما، ولوجود الخلاف بينهما في الشكل والتفاصيل.
 

tayseer_eng

عضو جديد
إنضم
29 مايو 2009
المشاركات
355
مجموع الإعجابات
34
النقاط
0
شكل الحكم في الإسلام ليس (إمبراطورياً)


وهو أيضاً ليس (إمبراطورياً)، بل النظام (الإمبراطوري) بعيد عن الإسلام كل البعد، فالأقاليم التي يحكمها الإسلام - وإن كانت مختلفة الأجناس، وترجع إلى مركز واحد - فإنه لا يحكمها بالنظام (الإمبراطوري)، بل بما يناقض النظام (الإمبراطوري)، لأن النظام (الإمبراطوري) لا يساوي بين الأجناس في أقاليم (الإمبراطورية) بالحكم، بل يجعل ميزة لمركز (الإمبراطورية) في الحكم والمال والاقتصاد.


وطريقة الإسلام في الحكم هي أنه يسوي بين المحكومين في جميع أجزاء الدولة، وينكر العصبيات الجنسية، ويعطي لغير المسلمين الذين يحملون التابعية حقوق الرعية وواجباتها، فلهم ما للمسلمين من الإنصاف، وعليهم ما على المسلمين من الانتصاف، بل هو أكثر من ذلك لا يجعل لأي فرد من أفراد الرعية - أياً كان مذهبه - من الحقوق ما ليس لغيره ولو كان مسلماً، فهو بهذه المساواة يختلف عن (الإمبراطورية)، وهو بهذا النظام لا يجعل الأقاليم مستعمرات، ولا مواضع استغلال، ولا منابع تصب في المركز العام لفائدته وحده، بل يجعل الأقاليم كلها وحدة واحدة مهما تباعدت المسافات بينها، وتعددت أجناس أهلها، ويعتبر كل إقليم جزءاً من جسم الدولة، ولأهله سائر الحقوق التي لأهل المركز، أو لأي إقليم آخر، ويجعل سلطة الحكم ونظامه وتشريعه كلها واحدة في كافة الأقاليم.
 

tayseer_eng

عضو جديد
إنضم
29 مايو 2009
المشاركات
355
مجموع الإعجابات
34
النقاط
0
شكل الحكم في الإسلام ليس اتحادياً
وليس نظام الحكم في الإسلام نظاماً اتحادياً، تنفصل أقاليمه بالاستقلال الذاتي، وتتحد في الحكم العام، بل هو نظام وحدة تعتبر فيه مراكـش في المغرب وخراسان في المشرق، كما تعتبر مديرية الفيوم إذا كانت العاصمة الإسلامية هي القاهرة. وتعتبر مالية الأقاليم كلها مالية واحدة، وميزانية واحدة تنفق على مصالح الرعية كلها، بغض النظر عن الولايات. فلو أن ولاية كانت وارداتها ضعف حاجاتها فإنه ينفق عليها بقدر حاجاتها، لا بقدر وارداتها. ولو أن ولاية لم تكف وارداتُها حاجاتِها فإنه لا ينظـر إلى ذلك، بل ينفـق عليها من الميزانية العامة بقدر حاجاتها سواء أوفت وارداتها بحاجاتها أم لم تفِ.
فنظام الحكم وحدة تامة وليس اتحاداً. ولهذا كان نظام الحكم في الإسلام نظاماً إسلامياً متميزاً عن غيره من النظم المعروفة الآن في أصوله وأسسه، وإن تشابهت بعض مظاهره مع بعض مظاهرها. وهو فوق كل ما تقدم مركزي في الحكم، يحصر السلطة العليا في المركز العام، ويجعل له الهيمنة والسلطة على كل جزء من أجزاء الدولة صغر أو كبر، ولا يسمح بالاستقلال لأي جزء منه، حتى لا تتفكك أجزاء الدولة. وهو الذي يعين القواد والولاة والحكام والمسؤولين عن المالية والاقتصاد، وهو الذي يولي القضاة في كل إقليم من أقاليمه، وهو الذي يعين كل مَن عمله يكون حكماً، وهو المباشر لكل شيء من الحكم في جميع البلاد.
والحاصل أن نظام الحكم في الإسلام نظام خلافة. وقد انعقد الإجماع على وحدة الخـلافة، ووحدة الدولة، وعدم جواز البيعة إلا لخليفة واحد. وقد اتفق على ذلك الأئمة والمجتهدون وسائر الفقهاء. وإذا بويع لخليفة آخر مع وجود خليفة، أو وجود بيعة لخليفة قوتل الثاني، حتى يبايع للأول أو يقتل؛ لأن البيعة إنما ثبتت شرعاً لمن بُويع أولاً بيعة صحيحة.


نظـام الحـكم في الإسـلام الخـلافـة


من هنا نبدأ تابع..............
 

نجدت كوبرلي

عضو جديد
إنضم
30 أبريل 2006
المشاركات
3,162
مجموع الإعجابات
337
النقاط
0
السلام عليكم
اخي تيسير
هنالك موضوع مشابه ولكنه قبل فترة على الرابط
http://www.arab-eng.org/vb/t250508.html
وممكن للأختصار ان تبدا من المشاركة 113 في الصفحة 12
ولتوفير الجهد اذا ممكن ان تراجع الموضوع
وملاحظة ان كانت الطروحات متشابهة ام غيرها

وتقبل تحياتي
 

tayseer_eng

عضو جديد
إنضم
29 مايو 2009
المشاركات
355
مجموع الإعجابات
34
النقاط
0
شكرا أخي نجدت على اهتمامك و لكن أخي أريد أن أبحث الموضوع بطريقتي و بموضوع منفصل عن أي موضوع اخر و ذلك لطلب بعض الاخوة .شكرا لإهتمامك مرة اخرى.
 

tayseer_eng

عضو جديد
إنضم
29 مايو 2009
المشاركات
355
مجموع الإعجابات
34
النقاط
0
سأبين في هذا الموضوع فقط الأمور التي يكثر السؤال عنها و التفاصيل سوف أضيفها كما ذكرت سابقا في ملف و أرفقه (في نهاية الموضوع)


المواضيع التي أريد تبيانها هي:

1- الخلافة ومعناها
2- قواعـد الحـكم و تشتمل على (السيادة للشرع,السـلطـان للأُمـة ,نصب خليفة واحد فرض ,حق التبني للخـليفة وحده )
3- أجهـزة الـدولة و يتضمن كذلك (الخليفة,شـروط الخليفة ,شروط الانعقاد,شـروط الأفضلية ,انعـقـاد الخـلافة ,حكم المتسـلط ,مَن تنعـقد بهم الخـلافة ,مَن هم الذين ينصِّبون الخليفة ,البيعة ,طـلـب الخـلافة ,طريقة نصـب الخليفة ,الاستخلاف أو العهد ,ولايـة العـهد ,مدة الرئاسـة للخـليفة ,المدة التي يُمهل فيها المسـلمون لإقامة خليفة ,وحـدة الخـلافة ,صـلاحيات الخـليفة ,الخليفة مقيد في التبني بالأحكام الشرعية ,عزل الخـليفة ,الأُمّـة لا تملك عزل الخـليفة ,محكمة المظـالم هي التي تملك عزل الخـليفة ,وباقي التفاصيل كالجهاز الاداري و القضاء و مجلس الامة و الجيش و الولاة و المعاونون و...الخ فسأرفقها و لن أخوض بها)
 

tayseer_eng

عضو جديد
إنضم
29 مايو 2009
المشاركات
355
مجموع الإعجابات
34
النقاط
0
نظـام الحـكم في الإسـلام الخـلافـة

الخـلافة هي رئاسة عامة للمسلمين جميعاً في الدنيا لإقامة أحكام الشرع الإسلامي، وحمل الدعوة الإسلامية إلى العالم، وهي عينها الإمامة، فالإمامة والخـلافة بمعنى واحد وهي الشكل الذي وردت به الأحكام الشرعية لتكون عليه الدولة الإسلامية. وقد وردت الأحاديث الصحيحة بهاتين الكلمتين بمعنى واحد، ولم يرد لأي منهما معنى يخالف معنى الأخرى في أي نص شرعي، أي لا في الكتاب ولا في السنة لأنهما وحدهما النصوص الشرعية. ولا يجب أن يُلتزم هذا اللفظ، أي الإمامة أو الخـلافة، وإنما يلتزم مدلوله.
وإقامة خليفة فرض على المسلمين كافة في جميع أقطار العالم. والقيام به - كالقيام بأي فرض من الفروض التي فرضها الله على المسلمين - هو أمر محتم لا تخيير فيه ولا هوادة في شأنه، والتقصير في القيام به معصية من أكبر المعاصي، يعذب الله عليها أشد العذاب.
والدليل على وجوب إقامة الخليفة على المسلمين كافةً السنةُ وإجماعُ الصحابة. أما السنة فقد رُوي عن نافع قال: قال لي عبد الله بن عمر: سمعت رسول الله يقول: «من خلع يداً من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية»، رواه مسلم . ويوجد أدلة شرعية كثيرة تدل على الخلافة من أراد أن ارفقها وتبيانها فأنا جاهز و لكن أختصر بما فيه الكفاية لأني قيد تبيان مشروع نظام الحكم الواجب علينا اتباعه و هو مشروع الخلافة ( طبعا من منظور شرعي).

نأتي إلى قواعـد الحـكم و تشتمل على (السيادة للشرع, السـلطـان للأُمـة , نصب خليفة واحد فرض , حق التبني للخـليفة وحده ) تابع.............
 

tayseer_eng

عضو جديد
إنضم
29 مايو 2009
المشاركات
355
مجموع الإعجابات
34
النقاط
0
قواعـد الحـكم و تشتمل على (السيادة للشرع, السـلطـان للأُمـة , نصب خليفة واحد فرض , حق التبني للخـليفة وحده )
يقوم نظام الحكم على أربع قواعد هي:
1 - السيادة للشرع لا للأُمة.
2 - السلطان للأُمة.
3 - نصب خليفة واحد فرض على المسلمين.
4 - للخليفة وحده حق تبني الأحكام الشرعية فهو الذي يسن الدستور وسائر القوانين.
هذه هي قواعد الحكم في الإسلام التي لا يوجد الحكم إلا بها وإذا ذهب شيء منها ذهب الحكم والمراد به الحكم الإسلامي أي سلطان الإسلام لا مجرد حكم. وهذه القواعد أُخذت بالاستقراء من الأدلة الشرعية.
السـيادة للشـرع
فالقاعدة الأولى وهي كون السيادة للشرع لها واقع، وهو كلمة السيادة، ولها دليل، وهو الدليل على أنها للشرع وليست للأُمة. أما واقعها فهو أن هذه الكلمة اصطلاح غربي، ويراد بها الممارِس للإرادة والمسيّر لها، فالفرد إذا كان هو الذي يُسيّر إرادته، ويمارسها كانت سيادته له، وإن كانت إرادته يمارسها غيره ويُسيّرها، كان عبداً، والأُمة إذا كانت إرادتها، أي مجموع إرادة أفرادها مسيرة من قبلها، بواسطة أفراد منها، تعطيهم برضاها حق تسييرها، كانت سيدة نفسها، وإن كانت إرادتها مُسيّرة مِن قِبَل غيرها جبراً عنها كانت مستعبدة، ولهذا يقول النظام الديمقراطي: السيادة للشعب، أي هو الذي يمارس إرادته، ويقيم عنه من يشاء، ويعطيه حق تسيير إرادته. هذا هو واقع السيادة الذي يُراد تنزيل الحكم عليه. أما حكم هذه السيادة فهي أنها للشرع وليست للأُمة، فالذي يُسيّر إرادة الفرد شرعاً ليس الفرد نفسه كما يشاء، بل إرادة الفرد مُسيّرة بأوامر الله ونواهيه. وكذلك الأُمة ليست مُسيّرة بـإرادتها تفعل ما تريد، بل هي مُسيّرة بأوامر الله ونواهيه. والدليل على ذلك قوله تعالى: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُم)، وقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِر)، ومعنى رده إلى الله والرسول هو رده إلى حكم الشرع. فالذي يتحكّم في الأُمة والفرد، ويُسيّر إرادة الأُمة والفرد، إنما هو ما جاء به الرسول. فالأُمة والفرد تخضع للشرع، ومِنْ هنا كانت السيادة للشرع، ولهذا فإن الخليفة لا يُبايَع من قِبَل الأُمة كأجير عندها لينفذ لها ما تريد، كما هي الحال في النظام (الديمقراطي)، وإنما يُبايَع الخليفة من الأُمة على كتاب الله وسنة رسوله، ليُنفِذَ كتاب الله وسنة رسوله، أي ليُنفِذ الشرع، لا ليُنفِذ ما يريده الناس، حتى لو خرج الناس الذين بايعوه عن الشرع قاتلهم حتى يرجعوا.
تابع............... السـلطان للأُمّـة
 

tayseer_eng

عضو جديد
إنضم
29 مايو 2009
المشاركات
355
مجموع الإعجابات
34
النقاط
0
السـلطان للأُمّـة

وأما قاعدة السلطان للأُمة فمأخوذة من جعل الشرع نَصبَ الخليفة من قِبَل الأُمة، ومن جعل الخليفة يأخذ السلطان بهذه البيعة. أما جعل الشرع الخليفة ينصب من قِبَل الأُمة فواضح في أحاديث البيعة، روى مسلم عن عبادة بن الصامت قال: «بايعْنا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره»، وعن جرير بن عبد الله قال: «بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة وأن أنصح لكل مسلم»، وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ثلاثة لا يُكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: رجل على فضل ماء بالطريق يمنع منه ابن السبيل، ورجل بايع إماماً لا يبايعه إلا لدنياه، إن أعطاه ما يريد وَفى له، وإلا لم يفِ له، ورجل يبايع رجلاً بسلعة بعد العصر فحلف بالله لقد أُعطي بها كذا وكذا فصدقه فأخذها ولم يُعط بها» رواه البخاري ومسلم. فالبيعة من قِبَل المسلمين للخليفة، وليست من قِبَل الخليفة للمسلمين، فهم الذين يبايعونه، أي يقيمونه حاكماً عليهم، وما حصل مع الخلفاء الراشدين أنهم إنما أخذوا البيعة من الأُمة، وما صاروا خلفاء إلا بواسطة بيعة الأُمة لهم. وأما جعل الخليفة يأخذ السلطان بهذه البيعة فواضح في أحاديث الطاعة، وفي أحاديث وحدة الخـلافة، روى مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «... ومن بايع إماماً فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه إن استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر»، وعن نافع قال: قال لي عبد الله بن عمر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من خلع يداً من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية» رواه مسلم. وعن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كره من أميره شيئاً فليصبر عليه، فإنه ليس أحد من الناس خرج من السلطان شبراً فمات عليه إلا مات ميتة جاهلية» رواه مسلم. وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي وإنه لا نبيَّ بعدي، وستكون خلفاء فتكثر، قالوا: فما تأمرنا؟ قال: فوا ببيعة الأول فالأول، وأعطوهم حقهم فإن الله سائلهم عما استرعاهم» رواه مسلم. فهذه الأحاديث تدل على أن الخليفة إنما أخذ السلطان بهذه البيعة، إذ قد أوجب الله طاعته بالبيعة: «من بايع إماماً... فليطعه». فهو قد أخذ الخـلافة بالبيعة، ووجبت طاعته لأنه خليفة قد بويع، فيكون قد أخذ السلطان من الأُمة ببيعتها له، ووجوب طاعتها لمن بايعته، أي لمن له في عنقها بيعة، وهذا يدل على أن السلطان للأُمة. على أن الرسول صلى الله عليه وسلم مع كونه رسولاً فإنه أخذ البيعة على الناس، وهي بيعة على الحكم والسلطان، وليست بيعة على النبوة، وأخذها على النساء والرجال، ولم يأخذها على الصغار الذين لم يبلغوا الحلم، فكون المسلمين هم الذين يقيمون الخليفة، ويبايعونه على كتاب الله وسنة رسوله، وكون الخليفة إنما يأخذ السلطان بهذه البيعة، دليل واضح على أن السلطان للأُمة تعطيه من تشاء.

نصـب خـليفـة واحـد فـرض

أما القاعدة الثالثة وهي نصب خليفة واحد فرض على المسلمين فإن فرضية نصب الخليفة ثابتة في الحديث الشريف، فقد روى مسلم عن نافع قال: قال لي عبد الله بن عمر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من خلع يداً من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية»، ووجه الاستدلال بهذا الحديث هو أن الرسول أوجب على كل مسلم أن تكون في عنقه بيعة لخليفة ولم يوجب أن يبايع كل مسلم الخليفة، فالواجب هو وجود بيعة في عنق كل مسلم، أي وجود خليفة يستحق في عنق كل مسلم بيعة بوجوده. فوجود الخليفة هو الذي يوجد في عنق كل مسلم بيعة سواء بايع بالفعل أم لم يبايع. وأما كون الخليفة واحداً فلما روى مسلم عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما»، وهذا صريح بتحريم أن يكون للمسلمين أكثر من خليفة.

حـق التـبـني للخـليـفـة وحـده

وأما القاعدة الرابعة وهي للخليفة وحده حق تبني الأحكام فقد ثبت بـإجماع الصـحابة، على أن للخـليفة وحده حق تبني الأحكام، ومن هذا الإجمـاع أُخـذت القـواعد الشـرعية المشـهورة. (أمر الإمام يرفع الخلاف)، (أمر الإمام نافذ)، (للسلطان أن يُحدث من الأقضية بقدر ما يَحدُث من مشكلات).
وسـيأتي توضـيح ذلك وشـرحه وبيـان أدلتـه فيمـا بعد، في موضوع صلاحيات الخليفة.
 

م عامر

مشرف الملتقى العام
إنضم
5 نوفمبر 2007
المشاركات
6,551
مجموع الإعجابات
587
النقاط
0
جزاك الله خيراً على المعلومات الهامة
والمسلمون لن يكون هناك عز أو نصر لهم بدون عودتهم للإسلام ولما بُعث به خاتم النبيين محمد عليه الصلاة والسلام من رب العالمين ...
قيد المتابعة
 

tayseer_eng

عضو جديد
إنضم
29 مايو 2009
المشاركات
355
مجموع الإعجابات
34
النقاط
0
أشكرك أخي م. عامر و اللهم أعزنا تحت راية الخلافة .
 

tayseer_eng

عضو جديد
إنضم
29 مايو 2009
المشاركات
355
مجموع الإعجابات
34
النقاط
0
الحمد لله أنه يوجد أحد مهتم في الموضوع !!!!!
 

tayseer_eng

عضو جديد
إنضم
29 مايو 2009
المشاركات
355
مجموع الإعجابات
34
النقاط
0
أنا مُهتم بألــ موضوع أيضاً :28:
ومُهتّم بمتابعة كل إضافاتكـ ...
كل الشكر لك أخي و صديقي سمندل.
 

tayseer_eng

عضو جديد
إنضم
29 مايو 2009
المشاركات
355
مجموع الإعجابات
34
النقاط
0
أخوتي الآن نبدأ في تبيان النقطة الثالثة ( أجهزة الدولة) و التي ستجيب عن كل الأسئلة التي بها اشكال عند البعض (وهي مربط الفرس).

أجـهـزة الـدولـة
تقوم الدولة على ثمانية أجهزة وهي:
1 - الخليفة.
2 - معاون التفويض.
3 - معاون التنفيذ.
4 - أمير الجهاد.
5 - الولاة.
6 - القضاء.
7 - مصالح الدولة.
8 - مجلس الأُمة.

ودليلها فعل الرسول صلى الله عليه وسلم. لأنه قد أقام جهاز الدولة على هذا الشكل. فقد كان صلى الله عليه وسلم هو رئيس الدولة، وأمر المسلمين بأن يقيموا لهم رئيس دولة حين أمرهم بـإقامة خليفة، وبإقامة إمام. وأما المعاونون فقد اختار الرسول صلى الله عليه وسلم أبا بكر وعمر معاونين له، روى الحاكم والترمذي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وزيراي من السماء جبريل وميكائيل، ومن أهل الأرض أبو بكر وعمر»، ومعنى كلمة وزيراي هنا معاونان لي، لأن هذا هو معناها اللغوي، وأما كلمة وزير بالمعنى الذي يريده الناس اليوم فهو اصطلاح غربي، ويراد به عمل حكم معين، وهو لم يعرفه المسلمون ويخالف نظام الحكم في الإسلام، لأن المعاون الذي سماه الرسول وزيراً لا يختص بعمل معين، بل هو معاون يفوض إليه الخليفة القيام بجميع الأعمال تفويضاً عاماً، ولا يصح اختصاصه بعمل معين. وأما الولاة فإن الرسول صلى الله عليه وسلم عيّن للمقاطعات ولاة، فقد ولَّى عتّاب بن أُسيد والياً على مكة بعد فتحها، وبعد أن أسلم باذان بن ساسان ولاه على اليمن، وولّى كثيراً من الولاة غيرهما. وأما القضاء فإن الرسول صلى الله عليه وسلم قد ولّى قضاة يقضون بين الناس، فقد عيّن عليّ بن أبي طالب قاضياً على اليمن، وولّى معاذ بن جبل وأبا موسى القضاء والإمارة على اليمن. أخرج الطبراني برجال الصحيح عن مسروق قال: «كان أصحاب القضاء على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ستة: عمر، وعلي، وعبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبو موسى الأشعري». وأما الجهاز الإداري لمصالح الدولة فقد عيّن صلى الله عليه وسلم كتّاباً لإدارة المصالح، وكانوا بمقام مديري الدوائر، فقد عيّن مُعيقيب بن أبي فاطمة كاتباً على الغنائم، وكان حذيفة بن اليمان يكتب خرص ثمار الحجاز، وعيّن غيرهما لباقي المصالح، لكل مصلحة، أو أكثر كاتباً. وأما الجيش والذي يتبع إدارياً لأمير الجهاد فقد كان صلى الله عليه وسلم هو القائد الفعلي للجيش، وهو الذي يباشر إدارته، ويتولّى شؤونه. وكان يعيّن قواداً في بعض الأحيان للقيام بعمل من الأعمال، فقد عيّن عبد الله بن جحش ليذهب مع جماعة ليأتي له بأخبار قريش، وعيّن أبا سلمة بن عبد الأسد قائد سرية مؤلفة من مائة وخمسين رجلاً، وعقد له لواءها، وكان فيها من خيرة أبطال المسلمين، من بينهم أبو عبيدة بن الجراح، وسعد بن أبي وقاص، وأسيد بن حضير. وأما مجلس الأُمة الذي من عمله الشورى والمحاسبة للحاكم فإن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن له مجلس معين دائماً، بل كان يستشير المسلمين حينما يريد، فقد جمعهم يوم أحد واستشارهم، وجمعهم يوم حديث الإفك واستشارهم، وجمعهم في غير ذلك. إلا أنه مع جمعه للمسلمين واستشارتهم كان يدعو أشخاصاً معينين بشكل دائمي يستشيرهم، وكانوا من نقباء القوم، وهم حمزة، وأبو بكر، وجعفر، وعمر، وعلي، وابن مسعود، وسلمان، وعمار، وحذيفة، وأبو ذر، والمقداد، وبلال. فكانوا بمثابة مجلس شورى له لاختصاصه إياهم دائماً بالشورى. ومن هذا يتبين أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أقام جهازاً معيناً للدولة، على شكل مخصوص، وظل يسير بحسبه إلى أن التحق بالرفيق الأعلى، ثم جاء خلفاؤه من بعده فساروا على ذلك، يحكمون حسب هذا الجهاز الذي أقامه الرسول بعينه، وكان ذلك على مرأى ومسمع من الصحابة، ولهذا فإنه يتعين أن يكون جهاز الدولة الإسلامية على هذا الشكل. قد يقال إن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أقام المسؤول على المال منفرداً في مصلحة المال، مما قد يُظن منه أن المالية جهاز خاص، وليس داخلاً في هذه الأجهزة. والجواب على ذلك هو أنه وإن كان الرسول عليه السلام قد أقام شخصاً معيناً للمال، وجعله مصلحة مستقلة، ولكنه لم يجعله جهازاً، بل جعله جزءاً من جهاز. فإن الولاة الذين كان يعيّنهم الرسول صلى الله عليه وسلم منهم من كانت ولايته عامة تشمل الحكم والمال، ومنهم من كانت ولايته خاصة تشمل الحكم، ويعيّن والياً خاصاً للمال. فقد بعث صلى الله عليه وسلم عمرو بن حزم والياً على اليمن، وجعل ولايته عامة تشمل الحكم والمال، كما جاء في الكتاب الذي أعطاه إياه. واستعمل فروة بن مُسَيْك على قبائل مراد، وزبيد، ومُذحج، وبعث معه خالد بن سعيد بن العاص على الصدقة. وكان الوالي الذي يختص بالحكم يقال له والي الصلاة، وهي لفظ اصطلاحي، وكانت تعني الولاية على الناس في جميع الأمور للإدارة والقضاء والسياسة والحرب والعبادات وغيرها باستثناء جباية الأموال، وكان الوالي الذي يختص بالمال يقال له والي الخراج، وهي تعني جمع الزكاة، وخراج الأرض، وما شابه ذلك. وكان الوالي الذي تكون ولايته عامة يقال له والي الصلاة والخراج. وعليه فالمالية ليست جهازاً منفرداً، وإنما هي جزء من أعمال الإمارة، أي الولاية، قد يخصص بها والٍ غير والي الحكم، وقد تُسند لوالي الحكم، ولكنها على أي حال ليس لها في مركز الدولة مرجع خاص، بل يرجع فيها للخليفة. فهي جزء من جهاز، وليست جهازاً خاصاً. وأما إمارة الجهاد التي تشرف على الناحية الحربية والخارجية والداخلية والصناعية. فإن الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفاءه كانوا هم بأنفسهم يتولون ذلك. فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يُعد الجيش ويجهزه ويتولى أمره بنفسه، كما كان يتولى الشؤون الخارجية والداخلية، وأرسل إلى جُرَش اليمن من يتعلم صناعة الأسلحة. وكذلك كان خلفاؤه مِنْ بعده. غير أن عمر بن الخطاب قد أنشأ ديوان الجند، وجعل له مسؤولاً، وهو من صلاحيات أمير الجهاد.
وعليه فإن الدولة التي أقامها الرسول صلى الله عليه وسلم كانت تقوم على هـذه الأجـهـزة.

تابع...........
 

tayseer_eng

عضو جديد
إنضم
29 مايو 2009
المشاركات
355
مجموع الإعجابات
34
النقاط
0
سأنتقل الى طريقة نصب الخليفة (من أهم النقاط التي يتساؤل الكثير عنها ) ثم أرجع لتبيان ماسبق (أي سيكون بحثي بشكل عكسي )

طـريقـة نصـب الخـلـيـفـة
حين أوجب الشرع على الأُمة نصب خليفة عليها، حدد لها الطريقة التي يجري بها نصب الخليفة، وهذه الطريقة ثابتة بالكتاب والسنة وإجماع الصحابة. وتلك الطريقة هي البيعة. فيجري نصب الخليفة ببيعة المسلمين له على كتاب الله وسنة رسوله. أما كون هذه الطريقة هي البيعة فهي ثابتة من بيعة المسلمين للرسول، ومن أمر الرسول لنا ببيعة الإمام. أما بيعة المسلمين للرسول فإنها ليست بيعة على النبوة، وإنما هي بيعة على الحكم، إذ هي بيعة على العمل، وليست بيعة على التصديق. فبُويع صلى الله عليه وآله وسلم على اعتباره حاكماً، لا على اعتباره نبياً ورسولاً. لأن الإقرار بالنبوة والرسالة إيمان، وليس بيعة، فلم تبق إلا أن تكون البيعة له باعتباره رئيس الدولة. وقد وردت البيـعـة في القرآن والحديث. قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ )، وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ). وروى البخاري قال: حدثنا إسماعيل، حدثني مالك عن يحيى بن سعيد قال: أخبرني عُبادة بن الوليد، أخبرني أبي عن عُبادة بن الصامت قال: «بايعْنا رسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم على السمع والطاعة في المنشط والمكره، وأن لا ننازع الأمر أهله، وأن نقوم أو نقول بالحق حيثما كنا، لا نخاف في الله لومة لائم». وروى البخاري قال: حدثنا عليّ بن عبد الله، حدثنا عبد الله بن يزيد، حدثنا سعيد هو ابن أبي أيوب قال: حدثني أبو عَقيل زهرة بن معبد، عن جده عبد الله بن هشام، وكان قد أدرك النبي صلى الله عليه وآله وسلم وذهبت به أُمّه زينب ابنةُ حميد إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: يا رسول الله بايعه، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : «هو صغير. فمسح رأسه ودعا له». وروى البخاري قال: حدثنا عبدانُ، عن أبي حمزة، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: رجل على فضل ماء بالطريق يمنع منه ابن السبيل، ورجل بايع إماماً لا يبايعه إلا لدنياه، إن أعطاه ما يريد وَفى له، وإلا لم يَفِ له، ورجل يبايع رجلاً بسلعة بعد العصر، فحلف بالله لقد أُعطي بها كذا وكذا فصدقه، فأخذها ولم يُعط بها». فهذه الأحاديث الثلاثة صريحة في أن البيعة هي طريقة نصب الخليفة. فحديث عبادة قد بايع الرسول على السمع والطاعة، وهذا للحاكم، وحديث عبد الله بن هشام رفض بيعته، لأنه غير بالغ، مما يدل على أنها بيعة حكم، وحديث أبي هريرة صريح ببيعة الإمام، وجاءت كلمة إمام نكرة، أي أيَّ إمام. وهناك أحاديث أخرى تنص على بيعة الإمام. ففي مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «... ومن بايع إماماً فأعطاه صفقة يده، وثمرة قلبه فليطعه إن استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر». وفي مسلم أيضاً عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما». وروى مسلم عن أبي حازم قال: قاعدت أبا هريرة خمس سنين، فسمعته يحدث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي، خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي، وستكون خلفاء فتكثر، قالوا فما تأمرنا؟ قال: فُوا ببيعة الأول فالأول وأعطوهم حقهم فإن الله سائلهم عما استرعاهم». فالنصوص صريحة من الكتاب والسنة بأن طريقة نصب الخليفة هي البيعة. وقد فَهِم ذلك جميع الصحابة، وساروا عليه. فأبو بكر بُويع بيعة خاصة في السقيفة، وبيعة عامة في المسجد، ثم بايعه من لم يبايع في المسجد ممن يعتد ببيعته، كعليّ بن أبي طالب. وعمر بُويـِع بيعة من المسلمين، وعثمان بُويع بيعة من المسلمين، وعليّ بُويع بيعة من المسلمين. فالبيعة هي الطريقة الوحيدة لنصب خليفة للمسلمين.
تابع......
 

tayseer_eng

عضو جديد
إنضم
29 مايو 2009
المشاركات
355
مجموع الإعجابات
34
النقاط
0
أما الأشكال العملية لإجراء هذه البيعة، فإنها ظاهرة في نصب الخلفاء الأربعة، الذين جاءوا عقب وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مباشرة، وهم أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ رضوان الله عليهم، وقد سكت عنها جميع الصحابة، وأقروها مع أنها مما ينكر لو كانت مخالفة للشرع، لأنها تتعلق بأهم شيء يتوقف عليه كيان المسلمين، وبقاء الحكم بالإسلام. ومن تَتَبُّع ما حصل في نصب هؤلاء الخلفاء، نجد أن بعض المسلمين قد تناقشوا في سقيفة بني ساعدة، وكان المرشحون سعداً، وأبا عبيدة، وعمر، وأبا بكر ليس غير، وبنتيجة المناقشة بُويِع أبو بكر. ثم في اليوم الثاني دعي المسلمون إلى المسجد فبايعوه، فكانت بيعة السقيفة بيعة انعقاد، صار بها خليفة للمسلمين، وكانت بيعة المسجد في اليوم الثاني بيعة طاعة. وحين أحس أبو بكر بأن مرضة مرض موت، دعا المسلمين يستشيرهم فيمن يكون خليفة للمسلمين. وكان الرأي في هذه الاستشارات يدور حول عليّ، وعمر ليس غير، ومكث مدة ثلاثة أشهر في هذه الاستشارات. ولما أتمها وعرف رأي أكثر المسلمين، أعلن لهم أن عمر هو الخليفة بعده، وعقب وفاته مباشرة، حضر المسلمون إلى المسجد وبايعوا عمر بالخـلافة، فصار بهذه البيعة خليفة للمسلمين، وليس بالاستشارات، ولا بـإعلان أبي بكر. وحين طُعن عمر طلب منه المسلمون أن يستخلف فأبى، فألحوا عليه فجعلها في ستة، ثم بعد وفاته أناب المرشحون أحدهم، وهو عبد الرحمن بن عوف فرجع لرأي المسلمين واستشارهم، ثم أعلن بيعة عثمان، فقام المسلمون فبايعوا عثمان، فصار خليفة ببيعة المسلمين، لا باستخلاف عمر، ولا بـإعلان عبد الرحمن. ثم قُتل عثمان، فبايع جمهرةُ المسلمين في المدينة والكوفة عليّ بن أبي طالب، فصار خليفة ببيعة المسلمين.
ومن ذلك كله يتبين أن الطريقة الوحيدة، التي حددها الإسلام لتنعقد بها الخـلافة، هي البيعة بالرضا والاختيار من المسلمين.
أما الإجراءات العملية، التي تتم بها عملية تنصيب الخليفة، قبل أن يُبايَع، فيجوز أن تأخذ أشكالاً مختلفة، كما حصل مع الخلفاء الراشدين، إذ لم يُلتزم معهم بشكل واحد مُعيَّن، وإنما أتى كل خليفة منهم بشكل يختلف عن الشكل الذي أتى به الخلفاء الآخرون. وكان ذلك على مرأى ومسمع من الصحابة الكرام، رضوان الله عليهم، وبـإقرار منهم فكان ذلك إجماعاً منهم على عدم وجوب التزام شكل مُعيَّن في إجراءات التنصيب.
 

tayseer_eng

عضو جديد
إنضم
29 مايو 2009
المشاركات
355
مجموع الإعجابات
34
النقاط
0
وبذلك يمكن أن تتم إجراءات التنصيب بعدة أشكال منها على سبيل المثال:

1 - أن يجتمع جمهرة من أهل المركز في دولة الخـلافة، أو أهل الحَلّ والعقد فيه، أو من يمثلون أكثرية المسلمين، أو الصفوة المرموقة المؤهلة لتولّي الخـلافة، بعد موت الخليفة، أو اعتزاله، أو عزله، فيرشحون شخصاً أو أشخاصاً محصورين لمنصب الخـلافة، ثم يختارون واحداً منهم، بأي أسلوب يرونه، ثم يبايعونه بيعة انعقاد على السمع والطاعة، على كتاب الله وسنة رسوله. وبعد أن تتم له بيعة الانعقاد هذه، يجلس هو، أو من يُنيبه لأخذ بيعة الطاعة من المسلمين، كما حصل مع أبي بكر بعد موت الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ، إذ اجتمع الأنصار في سقيفة بني ساعدة ليبايعوا سيدهم سعد بن عبادة، فجاءهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة قبل أن يعقدوا البيعة لسعد، فجرى بينهم وبين الأنصار مناقشات حادة، وصلت إلى حد التلاسن، وبعد أخذ ورد ترجَّح الأمر لأبي بكر فبُويع من جميع من كان حاضراً في السقيفة إلا سعد بن عبادة فإنه لم يبايع. وببيعة السقيفة هذه لأبي بكر تمّ له انعقاد الخـلافة. وهذه وقائع ما حصل في السقيفة:
قال ابن اسحق كما نقل ابن هشام في سيرته: (وكان من حديث السقيفة حين اجتمعت بها الأنصار، أن عبد الله بن أبي بكر حدثني من طريق عبد الله بن عباس أنه قال: قال عمر: إنه كان من خبرنا حين توفى الله نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ، أن الأنصار خالفونا فاجتمعوا بأشرافهم في سقيفة بني ساعدة، وتخلف عنا علي بن أبي طالب والزبير بن العوام ومن معهما، واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر فقلت لأبي بكر: انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار. فانطلقنا نؤمهم... إلى أن قال: حتى أتيناهم في سقيفة بني ساعدة فإذا بين ظهرانيهم رجل مزمل، فقلت: من هذا؟ فقالوا: سعد بن عبادة، فقلت: ماله؟ فقالوا: وجع. فلما جلسنا تشهَّد خطيبهم فأثنى على الله بما هو له أهل، ثم قال: أما بعد، فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام وأنتم يا معشر المهاجرين رهط منا، وقد دفَّت دافّة من قومكم، قال: وإذا هم يريدون أن يحتازونا من أصلنا، ويغصبونا الأمر، فلما سكت، أردت أن أتكلم، وقد زورت في نفسي مقالة قد أعجبتني أريد أن أقدمها بين يدي أبي بكر وكنت أداري منه بعض الحدّ، فقال أبو بكر: على رسلك يا عمر. فكرهت أن أغضبه، فتكلم وهو كان أعلم مني وأوقر فوالله ما ترك من كلمة أعجبتني من تزويري إلا قالها في بديهته أو مثلها أو أفضل حتى سكت، قال: أمّا ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل، ولن تعرف العرب هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش، هم أوسط العرب نسباً وداراً، وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فبايعوا أيهما شئتم، وأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بن الجراح وهو جالس بيننا، ولم أكره شيئاً مما قال غيرها، كان والله أن أقدَّم فتضرب عنقي لا يقربني ذلك إلى إثم، أحب إليّ من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر. فقال قائل من الأنصار: أنا جُذَيْلُها الـمُحَكَّك وعُذَيْقُها الـمُرَجَّب، منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش. قال: فكثر اللَّغَط، وارتفعت الأصوات حتى تَخَوَّفْتُ الاختلاف فقلت: ابسط يدك يا أبا بكر، فبسط يده فبايعته، ثم بايعه المهاجرون ثم بايعه الأنصار، ونزونا على سعد بن عبادة، فقال قائل منهم: قتلتم سعد بن عبادة، قال: فقلت: قتل الله سعد بن عبادة).
وقد روى ابن كثير في السيرة النبوية، نحو هذا.
وقد جاء فيما رواه الطبري: (أن أبا عبيدة بن الجراح قد تدخل في الأمر، في اللحظة الحرجة، فقام فخاطب الأنصار فقال: «يا معشر الأنصار، كنتم أول من نصر وآزر، فلا تكونوا أول من بدل وغيّر».
ولما سمع الأنصار هذه الكلمة الحكيمة من أبي عبيدة تأثروا، فقام بشـير بن سـعد من زعماء الخـزرج فقـال: «إنا والله وإن كنا أولي فضـيلة في جهاد المشركين، وسابقة في هذا الدين، ما أردنا به إلا رضا ربنا، وطاعة نبينا، والكدح لأنفسـنا، فما ينبغي لنا أن نستطيل على الناس بذلك، ولا نبتغي من الدنيا عرضـاً، فإن الله وليّ النعـمة علينا بذلك. ألا إن محمداً صلى الله عليه وآله وسلم من قريش، وقومه أحق به وأولى. وأيْمُ الله لا يراني الله أنازعهم في هذا الأمر أبداً. فاتقوا الله ولا تخالفوهم ولا تنازعوهم».
فكانت كلمـة بشـير هـذه مسـكناً. وقـنع بها الخـزرج.
فمـا كان مِـنْ أبي بكـر إلا أن أخـذ بيـد كل من عمـر وأبي عبيدة - وكان جالساً بينهما - وقال للأنصار: «هذا عمر، وهذا أبو عبيدة، فأيهما شئتم فبايعوا» ودعاهم إلى الجماعة، وحذرهم الفرقة.
فما كان من عمر - وقد رأى اللغط وخشي الاختلاف - إلا أن نادي بصوت مرتفع: «ابسط يدك يا أبا بكر». فبسط أبو بكر يده، فبايعه عمر، وهو يقول: «ألم يأمر النبي بأن تصلي أنت يا أبا بكر بالمسلمين، فأنت خليفة رسول الله، فنحن نبايعك لنبايع خير مَنْ أحب رسول الله منا جميعاً». ثم مدّ أبو عبيدة يده، وبايع أبا بكر وهو يقول: «إنك أفضل المهاجرين، وثاني اثنين إذ هما في الغار، وخليفة رسول الله على الصلاة، أفضل دين المسلمين، فمن ذا ينبغي له أن يتقدمك، أو يتولى هذا الأمر عليك؟».
وأسرع بشير بن سعد فبايع أبا بكر. والتفت أسيد بن حضير زعيم الأوس إلى قومه وهم ينظرون إلى ما صنع بشير بن سعد، وقال لهم: «والله لئن وليتها الخزرج عليكم مرّة، لا زالت لهم عليكم بذلك الفضيلة، ولا جعلوا لكم معهم فيها نصيباً أبداً. قوموا فبايعوا أبا بكر» وقام الأوس فبايعوا أبا بكر. ثم قام الناس يبايعون أبا بكر مسرعين، حتى ضاق بهم المكان من السقيفة.
وبذلك تمت بيعة السقيفة وجثمان النبي لا يزال مسجى في فراشه لم يدفن بعد. وبعد تمام البيعة انفض الناس مِنَ السقيفة. وفي اليوم التالي جلس أبو بكر في المسجد. وقام عمر فخطبهم معتذراً عما تحدث به إلى المسلمين بالأمس، مِنْ أن النبي لم يمت، إلى أن قال: «وإن الله أبقى فيكم كتاب الله الذي هدى به رسوله، فإن اعتصمتم به هداكم الله، كما هداه به، وإنّ الله قد جمع أمركم على خيركم، صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وثاني اثنين إذ هما في الغار. فقوموا فبايعوا» فبايع الناس جميعاً. وبذلك تمت البيعة. فقام أبو بكر وألقى في الناس خطاباً، كان أول حديث له في خلافته، فقال: «أما بعد أيها الناس، فإني قد وُلّيت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوّموني. الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي عندي حتى أريح عليه حقه إن شاء الله. والقوى فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء الله. لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل. ولا تشيع الفاحشة في قوم إلا عمهم الله بالبلاء. أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإن عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله».
هذه خلاصة انتخاب أبي بكر للخلافة ثم بيعته؛ فإن اختلاف الأنصار والمهاجرين على الخليفة كان بمثابة ترشيح للخليفة من الجانبين، ثم بعد كلمة أبي عبيدة وبشير بن سعد ترجح الرأي بجانب المهاجرين، ثم ترجح الرأي لأبي بكر فَـبُويع ممن كان في السقيفة، إلا سعد بن عبادة. فكانت بيعته هذه في السقيفة بيعة انعقاد. أما بيعة المسجد في اليوم الثاني فكانت بيعة طاعة.
ففي هذا الشكل من إجراءات تنصيب أبي بكر يُرى أنه اجتمع جمهرة مِنْ أهل المدينة المنورة، وهي مركز الدولة، فتناقشوا وتلاسنوا، ورُشح أشخاص لتولّي منصب الخـلافة، كانوا محصورين بسعد، وأبي بكر وعمر وأبي عبيدة، ثم ترجح الرأي لأبي بكر فَـبُويع.
 

tayseer_eng

عضو جديد
إنضم
29 مايو 2009
المشاركات
355
مجموع الإعجابات
34
النقاط
0
2 - أن يلجأ الخليفة - بمبادرة منه، أو بطلب من الناس - عندما يشعر بدنو أجله إلى استشارة المسلمين، أو أهل الحل والعقد فيهم، أو سادتهم والمقدمين منهم، فيمن يرون أن يكون خليفة عليهم بعده، ومِنْ ثـَمَّ يَعْهَد لشخص ليكون خليفة على المسلمين مِنْ بعده. وبعد موت الخليفة يبايعه المسلمون ليكون خليفة عليهم. وببيعتهم له تنعقد له الخـلافة، ويصبح خليفة عليهم ببيعتهم هذه، لا بعهد الخليفة السابق له.
وذلك كما حصل مع أبي بكر لما عهد لعمر، إذ بعد أن ثـقُلَ المرض على أبي بكر، وظنّ أنه ميّت، جمع الناس فقال: «إنه قد نزل بي ما قد ترون، ولا أظنني إلا ميّتاً لما بي، وقد أطلق الله أيْمانكم مِنْ بيعتي، وحَلَّ عنكم عُقدتي، وردّ عليكم أمركم، فأمِّروا عليكم مَنْ أحببتم، فإنكم إن أمَّرتُم في حياة مني كان أجدر أن لا تختلفوا بعدي».
غير أن الناس لم يتفـقـوا على مَـنْ يخـلـف أبـا بكـر، فرجـعـوا إليه فقالوا: رأيـنا يا خليفة رسول الله رأيُك، قال: «فلعلكم تختلفون؟ قالوا: لا، قـال: فعـليكم عهـد الله على الرضى؟ قالـوا: نعـم، قـال: أمهـلوني حتى أنظـر لله ولدينه ولعباده».
فكان هذا تفويضاً صريحاً من المسلمين لأبي بكر في أن يختار لهم خليفة، وكأن أبا بكر كان يُحسّ ما يجول في أذهان كبار الصحابة، ويشعر في رغبة كل واحد منهم أن يتولاها، لذلك أخذ عليهم العهد.
ومع هذا التفويض فإن أبا بكر عاود استشارة كبار الصحابة، فاستشار عبد الرحمن بن عوف، وعثمان بن عفان، وسعيد بن زيد، وأُسَـيْد بن حُضَـيْر، وكانت استشارته لهم استشارة سرية. وكان يدور في ذهنه عمر وعليّ، إلا أنه بعد أن استقرّ رأيه على عمر استشار الناس استشارة علنية، إذ أشرف على الناس من بيته - وزوجته أسماء بنت عُمَـيْس ممسكته - وخاطبهم قائلاً: (أترضَوْن بمن أستخلف عليكم؟، فإني والله ما ألوت من جهد الرأي، ولا ولّيت ذا قرابة. فقالوا: نعم. فتابع قائلاً: وإني قد استخلفت عمر بن الخطاب فاسمعوا له وأطيعوا) فأجاب الناس سمعنا وأطعنا. عند ذلك رفع أبو بكر يديه إلى السماء وقال: (اللهم إني لم أرد بذلك إلا صلاحهم. وخفت عليهم الفتنة. فعملت فيهم ما أنت به أعلم. واجتهدت لهم رأيي، فوليت عليهم خيرهم، وأقواهم عليهم، وأحرصهم على ما أرشدهم) وسمع الناس دعاءه فازدادوا اطمئناناً لما صنع. وبعد وفاة أبي بكر ذهب عمر إلى المسجد. وأقبل الناس على بيعته إقبالاً تاماً، ولم يتخلف منهم أحد حتى طلحة. وظل عمر في المسجد من الصباح حتى الظهر، والناس يزدحم بهم المسجد لمبايعته. وفي صلاة الظهر - وكان المسجد مزدحماً ازدحاماً تاماً - صعد عمر المنبر درجة دون الدرجة التي كان يقوم أبو بكر عليها، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي وذكر أبا بكر وفضله، ثم قال: (أيها الناس ما أنا إلا رجل منكم، ولولا أني كرهت أن أرد أمر خليفة رسول الله ما تقلدت أمركم). ثم توجه بنظره إلى السماء، وجعل يقول: (اللهم إني غليظ فَلَـيِّـنِّي. اللهم إني ضعيف فقوّني. اللهم إني بخيل فسخّني) ثم أمسك هنيهة. ثم قال: (إن الله ابتلاكم بي، وابتلاني بكم، وأبقاني فيكم بعد صاحبيّ، فوالله لا يحضرني شيء من أمركم فيليه أحد دوني، ولا يتغيّب عني فآلوا فيه عن الـجَـزْء والأمانة، ولئن أحسنوا لأحسنن إليهم، ولئن أساءوا لأنكلنّ بهم) ثم نزل، فأم الناس للصلاة. فكانت بيعة عمر بن الخطاب في المسجد مِن المسلمين، هي التي انعقدت له بها الخـلافة. وبها وجبت له الطاعة عليهم.
وأما عهـد أبي بكـر إليه فلم يَعْدُ كونه ترشيحاً له للخـلافة، وحصـراً للترشـيح لها فيه. ولم تنعقِد له به خلافة، ولم تجب له به طاعة. إذ إنه لم يُصبح خليفة إلا بعد أن تمّت له البيعة من الناس في المسجد.
وبتتبع أجراءات هذا الشكل، الذي صار به عمر بن الخطاب خليفة للمسلمين، يُري أنّه يختلف عن الشكل الذي تمّ به تنصيب أبي بكر خليفة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على المسلمين.
 
أعلى