مقال الحياة بين البداوة و العصرنة

إنضم
26 أكتوبر 2013
المشاركات
575
مجموع الإعجابات
519
النقاط
0
السلام عليكم

الحياة بين البداوة و العصرنة

معايشتي للبداوة تلك الفترة الهادئة و البسيطة من حياتي في صغري جعلتني أرى الفارق الكبير بين ما كنا عليه من اقتراب للاكتفاء الذاتي في المعيشة و بين ما أصبحنا فيه من عيشة العالة على أجور زهيدة يسندها ريع الموارد النفطية، إن مشاهدتي لتلك التحولات في نمط الحياة و هي تسير من سيئ لأسوأ جعلني أبدي ملاحظات و تساؤلات، في بعض مناحي الحياة كالأسرة و الفلاحة و تربية الحيوان و ما يتبعهم من منتجات مختلفة.
فالأسرة كانت كبيرة تحوي الأعمام و الأجداد حيث كانت توزع المهام على أفرادها كما في المؤسسة الاقتصادية، فهناك من الرجال من يسافر لجلب المال و هناك من يعمل في الأرض و هناك من يرعى الحيوانات و هناك من يقوم بشؤون الاستقبال و الضيافة و غيرها كالجد مثلا، أما النساء فيتوزع دورهن بين الأشغال المنزلية حيث تجد من النساء من تطبخ و من تغسل و من ترعى الصغار. و بين الأعمال الاقتصادية حيث كانت النساء في زمن مضى ليس ببعيد هم المنتجين الحقيقيين، حيث كانت المرأة جنبا إلى جنب مع الرجل في تقاسم أعباء الحياة كانت المرأة تشتغل في الزرابي و النسيج و تربية الحيوانات و الزراعة المنزلية و حتى الفلاحة الموسمية بالإضافة إلى الإحتطاب و السقي و الكل رجالا و نساء تجدهم يؤدون أدوارهم بهمة عالية بعيدين عن كل حسابات أنانية .
أما العائلة في عصرنا هذا لم يبقى منها إلا الاسم حيث تجدها غالبا ما تتكون من رجل و زوجته و أبنائه و غالبا ما يكون عددهم قليل، فالرجل أجير لدى مؤسسة ما و لا يعود للبيت إلا متأخرا و الزوجة عاملة في مصلحة غالبا ما تكون غير منتجة و ليس لها أي مرد ودية، و الولد الصغير تجدهم قد وضعوه في الحضانة (بالمناسبة قال لي احد الأصدقاء أنا أضع الولد في الحضانة و هو كاره لها و عندما أتقدم في السن سيضعني في دار العجزة و أنا كاره لها.) و الأولاد قد يدرسون في المدرسة القريبة من عمل الأم أو القريبة من منزل أحد الأقارب، و أثناء خروجهم من المدرسة يتوجهون لمقر عمل أمهم و و ينتظرونها هو بالطبع مكان غير مناسب لهم، أو يذهبون لمنزلهم دون أوليائهم مما يعرضهم لأخطار كثيرة (الحريق، الغاز، السرقة، الخطف، ... ناهيك عن الأخطار التربوية كبرامج التلفاز و الأنترنت......).
إنا كثرة التفاصيل في هذه الحياة على الأسر التي تسمى بالعصرية قد تجهد و ترهق الآباء و حتى الأبناء و تجعل الجميع في تشنج و توتر دائم مما يؤثر على صحتها و بالتالي لم نجني من هذه العصرنة الوهمية إلا ضعف و غياب الإنتاج الحقيقي و المستقل و زيادة الاستهلاك و ارتفاع المصاريف الإستشفائية و ارتفاع نسبة أصحاب الأمراض المزمنة مما يؤدي لتقلص العمالة المهنية و ارتفاع نسبة المساعدات الاجتماعية، و غيرها من التأثيرات السلبية.

10931195_389890834546281_1496966872107630275_n.jpg


أما الفلاحة الريفية التي كانت أهم موارد الاكتفاء الذاتي فقضى عليها النزوح الريفي إلى المدن الكبرى بالإضافة إلى محاصرة القري و الأرياف بالمستثمرات الفلاحية الكبرى التي تمنحها الدولة للمستثمرين عن طريق المنح و القروض، هذا الدعم المغري تسبب في سباق محموم للاستيلاء على أراضي الدولة و حصول عمليات تزوير واسعة في المخططات، مما أدى إلى توقف توسيع الفلاحة الريفية، لصالح المستوطنات الفلاحية الجديدة، و برغم من التطور التكنولوجي الملحوظ في طرق و أساليب الفلاحة العصرية إلا أن من مساوئها الغلاء الشديد للأسعار و خاصة في الأرياف.

و لا يختلف الأمر بالنسبة لتربية الحيوان، سابقا كان أهل الأرياف مكتفين ذاتيا من اللحوم الحمراء و غيرها بالإضافة لتموين المدن الكبرى ، و كانت إمكانية اقتناء اللحوم بصفة عامة متاحة للفقراء و الأغنياء على حد سواء. و بعد حصول عمليات استصلاح غير شرعية للأراضي و منها أراضي الأودية و الجبال المنتمية لأملاك الدولة و منها الأراضي الرعوية و التي من المفروض أن تكون محمية بالقانون، لم يعد للرعاة التقليديين أماكن للرعي و حتى إن وجدت فإن ذالك يتطلب السير لمسافات طويلة، مما أدى إلى التوقف شبه الكامل لعملية تربية الحيوانات لدى أهل الأرياف.
أما الآن فلم يعد الفقراء و حتى الأجراء من الطبقة المتوسطة قادرين على اقتناء اللحوم و الأغذية الطاقوية مما يسبب اختلالا في توازن الأغذية في الجسم، و هذا حتما سيؤثر سلبا على العمل و الإنتاج كما ذكرنا سلفا.

11138663_389890861212945_2217580371277809521_n.jpg


و بعد ركوب موجة ما يسمى العصرنة فغالب أهل الأرياف تحولوا لأجراء يسكنون ضواحي المدن الكبرى التي تعج بالآفات الاجتماعية من مخدرات و سرقات ومشاكل لا أخلاقية متعددة، و لا يعودون لقراهم و أريافهم إلا بعد أن تتقطع بهم السبل و يصبحوا من المعدمين، فيجدونها لم تعد صالحة حتى للسكن ليصبحوا أجراء عند المستثمرين الجدد.


20310_389890877879610_5111729899111120265_n.jpg


إن التطور و الرقي محمود و مطلوب في شتى مجالات الحياة بشرط أن يكون منقادا بالتخطيط و القانون و الجد و العمل و الهدف هو ذاته، و ليس التطور مطية للتربح و جمع المال و النصب و الاحتيال، عن سبق ترصد، و التطور هو هدف كل ضمير حي و كل مخلص لهذه الأمة، لكن دون الضرر بأي فئة من الفئات الاجتماعية، حيث لم يجني الفقراء و أصحاب الأجور الزهيدة إلا مزيدا من الحرمان بينما حضي الأغنياء و أصحاب النفوذ الإداري بمزيد من الامتيازات و بذالك أصبحت الهوة كبيرة بين فئات المجتمع الذي من المفروض أن تاريخه المرتبط بثورة تحررية خالدة، يخلوا من كل مظاهر الطبقية الاجتماعية و اللبرالية الاقتصادية الفاحشة.
 
التعديل الأخير:

مواضيع مماثلة

رمزة الزبير

عضو معروف
إنضم
6 أغسطس 2007
المشاركات
3,811
مجموع الإعجابات
1,200
النقاط
113
موضوع ممتاز،جزاك الله خيراً..

فعلاً أصبحت حياتنا من السئ إلى الأسوء..والأسوء من هذا قيام المرأة بأعباء الرجل فهي من تنقل الأطفال بسيارتها إلى المدرسة وهي من تجلب متطلبات المنزل بل أحيانا هي من تقوم بإحضار اسطوانة الغاز من محطة الوقود..أي إلغاء جزء من دور الرجل داخل الأسرة ...هذه الأمور خطيرة جداً على الأسرة وتنذر بهدمها..
 

ابن البلد

عضو جديد
إنضم
19 يونيو 2006
المشاركات
7,038
مجموع الإعجابات
1,163
النقاط
0
حياة البداوة فيها البساطة والتكاثف الاجتماعي والبركة .........لكن لا غنى عن حياة المدن ولو على سبيل التقدم الصناعي والألكتروني الحاصل في العالم فهناك صراع الحضارات
 

AYMAN.SAAD

عضو جديد
إنضم
3 ديسمبر 2008
المشاركات
480
مجموع الإعجابات
11
النقاط
0
إن التطور و الرقي محمود و مطلوب في شتى مجالات الحياة بشرط أن يكون منقادا بالتخطيط و القانون و الجد و العمل و الهدف هو ذاته، و ليس التطور مطية للتربح و جمع المال و النصب و الاحتيال
:20:
 
أعلى