الإسلام والديمقراطية

الحالة
مغلق و غير مفتوح للمزيد من الردود.

يوسف الغريب

عضو جديد
إنضم
26 يوليو 2009
المشاركات
3,071
مجموع الإعجابات
251
النقاط
0
عندما هاجر النبي ( صلى الله عليه وسلم ) من مكة الى المدينة و تكونت جماعة أو امة جديدة من المؤمنين , ضمت هؤلاء المهاجرين ومعهم الأنصار , وفى الوقت وفى شبه الجزيرة العربية , لم يكن يوجد إلا نموذج واحد يضم الجماعة أو الأمة , هذا النموذج الذي كان شائعا ومستحوذا فى شبه الجزيرة العربية , و هو نموذج القبيلة التى تقوم على علاقة الدم وأواصر القربى الجسدية , ومنذ البداية فإن الإسلام كان يعارض المفهوم القبلي و ويقدم نموذجا موازيا مؤسساَ على رابطة الإخاء الدينى بدلا من وشائج الدم وعلائق الجسد .
بطبيعة الحال كان النبى (( صلى الله عليه وسلم )) هو الرأس فى هذا التكوين الجديد والرابطة الدينية التى تضم المؤمنين جميعا فى امة واحدة .
وكان من الطبيعي أن يكون لراس الأمة حقوق مشابهة للحقوق المتعارف عليها و المتآلف إليها فى شبه الجزيرة العربية لرئيس الجماعة و بالإضافة الى الحقوق الدينية الخاصة التى كانت له بصفة النبوة ووضع الرسالة .
وفى الإسلام فإن الإيمان بالله يقتضى الإيمان أصلا بأن محمدا ( صلى الله عليه وسلم ) رسول وأن الوحى يتنزل عليه من عند الله بكلماته التى هى آيات القرآن .
وهذا المفهوم يتأكد من شهادة الإسلام التى يشهد بها المسلم , أن لا إله إلا الله وأن محمدا سول الله .
ذلك بأن ظهور الإيمان بهذا الحال يتأدى الى التسليم بوضع النبى ووصف الرسالة , كما يقتضى التسليم بالوحى وما يتنزل به , وهو ما يجعل حكم القران مطلقا و ويجعل رأى النبى نهائيا من أجل ذلك قرن الإسلام حقوق النبى بحقوق الله و وربط اوامر النبى بأوامر الله و ووصل أعمال النبى بأعمال الله .
هذه المعادلة بين النبى والجلالة تظهر من آيات القران الكريم و أهمها وأوضحها الآيات التالية .
(أ) مبايعة النبى هى مبايعة لله (( إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ))(10) الفتح
(ب)ِ ما يعطى من مال للنبى فهو لله ((مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ (7) الحشر .
(ج) لا يعتبر المؤمن مؤمنا حقا إلا حكم النبى فى كل شئونه ولو كانت شخصية , دون أى تردد , ثم ارتضى حكمه برضا به وسلم به تسليما تاماً َلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا }(65) النساء
{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} (36) الاحزاب .
وعلى هذه الحقيقة الدينية , فإن مبدأ الشورى وحده الذى كان من الممكن أن يتطور فى الجماعة الإسلامية ليؤسس ما يمكن أن يسمى _ ديمقراطية _ ومبدا الشورى ورد فيما يتعلق بالنبى والمسلمين مرة واحدة فى القرآن الكريم ليقرر حق النبى من مشاورة المؤمنين على أن يكون القرار النهائى له وحده (( صلى الله عليه وسلم )) {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} (159) آل عمران.

من المعنى الحرفي للآيات السالف بيانها ومن أسباب تنزيلها ومن مدلول معناها ومن سياقها التاريخي يظهر بوضوح لا شك فيه ولا جدال أنها كانت ملائمة لرسالة النبى محمد ( صلى الله عليه وسلم ) ومؤامة لشخصيته وحده دون سواه و هو أمر مقتضاه أن يكون تطبيقها صحيحا إبان حياته , بمعنى أنها مؤقتة بوجوده هو , مخصصة بظروف رسالته بما يفيد أن تكون من الخطأ مدها الى من سواه على قالة أنها حكما دائما له صلاحية عامة الناس فى كل زمان واى مكان , غير ما حدث فى التاريخ الاسلامى كان على عكس ذلك تماما مما أحدث الاضطراب بمبدأ الشورى وعوق الوصول الى تحقيق الديقراطية .
ولفهم وتقدير التطور , حدث للأمة الإسلامية وخاصة فى فهم وتطبيق آيات القرآن الكريم لابد أن يضع المرء فى تقديره أن العرب زمن النبى كانت أمة أمية لا تكتب ولا تحسب , ونتيجة ذلك لهذه الأمية لم تكن العرب تلجأ الى التدوين وإنما كانت ثقافتهم و تقاليدهم و آدابهم يجرى تناقلها فيما بينهم شفاهة من فرد الى فرد ومن جمع الى جمع و وهذه الثقافة الشافهية تؤدى لا محالة الى عدم وضع اى تعريف لما تستعمله من الفاظ , كما تقتضى الى كثير من التخليط فى المفاهيم والعبارات , ووفير من التدخيل فى المعانى والمدلولات و وهو ما يظهر بجلاء فى لفظ - الخليفة – ووضع الخلافة , فنتيجة لاُمية العرب وإثرا لتسارع الأحداث بعد الوفاة المفاجئة للنبى ( صلى الله عليه وسلم) و فقد لقي أبو بكر بخليفة النبى , ثم الخليفة اختصارا , اى من خلف النبى فجاء من بعده , وأدرك عمر بن الخطاب هذا المعنى إذ فهم انه خليفة ابو بكر وليس خليفة النبى و اى انه خليفة خليفة النبى , وقال ان هذا أمرا يطول , إذ من يجئ بعده خليفة خليفة خليفة النبى وهكذا , ومن ثم فقد استحسن لقب امير المؤمنين , أى الذى يتولى امرهم .
وبعد عصر الخلفاء الراشدين الأربعة زعم من جاء بعدهم أنه خليفة الله وليس خليفة النبى , أو ادعى أنه خليفة النبى على المعنى الذى يفيد الخلافة ( الشرعية أو القانونية ) من الحقوق الخاصة بالنبى وحده .
ونتيجة لهذا التخليط والتدخيل فقد استعارو الخلفاء لأنفسهم حقوق النبى وصلاحياته الشرعية تلك التى كانت مخصصة للنبى مؤقتة برسالته محددة بوجوده , ومن اهم خصائص العرب فيما قبل الإسلام و أن يشاور بعضهم البعض , فى دار الندوة ( فى مكة ) قبل أن يبرموا أمرا , وهو حال استمر عليه المسلمون الاوئل أيام كانوا فى مكة , وأشار إليه القران { وأمرهم شورى بينهم } , فان الحال الذى وضع فيها الخلفاء أنفسهم أدى الى نقض مبدأ الشورى من أساسه حيث زعموا أن الشورى ليست ملزمة وأيد زعم الامراء والخلفاء وسوغه بطانة السوء وحاشية الظلم وفقهاء السلطة و إذ صرفوا الى شخص الخليفة ما فى القران من آيات هى خطاب للنبى وحده دون سواه , وأهمها الآيات التى سلف بيانها إذ قيل للخليفة ( إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله ) , وقيل من يطع الخليفة أو الأمير فقد أطاع الله , كما قيل أن المال مال الله وان الخليفة ( خليفة الله ) هو صاحب الحق فى تصريفه كما يشاء كما قيل فى خطاب الخليفة وغيره ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك … ) وهو قول قاله وما زال يقوله قادة الإسلام السياسى ودعائيوهم لكى يستسلم لهم الأتباع والأشياع وإلا تم إتهامهم في إيمانهم .
نتيجة لذلك التخليط والتدخيل بين وضع النبى ووضع الخلفاء والأمراء والرؤساء والمرشدين وغيرهم .
فقد تلقفت أيديولوجيا سياسية هيمنت على كل التاريخ الاسلامى وسيطرت على كل الاتجاهات والحركات بقبضة قوية ونزعة شمولية وهى أيديوجيا أنبنت على أساس تفسير خاطئ وتطبيق فاسد وتأويل غير صحيح لايات القران الكريم وخاصة ما سلف بيانه منها .
هذه الأيديولوجية الخاطئة تقوم على ركائز عدة أهمها وأخطرها ما يلى .
(أ) مبايعة الحاكم أو الأمير هى مبايعة لله وطاعة الحاكم أو الأمير هى طاعة لله .
(ب) كل المال مملوك لله أصلا وابتداء لا للناس , والحاكم (أياَ كان لقبه ) هو خليفة لله وصاحب الحق الأول والوحيد فى التصرف فى هذا المال كيفما يشاء .
(ج) لا يكون المرء مؤمنا بحق إلا إذا أطاع باستسلام لا نقاش فيه ولا جدال كل أوامر وأحكام وقضاء الحاكم أو الأمير .
بهذا التحريف و التخويف حدث تغير جذرى فى المعنى الاساسى لشريعة الإسلام , فتحول محورها وتغير جوهرها من الايما ن بالله والتسليم له الى الايمان بايديولوجيا والتسليم للحاكم ( او الامير او المرشد أو غيره ) مما استتبع نتائج خطيرة و هو تحول العقيدة الدينية الشاملة الى أيديولوجيا سياسة شمولية لا تدعم الإيمان بالله ولا تنشر الإخاء الانسانى خاصة لحساب اى حاكم أو أمير فى مطامع دنيوية ومطامح سلطوية .
كان ولابد أن تتأدى هذه الايدولوجيا الدينية الى تغيير فى معنى الحاكم ومفهوم الحكومة وذلك بان الحكومة التى تقوم على هذه الايدولوجيا تضفى على نفسها وتسقط على أعمالها صبغة دينية مقدسة , كما ان المعارضة تنتهج ذات المنهج ومن ثم تعمل الحكومات والمعارضات على منع وتعويق قيام مبدا الشورى وتطويره وتطبيق حتى يتكامل مع المفهوم المعاصر للديمقراطية .
ومن أجل تثبيط همم الناس وتربيط نشاطاتهم حتى لا تتجه الى ما يوصف بانه المفهوم الخطر للديمقراطية الحديثة , فان الوعظ والنشر فى كثير من البلاد الإسلامية فى الوقت الحالى يعمد الى انتقاء بعض الأحداث المتناثرة على مدى التاريخ الاسلامى يبنى بها قوام دعايته , والقائمون على هذه الاتجاهات الدعائية يركنون خاصة الى بعض الواقعات و بعض الأحداث فى عصر عمر بن الخطاب ومن عهد عمر بن عبد العزيز , وهم يوظفون هذه الأحداث وتلك الوقائع كيفما يفرضوا على الناس اعتقاد بان الايديولوجيا الإسلامية وكل الحكام على مدى التاريخ الاسلامى كانوا على الدوام عادلين ومستقيمين , وفى حين أن الدراسة الصحيحة للأحداث التاريخية والبحث الموضوعى للأحداث العامة يقدم صورة مختلفة تماما ومتعارضة كلية مع هذه الدعائية التى لا أساس لها والتى تفتقد اى مصداقية فيما تعمل وتقول ولا ينته الدعائيون الى ان التقييم الصحيح والمضبوط لتقدير اى حادث تاريخى او اى فترة او اى نظام لا يكون بالركون الى بعض أمثلة عشوائية أو مجرد أحداث منتخبة أو التأكيد والتركيز على حاكم واحد أو حاكمين .
ذلك بأن تقدير مدى صلاحية وملائمة أيديولوجيا معينة أو نظام بذاته تقتضى دراسة كل محتوياته وكل شخوصه دراسة صحيحة سليمة و مع تتبع كل التطبيقات وعرضها ودقة ونظامية , مادام أن الحكم الصحيح والتقدير الصادق يقتضى درس المبادئ الأساسية وتطبيقاتها المختلفة دون الوقوف عند المزايا الشخصية أو النقاء الفردى لبعض الحكام مثل الدراسة والتقييم الاستقصائي الاطرادى للتاريخ الاسلامى تنتهى بلا أى جدال الى نتيجة واضحة بان الايديولوجيا الإسلامية بخصائصها التحريفية والشمولية و سواء من جانب الحكومات أو من جانب المعارضات قد قوضت القوام الأصيل للشريعة الإسلامية , وفرقت الأمة الإسلامية وزرعت فيها الفتن والقلاقل .
خصائص هذه الايديولوجيا و مفاهيمها هو ما يمكن إيجازه فى ثلاث نقاط .
(أ‌) حاكمية الله :وهو شعار سياسى يسير فى تداعيات مفتعلة وغير صحيحة و فهو يبدا من الله هو الحاكم الوحيد للعالم وأنه كذلك هو الحاكم الوحيد لكل جماعة ( امة ) بشرية و هذا أمر حق بالمعنى العام .. إنما تأتى المغالطة من الادعاء بان حكم الله للجماعة ( الامة البشرية ) إنما يكون من خلال نوابه وهم الخلفاء والملوك والامراء والروساء والمرشدين وغيرهم .
ذلك أن الكلام عن حاكمية الله ينتهى فى الحقيقة والواقع الى حاكمية فرد بشر حاكم سياسى باسم الله دون رقيب وبغير حسيب , وفى هذه المخاتلة المجترئة على الجلالة وعلى الدين وعلى الناس , فانه يحظر اى حكم باسم الشعب .
(ب‌) الله هو المشرع الأوحد للمجتمع البشرى .
ليس للناس ولا لأى مجتمع الحق فى أن يشرع لنفسه بان فعلَ فإن تشريعه ذلك يكون معدوما , او (باطلا ) لا قيام له ولا وجود فكأنما هو لم يكن , لا يتبعه احد ولا يطيعه فرد مهما كان , والذى يؤكد هذا المفهوم لدى كثير من المسلمين قيام خلط بين مفهوم الشريعة كنظام قانونى يجد تعبيرا له فى 80 آية من مجموع 6000 آية من آيات القران الكريم , بين الفقه الاسلامى و هو عمل بشرى .
الفقه الاسلامى مجموعة من القواعد الت نتجت عن إعمال العقل البشرى , فيما قام به الفقهاء المسلمون من اجتهاد ولا شك فى أن اجتهاد الناس عمل بشرى غير معصوم ولا مقدس , فاذا أضيف الى ذلك أن هذا الفقه تكونْ أساسا فى القرن الثانى الهجرى أى أكثر من 1200 عام و إن إضفاء القدسية عليه حين يلحق بالشريعة ويأخذ وصفها , يعنى تحريف حقيقة الشريعة و وتحييد الأمة الإسلامية فى القرن الثانى من التاريخ الهجري , دون ما تقدم أو تطور أو نمو .
وخلاصة هذا الفهم الخاطئ للفقه والخلط الواضح بينه وبين الشريعة , أن الإيديولوجية الإسلامية ترى أن الحاكم الذي لا يحكم بواسطة هذا القانون ( أو ما يقولون أنه الشرع ) المقدس لا يحكم بما انزل الله وبذلك يكون كافر عدوا للإسلام ينبغي أن يصفى ويستأصل بكل الوسائل الممكنة
(ج) الدين هو السياسة
وهذا يعنى في تقدير الايديولوجيا أن السياسة جزء من صميم الإسلام ومن ثم فهي واجب ديني , أو كما يرى المذهب الشيعي , فان السياسة ركن سادس من أركان الإيمان يضاف إلى الأركان الخمسة التي يؤمن بها أهل السنة و الجماعة , لاعتبار السياسة واجبا دينيا نتائج غاية فى الخطورة ونهاية في السوء و منها اختزال الإسلام في العمل السياسي واختصار ه في المنهج الحزبي , منها إضفاء ضرب من العصمة على الحكام وعلى المعارضين حيث تصطبغ كل الأعمال والأقوال - على الجانبين – بصبغة دينية بوصفها تعبير عن المطلق وانعكاس للحقيقة الدينية و بما يجعلها بمنأى عن النقاش أو النقد أو المعارضة والنتيجة المحتومة لذلك أن تقوم وتستمر على الدوام حروب دينية على مختلف الفرق والشيع والفصائل وبين أي شكل من أشكال السلطة الحاكمة وخصومها السياسيين و ما دام كل طرف منهم يعتقد أنه يمتلك المطلق ويحتكر التعبير عنه وفعله وقوله هو الإسلام ذاته و في حين أن خصمه فى الرأي أو معارضه في السلطة مرتد يحارب الإسلام .
من الخطر البالغ أن هذه الايديولوجيا الإسلامية تنتشر في الظروف المعاصرة بسرعة في كل أنحاء العالم وتهيمن بشدة على اغلب المجتمعات الإسلامية , وهو ما أدى بها إلى أن تنزل من قدر الإسلام وتقلل من شانه فبدلا من كونه معتقداً شاملاً تحول إلى عمل سياسي وشكل حزبي سواء على جانب الحاكم أو على جانب المعارضة وهو حال يتأدى إلى محاصرة الديمقراطية التي يدعى أنصار الايديولوجيا أنها كفر وأنها نتاج للفساد الغربي و تشرع في تحطيم التقاليد الإسلامية و تجهد لغزو المسلمين حتى تسيطر على عقولهم و ذلك إن الديمقراطية تعمل على أن يحكم الناس أنفسهم بأنفسهم و إن يضعوا لمجتمعاتهم التشريعات التي يرونها ملائمة مع أن ذلك – في تقدير الايديولوجين – اغتصاب لحق الله يمكن أن يؤدى بالمسلمين أن يضعوا لأنفسهم قواعد وقوانين تخالف الشريعة الإسلامية , والذي يرسخ معارضة الايديولوجيا للديمقراطية ويزيد منها ان هذه الايديولوجيا لا تستوعب مفهوم القانون كمجموعة من القواعد المجردة توضع مسبقا وتعدل بواسطة ( الأمة ) كما تطبق على المجتمع حكاما و محكومين .
إنما يختلط القانون في الايديولوجيا ليندمج بشخص الحاكم أو في نظام الحكم أو في إ رادة الأمير مما يلزم عنه أن يصبح تطبيق القانون معلقا بإرادة الحاكم ومرتبطا بنزواته يقع على الناس اعتباطا من الأعلى والفوق .
وفى وضع هكذا فإن الفرد ينشا ويتربى ‘علي أسلوب للسؤال والرجاء وربما تسول حقوقه الشخصية دون أن يدرك أن حقوقه والتزاماته تندرج في طبيعته الإنسانية وحقيقته الاجتماعية وهى مرسومة في الدساتير مفصلة في القوانين له الحق و بل وعليه الواجب في أن يطالب ويصارع من اجله وعلى الرغم من هذا الأثر السيئ والواسع للايديولوجيا فان عددا كبيرا من المفكرين والمجتهدين المسلمين كافحوا ومازالوا يكافحون كيما يضعوا مبادئ واضحة ويشكلوا مفهوما جديدا في الإسلام يقوم على الاستنارة ويستوي على الإنسانية وينبني على تقدير اصح واشمل للفكر الديني و يختلف اختلافا أساسيا وجذريا على أيديولوجية الإسلام السياسي وهم في سبيل ذلك ينتهجون منهجا علميا يبدأ بوضع تعريف جامع مانع ( بلغة المناطقة ) لكل لفظ يستعمله المسلمون و ثم يثنى بتقرير منهج لتفسير آيات القران تبعا لأسباب تنزيلها ووفقا لظروفها التاريخية و ثم يثلث بتحديد طبيعة العمل السياسي وانه عمل بشرى محض صدر عن الحكومات أو المعارضات وهو بهذا المثابة غير معصوم ولا مقدس , بل عمل يناقش و يعارض وينقد إن لزم دون ما تكفير وتنفير , وفيما يهدف إليه المستنيرون ان يعملوا على مساعدة كل المسلمين وفى كل أنحاء العالم حتى يفهموا تماما أن التطور هو اللغة الأساسية للإسلام والمعنى الحقيقي للشريعة وانه في الوقت ذاته هو القانون الأساسي والشفرة الرئيسية للحياة زمن جانب أخر فإنهم يعمدون إلى أن يزرعوا في نفوس المسلمين استيعابا صحيحا لمعنى القانون ومفهوم الحياة , وإذ ما نجحت اتجاهات الاستنارة فأن المسلمين لم يلتصقوا بممارسات خاطئة في الحاضر و ولن يتعلقوا بحوادث منتقاة من الماضي لكنهم سوف يقدرون التمييز الصحيح بين الايجابيات والسلبيات بين الظلاميات والمنيرات في الماضي وفى الحاضر وفى المستقبل ونتيجة لذلك فسوف يتحققون ويعملون على أن السياسة ليست مذهبا محددا ولا هي مذهب جامد في الإسلام و هذا بالإضافة إلى استيعاب حقيقة أن العمل السياسي مجرد عمل بشرى ولا ينظرون إليه من مناظير العصمة والقداسة و وإنما يقدرونه بمعايير الصح والخطأ مستندين في ذلك إلى قيم الجماعة المدنية التي تستوي أساسا على حقوق الإنسان ومبادئ القانون الطبيعي ( الضمير ) .
ولا شك انه من خلال هذا الاتجاه المستنير للفكر والعمل سوف يتأكد للمسلمين أن الديمقراطية الصحيحة الراشدة هي الطريق الوحيد لتقدمهم وتطويرهم , وأنه من خلال هذا الطريق دون سواه ممكن أن يصبحوا قادرين على حكم أنفسهم والتشريع لأنفسهم .




من كتاب إسلاميات وإسرائيليات
للمستشار محمد سعيد عشماوى​
 
التعديل الأخير:

مواضيع مماثلة

علي حسين

عضو معروف
إنضم
3 أبريل 2007
المشاركات
10,314
مجموع الإعجابات
2,962
النقاط
113
السلام عليكم
لم ننتهي من الموضوع السابق لنجدد هذا الطرح
الموضوع مغلق


tag.png
subscribed.gif
لماذا نصر على تسمية نظامنا الذي نريده بالديمقراطية ‏(
multipage.gif
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 ... الصفحة الأخيرة)

علما ان الكلام المذكور للسيد عشماوي هو تحليل شخصي ..
لا دليل عليه !!
 
التعديل الأخير:
الحالة
مغلق و غير مفتوح للمزيد من الردود.
أعلى