الأزمة العربية بين الهوية والتحول - د. برهان غليون

نجدت كوبرلي

عضو جديد
إنضم
30 أبريل 2006
المشاركات
3,162
مجموع الإعجابات
337
النقاط
0
الأزمة العربية بين الهوية والتحول



برهان غليون
الحوار المتمدن - العدد: 3163 - 2010 / 10 / 23
المحور: مواضيع وابحاث سياسية



أمام ما يظهر للناظر من أوضاع بائسة تعيشها المجتمعات العربية المعاصرة، يكاد القسم الأكبر من المحللين والباحثين يعرض عن الأخذ بالمقاربات التي طورتها العلوم الاجتماعية الحديثة والتي تنظر في الشروط التاريخية، الجيوستراتيجية والاقتصادية والاجتماعية، لولادة النظم الاجتماعية وتحولها، وينزع مقابل ذلك إلى البحث عما يعتقد أنه الجذور الأبعد للداء، تلك الجذور التي تتصل بالشخصية أو الهوية أو الثقافة أو الدين. وفي هذه المقاربة لا يكون الاضطراب والضياع، وربما الشلل الذي تعرفه هذه المجتمعات، هنا وهناك... حالة طارئة تعبر عن تحولات اجتماعية أو سياسية أو ثقافية داخلية، وعن تبدل البيئة الخارجية وتحولها، وإنما تعبير عن علل كامنة تمس بنية الشخصية الثقافية أو ما يسمى العقل الجمعي. من هنا تأتي موجة النقد الذاتي التي نشهدها، والتي تصل أحياناً إلى حد الندب والجلد، لتتجاوز كل معايير التحليل المنطقي، في محاولة لإثبات وجود عاهات موروثة يتعذر علاجها دون الخروج من الذات أو القبول بمعاداتها!

وفي الواقع فإن معظم المقاربات الثقافوية تنزع إلى تأكيد عنصرين:
- الخصوصية التاريخية النابعة من فرادة التطور،
- والجوهرانية النابعة من النظر إلى المجتمعات كما لو كانت تجسيداً لجوهر روحي ومادي جامد لا يتغير.



وفي اعتقادي أن كل ما تعرفه المجتمعات العربية اليوم من ظواهر سلبية؛ في أنماط إنتاجها، وأساليب حكمها وسياساتها، علاوة على عقمها الثقافي البادي للعيان... لا يمكن فهمه لا من داخل الدين ولا الثقافة ولا التراث، وإنما يعود بشكل رئيسي إلى الإجهاض الذي تعرضت له مسيرة التحول والتقدم التي انخرطت فيها تلك المجتمعات قبل حوالي قرن، وكان يفترض أن تنقلها من أنماط الفكر والسلوك والإدارة والحكم القديمة نحو أنماط حديثة، مستدركة التأخر التاريخي الذي لحق بها نتيجة جمود وتلكؤ نخبها القائدة خلال القرنين الماضيين.

وبعكس ما تشيعه الأدبيات الرائجة، كانت المجتمعات العربية طليعية في دخول مغامرة الحداثة، لأنه لا يوجد في ثقافتها الزمنية والدينية ما يعيق النظر العقلي والتجديد الفكري والديني: لا سلطة بابوية، ولا تقاليد إقطاعية ثابتة ومتجذرة. فمحمد علي باشا سبق اليابان إلى شق طريق التحديث منذ بداية القرن التاسع عشر، وبقيت مصر أكثر تقدماً، من الناحية الصناعية والعلمية والتقنية، مقارنة بمعظم بلدان أوروبا حتى الربع الأخير من القرن نفسه. ورغم الضغوط والتهديدات الاستعمارية، فقد استمر -وإلى وقت قريب- النزوع داخل المجتمعات العربية ونخبها الثقافية وأحزابها السياسية وقواها الاجتماعية الصاعدة، قوياً من أجل التغيير والتحديث واللحاق بالعصر. ولم تستطع الهيئات الدينية المحافظة أن تحبط هذا التحرك القوي في اتجاه التغيير أو أن تشكل عقبة تذكر أمامه، بل إن رجال دين تقدميين وإصلاحيين ساروا في اتجاه التحويل والتحديث لمجتمعاتهم ونظّروا له ودعموه، كما فعلت الحركة الإصلاحية الإسلامية. ولم يضعف سقوط الأقطار العربية تحت الاحتلال من زخم تيار الحداثة والتحديث. ففي ظله نشأت الحركات الوطنية حول مفاهيم وقيم ومطالب حديثة في بناء الدولة والأمة والسياسة والشورى والديمقراطية، وولدت الأحزاب الليبرالية والاشتراكية والقومية. وما أن تحقق الاستقلال حتى انطلقت مسيرة التحديث والتقدم بأقوى صورها، رافعة شعار القومية العربية التي حددت أهدافها باستكمال الاستقلال وتوحيد الوطن العربي ومواجهة النفوذ الأجنبي، وبناء أمة حديثة، وإحداث ثورة صناعية وتقنية وعلمية شاملة.

من هنا كانت الصدمة قوية عندما ظهر إخفاق هذا المشروع، أعني مشروع الانخراط الإيجابي في روح العصر، وتأكيد السيادة الكاملة، وتطوير البنى الاقتصادية والعلمية للعالم العربي. وسوف ينقلب الحلم إلى كابوس عندما يفتح الفراغ الأيديولوجي والسياسي الذي خلفه إجهاض مشروع النهضة والتقدم الباب أمام عودة القوى القديمة، والتي كانت تنتظر الفرصة لتنقض على منجزات المشروع التقدمي وإقامة نظامها الخاص وتعزيزه في وجه أي معارضة قادمة.

وإذا تأملنا في كل ذلك، سيكون من السهل أن نكتشف بأن جذور الأوضاع المأساوية التي نعيشها، لا تمتد بالضرورة بعيداً في التاريخ، وإنما تكمن في النظام الاجتماعي والإقليمي الجديد الذي ولد على أنقاض النظام القومي العربي الذي رفع توقعات العرب التاريخية إلى السماء قبل أن يتركهم يسقطون صرعى أمام خصومهم التاريخيين. ففي سياق هذا النظام الجديد، أمكن لإسرائيل التي لم تكن تطمح لشيء أكثر من الاعتراف العربي بوجودها، إطلاق مشاريع التوسع الاستيطاني في ما تبقى من فلسطين وسواها من الأراضي العربية المحتلة، وفيه استعادت الدول الغربية النفوذ الذي فقدته أو كادت، وأصبحت تشارك بقوة في أجندة السياسة الإقليمية وتوجهاتها، وصعدت طبقة رجال المال والأعمال على انقاض ما كان يسمى الاقتصادات الوطنية المركزية المعتمدة على ملكية الدولة والخطط التنموية والأهداف السياسية الوطنية الواضحة.

ولو أردنا الاختصار، لقلنا إن عوامل الأزمة العميقة التي تعيشها المجتمعات العربية، والتي تضعف من إنجازاتها وتفسد مضمونها في جميع الميادين، الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية، تتلخص في أربع كلمات رئيسية:
الاحتلال،
التبعية،
الاستبداد،
واقتصاد الهدر
.
هذه هي مصادر الأزمة الفعلية، وما تبقى قنابل دخانية، لا قيمة لها سوى في طمس العلل الحقيقية والتغطية عليها وتبريرها
.
 
التعديل الأخير:

مواضيع مماثلة

نجدت كوبرلي

عضو جديد
إنضم
30 أبريل 2006
المشاركات
3,162
مجموع الإعجابات
337
النقاط
0
السيرة الذاتية لـ د. برهان غليون

د. برهان غليون

استاذ علم الاجتماعي السياسي ومدير مركز دراسات الشرق المعاصر في جامعة السوربون في باريس
دكتوراة الدولة في العلوم الانسانية وأخرى في علم الاجتماع السياسي.
واضع العديد من المؤلفات بالعربية والفرنسية أهمها:
* بيان من أجل الديمقراطية، مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت، * المسألة الطائفية ومشكلة الأقليات، بيروت، الطليعة
- مجتمع النخبة، معهد الانماء العربي، بيروت تونس، *اغتيال العقل، المركز الثقافي العربي، بيروت * نظام الطائفية، من الدولة إلى القبيلة، الدار البيضاء، المركز الثقافي العربي، * الوعي الذاتي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، * مابعد الخليج، أو عصر المواجهات الكبرى، القاهرة، مدبولي، * نقد السياسة الدولة والدين، المركز الثقافي العربي، بيروت * المحنة العربية، الدولة ضد الأمة، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، * حوارات من عصر الحرب الأهلية، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت،
* حوار الدولة والدين مع سمير أمين، المركز الثقافي العربي، بيروت - العرب ومعركة السلام، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء -العالم العربي أمام تحديات القرن الواحد والعشرين، مؤسسة شومان، عمان * ثقافة العولمة، مع سمير أمين، دار الفكر، دمشق، * النظام السياسي في الاسلام، مع سليم العوا، دار الفكر، دمشق، - العرب وتحولات العالم، المركز الثقافي العربي بيروت الدار البيضاء
- الاختيار الديمقراطي في سورية، دار بترا، بيروت
إضافة إلى العشرات من المؤلفات الجماعية ومن الدراسات والتحليلات السياسية والاجتماعية المنشورة في المجلات العلمية والصحافة اليومية.
 

تامر شهير

عضو جديد
إنضم
24 ديسمبر 2009
المشاركات
1,858
مجموع الإعجابات
158
النقاط
0
* مابعد الخليج، أو عصر المواجهات الكبرى، القاهرة، مدبولي، [/color]

قرأت هذا الكتاب من قبل _ولله الحمد _
واعجبنى جدا جدا ..
فالكاتب حقا متمكن من لغته ومن أدواته .. ومتميز بسهولة العرض وعمق المعنى ...
أسال الله عز وجل ان يهدينا جميعا لما فيه الخير والرشاد ...
وشكرا مهندس نجدت ..وفقك الله
 

نجدت كوبرلي

عضو جديد
إنضم
30 أبريل 2006
المشاركات
3,162
مجموع الإعجابات
337
النقاط
0
قرأت هذا الكتاب من قبل _ولله الحمد _
واعجبنى جدا جدا ..
فالكاتب حقا متمكن من لغته ومن أدواته .. ومتميز بسهولة العرض وعمق المعنى ...
أسال الله عز وجل ان يهدينا جميعا لما فيه الخير والرشاد ...
وشكرا مهندس نجدت ..وفقك الله

شكرا اخي تامر على المرور الكريم والكلمات الرقيقة

تحياتي
 
أعلى